|
تفسير سورة الفاتحة
|
سورة الفاتحة
بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ
(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
(4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
(5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
(7)
|
·
سورة الفاتحة نهر للحياة
·
في رياض الفاتحة
·
نزول الفاتحة على الرسول صلى الله عليه وسلم
·
حكم البسملة في أول الفاتحة
·
حكم قراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة
·
مباحث لغوية
سورة الفاتحة نهر للحياة
|
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا دَخَلَ
أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ
النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ
مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ
فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدْ امْتُحِشُوا
وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ
الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحبَّةُ
فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَوْ قَالَ حَمِيَّةِ
السَّيْلِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَنْبُتُ
صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً / البخاري
وفي رواية مسلم:"
فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ
الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ
هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ
اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا
خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ،
فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ
أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ
عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا
رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟
فَيَقُولُ: رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ
بَعْدَهُ أَبَدًا. |
عندما تشرق في قلب المرء آياتُ الإيمان وينغمر القلب في لُُجَجِ
اليقين، وتنبعث في الجوانح أنوارُ الهداية، فتقشعر الجوارح وتدمع
العين ندما على ما فرط في جنب الله وما أضاع من حق نفسه، وما بدد
من سوالف الأيام، في غفلة عن حقيقة الوجود، وسهو عن المبتدأ
والمنتهى وعاقبة الورود..
عندما تورق الروح بأزهار الحق، فتنطلق من عقال الهوى والضياع،
وتسري فيها نداءات اللطف الرباني، الذي اخْتُصَّ به المصطفون
الأخيار، وتتحرر من وهدة الضلال وحمأة الغي وأغلال الهوى إلى
فساحة المحبةِ، محبةِ أهل الحق للحق، ورحابةِ الشوق، شوقِ الصادقين
إلى ما وُعِدوا به، ولذاذةِ الخوف، خوفِ المخبتين مما حُذِّروا
منه...
عندما تتفحص الروحُ ما حولها فتنكره, وتستعرض الأجنادَ المجندةَ
حولها فلا تعرفها، وتستشعر ألم الغربة في مجتمعها، فتتوق إلى واحة
أرواح تعرفها وتأتلف معها، إلى وطن رحب تقطنه وأهلٍ كرام تأنس بهم،
ورفقة طريق منعَّمة تسعد بها، وسفينة هنيئة تشق فيها وبها عُباب
المحيط ولججه..
عندما يغترب الإنسان في وطنه، ويتفرد بين أهله وعشيرته، وتضيق نفسه
من واقع وهدته، وتتحفز روحه للتخلص من
آلام وحدته، وأوجاع قلقه وتوحُّده، وعماء تيهه وضبابية فكره
واضطراب تصوره, وسوداوية الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة تراكمَ
ظُلَم الليل البهيم
عندما يُعْرَض على القلب
الشيءُ وضدُّه، والأمرُ ونقيضُه،
فلا يدري أيهما يركب، ويحتار أيهما يختار،
فيستشعر عجزَه، ويخرج عن حوله وقوته، ويوقن بحاجته إلى سَنَدٍ
يشُدُّ أزْرَه، ومُسْتَنَدٍ يقيم أمره، وهادٍ يأخذ بيده من توتر
الضلال وظلامية المتاهة إلى واحة الاطمئنان والسكينة، ويسافِر به
من ضيق الجهل إلى رحابة المعرفة والرشد..
حينئذ يهجر نفسَه، ويتنكر لعادته ويستأصل رعوناتِ جِبِلَّتِه
وطِباعِه، بياضُ نهاره تَفَكُّرٌ وبحث عن الحق والحقيقة، فإذا
أهَلَّ الليل فاضت المآقي دموعا ونأى الجنبُ عن وَطِيءِ الفراش،
وهاج الشوق إلى معرفة المبتدأ والمنتهى، وأيقن أنه هالك لا محالة
إن لم يُدركْه قَبَسٌ من هداية، ومشعلٌ من نبوة، ومشكاةٌ تنير
الدرب، مشكاة لا يملكها إلا نور السماوات والأرض ...
إذ ذاك، وهو في جوف الليل أسْمَعِ الأوقات دعوةً، يطرُق سمعَه
الخفيَّ وعقلَه السَّنِيَّ نداءُ ربه الجليل (من يدعوني فأستجيب
له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ )، فينتفض من وهدة
الغفلة إلى نَيّـِرِ الطريق، وينطلق قلُبه قبل لسانه، ويلهج حالُه
قبل مَقاله :( لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ
الْقَوْمِ الضَّالِّينَ... رب أنقذني واهدني لأرشد أمري، وخذ
بناصيتي إلى صراطك المستقيم ).
هنالك ينير قلبَه يقينُ المعرفةِ، معرفةِ ما صدر من الأمر, ومعرفةِ
منبعِ الصدور، إنه الرحمة الربانيةُ تُدرِكُ من سبقت في علم الله
سعادتُهُ، فتَسْحَبُه من الشقاء إلى السعادة، وتستخلصُه من جحيم
الضلالة وضنَك الغواية إلى نعيم الهداية وطمأنينة الإيمان، حينئذ
يُسافَرُ به من غربة الضياع بين أرواح أنكرها واختلف معها، إلى أنس
أرواحٍ يعرفها ويطمئن إليها ويرافقها...أرواحٍ تستظل بالذكر الحكيم
وتستفتح بالمثاني والقرآن العظيم، وتسترشد في حبها ورجائها وخوفها
وولائها وبرائها بوَحْيِ رب العالمين الرَّحمن الرحيم ملك يوم
الدين، وهنالك أيضا يُنْتَزَع من مقابر الغفلة والتيه والضلال إلى
مشارف الحياة الحقة واليقظة المبصرة (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
مِّنْهَا) [الأنعام:122]
ولئن كان على أفواهِ الجنة نهرٌ للحياة يستحم فيه الجهنميون الذين
تدركهم شفاعةُ الرحمن، فيَنْبُتون كما تنبت الحبة في حميل السيل،
ويخرجون إلى الجنة كاللؤلؤ يعرفهم أهل الجنة عتقاء أدركتهم شفاعة
ربهم عز وجل، فإن نهرَ جنةِ الدنيا، جنةِ الإيمان واليقين
والإحسان، هو أم القرآن، هو فاتحة الرحمة وبوَّابة الجنان، هذه
البوابة الرحبة، فاتحةُ الخيرات والمبرات، وسبيلُ أولي العزم من
الرجال، ونبراسُ السلوك للوصول إلى أسعد مآل، لأهميتها نتعبَّد بها
في صلواتنا، ونقْنُت بها عند مناجاتنا، ونستنجد بها عند ضائقاتنا،
ونستشفي بها في رقيتنا لأنفسنا وأبداننا، ونتثبت بمعانيها عند هجوم
الغبش وطغيان الضلالة وتظاهر الجهالة.
شد الله تعالى بها أزرَ النبي الكريم صلوات الله عليه وسلامه وهو
في مكة قبل الهجرة بين أنياب الجاهلية الأولى، وفي لفح لهيبِ
التكذيبِ والاعتراض، ولَظَى عدوانية قريش ومرارة ظلم ذوي القربى؛
كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق
هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعتَ النداء فاثبُتْ حتى تسمع
ما يقول لك، فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: قل
(الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ الرَّحمنِ الرَّحيمِ مالِكِ
يَومِ الدينِ) حتى فرغ من فاتحة الكتاب، فلما قام النبي صلى الله
عليه وسلم بمكة فقال:(بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ الحَمدُ
للهِ رَبِّ العالَمينَ) قالت قريش: رَضَّ الله فاك.
لقد كان نزول سورة الفاتحة في مرحلة مبكرة من عمر الدعوة المكية
تمكينا للرسول صلى الله عليه وسلم من سلاح فعال في مواجهة مشاق
الطريق، هو سلاح الدعاء، بما يتقدمه من حمد لله تعالى وثناء، وما
يصاحبه من خشوع واستعانة ورهبة ورغبة وحسن رجاء، وما يختم به من
أدب الاستعاذة من طرق الزيغ والبراءة من سبل الضلال. ولذلك امتَنَّ
الله عليه بها في نفس المرحلة بقوله في
الآية
87
من سورة الحجر وهي مكية بلا خلاف: (وَلَقَد آتَيناكَ سَبعاً مِّن
المَثاني وَالقُرآنَ العَظيمَ) يعني الفاتحة.
وكانت سورةُ الفاتحة بذلك أنسَه في خلوته وترنيمتَه في محنته
ونشيدَه عند مناجاة ربه، وتلاوتَه عليه الصلاة والسلام في صلاته
قبل هجرته ، ولذلك سماها الحمد وفاتحة الكتاب وأم القرآن وأم
الكتاب والسبع المثاني، فقال فيما رواه أبو هريرة مرفوعاً: (إذا
قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم
الكتاب والسبع المثاني).
وقال:(
والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور
ولا في القرآن مثلها، إنها لهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
أوتيته).
ولا غرابة فهي حقا سورة الحمد، لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي
التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كلام، وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)كُلُّ
كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ
فَهُوَ أَقْطَعُ ، أَبْتَرُ ، مَمْحُوقُ الْبَرَكَة(
وقال: (وكُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ
اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ).
وهي الفاتحة، وفاتحة الكتاب، لأنها بداية القرآن الكريم والمصحف
الشريف، ولأن كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ناقصة غير تامة
لقوله صلى الله عليه وسلم:( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)،
وقال: (أَيُّمَا صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ
الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ )، وقال (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم
القرآن هي خِداج هي خِداج، هي خِداج غير تمام.
كما لا غرابة في تسميتها السبع المثاني فقد نزلت مرتين، مرة في
مكة، ثم مرة أخرى في المدينة حسب بعض الروايات، وتثنى في كل ركعة
كما قال عمر رضي الله عنه:" السبع المثاني فاتحة الكتاب، تثنى في
كل ركعة "، ولأنها نزلت على قسمين ثناء ودعاء. وبها سبع آيات
كريمات لما أخرجه البيهقي والدارقطني وغيرهم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ (بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فَقَطَّعَهَا آيَةً
آيَةً وَعَدَّهَا عَدَّ الأَعْرَابِ وَعَدَّ (بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آيَةً وَلَمْ يَعُدَّ (عَلَيْهِمْ)، وأخرج
الدارقطني بسند صحيح عن عبد خير قال: سئل عليّ رضي الله عنه عن
السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين، فقيل له إنما هي ست
آيات، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية.
كما أحصى لها العلماء أكثرَ من عشرين اسما لشرفها ومكانتها، ولا شك
في أن كثرةَ الأسماء دالةٌ على شرف المسمى، من هذه الأسماء:
سورة الصلاة لتوقف الصلاة عليها لأنها من لوازمها، من باب تسمية
الشيء باسْمِ لازِمِه. ولما رواه مسلم في صحيحه من حديث"قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"..{عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى
صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ
ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّا
نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ
بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ
فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ(
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ
عَبْدِي وَإِذَا قَالَ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ مَجَّدَنِي
عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ(
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) قَالَ هَذَا بَيْنِي
وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ ( اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)
قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ}.
ومن أسمائها : الوافية، لأنها وافية بما في القرآن من المعاني،
والكافية، لأنها تكفي في الصلاة عن غيرها ولا يكفي غيرها عنها، و
سورة الدعاء لاشتمالها عليه في قوله اهدنا، وسورة تعليم السؤال لما
فيها من آداب الدعاء لأنها بدئت بالثناء على الله تعالى قبله فهي
تعليم لنا كيف نحمده وكيف نثني عليه وكيف ندعوه ونسأله، وتنبيه إلى
أن تقديم الحمد والثناء على الله قبل الدعاء أحرى بالإجابة، وسورة
المناجاة، لأن العبد يناجي فيها ربه بقوله (إياك نعبد وإياك
نستعين)، وسورة التفويض لاشتمالها عليه في قوله (وإياك نستعين).
ومن أسمائها "القرآن العظيم"، لاشتمالها على المعاني التي في
القرآن ولما رواه أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ( هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم).
ومن أسمائها الراقية والشافية للحديث النبوي الشريف في رواية
البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: (انطَلَقَ نَفرٌ من أصحابِ
النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في سَفْرةٍ سافَروها، حتّى نزَلوا على
حيٍّ من أحياءِ العرب فاستَضافوهم فأبَوا أن يُضيِّفوهم، فلُدِغَ
سَيِّدُ ذلكَ الحيِّ، فسَعَوا لهُ بكلِّ شيءٍ، لا يَنفعُهُ شيء.
فقال بعضهم: لو أتيتُم هؤُلاءِ الرَّهطَ الذينَ نزَلوا لعلَّهُ أن
يكونَ عندَ بعضهم شيء. فأتوْهم فقالوا: يا أيُّها الرَّهطُ إِنَّ
سيِّدَنا لُدِغَ، وسَعينا لهُ بكلّ شيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ
منكم مِن شيء؟ فقال بعضُهم: نعم واللهِ، إني لأرقِي، ولكِنْ واللهِ
لقدِ استَضَفْناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا بِراق لكم حتّى تَجعلوا
لنا جُعلاً. فصالَحوهم على قَطيعٍ منَ الغنم. فانطلقَ يَتفِلُ
عليهِ ويقرأُ: (الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين...) فكأنَّما نُشِطَ من
عِقال، فانطَلَقَ يَمشي وما بهِ قَلبَة. قال: فأوفوهم جُعلَهمُ
الذي صالَحوهم عليه. فقال بعضُهم: اقسِموا. فقال الذي رَقَى: لا
تَفْعلوا حتّى نأتيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم فنذكُرَ لهُ الذي
كان فننظُرَ ما يأمُرنا، فقدِموا على رسولِ الله صلى الله عليه
وسلّم فذَكروا له، فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْية، ثمَّ قال: قد
أَصبتم، اقسِموا واضربوا لي معكم سَهماً، فضَحِكَ النبيُّ صلى الله
عليه وسلّم).
وهي أعظم سور القرآن لما رواه البخاري عن أَبِي سَعِيدِ بْنِ
الْمُعَلَّى قَالَ: ( كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ
أُجِبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي
فَقَالَ: أَلَمْ يَقُل اللَّهُ " اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟"، ثُمَّ قَالَ
لِي لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي
الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَخَذَ
بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ
لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ
قَالَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ
الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" وقال
الإمام علي رضي الله عنه:"نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنـز تحت
العرش".
في
رياض الفاتحة
عندما تدرك المرءَ رحمةُ الله المهداة، فيفتح قلبه لأم القرآن،
ويُقْبِل عليها بتدبر وخشوع وإمعان، تُقبلُ عليه كما هي من رب
العزة، ثنائيةً بالعطاء والأخذ، أوَّلُها منه لربه، وآخرُها له من
الواحد الأحد، منه الحمد والثناء والتمجيد لربه ومنها الهداية إلى
سعادة الدنيا والآخرة، وبين هذا وذاك إبحارٌ في رياض ملكوت
السماوات والأرض، ومشاهدةُ ما أعد للمؤمن من جناتٍ ونعيم، وقربٍ من
الرحمن الرحيم، وما ينتظر ضُلَّالَ القوم من مُساءلةٍ يومَ الدين
يوم يُعرضون على النار خاسئين.
يستهِلُّ المرءُ إبحارَه في الفاتحة استعاذةً بربه من الشيطان
الرجيم، واستعدادا للذكر الحكيم، وتحصُّنا من شياطين الجن والإنس،
واستبعادا لشرور الوسوسة وما يُلْقَى في النفس من هواجس الفتن
وشوارد الفكر وشواغل الدنيا، وهو في التجائه إلى ربه واستجارتِه به
واحترازِه بقوته وقدرته، مُقِرٌّ ضمناً بالعجز عن جلب المنفعة ودفع
المضرة، معترفٌ بانعدام الحَوْلِ لديه والقوة، موقنٌ بأن ذلك كلَّه
متعلق بقدرة الله تعالى ولطفه بأوليائه، ورحمانيته الشاملة لعباده.
منطلقٌ في جميع أحواله من معرفته بنفسه العاجزة، ومعرفته بربه
القادر الحكيم؛ هنالك يقتحم عقبةَ التسليم المطلق فيَلِج رحابَ
الخشوع العَصِيِّ إلا على الموقنين، ويسرح في رحاب الإخبات، وينيخ
الفؤاد في رياض الآيات النيرات.
ولئن كانت طهارة الصلاة الوضوء، فإن طهارة النفوس والعقول والأفئدة
للتلاوة هي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ولذلك قال تعالى:
{فَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ} [النحل :
98].
ولئن كانت الألْسُن قد تقع في اللغو أو الكذب أو الغيبة أو النميمة
فإن الاستعاذة بالله من الشيطان الذي يَسْتَدْرج المرءَ إلى تلك
الآثام كفيلةٌ بتطهير الألسن وإعدادها لتلاوة كتاب الله، بقلب غير
غافل ولَا لَاهٍ.
وبَعْد روعةِ استهلالِ الإبحارِ في رياض الفاتحة، يكون اسمُ الله
خيرَ مَعْبَرٍ إلى رحمته ورحمانيته، وكأن الفاتحةَ سفينةُ نوح عليه
السلام، يَفِرُّ بها المؤمن من موبِقات الفتنِ ولجُـََجِ الضَّلال
وعاتِيِّ الموج ( وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ
مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [هود
: 41].
إن أولَ آية من الفاتحة وهي البسملةُ ( بسم الله الرحمن الرحيم)،
مشكاةٌ تنير الدروب، وبلْسَمٌ لشفاء القلوب، وأمانٌ من رب العزة
لعبده الأواب، وكما كان عاقبة نوح إذ ركب سفينته بسم الله أن خوطب
بقوله تعالى: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ
عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ) [هود :
48]،
كذلك عاقبة المؤمن المخبت إذ يفتتح بالبسملة والحمد والثناء على رب
العزة، فيفوز بالهداية والسلام، وغنيمة ما سأل من رب الأنام إذ
قال: "ولعبدي ما سأل" .
وكما أن القصر ببابه والروضَ بأقحوانه، كذلك البسملة، تقبل على
المؤمن بالبشارة والإنارة فينفسح القلب ويتسع الأمل وتعظُم الثقة
بكرم البارئ عز وجل، ويهيج شوق الأفئدة إلى رحاب الرضى وحسن المآب،
ذلك أن رب العزة يتجلى بثلاثة أسماء له، كلها جلال وقدرة ورحمة
ولطف "الله، الرحمن، الرحيم".
فاسم الله تعالى هو الإسم الأعظم على قول جمهرة من أهل العلم، تلحق
به أسماؤه الأخرى ولا يشاركه فيه غيره، تحِنُّ إليه الأفئدة،
وتشتاق إلى رؤيته المُهَج، وتأنَس بذكره النفوس، وتحتار فيه العقول
فلا تدرك له إلا ما بين لها الوحي كتابا وسنة، منه سبحانه لعباده
الألوهيةُ المطلقة العامَّة التامة، ومن عباده له الخضوع والطاعة
والاستسلام.
أما اسم الرحمن فمن رحمته التي وسعت كلَّ شيء، ( وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)
[الأعراف :
156]،
لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث صحابته على حسنِ الثقة
بالله والرجاءِ فيما عنده عز وجل، والتعلقِ برحمته وحده، فعن واثلة
بن الأسقع ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال
الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فلْيَظُنَّ بي ما شاء )،
وعن جابر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته
بثلاث: ( لا يموتُنَّ أحدُكم إلا وهو يحسن بالله الظنَّ )، وقال
تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة:
186]
ولئن كان اسم الرحمن من الرحمة العامة بجميع الخلق كاسم الله خاصا
به عز وجل لا يسمى به غيره، فإن اسم الرحيم من الرحمة الخاصة
بالمؤمنين، وقد يطلق على غير الله بما لا يخل بالعقيدة، قال الله
تعالى عن نفسه:(إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
)[البقرة :
143]،
وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم:(
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
)[التوبة
: 128].
ولقد كان من شامل رحمته تعالى ولطفه بعباده أن افتتح أمَّ القرآن
باسمه الأعظم" الله" المتضمن لصفات الألوهية، وهي توحيد الله
بأفعال العباد التي أمروا بها، دعاء وخوفا وخشية، وتوكلا واستعانةً
واستعاذةً، ورجاءً وتعلقا وأملا، ومحبةً ورغبةً ورهبةً وتعظيما؛
وقرنه باسمين له متضمنين لكمال صفات البر والإحسان والجود والكرم
وهما "الرحمن الرحيم"، فكانت الرحمة بذلك سببا واصلا بين المعبود
الحق والعابد الصادق المتحقق.
وحَرِيٌّ بالمؤمن إذ تجلَّتْ في قلبه معاني الألوهية المطلقة
برحمتها التي وسعت كل شيء، أن يحمد هذا الفضلَ الإلهيَّ الذي لا
حدَّ له، وأن يشكر هذه النعمةَ الربانية التي لا تحصى.
ولئن كان العبد عاجزا عن أداء واجب الحمد والشكر، لعجزه عن إحصاء
النعم وتقدير الفضل، فقد تولى رب العزة إرشادَه والأخذَ بيده
الرحيمة إلى التعبير السليم والأداء القويم وهو:" الحمد لله "،
فكان الفضلُ منه عز جل في كل الأحوال، فضلُ النعم وفضلُ الحمد
عليها، فضلُ الرحمة المطلقة وفضلُ استدامتها بالحمد عليها.
إن الحمد لله مجردا مطلقا ومرسلا هو وحده عبادةٌ في كل أحوال
المؤمن، في سرائه التي استشعرها، وفي ضرائه التي تسْتُرُ نعمةً
إلهيةً غيَّبَتْها عن ذهنِه حكمةُ الله تعالى، ولذلك كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول في السراء :" الحمد لله المنعم
المتفضل" ويقول في الضراء:"الحمد لله على كل حال"، وهو ما ورد في
قوله تعالى :(
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [النمل:
59]،
وقوله:(
الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" [النحل:75]
وإن الحمدَ مقيَّدا بصفات الله تعالى تنـزيها وفعلا معلمةٌ من
معالم الإيمان، تحث المؤمنَ على صعود مَراقي القُرْب والإحسان،
لذلك يأمر به الله عز وجل عباده تربيةً وتحليةً وتزكيةً، مرتبطا
بمعنى إيمانِيٍّ ينير الطريق، فيَرِدُ حسب السياق القرآني تارة
بلفظ:
"وَقُلِ
الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن
لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ
الذُّلّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً"
]الإسراء:
111[،
وتارة بلفظ:"الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا
كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ"[الأعراف43]،
وتارة بلفظ:"
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ
وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا" [الكهف:
1]،"
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ
الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ
وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "[فاطر:
1]،"
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْخَبِيرُ" [سبأ:
1].
كلما ورد الحمد مطلقا كان التنبيه إلى نِعَم الله التي لا تحصى مما
يعلمها المرءُ، ومما استأثر ربُّ العزة بعلمها، وكلما ورد الحمد
مقيدا كان التعليم المباشر للعبد، أخذا بيده عَبْرَ معالمِ التوحيد
الخالص إلى معرفة ربه.
ولما تجلت سورةُ الفاتحة على المؤمن بصفات الألوهية التي تقتضي
الحمدَ المطلق، كان من المناسب وإتمامِ النعمة أن تتجلى تبعاً بصفة
الربوبية المطلقة "رب العالمين"، وهي توحيد الله تعالى بأفعاله
خلقا ورزقا وتدبيرا للأمور وإحياء وإماتة ونحو ذلك. فلا خالق إلا
الله
(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام:
102])،
ولا رازق إلا الله( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى
اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا
كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [هود:
6]،ولا
مدبِّر إلا الله ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة:
5]،
ولا محيي ولا مميت إلا الله (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ) [يونس:
56].
ولذلك كان التفكرُ في تدبير الله تعالى للكائنات خَلْقا ورعايةً
مفتاحَ استشعارِ ربوبيتِه عز وجل للكائنات فقال:(
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ...) [آل عمران
: 190]،
فبَيَّنَ أن بالتفكر في عظمته ووحدانيته، وحكمته، وتدبيره، وسلطانه
تستنير آياتُ الربوبية، وتسْطَع أنوارُ اليقين، وتضمحلُّ غمراتُ
الشك وظُلَمُ الرَّيْبِ، فإذا ما أضاءت في قلب المؤمن مشكاةُ
الربوبية كانت الاستجابة منه عبوديةً صادقة مخبتةً لربها قانتةً
خاشعة، ذلك أن للربوبية عِزَّتَها المطلقةَ وللعبودية ذِلَّتَها
المحرِّرَةَ للنفس من سلطة ما سواه عز وجل، الربوبيةُ عهدُ الله
لعباده، والعبودية عهدُ العباد مع الله( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي
أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)[البقرة
: 40]،
فإذا استجاب عهدُ العبودية لعهد الربوبية، استشعر المؤمنُ بقلبه
ولسانه وجوارحه عزةَ الربوبية وذلةَ العبودية.
إن الله تعالى قد وفى بعهد الربوبية حيث خلق الإنسان وأحياه وأنعم
عليه بوجوه النعم وجعله عاقلاً مميزاً، وما ترك ذرة من الذرات إلا
وجعلها هادية إلى سبيل الحق، فإذا لم يشتغل المرء بواجب الخدمة
والطاعة والعبودية فقد نقض عهده، مع أنه تعالى وفى بعهد ربوبيته.
إن مطلقيةَ الربوبية الإلهية للعالمين في سائر الأزمنة والأمكنة في
الدنيا والآخرة، توحيدا وعبادةً وخضوعا وانقيادا، تقتضي مزيدَ
الحمد على ما نعلم وما لا نعلم من رعاية الله للعالمين، وعلى حسن
تقديره وتسييره وتربيته للمخلوقات( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49]،
ولذلك اقترنت في أم القرآن معالمُ التوحيد الخالص ألوهيةً وربوبيةً
في ظل الرحمة المهداة، رحمةِ الإله الواحد والرب الخبير الحكيم،
لعباده المخبتين المطيعين.
ولئن كان الحمد مطلقا من لوازم الألوهية إحقاقا، فإن الحمد مقيدا
من لوازم الربوبية استحقاقا، والقيوميةِ قدرةً وحسنَ تقدير، ولذلك
تبادر الملائكة منافسةً ومسارعةً، أيٌّ منهم يرفعه، كما ورد عَنْ
أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ
النَّفَسُ. فَقَالَ: الْحَمْدُ للّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً
مُبَارَكاً فِيهِ. فَلَما قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلاَتَهُ قَالَ:
أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ.
فَقَالَ: أَيُّّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ
بَأْساً فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ
فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكاً
يَبْتَدِرُونَهَا. أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا.
وكما أن الحمد مقيدا بربوبيته عز وجل للعالمين يُراد به الإطلاقُ،
لأن ربوبيتَه مطلقةٌ، كذلك جميعُ صِيَغِ الحمد لله الواردةِ في
الكتاب والسنة تفيد الإطلاقَ، لأن النعم الظاهرة والباطنة التي
يُحْمَد عليها الحقُّ جل جلاله خاصةٌ به لا يُنْعِم بها غيرُه، ومن
هذا المعنى كان الإطلاق للتعبير المقيد، ألا ترى إلى قوله
تعالى(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) [سبأ:
1]،
وكيف أن انفرادَه تعالى بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد
فيه سواه، مبالغةٌ في الانفراد بالحمد المطلق, له الحمد استحقاقاً
لعظمته, وله الحمد وجوبا على نعمته، وهو المنفرد به في الدارين،
ففي الدنيا المحمودُ اللَّهُ على إنعامه وهدايته, وفي العقبى
المحمود اللَّهُ على عدله ومثوبته.
ولذلك عقب على ربوبيته المطلقة في الدنيا والآخرة بقوله ( ملِكِ
يَوْمِ الدِّينِ ) تذكيرا وتحذيرا وتنبيها وتقريرا، فهو عز وجل
مالك يوم الدين والجزاء والعرض والمحاسبة، وملك الأكوان، الواحد
الصمد يوم تقر الكائنات له بالملك طوعا وكرها، يوم يحييها بقدرته
وحكمته بعد أن يفنيَها فلا يبقى إلا وجهه ذو الجلال والإكرام، يوم
تعنو الوجوه للحي القيوم وتخشع الأصوات للرحمن َ(وعَنَتِ
الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ
ظُلْماً )[طه :
111]،
(وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْساً) [طه :
108]،
يوم يَقبِضُ الَّلهُ الأرضَ، ويَطوِي السماوات بيمينِهِ ثم يقول:
أنا الملِك، أينَ مُلوكُ الأرضِ؟.
وسواء قرئت " مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ "من المِلك بكسر الميم أو "
ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ " من المُلك بضم الميم، فالقراءتان صحيحتان
تلتقيان في معنى واحد، إذ كان معلوما أنه لا ملِك إلا وهو مالك.
وتأويـل من قرأ "ملِكِ يَوْمِ الدّين" أن الملك لله يومَ الدين
خالصا دون جميع خلقه الذين كانوا فـي الدنيا ملوكا وجبابرة فأيقنوا
بلقاء الله يوم الدين أنهم الأصاغر الأذلة، وأن له دونهم ودون
غيرهم الـمُلْك والكبرياء والعزّة والسلطان، (يَوْمَ هُم
بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16]،
(قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ
)[الأنعام:73]،
(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ )[طه:114]
، وكما روي عن أُمِّ سَلَمَةَ أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (
كَانَ يَقْرَأُهَا: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
أما تأويل من قرأ " مالك يوم الدين" فما روي عن ابن عباس قال:
"مالكِ يَوْمِ الدّينِ" لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم
في الدنيا، ثم قال:(لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ
الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً)[النبأ:38].
ولا شك أن من قرأ: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" فقد عرفه بأسمائه
الحسنى وصفاته العليا، وأنَّ من قرأ "مالك يوم الدين" فقد عرفه
بقدرته وسلطانه وهيمنته على جميع خلقه، والقراءتان كلاهما صحيح
متواتر في السبع.
ولا ريب أن يوم الدين، هو اليوم المشهود المجموع له الناس للعرض
والحساب ثوابا وعقابا، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ
عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ
وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ) [هود:103]،
(
وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا
خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ
لَكُم مَّوْعِداً) [الكهف:48]،
(هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى
اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ [يونس:30].
ولئن كان لفظ "الدين" حَـمَّالا لمعاني كثيرة فإن أغلب معانيها لا
تتعارض مع الآية الكريمة:
فالدِّينُ بمعنى الحِساب؛ ومنه قوْلُه تعالَى:(ملك يَوْم
الدِّيْن)؛ وقوْلُه تعالَى:(ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)[التوبة:36]
أَي الحِسابُ الصحِيحُ والعَدَدُ المُسْتوي، وبه فسَّرَ بعضهم
الحدِيث "الكَيِّس مَنْ دانَ نَفْسَه" أَي حاسَبَها. وقوْلُه
تعالَى:(
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا
لَمَدِينُونَ) [الصافات:53]
أَي مُحاسَبُون.
والدِّيْنُ بمعنى القَهْرُ والغَلَبَةُ والاسْتِعلاءُ، وفي يوم
القيامة تتجلى لجميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم بَرِّهِمْ وفاجرِهم
قاهريةُ الله وغلبتُه واستعلاؤه.
والدِّينُ بمعنى القضاء، وبه فسَّرَ قتادَةُ قوْلَه تعالَى: (مَا
كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ )[يوسف:76]
أَي قَضائِهِ.
والدِّيْنُ بمعنى السلطانِ سلطانِ الله المطلق..والدّيْنُ بمعنى
الحُكْمِ حكمِ الله العدل...
ولأن المقصودَ من الدين هو الوفاءُ بلوازم الربوبية ، فإذا أسلم
المرءُ وجهَه لله فلم يعبدْ غيرَه ولم يتوقع الخيرَ إلا منه، ولم
يشركْ به غيرَه، ولم يَخَفْ إلا من قهره وسطوته، كان هذا هو تمام
الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية، فصَحَّ أن الدين الكامل هو
الإسلام. وأن يومَ الدين في الآخرة هو يوم الخضوع الكامل لرب
العباد وهو يومُ الوفاء (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة:40]،
(وَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران:57].
وكأني بالخلق يومئذ ما بين مُتَوَثِّبٍ للثواب وواجِفٍ من سوء
المآب، وكلا المآلين، شقاءً أو نعيما، وفاءٌ منه تعالى، فالعهدُ
نوعان: عهدُ الربوبية منه عز وجل، وعهدُ العبودية من عباده، وهو
الوفِيُّ أبدًا والخلْقُ مابين موفٍ للعهد وخائنٍ.
في هذا القسم من الفاتحة، النصف الذي هو له بقوله تعالى في الحديث
القدسي ( فنصفها لي)، وتحت مظلة التحميد ( الحمد لله رب العالمين)،
ومرحمة الثناء والتعبيد (الرحمن الرحيم)، ومقام التمجيد والوعد
والوعيد (مالك يوم الدين)، يتجلى الرب الكريم على عباده بخمسة
أسماء كلها رحمة ونعمة، إشارةً منه عز وجل إلى استحقاقه الحمدَ
المطلقَ على نعمه وأفضاله ما عُلِم منها وما لم يُعْلَمْ، هذه
الأسماء والصفات تعد مرجعَ الأسماء الحسنى والصفات العليا، عليها
مدارُها، وعليها مُرْتَكَزُها، ومَرَدُّ نعمِه كلِّها إليها،
ومناطُ الحمدِ كلِّه مرتبطٌ بها، وهي :الله، رب العالمين، الرحمن
الرحيم ملك يوم الدين. فهو سبحان المحمود بألوهيته، المحمود
بربوبيته، المحمود على رحمته ورحمانيته، المحمود بعدله يوم الدين.
وهذه المحاميد كلها أساس التوحيد، إثباتا لصفات الكمال، ونفيا
للشرك والتشبيه والمثال، وتنـزيها عن العيوب والنقائص.
فهو الله، المعبود الذي لا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من
طريق رسله، ولذلك تتابعت رسالاته إليهم نعمة منه وفضلا.
وهو رب العالمين ، بربوبيته يدبر الكون، يقدر الأرزاق والآجال،
هدايته العامة تنال البر والفاجر، يدبر الأمر كله (قُلْ مَن
يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ
السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ
فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:31].
وهو الرحمن الرحيم، رحمته ترعى عباده وتَسَعُهم، ورحمانيته ترشدهم
إلى طريق سعادتهم في الدارين معاشا ومعادا.
وهو ملك يوم الدين، العادلُ في حكمه، اللطيفُ بعباده، الكريمُ في
عطائه الشديدُ في عقابه (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً )[طه:112]،(
فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً)
[الجن:13].(
وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ)
[القمر:36]،
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم
بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) [قـ:36]
.
ولئن كان الشقُّ الأول من فاتحة الكتاب خاصا بالله وحده، ودالا على
كمال التوحيد اليقيني، فإن ما تلاه منها بين العبد ومولاه، خاصٌّ
بأدق معالم التوحيد الإرادي العملي، وهو العبادةُ والاستعانة
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، عبادته لله واستعانته
بالله، وبذلك يبقى المرء متفيئا ظلالَ الألوهية والربوبية لا يخرج
عنها في حركاته وسكناته، في لهجات لسانه وخفقات جنانه.
ولئن كانت العبادة اسما جامعا لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه،
أقوالا وأعمالا ظاهرة وباطنة كالصلاة والزكاة والصوم والنسك والصدق
والوفاء والبر وصلة الرحم وإخلاص الدين وشكر النعم والرضى بالقضاء
وما في حكم ذلك، فإن الذي يجب أن يُلْتَزَمَ فيها أبدا هو أن لا
يُتَوَجَّه بها إلا لله تعالى، وأن يكون مدارُها على جميع التصرفات
نوايا ومآلا، وتعلقُها بالقلوب والجوارح لسانا وأعمالا، تشمُل
النشاطَ الإنساني كلَّه وتغطي كدحَ الحياة الدنيا كاملا، فيرتفع
بها المرءُ في مراقي الإسلام والإيمان والإحسان، قياما من الجسم
بوظائف الأحكام، ومن القلب بوظائف الاستسلام، ومن الروح باستشعار
المراقبةِ والمشاهدةِ لله العلام. وذاك ما بينه حديثُ جبريل عليه
السلام إذ سأل الرسولَ الكريم صلى الله عليه وسلم عن الإسلام
والإيمان والإحسان فكان الجواب الجامع المانع : (الإِسْلاَمُ أَنْ
تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ
اللّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ
رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً) والإيمان (أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلاَئِكَتِهِ،
وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمنَ
بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه)، والإحسان (أَنْ تَعْبُدَ الله
كَأَنَّكَ تَرَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ
يَرَاكَ)، وهو كذلك ما أجمله قول الحق سبحانه تلميحا وتضمينا:(
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ [آل عمران:191]،
ذكرُ الله عبادةٌ بالقلب واللسان، والتعبدُ قياما وقعودا وعلى
الجنوب قيامٌ للأعضاء بالأركان، والتفكرُ في خلق السماوات والأرض
عبادةُ الروح والجنان. وبذلك يكون المرء في كل أحواله مستغرقا في
العبادة، سائحا في رياض الرحمة، ونعيم الهدى، مؤثرا تعبَ السَّعْي
لمرضاة ربه على راحة الغفلة والتيه في صحارى الضلال، مقتديا بالسيد
المطاع رسول المرحمة وقد روى عن حال عبادته ابن عمر رضي الله عنه
قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللـه صلى اللـه
عليه وسلّم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي
فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة هل لك أن
تأذني لي الليلة في عبادة ربي، فقلت: يا رسول اللـه إني لأحب قربك
وأحب مرادك، قد أذنت لك. فقام الى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم
يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع
يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه
بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال لـه: يا رسول اللـه أتبكي وقد غفر
اللـه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا
شكورا، ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل اللـه في هذه الليلة: (
إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَالأرض ) ثم قال: ويل لمن قرأها
ولم يتفكر فيها، وفي رواية: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل
فيها.
إن أكمل أحوال المرء هو حال اشتغاله بعبادة ربه، عبادةً يستنير بها
قلبه، وتزكو بها نفسه، ويرطب بالذكر فيها لسانه، وتنفتح له بها
طريق سعادة الدارين، ويتقوى بها على تحمل مشاق الحياة ومتاعبها،
ولذلك قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ
فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ ( يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا )، وخاطب
رب العزة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وقد ضاق صدره بمكر
الجاهلين فقال: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ
بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ
السَّاجِدِينَ) [الحجر:97-
98]
، فأمره بالتسبيح والتحميد والصلاة لينصرف عن أذى الخلق إلى لطف
الخالق، وعن ضائقة القلب إلى فسحة الانشراح والطمانينة والسكينة
وحسن الظن بنصر الله.
وإن أشرف مراتب العبودية ما كان طوعا ورضى وعلى صواب في النية
والعمل، حينئذ تلتقي الربوبية الحقة بالعبودية النيرة، والتوفية
بالعهد من العبد بالوفاء بالوعد من المعبود، فتثمر شجرةُ الإيمان
سعادةَ الدارين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:( قَدْ أَفْلَحَ
الْمُزْهِدُ الْمُجْهِدُ ثَلَاثًا الْمُزْهِدُ فِي الْعَيْشِ
الْمُجْهِدُ فِي الْعِبَادَةِ) وقال تعالى: ( وَأَوْفُواْ
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة:40]،(
وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ
طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:72]،(
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي
التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ
مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم
بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111).
وإن العبادة أشرف خدمة، وإن أشرف الخدمة عملٌ لله، والعامل مع الله
عز وجل إنما عمله أداء الفرائض، واجتناب المحارم وطاعته فيما أمر
به ونهى عنه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ
الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ
شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ
فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ
النَّصِيرُ) [الحج:77-
78]
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي
إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء
:
25].
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )[الأنعام:162]
إلا أن للعبادة آفةً تغتالها، ومرضا يستأصلها، وعيبا يَشينُها
فتذهب ريحها، وليس ذلك إلا من غرور يصيب بعضَ العُبَّاد، واغترارٍ
ينال بعضَ المتعبدين، واستعلاءٍ بالنفس يختِل الإيمانَ من القلوب،
فتصبح قاعا صفصفا وبلقعا قفرا، وهو ما شرحه رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن أنس قال:( ذكروا
رجلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا قوته في الجهاد
واجتهاده في العبادة فإذا هم بالرجل مقبلا ، قالوا: هذا الذي كنا
نذكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إني
لأرى في وجهه سنعة من الشيطان، ثم أقبل فسلم عليهم، فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: هل حدثت نفسك؟ وفي رواية أبي سعيد: هل
حدثتك نفسك أنه ليس في القوم أحد خير منك ؟ قال : نعم ..).
إن سنعة الشيطان المشار إليها في الحديث الشريف ليست إلا سمة من
سمات الغرور الذي هو في حقيقة الأمر شرك خفي حذر منه الرسول صلى
الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ:
خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ
الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ. فَقَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ
أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدجالِ؟، قَالَ،
قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ
الرجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ
رَجُلٍ.
وإن أنجعَ علاج ووقاية من آفة الغرور أن يستشعر المرء الفقرَ إلى
الله تعالى، والضعف بين يديه والخضوعَ له، والخروجَ من الحول
والقوة إلا به، والحاجةَ في جميع أمره إليه، ولذلك كان من رحمة
الله ولطفه بأوليائه أن أرشدهم إلى بلسم الوقاية والشفاء، بلسم
الاستعانة به والتوكل عليه، بأن يشفعوا عبادتهم امتثالا للأوامر
والنواهي بدعاء متمِّمٍ للنعم هو (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
ولئن كان هذا الدعاء وقايةً من الآفات التي تشين العبادة، وحمايةً
من الغرور والاعتداد بالنفس، فإنه أيضا سلاحٌ للمؤمن في مواجهة
متاعب الحياة المادية ما تعلق منها بالدنيا أو ما تعلق منها بأمر
الآخرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (كنا مع النبيِّ في غزوة،
فلقِـيَ العدوَّ، فسمعته يقول: "يا مالِك يَوْمِ الدِّينِ، إياكَ
نَعْبُدُ وإيَّاك نَسْتَعِينُ "، فلقد رأيت الرجالَ تُصْرَعُ
تضربها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها).
ولئن اشتغل أرباب الأهواء بأوساخ شهواتهم وملذات أنفسهم، فإن
أربابَ التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللّجْأِ والسؤال، وفي
الأثَر أن قتيبةَ بنَ مسلم لما صافَّ الترك هالَهُ أمرُهم فقال:
أين محمد بن واسع؟ فقيل له هو في أقصى الميمنة جانحٌ على سية قوسه
يومئ بأصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: تلك الأصبع الفاردة أحبُّ
إلَيَّ من مائة ألف سيف شهير، فلما فُتِح عليهم قال له: ما كنت
تصنع؟ قال: آخذ لك بمجامع الطرق.
وإن أجلَّ ثمار الإيمان بالقَدَرِ استسلاما لإرادة الله وحكمته،
وما يستتبعه من حقائق الإيمان، دوامُ الافتقارِ إلى الله واستمداد
العون منه، والتوكل عليه، وانتظار الفرج منه وحده، وهو ما يرشد
إليه قوله تعالى: (اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ
الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128]،
وما نصح به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ابن عباس بقوله:(يَا
غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ
احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَل
اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ
أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ
يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ
اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا
بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ
وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).
ولعل من طرائف معاني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أن
عبادةَ الله نفسها استعانةٌ والاستعانة بالله عبادة، والمرء في كل
أحواله عابدٌ ومستعينٌ، ألَمْ تَرَ أن الدعاءَ استغاثةٌ واستعانةٌ
وهو في نفس الوقت عبادةٌ لقوله صلى الله عليه وسلم ( الدعاء هو
العبادة)، وأن الصبرَ عبادةٌ لقوله تعالى (الصَّابِرِينَ
وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) [آل عمران:17])
والصلاة عبادة لقوله تعالى:(فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ
الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
كِتَاباً مَّوْقُوتاً) [النساء:103]
وقوله: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ ) [العنكبوت:45])
وكلاهما في نفس الوقت استعانةٌ لقوله تعالى(وَاسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى
الْخَاشِعِينَ [البقرة:45])،
ولذلك قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ
قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،
وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَب إِلَىَّ مِما
افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ
بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ
سَمْعَهُ الذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ،
وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التِى يَمْشِى بِهَا،
وَإِنْ سَألَنِى لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى
لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ
تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا
أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)، فإذا حقق المرء بالفرائض والنوافل أمنيته
في القرب من ربه عبادة، أثمر ذلك من فضل ربه عونا وقوة وعطاء
واستعاذة.
إن الإنسان في صراع دائم مع نفسه ومع الشيطان الذي يجرى منه مجرى
الدم، ومع مغريات الهوى ومضلات وساوس الجِنَّة والناس، والذنوبُ من
لوازم النفس البشرية، وحاجةُ المرء إلى الهدى في كل لحظة أشدُّ من
حاجته إلى الطعام والشراب، وخيراتُ الدنيا وشرورُها في حقيقة أمرها
ابتلاءٌ من الله واختبارٌ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:35]،
وهو مفتقرٌ إلى من يأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، وبناصيته إلى سلامة
التصرف في شؤون دنياه، وحسن العاقبة في أمور آخرته، ولا يملك ذلك
إلا ربُّ العزة عز وجل، لذلك كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه وأرجاه
هو دعاء الفاتحة بعد توحيد الربوبية عبادة واستعانة بقوله تعالى:(
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ).
وقد قيَّد ربُّ العزة الهدايةَ المرجوةَ لعباده بالصراط المستقيم،
ومَيَّز أهلَ هذا الصراط عن غيرهم فصار الناس تبعا لهذا التمييز
على ثلاثة أصناف، صنف الذين أنعم الله عليهم ممن عرفوا الطريق
واتبعوه، وصنف المغضوب عليهم ممن عرفوه وأعرضوا عنه، وصنف الذين
أضلوا الصراط فضلوا.
والسعيد من سأل ربه هداية التوفيق والتسديد والرشد والقلب اليقظ
والسمع الواعي والبصيرة النيرة، والتمييز الذي يصون المرء عن سفه
السفهاء وطيش الأغبياء، ويقيه تمردَ المغضوب عليهم وجهلَ الضالين،
ويرفع همته للمعالي ويقوي عزيمته على التعلق بما عند ربه.
ذلك أن الهداية في المفهوم القرآني ثلاث مراتب:
أولها الهداية العامة المشتركة بين جميع الخلق، وهي المقصودة
بقوله تعالى (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه:50]،
أي هداه إلى ما خلق له، وهي تعم الإنسان والحيوان بإرشاده إلى
الكسب والتناسل والمشاعر والحواس، بل تعم كذلك أعضاء الكائن الحي
غير الإرادية كالقلب والرئتين والكبد وما في حكمها لتقوم بوظائفها
التي خلقت لها.
والمرتبة الثانية هي هداية البيان والتعريف الخاصةُ بالمكلفين من
الجن والإنس، يبلَّغون الرسالة وتُبَيَّن لهم طريق النجاح والفلاح
فتُقام عليهم الحجة، وتَعُم المؤمنَ والكافر والمطيعَ والعاصيَ،
وهي المقصودة بقوله تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ ) [الشورى:52]،
وقوله ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى) [فصلت:17]).
أما المرتبة الثالثة، فهي هداية الاصطفاء والقرب، الهدايةُ التي
أرشدت إليها سورة الفاتحة، وهي خير الهدايات التي يحبها الله تعالى
لأوليائه، لذلك شرع ترديدها كل يوم بعدد الصلوات المفروضة والسنن
الرواتب، وكلما انشرحت قلوبهم للترويح على أنفسهم بالركوع والسجود،
إنها هداية التوفيق والإلهام، التي قال الله تعالى فيها:( وَمَا
تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ [هود:88])،
وقال: (ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن
يَشَاءُ ) [البقرة:272]
)، وهي الجائزة التي يتفضل بها رب العزة على عباده المقبلين عليه
بقلب سليم، المجاهدين أنفسهم ورعوناتهم وأهواءهم وضلالات المجتمع
والناس حولهم ، ولذلك قال عز وجل (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]،
فالمجاهدة بالعلم والعمل، والهداية مواهب الله في كل الأحوال.
أما المتكبرون المعجبون بأنفسهم، المغترون بعقولهم، المتمردون على
الفطرة السليمة باستعلائهم وتطاولهم وعدوانهم، فيوكَلون إلى
حَوْلِهم وقوتهم وما يغني ذلك عنهم من الله في شيء (كَذَلِكَ
يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) [الأعراف:101]،
(كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ) [يونس:
74])،
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:146])،
(ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لاَّ يَفْقَهُون [التوبة:127]).
إن الهداية التي يريدها الله تعالى لنا هي هدايةُ الرشد والتسديد
والتأييد، ولا سبيل لأحد من الخلق إليها إلا منه عز وجل، ولذلك قال
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا
مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن
يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]).
كلما أقبل العبد على ربه أمدَّه من العلم والعمل الصالح حتى يحبه
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ)
[محمد:17]،
(قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:71]،
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل
لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29]،
( أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى
نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن
ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر:
22].
تبدأ معالم الهداية أولا رشدا يأخذ بيد العبد إلى الصواب في أموره،
يُقَوِّيه على ما فيه صلاحه، ويُفَتِّره على ما فيه فساده، ويحول
بينه وبين هواه، ثم تتجلى الهدايةُ في القلب الذي تزكى وتحلى
تسديدا يُقَوِّم إرادته ويُوجِّه عزيمته ويأطُر عقلَه على طلب
الغرض الذي من أجله خلق في الدنيا، وعنه يسأل يوم الدين، ولا شك أن
هذا المطلوب هو المقصود بقوله تعالى (اهدِنَا الصِّرَاطَ
المُستَقِيمَ )، فإذا ارتقى العبد إلى طلب هذا الصراط المستقيم
بصدق وعزيمة وإصرار، تجلت رحمة الله تعالى عليه بالتأييد والتثبيت
والعون والصون وختم له بالحسنى.
إن بين الدنيا والآخرة إلى مرضاة الله تعالى طريقا واحدا مستقيما،
ينتهي بمن صفت عقيدته وقبل عمله إلى الخير المطلق، ولا خير مطلق
إلا الجنة، وعن يمين هذا الصراط المستقيم وعن يساره طرق معوجة تركس
من سلكها في الشر المطلق، ولا شر مطلق إلا النار.
وإن من معالم الرشد والتسديد والتأييد والهداية أن يجتمع للعبد
عقلٌ وعِلم يثمران فهما ربانيا للحياة الدنيا بصراطها المستقيم
الواجبِ اتباعُه، ومتاهاتها المتعرجة المُعْوَجَّة الواجبِ
تجنبُها؛ ولذلك يكون دعاء من بلغها من السعداء أن يتجه إلى ربه
تعالى متضرعا وقد تخلص من طيش الشباب ورعونته وجهالته: (رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل:
19]
إن الفهم الرباني الذي هو منحة إلهية وثمرة طبيعية للمجاهدة بالعلم
والعقل, العلمِ بالقرآن والسنة، والعقلِ المنضبط بالإيمان, هو
قاعدة الانطلاق في صراط الله المستقيم, سيرا فيه واتباعا له,
وإعراضا عن سبل الشيطان المتعددةِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال, سعيا
فيها أو وقوفا على أرصفتها.
وغيرُ خفيٍّ عن العقلاء الحكماء أن السير هو تتابع السعي بخطوات
متزنة، من نقطة معينة هي الحياة الدنيا إلى نقطة أخرى معلومةٍ
ومحددة ومرصودة ومقصودة هي حياةُ الآخرة، وإلا كان مجردَ تحرك
عفويٍّ سائبٍ كحركة الأرنب عندما يدهمها الخطر فتنطلق في أي اتجاه
قفزا ونطّاً، أو جريا أو تدحرجا أحيانا، حتى إذا ما أرهقتها الحركة
العشوائية وقفت وأسلمت أذنيها لمن يطلبها من شياطين الجن والإنس.
هذا الفهم الرباني الذي هو قاعدة الانطلاق الأولى إلى الصراط
المستقيم به يتميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل، وسبيلُ الرحمن
من سبل الشيطان (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً
فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سَبِيلِهِ )[الأنعام:153]
من
هنا مُفترَق طريق بين صواب واحد هو الحق من ربك، وبين أخطاءٍ
متعددة ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، أخطاءٍ ذاتَ اليمين تحتفظ
بالانتساب الظاهر للإسلام ولكنها تخرج عنه من عدة أنفاق، وأخطاءٍ
ذاتَ الشمال تقطع صلتها بالإسلام وتذهب في الكفر مذاهب شتى، وهذا
ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لنا فيما رواه عبد الله بن
مسعود قال: ( خط رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطاً بيده، ثم قال:
هذا سبيل الله مستقيماً، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل
ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ( وَأَنَّ هَـذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].
وعن ابن مسعود أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (ضرب
اللَّهُ مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جَنَبَتَي الصِّراط سوران،
فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعند رأس
الصِّراط داعٍ يقول: استَقيموا على الصراطِ ولا تَعْوَجُّوا، وفوق
ذلك داعٍ يدعو، كلما همَّ عبدٌ |