الدكتور محسن بناصر يكتب عن خلفيات حملة حزب
العدالة والتنمية
على الحركة الإسلامية المغربية
ومرشدها العام
حزب العدالة والتنمية وقضية عمر بنجلون(الحلقة
الثانية)
في إطار حملة حزب العدالة والتنمية المغربي على
الحركة الإسلامية المغربية ومرشدها العام فضيلة
الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي صعد طاقمه الصحفي
من سعاره إلى حد تبني قضية مقتل عمر بنجلون
ومحاولة إبعاد التهمة عن زعيمه عبد الكريم الخطيب
بتحشيد بعض أتباعه ومجنديه في لقاءات صحفية مفبركة
تروم تأكيد موقف الاستخبارات المغربية السابقة (
طاقم إدريس البصري) من القضية وإلصاقها بالشبيبة
الإٍسلامية التي لا علاقة لها بها. وإحياء
السيناريو البوليسي القديم التي ألفه وأخرجه عبد
الكريم الخطيب بتوجيه من أصحاب القرار ودعم من
الأجهزة.
يأتي إحياء السيناريو البوليسي القديم هذه الأيام
على يد حزب العدالة والتنمية بتوجيه من جهاز
الاستخبارات المغربية في وقت اقتنع فيه أولياء
القتيل أنفسهم(حزب الاتحاد الاشتراكي) بتفاهة
الرواية البوليسية وفبركتها وتهافتها مما يثير
سؤالا ضروريا عن خلفية سعار حزب العدالة والتنمية
في هذا الوقت بالذات وحول هذه القضية بالذات، فما
هي خلفية هذا السعار المستجد؟ وما هي أهدافه؟
كنا نظن أن سعار حزب العدالة والتنمية مجرد حمى
موسمية سرعان ما يشفى منها ولكن هذه الحمى أزمنت
وتطور نشاطه المرضي فيها إلى حد الهرولة في جميع
الاتجاهات لتجميع شهادات الحاقدين ومجندي
الاستخبارت المغربية ومحاولة التأثير على شهود
كشفوا زيف الرواية البوليسية للقضية، مستعملين
مختلف أساليب الضغط والإغراء من مال ووعود ورشى
غير أخلاقية، مما أثار الدهشة والتساؤل عن مدى
تضررهم من براءة الشبيبة الإسلامية، واحتمال
عودتها إلى الساحة المغربية العادية، بل عن مدى
تضررهم من بقائها في الوجود فوق السطح أو تحته.
ولعل موقفهم هذا يكشف بوضوح عن انهيار أخلاقهم
انهيارا تاما وإطباق الحقد على قلوبهم وعقولهم
إطباقا لم يعودوا يميزون معه بين ما يضرهم وما
ينفعهم، فالحقد لديهم أصبح حالة جنونية تدمر نفسها
وتتوهم أنها تدمر عدوها وهو ما وصفه بدقة كل من
الشيخ الكتور فريد الأنصاري رئيس المجلس العلمي
بمكناس والشيخ الداعية السلفي عبد الباري الزمزمي
إلا أن العجب والتساؤل لم يبق له مبرر بعد أن
انكشفت أخيرا خلفية هذه الحمى المزمنة لدى حزب
الدولة، وظهر ما وراء الأكمة...فماذا وراءها؟
استلم موقع الحركة الإسلامية المغربية قبل أيام
رسالة موجهة لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع من مركز
إعلامي خليجي ينوي إنجاز فيلم وثائقي عن واقعة
اغتيال اليساري المغربي عمر بنجلون؛ خلال منتصف
فبراير 2008، ضمن سلسلة وثائقية عن"الجريمة
السياسية" ينتجها المركز وتبثها قناة إخبارية
فضائية خليجية معروفة.
وكان من الطبيعي أن يكون جواب فضيلة الشيخ
بالقبول لأن هذه فرصة لإظهار حقيقة موقفنا ورأينا
في قضية طالما وظفت زورا وبهتانا للإضرار بالحركة
الإسلامية المغربية والتيار الإسلامي عموما، مما
يعد واجبا دينيا يلغي حسابات الامتهانات السياسية
والارتزاقية الانتخابية.
بدا الأمر للأمانة العامة لحركتنا عاديا أول
الأمر، واستجابت لما طلبه المركز الإعلامي، إلا أن
أجهزة الأمن المغربية تدخلت لمنع فضيلة الشيخ عبد
الكريم من المشاركة في البرنامج وإبداء وجهة نظره،
في الوقت الذي أطلقت فيه عنان سعار حزب العدالة
والتنمية لتهيئة أرضية مزيفة للبرنامج المذكور
بفبركة الأحداث والأكاذيب وشهود الزور مما يجعل
طاقم البرنامج بين مطرقة الاستخبارات المغربية
بمنعنا من إبداء موقفنا ورأينا, وبين سندان
افتراءات حزبها (حزب العدالة والتنمية) وأكاذيبه،
ويمهد السبيل لتسخير المركز الإعلامي المذكور
لخدمة أهداف غير أهدافه،
بل قد يتخذون من البرنامج غطاء إعلاميا لتصفية
فضيلة الشيخ مطيع أو اختطافه، ولتكريس ما نسجته
أجهزة إدريس البصري مما لم يعد يصدقه حتى أولياء
القتيل الحقيقيون( الاتحاد الاشتراكي)، ولا يتشبث
به حاليا إلا أولياء بنجلون الجدد (حزب العدالة
والتنمية وقياداته في الأجهزة المغربية الرسمية).
لا سيما ونحن نعرف أهداف الدولة منذ اللحظات
الأولى بحيث كانت غايتها محاولة تصفية قيادة
الحركة الإسلامية قضائيا بعد أن خابت كل محاولات
التدجين والتطويع والتصفية المادية، والتخلص من
معارض مزعج لها.
هذه القشة التي تتمسك بها الأجهزة المغربية
وحزبها (حزب العدالة والتنمية) لن تستطيع مهما
أضيف إليها من توابل أن تخفي حقيقة التآمر الذي
يتجدد ضدنا في كل حين ، ولا حقيقة الفشل الذي يمنى
به مكرهم وكيدهم، ولا تفاهة الجهود المكثفة
الدانكيشوتية التي يبذلونها في محاربتنا.
إن قضية بنجلون التي حاولوا ربطها بالشبيبة
الإسلامية بواسطة المدعو النعماني، تنطق بتفاهة
الخيط الرابط وتهافته.
ففي الوقت الذي يصرح فيه المتهم الرئيسي (مصطفى
خزار )لصحيفة الصباح المغربية وصحيفة الشرق الأوسط
اللندنية. من أن الفعل منه عفوي وغير مقصود وحدث
أثناء مشاجرة مقدمتها حوار ساخن حول ما تفوه به
بنجلون في حق الإٍسلام والرسول صلى الله عليه
وسلم، وأنه لا علاقة له بالشبيبة الإسلامية ولا
يعرف أحدا منها... في هذا الوقت نجد ربطهم للقضية
بالنعماني كي يجعلوه جسرا للشبيبة إدانة لهم
وللدولة.
ذلك أن النعماني من أتباع الخطيب قبل الحادثة
وبعدها، ولطالما تدخل الخطيب قبل الحادثة لإبعاد
بعض المضايقات عن النعماني أو تقديم بعض الخدمات
له، وبهذا الربط تكون الدولة في شخص عبد الكريم
الخطيب هي المسؤولة عن الفعل، فتحت جناحه اختبأ
النعماني في المغرب حوالي سنتين آمنا مطمئنا طاعما
كاسيا ساكنا، بل طالبا في معهد تكوين المدرسين
بمكناس إلى أن نشرت الصحف اليسارية صورته وعرف
الطلبة حقيقته ففر من المعهد، وتحت مسؤولية
الدولة أتلف الخطيب وثائق التحقيق من المحكمة
وأصولها في مراكز الشرطة ، وتحت مسؤوليتها اعتقل
النعماني ثم أطلق سراحه ثم
سفر إلى الخارج،
وتحت مسؤوليتها استمر الاتصال والتوجيه قائما بين
النعماني والخطيب في أروبا، بواسطة محمد بلحسن
الذي اعترف الخطيب للصحافة بعلاقته به، وتحت عينها
ما زالت زوجة النعماني وأولاده يزورون المغرب كل
حين في ضيافة أهله، وقد يكون النعماني معهم باسم
منتحل، وتحت مسؤوليتها تسترت الشرطة على شهود ورد
ذكرهم في التحقيق وادعت في محاضرها أنهم مجهولون
مع أن منهم من هو موظف في وزارة الداخلية لحد
الآن. كما أن أحد أتباع الخطيب اعترف أخيرا
بعلاقته بالنعماني من جهة، وبتبعيته للخطيب من جهة
أخرى وبمعاداته للشبيبة وعدم ثقتها به من جهة
ثالثة..إلى آخر الأدلة الفاضحة التي يأتي أوان
ذكرها...
وما محاولات حزب العدالة والتنمية إلا توظيفات
رخيصة وأعراض أمراض في قلوب أصحابها بتأثير ما
أشربت من نفاق وحقد وحرص على الاستفراد بجيفة
مكاسب لا ينافسهم فيها أحد. فهنيئا لحزب العدالة
والتنمية بوليهم الجديد ( عمر بنجلون)
فقد تحميهم ولايتهم له هذه من الهزيمة في
الانتخابات المقبلة، وقد تحفظ كراسيهم في البرلمان
وقد توفر لهم كراسي وزارية، وقد تحميهم من عودة
عدوهم الأول والأخير فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع
الحمداوي، وهنيئا لفضيلة الشيخ عبد الكريم بعداوة
المرتزقة والمنافقين والجواسيس والمخبرين له،
وكأني بفضيلة الشيخ يردد قوله تعالى : {وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ
يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي
وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ
تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ
وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ
عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ
تُنظِرُونِ }يونس : 71
د.محسن بناصر
حزب ( العدالة والتنمية)
ولقيط الأصمعي(الحلقة
الأولى)
حكى الأصمعي أن لقيطا شكا إليه مهانة النسب
ومعرته، وسأله أن ينتحل له نسبا إلى قبيلة ما ،
فقال له الأصمعي:" إذا سئلت عن نسبك فقل أنا فلان
بن فلان بن فلان بن فلان جد القبيلة الفلانية"،
فحفظ اللقيط النسب، ثم اختبره الأصمعي سائلا :
"ماذا تقول إن سئلت عن أصلك؟" فسرد عليه اللقيط
النسب المنتحل، فقال الأصمعي: "الآن تستطيع أن
تدعي أنك من تلك القبيلة" فصاح اللقيط بالأصمعي:"
أو لست منهم؟"
حضرتني هذه القصة عندما اشتغل حزب العدالة
والتنمية منذ شهر رمضان الماضي بالنبش عن أسرار
الحركة الإسلامية المغربية، وكأنها أصبحت في عداد
الماضي ولا أثر لها في الساحة ولا رجال، ذلك أن
عقدتهم المزمنة منذ أسستهم الاستخبارات المغربية
هي جهلهم بهذا التاريخ وجهلهم بمشاريعنا للمستقبل
وأسلوب عملنا الذي تطور بتراكم التجارب والمحن
وغذي بالصدق والإخلاص لله تعالى، والتمسك بعروته
الوثقى.
فهذا الحزب اللقيط قد استنفد
أغلب أغراض تأسيسه
من قبل الدولة من جهة، والحركة الإسلامية كشفت عن
براءتها منه من جهة ثانية، وهو قد ذاق عسيلة أموال
المسلمين التي درها عليه تجسسه وتآمره، واشتد شبقه
الكلبي إلى الاستوزار وتحمل المسؤولية المباشرة
على محاربة الدعوة والتنكيل بالمؤمنين من جهة
ثالثة، والأجهزة التي أسسته لم تعد تكفيها نتائج
نباحه على الدعوة الإسلامية ونهشه رجالها وتجسسه
على أسرارها وبرامجها لاسيما وفراغات كثيرة في
ملفات الإسلاميين لدى هذه الأجهزة ينتظر منه ملؤها
من جهة رابعة.
هذه العوامل وغيرها جعلت الأجهزة الأمنية تكلفه
بتركيز نبشه عن الحركة الإسلامية ماضيا وحاضرا
ومستقبلا، وهو ما تستفيد منه الأجهزة بتجديد
ملفاتها، وربما يستفيد منه الحزب اللقيط إن استطاع
أن ينتحل للحركة تاريخا مزورا يمكنه من الانتساب
إليها. إذ لا يعقل أن ينسب المرء نفسه إلى أسرة أو
قبيلة ليس منها وهو يجهل كل شيء عنها جهلا تاما.
في هذا السياق تذكرت اللقيط الذي لجأ إلى الأصمعي
لينتحل له نسبا مزورا، وفي هذا السياق كذلك يلح
أحد جراء حزب العدالة والتنمية على معرفة أسرار
الحركة وتاريخها، وفي هذا السياق أيضا تذكرت قول
النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الرامهرمزي
وفسره { عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله
عليه وسلم : إن « رجلا كان فيمن كان قبلكم استضاف
قوما فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، قال: فقالت الكلبة:
والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، قال: فعوى جراؤها
في بطنها، فبلغ ذلك نبيا لهم، أو قيلا لهم فقال:
مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفاؤها حلماءها،
ويغلب سفهاؤها علماءها
» , قال أبو محمد رحمه الله: الجراء جمع جرو -
بكسر الجيم - وهو ولد الكلبة، وعوى الكلب: إذا
صاح، وهو العواء - بضم العين، وهذا مثل في استعلاء
السفهاء ، وتطاول الأشرار،}، إن مثل الكلبة هذه مع
جرائها كمثل قيادات حزب العدالة والتنمية مع
رئيسهم السابق إدريس البصري، إذ سكت المؤسس ونبح
الجراء علينا نيابة عنه.
هذا الأسلوب الأمني جربته الأجهزة البوليسية في
عهد إدريس البصري، فكونت عدة مجموعات تحت مسميات
كثيرة أشرف على بعضها الضابط الحسين جميل وعلى
بعضها الضابط اليوسفي وعلى بعضها الضابط الخلطي
الذي كشف في صحوة ضمير علاقته بتأسيس حزب العدالة
والتنمية وعلاقته بمجموعة السداسيين وعلاقته
بمجموعة التبين، وهاهي الأجهزة مرة أخرى تكلف
جاسوسها التقليدي عبد الإله بن كيران بنفس المهمة
في إخراج جديد يقوم فيه أحد الجراء باستنطاق
مجموعات من المغفلين والحاقدين والمخبرين,
والمذعورين من احتمال عودة المنفيين وخروج
المعتقلين من السجن، والطامعين في ترشيح لانتخابات
برلمانية أو بلدية ليلقي البوليس على ألسنتهم ما
يريد أن يكيف به الساحة السياسية وليساهموا في
توضيح الغبش الذي تعاني منه نظرة الأجهزة إلى
الساحة الإسلامية، وليصرفوا رجال الفكر والسياسة
وكافة الإسلاميين الصادقين عن الاشتغال بدراسة
منهجنا الفكري العقدي للتغيير والتطوير والإنقاذ،
وليشغلونا بالجدل العقيم والتفكير السقيم عن
متابعة طريقنا النير الرشيد.
ولعل من غرائب التقديرات الإلهية في هذا الأمر أن
هذا الحزب قد اشتد غضبه عندما وصفه الفقيه السلفي
الشيخ عبد الباري الزمزمي بالحزب اللقيط وبأن
أخلاقه أكثر دناءة من أخلاق الكلاب، وغضب عندما
وصفه الدكتور فريد الأنصاري بالفجور السياسي
والانحطاط الأخلاقي وعبادة عجل الذهب الذي لوحت به
السلطة لقياداته، وغاب عنهم أن ما يشيعونه عن
الحركة الإسلامية ومرشدها العام وما يبدونه في هذا
المضمار من شيطنة وأبلسة وخبث يؤكدان تماما ما
قاله عنهم الشيخان الزمزمي زالأنصاري ويصدقانه.
ولعل من غرائب التقديرات الإلهية أيضا أن الحزب
اللقيط في عدوانه على الحركة الإسلامية قدحقق
ثلاثة ( أهداف) هي:
1-
إجماع الأمة على فساده وخيانته وتجسسه وعمالته.
فالحركة السلفية المغربية في السجون بسبب تجسسه
عليها, وحكمها عليه معروف, والحركة الإسلامية
المغربية تبرأت منه, وعباس الفاسي عن حزب
الاستقلال أعلن على الملأ أن وزارة الداخلية هي
التي تسيره، وكافة فصائل اليسار المغربي يجأرون
بعمالته وبتبعيته العمياء للأجهزة، وكذلك الجمعيات
الإسلامية التربوية الصادقة وجمعيات المجتمع
المدني في المغرب قاطبة، مما يعد إجماعا للأمة على
فساد هذا الحزب اللقيط، والأمة لا تجتمع على ضلالة
أبدا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم
«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي
من أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلاَلَةٍ».
2-
أكدوا بتصرفاتهم هذه صدق ما قاله عنهم الشيخان
الأنصاري والزمزمي.
3-
أكدوا بما يكتبون تجذر الحركة الإسلامية المغربية
بفكرها الرشيد في مجال التدبير العام سياسة
واقتصادا واجتماعا وتربية، وخطورة شأن قيادتها
الرشيدة ومؤسسها فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع
الحمداوي حفظه الله تعالى وبارك فيه، وتميزها عن
الظالمين وفساقهم وطواغيتهم.
4-
أكدوا بتصرفاتهم هذه أنهم هم السفهاء الذين يبتلي
بهم الله تعالى في كل زمان أنبياءه ورسله وورثة
أنبيائه ورسله من دعاة القسط والعدل، فهنيئا لهم
بهذا الدور الذي اختاروه لأنفسهم والذي لم يكتبه الله إلا على من غضب
عليه ومقته.
ولعل الشبق الكلبي لدى هذا
الحزب اللقيط إلى الاستوزار ومحاولته استرجاع
مكانته التجسسية لدى الأجهزة، وحرصه على الاحتفاظ
بعسيلة الرشوة التي تنهال عليه من أصحاب القرار،
هو ما جعله يستميت في القيام بهذه المهمة الدنيئة
ويعلن عن مشقة الجهد المبذول فيها عله يرتفع عند
رؤسائه درجة أو درجتين، فينال الحظوة المرجوة
والمنصب المناسب للجهد.
ولعل خوف الدولة من انكشاف أمر عميلها التاريخي
"الجاسوس عبد الكريم الخطيب" لاسيما وقد أشرنا في
الحلقة الخامسة من سلسلة " جذور الخيانة والتجسس
في حزب العدالة والتنمية" إشارات محتاجة لتفصيل
إلى تورطه في جميع الاغتيالات السياسية منذ إعلان
الاستقلال إلى الآن، هو مما ساهم في رفع درجة
الهجوم علينا من قبل بيادقه في حزبه اللقيط.
ولعل سعارهم اشتد عندما تخيلوا أن الاستوزار قد
يبتعد عنهم بفشلهم في القيام بهذه المهمة الجديدة،
ومعروف أن الكلب يشتد سعاره إذا ما وضعت عند أنفه
سمكة ثم أبعدتها عنه أو نزعتها من بين أنيابه.
نحن لا يهمنا سعار كلاب السلطة، فكل صاحب قصر له
الحق في تربية سرب كلاب أو ذئاب أو ثعالب، ولا
يعنينا هدوء كلاب السلطة أو نباحها أو نهشها أو
سعارها، فمن جاء على أصله لا سؤال عليه. ولكن
يعنينا صاحب الكلاب وآمرها.
ولقد كنا استبشرنا بالعهد الجديد وملامح الرشد
التي ظهرت في بعض تصرفاته أولا، ولكننا بعد
متابعتنا لسير الدولة العام في علاقاتها بمواطنيها
وعلاقاتها بالصادقين المخلصين من شعبها وعلاقاتها
بدعاة العقيدة والأخلاق الإسلامية السليمة،
وعلاقاتها بالتدبير العام السليم، ومواقفها من
الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي المستشري في
النخبة الحاكمة والذي تحولت به بلادنا إلى مستنقع
للرذيلة في أبشع صورها....عند متابعتنا لكل هذه
الأوضاع تأكد لدينا أن أسلوب الدولة في المعالجة
لم يتغير مطلقا عن عهد أوفقير والدليمي والبصري،
بل تأكد لدينا أن الأوضاع ازدادت سوءا أكثر من ذي
قبل.
لذلك ليس لدى الصادقين من أبناء هذه الأمة إلا أن
يحزموا أمرهم ويضاعفوا جهودهم الهادئة الرزينة
البعيدة عن العنف والعنفوانية، من أجل إنقاذ ما
يمكن إنقاذه، لتبقى بلادنا في حضن العقيدة السمحة
والأخلاق الإسلامية الرفيعة، وليستتب فيها نظام
الإسلام الحقيقي الذي يتيح للشعب المغربي أن يتسلط
على أمره الجامع تقريرا وتنفيذا ومراقبة
ومحاسبة...
إن الطريق طويل وشاق، والمؤمن له فيها أجر خمسين
من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء
الله تعالى، كما ورد في الحديث الشريف (أنتم اليوم
على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر وتجاهدون في الله، ثم يظهر فيكم السكرتان:
سكرة الجهل وسكرة حب العيش، وستحولون عن ذلك فلا
تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون في
الله، القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر
خمسين صديقا قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟
قال: لا بل منكم).
وعلى أعضاء حركتنا المباركة
أن يتركوا الدولة لشأنها ويكلوها لأعوانها من
المنافقين والفاسدين والمرتزقة والكلاب الملتحية
المتخصصة في العض والهراش والنباح والنهش، فعند
الصباح يحمد القوم السرى، وسيكشف الله تعالى لمن
تكون له عقبى الدار.
-
{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ
الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى
الدَّارِ }الرعد42
-
{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ
إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ
لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ }الأنعام135.
د. محسن بناصر
قومة ياسين...
نبوءة أم خرافة أم تمهيد وتوطئة؟
عندما
أطلق عبد السلام ياسين منامته " القومة" وتنبأ بسقوط
النظام خلال هذه السنة (2006)، وانطلق أتباعه يبشرون بما
أطلقوا عليه "الرؤيا النبوية" وبما فرخته أوما تناسل عنها
من رؤى الأتباع والمريدين، لم نكن لنبتلع هذه الأسطورة
التي سرت بين الجهلة وذوي العقول السقيمة سريان النار في
الهشيم، وتلقفها وروج لها الأتباع الذين يعدون عجينا بيد
عاجنهم ياسين، أو ميتا بيد غاسلهم "الشيخ المربي". فنحن
نعرف المستوى العقلي لمهندس هذه الأسطورة، وهو ليس
بالخرافي ولا الغبي، ولا البليد ولا المأفون، ولكنه يوظف
الخرافة والغباء والبلادة والأفن، إنه عبد السلام ياسين
الذكي إلى حد الشيطنة والشاطر إلى حد كبير...، إن الرجل
شديد المراس في المكر والكيد وليس من السهولة أن نصدق أنه
رأى رؤيا فآمن بها فنشرها وجند أتباعه للتبشير بها...
لابد أن وراء الأكمة ما وراءها... فماذا وراءها؟
لقد نسج الرجل شبكة خيوط في الداخل والخارج يستخدمها
لتحقيق مآربه السياسية التي تعد السيطرة على البلاد في قمة
أولوياتها، واستطاع أن يتوغل إلى عمق القصر الملكي في عهد
الملك الراحل الحسن الثاني بواسطة صهره ( صهر ياسين
خال أبنائه المدعو محمد
شفيق ) الذي عين عضوا في الديوان الملكي ومارس التغطية
عليه وحمايته وتزويده بالأخبار والتحليلات ، وربط خيوطه
بمن يفيدونه في برامجه وتخطيطاته، وما زال لحد الآن يزوده
بكل ما يرجى نفعه، حتى إنه لم يعتقل قط وإنما كان كلما غضب
منه الملك الراحل وجد من الحاشية من يدافع عنه ويموه على
أقواله وأفعاله بالتأويل والتضليل، حتى إقاماته "الجبرية"
في المستشفى أولا وفي بيته ثانيا لم تكن إلا تفرغا لحركته
التي كان يزودها من (استراحته الإجبارية) بالدروس المسجلة
والكتب المطبوعة على سمع الدولة وبصرها، ويلتقي الزوار في
بيته كل وقت وحين...وفي ظروف كانت تصدر فيها أحكام الإعدام
على أعضاء الحركة الإسلامية المغربية لمجرد منشور بسيط لا
قيمة سياسية له. وتحتجز أسرهم وأبناؤهم نساء وأطفالا
رهائن لدى البوليس.
بل لم يعدم من رجال الأمن إشادة به وتنويها بالتزامه الرفق
وابتعاده عن العنف بالرغم من تورط جماعته في اغتيال طالب
في وجدة بأبشع طريقة وأفظع وسيلة!!! كما تعاملت الأجهزة مع
تصريحاته وتصريحات أتباعه الخاصة برأس النظام الملكي
بأسلوب إعلامي يخدم نهجه ويروج أخباره ويقدمه للناس منقذا
ومبشرا بالإنقاذ! فكيف غاب هذا عن المحللين السياسيين
وروجوا عن الرجل إغراقه في الخرافة والشعوذة والأحلام
الغبية وهو يمهد حقا لحدث جليل هو سقوط النظام وقيام بديل
عنه؟
في الجانب الآخر من المشهد المغربي تبدو لنا ملامح برنامج
يساري يكمل الصورة ويرسم جزءا من معالمها...إنه موقف
اليسار المغربي منذ قيام العهد الجديد وتسلله إلى أهم
مرافق الدولة، ذلك أنه ما فتئ يسعى بنوع من الحذر والحيطة
لنفس أهداف عبد السلام ياسين، سواء في تغطيته للجنة
الإنصاف والمصالحة التي طمرت مظالم اليسار الخاصة بجرائمه
في تصفية علماء المغرب ورجاله في المقاومة وجيش التحرير،
وقدمت رموزه بصفة أبطال قاوموا التجبر السلطاني واستبداد
الحكم الفردي، غير مغفلين أن يبعثوا للملك برسائل التهديد
والوعيد المبطنين، وفي نفس الوقت يتهمون غيرهم من الحركة
الإسلامية المغربية بتهديد الملكية، بل بلغ الأمر بهم إلى
الإشادة بأعمالهم المسلحة ضد الدولة والنظام والافتخار
بها، والاعتراف الصريح بتعاونهم في مؤامراتهم مع
الاستخبارات المغربية التي أشرف عليه أوفقير والدليمي.
زاعمين أن ما قاموا به كان من مفبركات الاستخبارات ومن أجل
رفع التوتر العام تمهيدا لمحاولتي الانقلاب الفاشلتين.
وفي نفس السياق لاحظنا تعاطفا شديدا أيضا بين هذا اليسار
وبين بعض الأعضاء في أجهزة الاستخبارات المغربية، إشادة
بهم في صحيفتي الاتحاد الاشتراكي والأحداث، وتغطية
لأخبارهم السرية والمعلنة وتعاطفا معهم ومطالبة بحقوقهم
وضغطا من أجل تزويدهم بالأدوات والأجهزة والأسلحة والوسائل
الكفيلة بتفعيل نشاطهم، وعندما شنت الدولة حملتها الأخيرة
من أجل تطهير هذا القطاع من المرتشين ومتاجري الحشيش
وأعوانهم المباشرين وغير المباشرين، خنست هذه الصحف ونقلت
أخبار حملة التطهير باحتشام وخجل وإيجاز، ثم أخذت أخيرا
تدافع عن الموقوفين من فسدة الأجهزة من وراء حجاب!!! فماذا
وراء هذه الأكمة؟ أهو مجرد تعاطف في الله، والوطن؟ أم هو
المكر بالدولة والخديعة؟ وقديما تساءلت الزباء عن جمال
محملة أهديت لها قائلة: ماللجمال مشيها وئيدا ؟ أجندلا
يحملن أم حديدا ؟ ، فأجيبت: بل الرجال قبضا قعودا
...!!!
ثم تكتمل الصورة بانكشاف شبكة تجارة الحشيش التي يديرها
الشريف بين الويدان بتنسيق تام وحماية رسمية من بعض
الأجهزة الرسمية التي اعتقل بعضها وأقيل بعضها الآخر...
ثم بانكشاف اختراق خطير حققته شبكة تجارة المخدرات المحمية
أمنيا لأخطر منصب في القصر الملكي بتعيين عضو منها على رأس
جهاز حماية أمن الملك،
ثم بانكشاف ارتباط وثيق بين عبد السلام ياسين ورئيس عصابة
تهريب المخدرات الشريف بين الويدان، الذي ثبت أنه ينفق علي
الشيخ وعلى حركته، ويتصل به سرا باستمرار، ثم لما اقتربت "
القومة " استضافه في الشمال ونشر مكرماته وأحلامه ورؤاه!!!
فماذا وراء الأكمة ... أكمة " قومة عبد السلام ياسين" التي
اعتبروها خرافة وتجذيفا وشعودة؟ هل هي حقا كذلك أم هي مفصل
من خطة للانقضاض على الدولة؟
إن قراءة متأنية للأحداث، يتبين بها أن اليسار المغربي
:
تحالف مع بعض رجال الأجهزة المغربية للانقلاب على الدولة،
ولكن افتقاده للقاعدة الشعبية ألجأ المتآمرين إلى استخدام
عبدالسلام ياسين أتباعا ومنهجا، لغايتين: أولاهما ضمان
الشارع الشعبي عند ضربتهم المرتقبة، والثانية التمهيد
الإعلامي النفسي القَبْلي للضربة، وقد كانت رؤيا " القومة
" وبشارة سقوط النظام هي وسيلة الانقلابيين لاستمالة الشعب
وإعداده للتعاطف مع قومتهم التي بشر بها ياسين وتعهد
بتوطئة أرضيتها في حال قيامها...
الأمر إذن ليس رؤيا، ولكنه تخطيط محكم وبرنامج أعد له
بليل، وسرب الخبر إلى الشيخ المربي فقام بإخراجه على شكل
رؤيا، وهو ما يناسب العامة والرعاع وأتباع كل ناعق.
إن المخططين لهذا الأمر مهدوا له بالتحالف مع اليسار في
الاتحاد الاشتراكي، وحاولوا استخدام الزخم الديني في
الطريقة الصوفية، التي لا تملك برنامجا سياسيا قابلا
للتنفيذ، وإنما غاية همها تقديس شيخها بعد قيام النظام
المرتقب، وحتى إذا لم ترض بنصيبها من الكعكة فتصفيتها
بسيطة وممكنة، لا سيما وقد تم قمع العناصر التي يمكن أن
تقف في الطريق وتعرقله من الحركة الإسلامية المغربية
والسلفيين الذين استعانت الأجهزة واليسار وجماعة عبد
السلام ياسين على تصفيتهم بالاغتيال والقتل والسجن والنفي
والتشويه والتفسيق والتكفير..
إن الأكمة إذن وراءها تخطيط دقيق للانقضاض على الحكم،
أطرافه الرئيسية هي:
· بعض
الأجهزة الأمنية من بقايا أوفقير ومدرسته.
·
شبكات تجارة المخدرات العالمية التي تسعى لتحويل المغرب
إلى سوق عالمية حرة للمخدرات نظرا لموقعه الاستراتيجي بين
أوربا وأفريقيا والعالم العربي.
·
اليسار الحاقد على النظام وقد قبل يد الملك باليمنى وأخفى
الخنجر باليسرى.
·
عبد السلام ياسين المتلهف إلى المشيخة، والذي يستخدمه بعض
رجال الاستخبارات وتجار المخدرات، كي يمهد لهم سبيل
الانقضاض، ويبشر به ويوطئ طريقه بالرؤى والأحلام، ويكفيه
من الغنيمة أن يعينوه مرشدا لهم وشيخ شيوخهم، كما بدا أنهم
وعدوه به....
لقد خلا الجو للمتآمرين فباضوا وصفروا ونقروا ما شاؤوا أن
ينقروا... ولله الأمر من قبل ومن بعد...
السويد في 27 ذي القعدة 1427هـ، موافق 18 ديسمبر
2006م
الشبيبة الإسلامية المغربية
الأمانة العامة
قراءة
في كتاب الدولة الإسلامية شرعية
الوجود
وآلية التأسيس والتشريع والتسيير
لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
بقلم:
الدكتور
حسن عبد الرحمن بكير
قد يكون من المألوف أن يتناول الباحث بالدراسة ما أبدعه
غيره شرحاً واختصاراًً وتعليقاً،أو قراءةً وتعليقاً. غير
أن شعوراً بالتردد ينتاب المرء وهو يحاول الإقدام على عمله
هذا، سببه الخشية من بخس الدراسة حقها والتقصير في إيفاء
العمل ما يستحقه من بيان وتوضيح.
ولا شك أن أهمية الموضوع وخطورته تضيفان سببا آخر لمثل هذا
الشعور وتؤكدانه.
إلا أن واجب الوفاء وأمانة الشهادة والتبليغ مما يحفز على
اقتحام العقبة ويشجع على الإسهام في الدراسة بمحاولة
البيان والتعريف حرصا على تحري الحق والصواب.
إن كتاب «الدولة الإسلامية: شرعية الوجود وآلية التأسيس
والتشريع والتسيير» للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي يمثل
دراسة متميزة في شكلها ومضمونها: فقد جاءت رسالة موجزة –
شكلاً – وجديدةً – مضمونا – بما رسمته من معالم لاتجاه
جديد في دراسة الفقه السياسي الإسلامي.
ومعرفة السياق الذي ألف فيه الكتاب وفهم خلفياته يعينان
على إدراك أهمية ما يقدمه من قضايا وتصورات. يقول الشيخ: «
في هذا المضمار وقد قمت في كتاب "فقه الأحكام السلطانية
محاولة نقدية للتأصيل والتطوير" بمراجعة الفقه السياسي لدى
المسلمين قديماً وحديثاً، وتبين لي ما شاب هذا الفقه من
غبش وخلط بين الشرعي والوضعي، والذاتي والنفعي، أيقنت
بضرورة الإسراع بالتفكير في حل معضلة نظام الحكم لدى
المسلمين بما هو أصيل في الكتاب والسنة، وبما يعيد إلى
عراه المنتقضة أول بدء الانتقاض تماسكها وقوتها وسيرها إلى
المقصد الذي خلقت له ومن أجله».
فالكتاب – إذن – هو الجزء الثاني المكمل لعمل سابق استغرق
من صاحبه جهداً مهماً، استعرض فيه الفقه السياسي عبر
تاريخه الطويل منذ نشأته إلى الوقت الحاضر، وتناوله بالنقد
والتمحيص في سياق عمل تأصيلي يرمي إلى حل معضلة نظام الحكم
لدى المسلمين بما هو أصيل في الكتاب والسنة.
ولئن كان العمل الأول بطبيعته التأسيسية ومنهجه الاستقرائي
والتحليلي قد استغرق الجهد الأكبر، فإن التوسع في بعض
مباحثه - وبخاصة الأخيرة -كان سيخل بتوازن فصوله؛ لذا يبدو
أن فضيلة الشيخ أراد استكمال المشروع بمزيد من البيان
والتوضيح لاسيما وأن ما أثاره الكتاب بعد نشره وتوزيعه أكد
ضرورة هذا الاستكمال الذي يجيب – فيما أرى – عن أغلب
الأسئلة التي طرحها بعض النقاد والدارسين لكتاب «فقه
الأحكام السلطانية».
وسواء أكان هذا الأمر مقصوداً أم لا، فإن مرور فترة زمنية
بين العملين قد أفادت المشروع وأثرته بجملة من الملاحظات
والتعليقات والتساؤلات التي وجدت لها إجابات شافية من خلال
توسع المؤلف في تحديد وتوضيح مصطلحات رئيسة وردت في «فقه
الأحكام» غير أنها لم تتبلور لدى بعض القراء.
فالكتابان –إذن- مشروع بناء يقوم على أساسين: أولهما يقوم
بمسح أرضية البناء وتهيئتها وإزالة ما تراكم عليها مما
انهدم من البنيان، وثانيهما يعتمد على تثبيت الأركان ورفع
البنيان.
والمشروع في الكتابين معا يحاول أن يرسم معالم اتجاه جديد
في دراسة الفقه السياسي؛ ذلك أن هذا الحقل من الدراسة على
أهميته تجاذبه اتجاهان رئيسان:
-
أولهما وأشهرهما: اتجاه فقه الأحكام السلطانية الذي أرسى
الفقهاء والمتكلمون قواعده على أساس ما هو واقع وموجود، لا
على ما ينبغي أن يكون عليه من تأصيل شرعي في رحاب الكتاب
والسنة.
-
ثانيهما: اتجاه النظم الديموقراطية الذي ترك آثاراً واضحة
لدى مفكري الصحوة وهم يتلمسون السبل لحل معضلة نظام الحكم
منذ أكثر من قرنين من الزمان محاولين إيجاد نسخة معدلة
تتفق وواقع العالم الإسلامي، غير أن محاولة التوفيق شابها
كثير من التلفيق، فلم تفلح تلك الجهود في تأصيل شرعي لنظام
حكم إسلامي مضبوط بالكتاب والسنة.
وهذا ما بدأ الكتاب بالإشارة إليه في مبحثه الأول عند
حديثه عن أزمة النظام السياسي الذي انحصر لدى المسلمين بين
استبداد سافر واجتهاد تبريري سائب، وهذا أكبر ما واجه
الأمة الإسلامية من معوقات في مجال تدبير الشأن العام.
فإذا كان أخطر خلل عرفته الأمة قد أصاب نظام الحكم فيها،
حيث اختل فكراً ونظراً وتطبيقاً بسقوط الخلافة الراشدة؛
فإن نقطة البدء في الإصلاح يفترض أن تنطلق من معالجة الشأن
السياسي، وهو ما حاوله مفكرو الصحوة من أمثال: الأفغاني
وعبده ورشيد رضا والطهطاوي... غير أن محاولاتهم لم تثمر
تأصيلاً حقيقياً للموضوع لوجود عوائق أهمها:
- اعتبارهم النظام السياسي في الإسلام متمثلاً – بالضرورة
– في دولة فوقية تملك السلطة العليا والمسؤولية المطلقة عن
تدبير حياة الأمة في مجالاتها كافةً.
- ولجوؤهم إلى حلول ترقيعية تخلط بين الاستبداد السلطاني
الذي خيم على البلاد الإسلامية ردحاً من الزمان وأشكال
الديموقراطية الغربية المستوردة والمستمدة جذورها من تراث
اليونان.
وكلا المنهجين لا يمثل – بحال – النظام السياسي الإسلامي
الأصيل؛ فمصطلح «الأحكام السلطانية» نفسه ابتداع من بعض
فقهاء المسلمين ومتكلميهم، حيث حصروا مباحثه في: الإمامة،
وأهل الاختيار، وولاية العهد، وتقليد الوزراء والمظالم،
وإمامة الصلوات الخمس والحج، والقضاء، والجزية، والخراج،
وأحكام العقوبات...إلخ واقتصرت وظيفته على تبرير النظم
الفردية وتصرفات حكامها، ولا شك أن نظاما كهذا عاجز عن
مسايرة الرشد الذي بلغته الإنسانية؛ لأن تحديات العصر تجعل
من المستحيل تعايش البشرية مع كل ضروب الحكم الفردي.
وعلى الرغم من أن النظام الديموقراطي عاجز عن استيعاب
الشأن العام للأمة المسلمة نظراً لمحدودية مضمونه واقتصاره
على الشأن الدنيوي المادي الصرف واستبعاده أمر الدين عن
نظام الدولة والمجتمع؛ فإن الغرب استطاع تطوير تراثه
اليوناني السياسي بما يضمن مستوى من المشاركة في تدبير
الشأن العام واعتبار الحكم وظيفة خاضعة للمراقبة والمحاسبة
والجزاء.
إن الإسلام الذي نظم دقيق شؤون الفرد والجماعة وجليلها في
ميادين الحياة كلها لا يمكن أن يغفل عن تنظيم أخطر آلية
لبناء الأمة الشاهدة؛ لذلك كان لزاما بلورة نظام تدبيري
للأمة المسلمة منبثق انبثاقاً طبيعياً أصيلاً من الكتاب
والسنة وما يحمل عليهما ويقرانه.
وهذا ما حاول الكتاب التمهيد لـه وإرساء قواعده. ولئن كان
القيام بمثل هذا العمل شاقاً ومحتاجا إلى جهود متضافرة؛
فإن المؤلف قد مهد له في كتابه السابق ببيان أساسه وجوهره،
وهو الشورى الجماعية التي تعيد الاعتبار للجماعة المنضبطة
بالكتاب والسنة، وأكمل التصور بإيضاح السبل والوسائل التي
يتحقق بها قيام الخلافة الراشدة الموعودة.
واتضاح سبيل هذا النظام – كما بينه وشرحه – إنما يتم
بآليتين لا غنى عنهما:
1 – آلية بناء هذا النظام نظراً وتطبيقاً.
2 – آلية الاجتهاد الخاص بملء هذا الفراغ التشريعي.
وفي تناوله لآلية بناء النظام السياسي في الإسلام بدأ
بالحديث عن شرعية وجوده أولاً، مستعرضاً مختلف الأصناف
التي عرفها المسلمون - قديماً وحديثاً – ولم تخرج في
مجملها بعد سقوط الخلافة الراشدة عن النشأة الفوقية ذات
الطابع الاستبدادي سواء كانت سلطانية أو ديموقراطية أو
قومية أو اشتراكية أو تلفيقية.
إن نقطة البدء في أي إصلاح – كما يؤكد الكتاب - تأسيس
النظام الشرعي الحق الكفيل بتطبيق الشريعة وإقامة أمر
الإسلام الجامع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وليكون
الأمر كذلك وجب أن يرتكز على أربعة دعائم:
1 – شرعية الوجود أولا ومصدرها حجر الأساس الذي هو
العقيدة.
2 – شرعية التشريع المنبثقة من شرعية الوجود.
3 – شرعية التسيير والتنفيذ المنبثقة من شرعية التشريع.
4 – شرعية الهدف المنبثقة من شرعية الوجود والتشريع
والتسيير.
وهو ما ينطبق تمام الانطباق على النشأة الأولى للدولة
الإسلامية في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ إذ
نشأت الأمة من اجتماع الجماعة الإسلامية حول بذرة العقيدة
متفاعلة بها ومعها ومن أجلها ومنظمة شأنها العام بواسطة
الشورى الجماعية قراراً وتنفيذاً ومحاسبةً ومراقبةً،
بعيداً عن أي احتكار للسلطة أو استئثار بالنفوذ أو مصادرة
للرأي والحريات.
إن دولة الإسلام التي أرسى الرسول صلى الله عليه وسلم
دعائمها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً قد سبقت كل الأنظمة
البشرية في تنظيم العلاقات بين جميع أفراد المجتمع بغض
النظر عن دياناتهم وطوائفهم وعصبياتهم؛ هذا ما تشهد به
وثيقة المدينة التي رسخت قواعد المجتمع المتكامل وأسست
مفهوم المواطنة الصالحة حقوقا وواجبات دون إغفال مرتكز
العقيدة الذي يحفظ للأمة شخصيتها ومقومات وجودها؛ فكانت
بذلك «أول تعاقد سياسي رسمي أسس للدولة في الإسلام أركانها
وقواعدها ومنهج سيرها...» ببيان:
1 – مبدأ المواطنة المشتركة في الدولة الإسلامية.
2 – مبدأ التكافل الاجتماعي.
3 – مبدأ المحافظة على أمن الدولة والمجتمع.
4 – مبدأ المساواة والتسيير الذاتي للمجتمع.
5 – مبدأ الدفاع المشترك بين جميع المتساكنين.
6 – مبدأ حرية الاختيار وتقرير المصير للمخالفين.
7 – مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة.
وبعد إقامة أركان البناء الشرعي للدولة توالت حركة التشييد
لعقد من الزمان إلى أن توجت بالتوجيهات النبوية الكريمة –
في حجة الوداع – محددة معالم الطريق للأمة لتدبير شأنها
العام، من خلال تأكيد مبدأ وحدة المجتمع المسلم ومساواة
أعضائه، وترسيخ مبدأ العدل ونبذ الظلم.
فاكتمل – بذلك – التصور الإسلامي لنظام التدبير العام
بعيداً عن كل مفاهيم التحكم والاستبداد والاستئثار الفردي
أو الفئوي بالسلطة والنفوذ والخيرات؛ حيث يكون أفراد
المجتمع كلهم مسؤولين عن شؤونهم تقريرا وتنفيذا ومحاسبة في
إطار حلقات أو فضاءات أفقية تؤمن ثلاث دعائم مركزية
لقيام الدولة الإسلامية:
-
دعامة الانتشار الدعوي حيث تقوم الأمة كلها في فضاءاتها
الدعوية بنشر الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
-
ودعامة تسيير الأمر العام بواسطة الشورى الجماعية قرارا
وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة، بتحول الفضاءات الدعوية نفسها
إلى فضاءات شوروية.
-
ودعامة حماية الأمة مدافعة ومطاولة بتحول نفس الفضاءات إلى
أرتال للدفاع وكتائب لحفظ البلاد وصون الكرامة والسيادة
وتأدية الأمانة كاملة للأبناء والأحفاد.
إن قيام هذه الفضاءات الدعوية والتدبيرية والدفاعية هو
الذي يعبر عن جوهر النظام الإسلامي الحق الممثل للرسالة
السماوية بمناهجها لحياة الأفراد والمجتمع، وهو ما يعطي
هذا النظام شرعيته وربانيته.
وبعد بيان فضيلة الشيخ شكل الدولة ومركز العقيدة منها،
انتقل إلى الحديث عن جوهر رسالتها وغاية سيرها مستدلا
بالآيتين القرآنيتين:
}وَلْتَكُنْ
مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
{
(آل عمران:104)،
}
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
{
(التوبة:33).
فإذا كان شكل الدولة هو الأمة الشاهدة، فإن جوهر رسالتها
هو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لتحقق غاية سيرها وهو الظهور الخيري حتى لا تكون فتنة
ويكون الدين كله لله.
ولا شك أن هناك ترابطاً متيناً بين هذه الأسس كلها؛ لأن
قيام الإسلام بصفته منهج حياة متكاملاً لا يستقيم له أمر
إلا بقيام دولته ونظامه السياسي المتمثل في أمة عدل موحدة،
كل أعضائها مشاركون – على حد سواء – في التقرير والتسيير
والتنفيذ والمراقبة والمحاسبة والحرص على تحقيق العدل
والخيرية حتى تكون هذه الأمة أهلاً للشهادة على غيرها.
غير أن إقامة هذا النظام السياسي المنشود يستوجب – ولا شك
– اجتهاداً واسعاً بما يتناسب ومستجدات العصر التي قد لا
يتسع لها التراث الفقهي على فضله وقيمته وثرائه وتعدد
مسالكه وآلياته.
وهنا يلامس فضيلة الشيخ أكبر معضلة تواجه هذا الاجتهاد،
وهي ذات شقين:
-
الشق الأول: ضرورة
تحيين الفقه الإسلامي المستند إلى النصوص وما يحمل عليها،
وهو ما أطلق عليه: «منطقة التشريع
النصي».
-
الشق الثاني: الاجتهاد في مجال التصرفات الفردية والتدبير
العام مما ليس فيه نص، وهو ما أسماه «منطقة الفراغ
التشريعي».
أما عن التشريع النصي الذي ينظم في إطار الأحكام الخمسة
مساحات شاسعة من العبادات والمعاملات؛ فإن أهم ما يشوبه من
مشكلات مرجعه إلى الخلافات المذهبية؛ ذلك أن التمزق
المذهبي والطائفي بين المسلمين يمثل أحد أهم العوائق أمام
قيام الدولة الإسلامية الجامعة في تعاملها مع كل حالات
التشريع النصي: اجتهاداً وقضاء وفتوى وتدبيرا للشأن العام
وتقعيداً للأصول والفروع ومناهج الاستنباط.
فإذا كان الاختلاف الفقهي في بداية ظهوره دليل سعة ومرونة
وسماحة وثراء، فإنه غدا في مراحل ضعف المجتمع الإسلامي
سببا للفرقة والتنازع وعائقاً أمام توحيد الأمة على منهج
رشيد وفي إطار دولة جامعة قوية متعالية عن النزعات
المذهبية والطائفية.
وفي سبيل إيجاد حل لهذه المعضلة يقترح الكتاب منهجين
اثنين، يتم اختيار أحدهما تبعاً لظروف الواقع وملابساته.
أما المنهج الأول الجذري، فيتمثل في المبادرة بحركة علمية
مثابرة يقوم بها نخبة من العلماء تتوفر فيهم الكفاية
العلمية بالكتاب والسنة ومختلف علوم العصر-على اختلاف
مذاهبهم الفقهية- في إطار مجلس علمي متفرغ لمهمة توحيد
التشريع المذهبي الخاص بتدبير الشأن العام وفق الأسس
الآتية:
-
تحديث وتوحيد مفاهيم المذاهب كلها لآيات الأحكام وأحاديث
الأحكام.
-
تحديث وتوحيد طرق الاستنباط وتحديد مدى الاعتماد على
الأدلة المختلف فيها والتعبد بها.
-
إعادة تصنيف نصوص السنة النبوية حسب درجتها من الصحة سنداً
ومتناً لدى جميع المذاهب وحسب مرتبة إجماعهم عليها.
وأما المنهج الثاني، فمرحلي، تقوم به دولة إسلامية صادقة
-ولو كانت مذهبية-، بهدف تجاوز المذهبية التشريعية بخطى
جادة ومتأنية تتلخص فيما يلي:
-
الاعتراف بالتعددية المذهبية داخل المجتمع الإسلامي وضمان
حق مشاركة الجميع في تدبير الشأن العام وفق المنهج الشوروي
الأصيل.
-
إقرار كل ولاية على مذهبها وإعطائها حق التشريع المذهبي
بما لا يتعارض مع وحدة الدولة وتماسكها.
-
تأسيس مجلس علمي مركزي للرقابة التشريعية على مستوى التراب
الوطني، مهمته مراجعة التشريعات المذهبية والفصل في
المنازعات.
-
تأسيس مجلس علمي من جميع المذاهب مهمته الإعداد علميا
وعمليا لمرحلة تجاوز المذهبية في مجال تدبير الشأن العام.
هذا في ما يتعلق بالاجتهاد في إطار النصوص وما يحمل عليها،
أما الاجتهاد في إطار منطقة الفراغ التشريعي، فإن المؤلف
يقدم للموضوع بتحديد المصطلح أولاً، فدوائر التشريع إما أن
تضم التشريع الملزم وهو المستمد من الكتاب والسنة وأدلة
الفقه المعتبرة، وإما أن تضم التشريع المحرم، وهو ما كان
الاحتكام فيه إلى غير الله تعالى في مسألة فصلت فيها
النصوص بطريق القطع أو القياس أو الاستنباط، وإما أن تضم
التشريع المباح أو المأذون فيه أو ما أسماه بعض الباحثين
«منطقة الفراغ التشريعي» وتشمل هذه المنطقة: القضايا
الدنيوية التي لم يرد في شأنها تشريع من الكتاب والسنة وما
يستند إليهما من الإجماع أو يحمل عليهما بالقياس.
وهي وقائع كثيرة تغطي مساحات شاسعة من النشاط البشري
اجتماعا واقتصادا وسياسة...
فإذا كان أهل الظاهر يرون أن هذا الصنف من القضايا باق على
أصل البراءة وحكمه بقاء ما كان على ما كان، لأن الله تعالى
لم يخبر عن حكمه فيه رحمةً بالناس وتوسعةً عليهم - فإن
غيرهم من الفقهاء – ومن ضمنهم فقهاء المذاهب الأربعة –
ذهبوا إلى أن لكل قضية - من هذا الصنف - حكماً لله فيها
يجب على المجتهد إظهاره وإلا أثمت الأمة كلها لكون
الاجتهاد فرض كفاية.
ولعل أهم ما انبنى على هذا الخلاف جواز اعتبار ما استنبط -
في مثل هذه القضايا- تشريعاً إسلامياً أو عدم جوازه؟ فإذا
عُدَّ الاجتهاد في هذا المجال تشريعاً إسلامياً خضعت
أحكامه – بالضرورة – للأحكام التكليفية الشرعية الخمسة
التي تتبعها- طبعاً - جزاءاتها الدنيوية والأخروية
باعتبارها عبادةً وطاعةً لها أجرها أو معصيةً وذنباً له
وزره.
وبهذا، انقسمت الأنظار قسمين:
-
قسم انطلق من أصل البراءة الأصلية في التعامل مع القضايا
المستجدة – وهم أهل الظاهر -؛ فحكموا فيها بتركها على ما
هي عليه. غير أن موقفا كهذا يؤدي – بداهةً - إلى التناقض
والاضطراب بسبب إهمال تلك القضايا وعدم تنظيمها.
-
وقسم آخر رأى ترك الاجتهاد فيها إثماً وتفريطاً؛ لكنه –
بدوره – أُخِذَ عليه غلوه في تنزيل النصوص على قضايا لا
علاقة لها بالنصوص من خلال التوسع في استخدام أدلة الفقه
التبعية؛ الأمر الذي يحوِّل حياة الناس إلى قائمة طويلة من
الأوامر والنواهي: «إِفعلْ» - «لا تفعلْ»؛ وهذا ما يتعارض
مع أهم خصائص التشريع الإسلامي وهو: عدم الحرج وقلة
التكاليف.
ويبدو أن لكل فريق رأياً وجيها في منطلقه إذا ما تجرد عن
التعصب وابتعد عن الغلو والشطط.
وهذا ما دعا المؤلف إلى محاولة التوفيق بين الرأيين بإيجاد
طريقة لتنظيم حياة الناس في هذه المجالات المستحدثة
المتجددة دون التدخل في التشريع الإلهي والحكم بغير ما
أنزل الله ودون الوقوع في الإثم بالتوقف عن الاجتهاد
والإسهام في حل مشاكل عموم المسلمين.
وأول خطوة - في طريق التوفيق بين الرأيين - الرد على
الظاهرية بأن الأخذ بمفهوم أصل البراءة - فيما ترك فيه
التشريع رحمةً -ليس مبرراً لتركه سائباً دون تنظيم بدعوى
أن النص لم يتناولـه بالبيان أو أنه منع من تنظيمه
وتقنينه؛ فالرحمة لا تعني عدم النظام والتنظيم، وإنما تعني
عدم المساءلة الأخروية فيه.
وعليه، فإن القول بوجوب تنظيم حياة الناس – في هذا المجال
من القضايا – من الوجاهة بمكان ولا يصطدم مع مفهوم البراءة
الأصلية. غير أن مما يُتَحَفَّظُ عليه اعتبار ما يستنبطونه
فيه شرعاً إسلامياً صِرْفاً. صحيح أن هذه الاستنباطات
نابعةٌ من صميم الشريعة الإسلامية، وناشئةٌ في ظلها وتحت
توجيهاتها العامة وحِكَمِها ومقاصدها ورحمتها، إلا أنها لا
تدخل تحت طائلة الجزاء الأخروي؛ يقول الكتاب في هذا الشأن:
«فإذا كانت هذه الاستنباطات الفقهية في هذا الميدان ناشئةً
من روح الشريعة الإسلامية وفي ظلها، وكان للدولة الإسلامية
أن تتبنى بعضها وترفعها إلى مستوى قوانين ملزمة، وتقرر
لمخالفتها جزاءات تنظيميةً وإداريةً تعزيريةً، من غير أن
تدخلها تحت طائلة الإثم والمخالفة الدينية، نكون قد وفقنا
بين المذاهب، وقرَّبْنا شقة الخلاف، وفتحنا باب الوحدة
التشريعية بين المسلمين، وفسحنا المجال لتطور المجتمع
وتسريع حركة التجدد فيه».
إن هذه المحاولة التوفيقية التي دعا إليها الشيخ بدأت تأخذ
ملامحها المتميزة، فتمثلت اتجاهاً لـه منهجه وخصائصه حاول
أن يتدارك ما وقعت فيه الاتجاهات الفقهية من قصور، ويعالج
عجزها عن تأصيل النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛
وذلك بدعوته إلى مراجعة شاملة ودقيقة لكل الاجتهادات
الفقهية في هذا المجال وتصنيفها والاستفادة منها، واعتباره
المذاهب الإسلامية كلها مجرد مدارس علمية فقهية لا غير: «
تتكامل فيما أصابت فيه وتتناصح فيما أخطأت فيه، وتتعاون
لتنظيم شؤون الناس المتروكة لاجتهاد البشر رحمة من رب
العالمين، تحت راية القرآن والسنة؛ إذ التفريط فيها يضر
بالتشريع الإسلامي نفسه، والتفريط فيما حول الحمى يعصف
بالحمى، والمحافظة على المندوب تحفظ الواجب، والذريعة إلى
الإخلال بالمروءة إخلال بالمروءة في واقع الأمر ».
وعلى علاقة وثيقة بمصطلح الفراغ التشريعي يناقش الشيخ
مصطلح «السياسة الشرعية» الذي ساد ردحا من الزمن وارتبطت
به تصورات ومفاهيم لا تقوم على أصل ولا تستند إلى دليل.
وهنا، يذكِّر أن منهج الخلفاء الراشدين – رضي الله عنهم –
قام على تحري أحكام الشريعة لكافة القضايا الفردية
والجماعية من خلال البحث عن الدليل إِنْ وجد أو اللجوء إلى
الشورى العامة إن لم يوجد للقضية أصل من كتاب أو سنة.
أما ما استحدث بعد الخلافة الراشدة من نظم فردية
استبدادية، فلا أصل له، وإنما هو إفراز لواقع غير سليم،
نتج عنه ظهور فقه تبريري سواء لدى فئة البطانة المستفيدة
أو لدى فئة الفقهاء الذين يئسوا من قيام نظام الإسلام
السياسي الأصيل؛ فلجأوا إلى محاولة تكييف الأحكام الشرعية
مع واقع الاستبداد والظلم.
وقد وقع أسوأ استغلال لمجال السياسة وتدبير الشأن العام
باحتكار أمر الجماعة من لدن الحاكم وأعوانه، وليس أدل على
ذلك من استحداث أحكام زجرية لم ينزل بها شرع وتخالف أوضح
الأصول لأحكام الجرائم والعقوبات الشرعية مما أسموه «تعزيراً
شرعياً»، بنوا فيه العقوبة على الفراسة والتوسم والظن
والتخمين والشبهة والتهمة... ففتحوا – بذلك – بابا واسعاً
للظلم والفتن والاستبداد؛ يقول المؤلف: « كان الأصل في
الشريعة أن العقوبة لا تكون إلا حداً، ثم صارت حداً
وتعزيراً، ثم حداً وسياسةً، ثم سياسةً شرعيةً، وعرف الفقه
الإسلامي بهذا التطور الجلد حداً والجلد سياسةً، والقطع
حداً والقطع سياسةً، والقتل حداً والقتل سياسةً، ومصادرة
الأموال حقاً ومصادرتها سياسةً، ثم خلعت ربقة التقيد
بالنصوص وتوالت المظالم على الأمة بالصلب سياسةً وتقطيع
الأطراف سياسةً....».
لقد أتى مؤلف الكتاب على نقض هذه المصطلحات التي حاول
الفقهاء إسباغ طابع الشرعية وفي مقدمتها: «أحكام السياسة»؛
لكنه يستدرك أن هذا النقض لا يعني ترك علاقات الناس في
منطقة الفراغ التشريعي فوضى ولا إهمال التناصف بينهم فيما
يقع بينهم من مظالم، وإنما يؤكد حقيقة شرعية وهي أنه لا
يجوز أن يستأثر بهذه القضايا حاكم فرد أو فقيه مجتهد،
فآلية تنظيمها والتشريع لها وضبطها كتابةً وسنةً هي الشورى
الجماعية.
وفي سياق الحديث عن منطقة الفراغ التشريعي يناقش موضوعاً
فرض نفسه بإلحاح وطرح كثيراً من الإشكاليات والتحديات؛
فالدعوة إلى العلمانية ومحاولة فرضها على المجتمعات
الإسلامية وغير الإسلامية غدت أمراً واقعاً وهدفاً جوهرياً
لكل المحاولات الفكرية والسياسية والعسكرية التي تشن على
هذه المجتمعات.
وبتحليل لغوي دقيق لمصطلح «العلمانية» يتبين أن المعنى
الأصلي هو الدنيوية أو اللادينية أو المادية، وهي ليست
دعوة طارئة أو وليدة العصر، وإنما تمتد بجذورها إلى عمق
التاريخ البشري حيث الصراع بين الإيمان والكفر والتدافع
بين الحق والباطل.
ولعل أهم ما يميز هذا الاتجاه إنكار الغيب الذي هو جوهر
الدين وأساسه، إلا أن الحساسية التي تثيرها شعاراته
الصريحة ألجأت بعض تياراته إلى استخدام مصطلحات تكون أقرب
قبولاً لدى الشعوب الإسلامية ذات الأسس العقدية المتينة.
وإذا كانت هذه التيارات اختارت منهج المطاولة ولم تفصح عن
أهدافها ومراميها البعيدة في الدعوة إلى فصل الدين عن
الدولة، فإن تيارات أخرى اتخذت من المصاولة منهجاً وكانت
صريحة في معاداتها وواضحة في أسلوبها وغاياتها؛ فهي ترى في
العلمانية مفاصلة لكل ما يمت إلى الدين بصلة قريبة كانت
أو بعيدة، وتقدمها بصفتها منهج حياة متكامل لـه رؤيته
وتصوره ومفاهيمه وقيمه ومبادئه ومرجعيته المنافية لكل مرجع
غيبي أو ديني.
واختلاف هذه المناهج إنما هو اختلاف تنوع وتكامل لا اختلاف
تباين وتضاد، اقتضته طبيعة المجتمعات المسلمة التي ظلت
عصية على محاولات التحريف العقدي المتواصلة عبر التاريخ،
بالرغم من أنها – أي المجتمعات المسلمة نفسها – قد عرفت
هذه النزعة العلمانية منذ تم الانقلاب على الخلافة الراشدة
فصادرت أمر المسلمين العام، وأقامت نظاما سياسيا استبداديا
خارج نطاق الشريعة، تجند فقهاء السلطة لتبريره وتسويقه
للعامة في إطار نظريات فقهية تحتمل الشيء ونقيضه؛ لذا لم
تتطور كما تطورت لدى الغرب الذي استطاع أن يهذبها ويحد من
غلوائها ويصوغها صياغة أكثر عقلانية.
ويبدو أن انبهار ثلة من مفكري العالم الإسلامي بالنماذج
الغربية – في ظل الضعف العام واشتداد الحملة الاستعمارية –
قد دفعهم إلى الترويج للديموقراطية الغربية ومحاولة
التوفيق بين العلمانية – ليبرالية واشتراكية – وبين مفاهيم
الدين الإسلامي؛ إلا أن محاولاتهم التلفيقية شابها كثير من
التعسف تجلى في الجراءة على النصوص من خلال التشكيك فيها
وتأويلها بما يناقض ثوابت العقيدة وبدهيات الشريعة.
ويخلص الشيخ – في تحليله – إلى أن ما يشهده العالم
الإسلامي من توترات سياسية ما هو إلا أثر للصراع بين الحكم
العلماني الفردي الاستبدادي الموروث عن الملوكية العربية
بهامش ضيق من حرية التدين الفردي وبين العلمانية الشمولية
ذات الصباغ الديموقراطي: « ولئن كان حكام المسلمين
الحاليين قد سمحوا لشعوبهم بحرية تنظيم عباداتهم وأحوالهم
الشخصية على قواعد الشريعة، وتركوا للعلمانيين حق التشريع
فيما سوى ذلك، فإنهم تحت ضغط النخب المعلمنة المدججة
بالقوى الأجنبية لاسيما بعد غزو العراق وأفغانستان
واحتلالهما وراء أكثر من سبعين راية معادية للإسلام، قد
سمحوا – مقابل بقائهم في سدة الحكم – للعلمانية باقتحام
مجال العبادات وإعادة تنظيم المساجد والسيطرة عليها،
وإلغاء تشريعات الأحوال الشخصية وعلمنتها. وبذلك تحقق
العلمانية كامل هدفها الذي هو اعتبار وتقاليد منطقة فراغ
تشريعي ينبغي أن يملأ، أو كما قال (أركون): " إذا كان
المسلون يتعلقون اليوم بقوة وعنف بالقرآن، فإن ذلك عائد
إلى وجود فراغ تاريخي ينتظر ملأه" ».
واستكمالا لمناقشة الموضوع من كل جوانبه ينتقل المؤلف إلى
تحليل مسألة ذات أهمية بالغة بهدف التمييز الدقيق بين
الاجتهادين الفقهي والوضعي في دائرة الفراغ التشريعي؛ لأن
بين الاجتهادين نقطة تشابه قد تكون مدخلا للالتباس،
فكلاهما يعد إنشائياً إلا إن التقنين الوضعي ليس له ما
يقيده سوى القانون الطبيعي ومبادئ العدالة والأعراف
والمصالح، أما الاجتهاد الفقهي – أو التقنين الإسلامي –
فيما لا تحكمه النصوص مباشرة فإن له ضوابط تؤطر حركيته
الإنشائية في انطلاقها وسيرها وتوجهها وغايتها.
ولئن اشترك الاجتهادان – كما ينبه الكتاب – في إنشائية
التقنين والصياغة وفي مرجعيتها المصلحية بأوجهها الفردية
والاجتماعية وفي اضطراب تحديد الضوابط والأهداف والغايات
لدى القائمين بهما، فإن الوضعيين يعدون هذه الإنشائية
نتيجة طبيعية لتصوراتهم ومفاهيمهم المادية التي ليس لها من
هدف سوى المصلحة المادية فردية أو جماعية أو توفيقية، أما
فقهاء المسلمين، فإنهم وإن كانوا – كما يقول المؤلف-:
«يبنون اجتهاداتهم في هذا المجال على المصالح المرسلة
ومقاصد حفظ الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها، فإنهم
يضفون فيها على أحكامهم الصفة التعبدية تحت طائلة الإيجاب
والتحريم والثواب والتأثيم، على رغم أن هذا الموقف منهم
قول صريح بالرأي المذموم المنهي عنه، ومخالفة صريحة لجوهر
التشريع الإسلامي الرامي إلى التيسير والتخفيف، وتقليص
دائرة المحرمات والواجبات، وسد الذرائع التي تجعل الحياة
مجرد أوامر ونواه غير محدودة، وأوزار غير منضبطة تعكر
معيشة المرء وتوتر علاقاته الاجتماعية».
بهذا التحديد الدقيق والاستدلال الصريح من نصوص الكتاب
والسنة يضع المؤلف قضية تقنين منطقة الفراغ التشريعي
موضعها الصحيح كي تظل في مجال التنظيم العام الذي يقوم به
المجتمع منعاً وإلزاماً تحت طائلة المخالفات الدنيوية
المتعلقة بتدبير الشأن العام، مستبعداً – بذلك – إقحامها
في دائرة الأحكام الشرعية العملية حتى لا تُعد شرعاً
دينياً وعملاً تعبدياً.
إن التشريعين – الفقهي والوضعي – وإن اختلفا، يشتركان معاً
في المرجعية المصلحية بأوجهها الفردية والجماعية.
وقد عرفت هذه المصلحة في الفقه الإسلامي استخداماً واسعاً
تحت عناوين وتسميات مختلفة كالمصالح المرسلة والاستحسان
والاستصلاح والتوسع في القياس... وشهدت بلورة ومحاولات
تطوير على يد فقهاء بارزين، منهم المتحفظ ومنهم المتوسع
إلى حد التسيب كما هو الحال لدى الطوفي.
والكتاب وهو يتابع التطور التاريخي لمفهوم المصلحة، فإنه
يلاحظ الخطوات النوعية التي عرفتها على يد الشاطبي تحت
عنوان المقاصد غير أنه يأخذ عليها طابعها الفردي المتمثل
في التركيز على حفظ الضرورات الخمس ( النفس والدين والعقل
والنسل والمال)، وإغفالها تدبير الشأن العام للأمة.
ولئن استنصر الفقهاء بمقاصد الشاطبي لإصلاح واقع العالم
الإسلامي الذي عرف ترديا عاما وغزوا شاملا في القرنين
الماضيين، فإن الانبهار بها وإعلاء شأنها حال دون نقدها
وبيان مثالبها، بالرغم من أن بعض المتأخرين أضاف إليها
مصالح الحرية والعرض وحقوق الإنسان....
إن اختزال المقاصد فيما ذهب إليه الشاطبي ومَنْ بعده قد
جعل أصحابها يلتقون –عمليا – مع الاتجاه البراغماتي النفعي
الذي لا يراعي غير المنافع الدنيوية الفردية، وهنا نقطة
الالتقاء والتشابه بين فكر الفقهاء والفكر الغربي مع
اختلافات في الصيغة والتأويل. وبذا يخلص المؤلف إلى أنه
إذا كان الفقهاء المسلمون قد اختزلوا:« ضوابط التشريع خارج
النصوص في نظرية الاستصلاح المقاصدي بما أهال عليها ركاما
من الفوضوية والاضطراب والتسيب حال دون بلورة قاعدة مطلقة
تؤمن سيادة العقيدة ومقصدها الأعلى في الجزئيات والكليات
والتكاليف والغايات، فإن الفقهاء الوضعيين فلاسفة
وقانونيين واجتماعيين كذلك يعانون نفس حالات الخلط وغبش
تعارض المذاهب في محاولاتهم اكتشاف ضوابط تحدد أهداف
القوانين وأولويات غاياتها من بين مختلف المبادئ المرصودة
حريةً وعدالةً وأمناً وإشباعَ حاجاتٍ ».
إن في دعوة الكتاب إلى التحديد الدقيق لمـا هو إلهي وما هو
بشري في التقريرات والتصرفات، والتمييز بين ما هو تشريع
نصي لـه ثوابته في الكتاب والسنة وبين ما هو تشريع إنشائي
لـه مرونته وقابليته للتطور والتجديد ضماناً – ولا شك –
لسير الأمة في سبيل تحقيق مجتمع الشهادة التي اختصها بها
البارئ عز وجل، وفيه – حسب ما أرى – إسقاط لدعاوى
العلمانية وتجريد لها من أهم وسائلها في محاربة التشريع
الإسلامي والداعين لتطبيقه في الوقت المعاصر.
وبعد هذا التحليل النقدي لمناهج الفقهاء الاجتهادية في
منطقة الفراغ التشريعي، ولمحاولات العلمانيين استبدال
القوانين الوضعية بالتشريع الإسلامي، يصل المؤلف إلى
الحديث عن البديل الشرعي، وهو على شقين:
أما الشق الأول: فما وردت فيه النصوص وما يحمل عليها،
والحاكمية هنا للنصوص بداهةً.
وأما الشق الثاني: فما لم ترد فيه النصوص أي منطقة الفراغ
التشريعي، والبديل هنا اللجوء إلى نظام الشورى الجماعية،
أو ما سماه الحل الشوروي الضارب بجذوره في عمق العقيدة
الإسلامية: «بصفته منهج تدبير شامل لما سكتت عنه النصوص،
وأداءً جاداً للمسؤولية، وسلوكاً حضارياً سوياً مسايراً
للأعصر والأزمنة، وضماناً للحرية والعدالة والمساواة على
صراط قاصد مستقيم نحو إقامة الأمة الشاهدة والخلافة
الراشدة».
ولئن كانت هذه المصطلحات قد تثير اعتراضات وتساؤلات، فإن
|