|
العالم الإسلامي
بين الغزو العسكري والغزو الفكري
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
يتعرَّض العالم الإسلامي إلى غزو واسع من
العالم الغربي منذ زمن غير قليل ، إلا أنه في هذه المرحلة
أخذ صورةً جديدةً فيها جرأةٌ على الإسلام والمسلمين ،
واستخفاف بهم وتحدٍّ لهم . وجمعت هذه الصورة الجديدة قسْوة
الغزو العسكري ووحشيّته وامتداد الغزو الفكري واتساع أثره
وفتنته .
إنَّ وحشيّة الغزو العسكريّ في فلسطين
وأفغانستان والعراق ومناطق أخرى ظاهرة للعيان . والعالم
الإسلامي يقف أمامها مشلول القوى خائر العزائم غير قادر
على صدِّها ، بين ضجيج الشعارات واضطراب الخطوات وتمزُّق
المحاولات، فنزل بالمسلمين من الهزائم ما لم يشهده تاريخ
المسلمين أبداً .
ولا نقول إنَّ هذا الغزو جاء مفاجئاً ، إلا
للغافلين النائمين ، يستيقظون على هوله وسرعته . لقد جاء
هذا الغزو على سنن لله ماضية عادلة حقٍّ لأن الله لا يظلم
أحداً ولا يظلم شيئاً . وفي الوقت نفسه جاء على خطّة
مدروسة ونهج معدٍّ لدى الغرب . ونعتقد أن ملامح هذه الخطة
بدأت تظهر مع أوائل القرن السادس عشر في هجمة على جنوب شرق
آسيا ، حين انطلقت البرتغال إلى " مالاقا " ، وحين قال
قائد الحملة يخاطب جنوده : " .... وأؤكد لكم إذا استطعنا
تخليص مالاقا فستنهار القاهرة ... وبعدها مكة نهائيّاً
..." ! وعندما سقطت " مالاقا " أقامت روما قدَّاس شكر !
وخطب أحدهم أمام ليو العاشر فقال : " إنَّ هذا النصر
سيسهِّل استعادة القدس " ! وامتدَّ الغزو مع القرون إلى
شمال أفريقيا وإلى عدن ومصر والسودان والبحرين ومسقط
والكويت ، والقوقاز وطشقند وسمرقند وبخارى وأوزبكستان .
وتقسم العالم الإسلامي إلى قطع متناثرة في تاريخ يحمل من
المآسي الشيء الكثير .
وفي هذه المرحلة الطويلة ، صادف أن انطلق هذا
الغزو العسكري والمسلمون في بداية وهن وضعف آخذ بالازدياد
، لا يستيقظون من مأساة إلا على مآسي جديدة متلاحقة .
ورافق هذا الغزو كذلك غزو فكريّ مدروس ، تتسلل
معه الفتنة في ديار المسلمين ، تكتسب كلَّ يوم جنوداً لها
من المنتسبين إلى الإسلام . وكما فشل المسلمون في صدِّ
الغزو العسكري ، فشلوا كذلك في صدّ الغزو الفكري ، حتى
عمَّ العالم الإسلامي حركاتٌ منظمة تجاهر بحرب الإسلام ،
وحركات تتخفَّى وراء زخارف لتنفث سمومها ، وحركات هجمت على
نصوص الكتاب والسنَّة تفسد تأويلها وتنشر فتاويها وتلبّس
على الناس دينهم ، وتلقي بينهم قضايا تشغلهم عن مجابهة
الخطر الحقيقي الذي يُهدِّد الأمة كلِّها .
وتعاون الغزوان العسكري والفكري في إضعاف
الأمة وتمزيقها وشلِّ قواها، ونشر الفتنة بعد الفتنة .
إنك تجد اليوم من يعلن أنه لا يرضى بتدخل الدول الأجنبية
في شؤون دولهم ، دون أن ينتبه إلى أن هذه الدول الأجنبية
قد اخترقت الأمة بفكرها وزخارفها ، وأصبح لها موالون ودعاة
مؤيدون ، ودون أن ينتبه إلى أنه هو من الداعين للفكر
الغربي والحياة الغربية ولو تحت شعار الإسلام .
يُفترض أنَّ من يدعو إلى الإسلام ، ويعلن عن نفسه أنه
داعية مسلم أن يلتزم هو بالإسلام ديناً وفكراً ومنهج حياة
، وأن تتناسق مصطلحاته مع نصوص دين الله وشرعه. لقد اختلطت
مصطلحات الوطنية والإقليمية والقومية مع مصطلحات الإسلام
، دون أن تبيّن حدود كل مصطلح ومفهومه وتطبيقه .
فالإسلام يصوغ جميع هذه المصطلحات صياغة جديدة لترتبط
كلها من خلال تشريعه : العائلية والرحم ، الوطنية
والإقليمية ، والقومية مع قواعد الإسلام، ومن خلال تشريع
ربَّانيّ يجمع البشريّة كلَّها في ظلاله وتتناسق الروابط
كلها من خلاله كذلك ، لتأخذ كل واحدة من هذه الروابط مـعنى
وحدوداً من شرع الله ، حتى لا تتحوّل أيٌّ منها إلى عصبيّة
جاهليّة حرَّمها الإسلام ، ودون أن يدَّعي أحد أن أيَّاً
منها يمثّل شرعاً جديداً أو منهج حياة جديداً ، ويظل في
الإسلام بين جميع هؤلاء أخوّة واحدة هي أخوّة الإيمان التي
شرعها الله:
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
[ الحجرات : 10]
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن الرسول
r
قال : ( المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى
رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر ) [
رواه أحمد ومسلم ، صحيح الجامع الصغير وزيادته : رقم 6667]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول
r
قال :( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا
يخذله ، كلّ المسلم على المسلم حرام : عرضه وماله ودمه .
التقوى هاهنا ـ وأشار إلى القلب ـ بحسب امرئ من الشرِّ أن
يحقر أخاه المسلم ) [رواه الترمذي . صحيح الجامع
الصغير وزيادته رقم : 6706 ]،وأحاديث أخرى كثيرة تحدّد
حقوق الأخوة الإيمانية وواجباتها ، وتنظم علاقاتها في منهج
متماسك ، لتكون هي الرابطة الربَّانيَّة الوحيدة التي تجمع
الناس كلّهم على الحقِّ .
ولقد حرص الغرب على إثارة العصبيات الجاهلية بين المسلمين
، واستجاب كثيرون من الناس عامة ومن الدعاة وغيرهم ، حتى
تمزَّقت أخوة الإيمان بين المسلمين ، وحتى سهُل على المسلم
أن يتقارب مع غير المسلم وينأى عن أخيه المسلم ، وتوالت
الدعوات إلى الاعتراف بالآخر والتقرُّب إلى الآخر وإقامة
الحوار والسلم مع الآخر ، وتناسوا المسلم وحقوقه ، ووجوب
الحوار بين المسلمين أولاً لإعادة الرابطة الربَّانيَّة
بينهم أُخوَّة الإيمان .
ويرى بعضهم مع دعوة الإصلاح الحالية أنَّها مطلب وطنيّ
وقومي وإسلاميّ . ولكن خلط هذه المصطلحات على هذه الصورة
يُغيّب الطريق والهدف والوسيلة إلى الإصلاح . فالإسلام
وحده يقدم منهجاً كاملاً مترابطاً للإصلاح ، منهجاً لا
نجده مع الشعارات المختلطة . والإسلام يقدم الوسيلة والهدف
ويحدّد الرابطة ، وبغير ذلك يصبح الإسلام شعاراً وتصبح
الممارسة العمليّة أهواءَ ومصالحَ وعواطفَ ، فتتمزَّق
الأمّة ، ويصبح لكلّ بلد إسلام خاص به لينحرف به إلى مصالح
دنيوية مخالفة لشرع الله ، ويصبح هنا أخوّة جديدة وهناك
أخوّة ثانية وأخوة ثالثة ، وأخوّة وطنية على غير ما شرع
الله ، وأخوّة مع النصارى أو اليهود أو غيرهم ، حسب الحاجة
وتحت شعار الإسلام .
وقد ينادي بعض الدعاة المسلمين بأنَّ الإصلاح يجب أن يبدأ
بالإصلاح السياسي ! فإذا بدأ بذلك فإلى أين ينتهي . ولقد
قامت دعوات ومحاولات لبدء الإصلاح بالإصلاح السياسي ،
وقامت انقلابات وثورات ، فإلى أين انتهت وماذا حققت من
إصلاح ؟!
وقد تجد الداعية المسلم يدعو إلى المصالحة الوطنية كأساس
لعمليّة الإصلاح الشامل ، وأساس لتحديد العلاقات والحقوق
والواجبات ، طارحاً عرض الحائط بكل نصوص الكتاب والسنَّة ،
منطلقاً من الدعوة الغربيّة العلمانيّة الديمقراطيّة ، حتى
جعل من الإسلام مجرَّد شعار لا رصيد له في الواقع .
والأسوأ من ذلك أن يفتري بعضهم على الإسلام فيخفي أخوّة
الإسلام ويدَّعي أن الإسلام يدعو إلى الأخوّة الوطنيّة
والأخوّة القومية والأخوة الإنسانيّة ، فجمع الماسونية
والعلمانية وغيرها في خليط غير متماسك . وكان أحرى
بالمسلمين أن يعلنوا أنَّ الإسلام صاغ جميع هذه العلاقات
صياغة إيمانيّة ، ونظّم لكلّ حدودها ودورها في منهاج
ربَّاني متكامل .
ونشير هنا إلى أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم حين بُعِثَ
نبيّاً ورسولاً كان يحيط به من أعداء الداخل والخارج ما هو
أشدّ مما نلاقي نحن اليوم . فلم يكن منهج الإصلاح الذي دعا
إليه منهج وحدة مع قريش أو أيّ فئة في الأرض ، ولم يكن
منهجاً وطنياً ولا قومياً ، وإنما كان منهجاً ربَّانيّاً
ودعوة ربَّانيّة يدعو إليها قومه قريشاً دون مساومات على
دين ودعوة ، ويدعو أهل المدينة وأهل الجزيرة العربيّة ،
ويدعو إليها الناس كافَّة ، ليصلح بها حال قومه وحال العرب
كلهم وحال البشريّة جمعاء . هذه هي دعوة الإسلام ، ولا نرى
أنه يحلّ لأحد من الناس إذا انتسب إلى الإسلام داعية أن
يخالف نهج الإسلام ، أو يبدّل فيه ويحرَّف ، ويجعل مخالفته
وانحرافه كلّه تحت شعار الإسلام !
إنَّ موقف المسلم الداعية لا يتحدّد بطلب التعاون مع غير
المسلم فحسب ، ولكنه يتحدّد ـ وهو داعية ـ بأن يبلّغ رسالة
الله إلى الناس كافّة ويتعهّدهم عليها كما أمره الله
سبحانه وتعالى في الكتاب والسنَّة ، ويبني علاقاته وهو
داعية على أساس الدعوة والبلاغ والتعهّد ، ليوفي بالعهد
والأمانة والعبادة التي خَلَقه الله للوفاء بها . ومن خلال
ذلك ينشأ التعاون على أساس من شرع الله الذي فصّل ذلك .
كيف يمكن للداعية المسلم أن يدعو إلى الإصلاح على أساس
الإسلام ، ثم يدعو الفئات التي تحارب الإسلام أو لا تؤمن
به لتتعاون معه على نصرة الإسلام ومنهاجه في الإصلاح ؟!
لماذا هذا التناقض الواضح ؟!
لقد مضى على العمل الإسلامي زمن غير قصير ، ولاقى من الفشل
الشيء الكثير ، حتى توافرت لديه تجارب كثيرة ، لو وقف
عندها ودرسها ودرس الأخطاء التي وقع فيها ، ووضع منهجاً
عملياً لمعالجة هذه الأخطاء ، لو فعل ذلك لاستقام له الدرب
، وخلص من التناقضات ، وكان أقرب للتقوى .
هذا ينادي إلى الإصلاح الإنساني المصري ، وذلك ينادي إلى
الإصلاح الأردني وآخر في بلد آخر ، على مناهج تحمل التناقض
فيما بينها ، فلماذا لا تكون الدعوة كما يريدها الإسلام
دعوة إلى إصلاح الإنسان على منهج يصلح لكل إنسان ، لكل
وطنيّة وقوميّة . فالمشكلات واحدةٌ والحلول متضاربة .
ونحار بين اضطراب المصطلحات وتناقضها فيما بينها من ناحية
، وفيما بينها وبين الإسلام من ناحية أخرى . فإذا كان كل
داعية يؤكِّد تمسّكه بدستور بلاده ، وبالنظام الجمهوري
والديمقراطي والبرلماني ، فأين النظام الإسلامي ؟! أليس
للإسلام نظام للإصلاح والحكم ؟! فما هو أيها الدعاة ؟!
كلما طلع مصطلح أو فكر من الغرب هَرعْنا إليه واحتضنَّاه
لنثبت أنه من الإسلام والإسلام منه براء . ألم نجعل
الاشتراكية من الإسلام ، ولما جاءت الديمقراطية بدَّلنا
وجعلناها من الإسلام ، وانتشر الدعاة المسلمون في الأرض
يدعون إلى الديمقراطية ، ولما ظهرت الحداثة تسابقت الأقلام
لنثبت أن الحداثة عربيّة أو إسلاميّة ، ولما جاءت
العلمانية وامتدت في ديار المسلمين لم يتردّد بعض الدعاة
المسلمين في مؤتمر إسلامي عام أن يعلنوا أنَّ العلمانية
مساوية للإسلام في مقصودها ، وأن يقول داعية : لا نملك إلا
أن نندمج مع النسيج الثقافي والديني في ذلك المجتمع الغربي
!
عجباً كل العجب ! أليس هذا نوعاً من إعلان الإفلاس والهوان
؟!، نسرع ونهرول لتقليد الغرب في اللباس والطعام والشراب ،
وفي الفكر والأدب والشعر ، وفي حفلات الرقص ، وإطلاق حريّة
المرأة على أسس علمانيّة ديمقراطيّة فاقعة في لونها ، ولم
ننشط مثل هذا النشاط في بناء العلوم التطبيقية والصناعة
والسلاح وسائر أسباب القوّة ! نقلّد الغرب في كلِّ شيء إلا
في النافع من ميادين الحياة ، حتى كأنَّ الإبداع عندنا هو
التقليد ثم التقليد !
فلا عجب بعد ذلك أن نجد من يقول : " إنَّ الإصلاح الشامل
لا يتحقّق إلا من خلال الديمقراطية التي نؤمن بها ونلتزم
بأصولها ، وندعو الأحزاب والقوى السياسية الأخرى إلى
تأييدها كميثاق وطني " ! فلا بدّ أن نسأل الداعية المسلم
أين الإسلام ؟! ولا بدَّ أن نذكّر الداعية المسلم بأنَّ
أصول الديمقراطية التي يلتزمها هي الوثنيّة اليونانيّة ،
ولا بدَّ أن نتساءل أليس هذا الصوت وهذه التعبيرات هي التي
يدعو إليها بوش ؟! ولا بدّ أن نذكّر الداعية المسلم بأنَّ
الديمقراطية التي يتحدَّث عنها هي بنت العلمانيّة أو هي
العلمانيّة !
وإذا كان ادعاء بعض المسلمين أنهم يريدون الديمقراطية لأن
فيها حريةً وعدالةً ومساواةً ، فنسألهم حينئذٍ : أوليس في
الإسلام حريّة وعدالة ومساواة ؟! ولا شك أنَّ في الإسلام
ذلك كلّه وأكثر منه ، ولكنكم فشلتم في تطبيق حريّة الإسلام
وعدالته ومساواته ، فستفشلون في تطبيقها في ظلِّ
الديمقراطية كما فشل أصحابها في تحقيق هذه الزخارف . إنَّ
هذه الشعارات هي زخارف مخدَّرة في الديمقراطية ، ولكنّها
حقائق وأسس في الإسلام !
ويتبع هذه الشعارات قول بعضهم: " يجب الإقرار التام بأنَّ
الشعب هو مصدر السلطات جميعها " ! أين الإسلام الذي يحدّد
السلطات بشرع من عند الله؟! إنَّ هذا المبدأ هو مبدأ
ديمقراطي وثني نادت به الوثنية اليونانية وامتدَّ منها إلى
العلمانية الغربيّة وإلى الديمقراطيّة . ومن هذا المبدأ
أجاز الشعب ، وهو مصدر السلطات ، الزنا واللواط والخمر
وأنواع الفاحشة كلها وكثيراً من أنواع الفتنة والفساد
والظلم الظاهر والمخفي . وكيف ينادي داعية مسلم وهو يعلم
أن الشعب في معظمه يجهل الإسلام ، وأن فئات كثيرة فيه
تحارب الإسلام ، فأي شعب وأيّ سلطات ؟!
ولقد نادى كثيرون بحريّة الاعتقاد للناس . إنَّ هذا المطلب
لا يمثل مشكلة المسلم أو قضيته . ذلك لأن حريّة الاعتقاد
فطريّة ، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَقُلِ
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ
شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا
يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ
الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً)
[ الكهف :29]
إنَّ قضيَّة المسلم أن يدعو إلى الإسلام دعوة جليّة واضحة
: ( وقل الحق من ربكم .....) ! فالقضيّة إذن إبلاغ الحق ،
دين الله ، الإسلام . وبعد ذلك فمن آمن فله جزاء ومن كفر
فله جزاء آخر . فليست القضيّة كما هي في الديمقراطية أن
نترك الناس يعتقدون كما يشاؤون ، يؤمنون أو يكفرون ، دون
أن يجدوا من يدعوهم إلى الحقِّ ، إلى النجاة من فتنة
الدنيا وعذاب الآخرة ، ودون أن يذكرهم بأن لكل موقف جزاء
عادل .
فهذه فتنة كبيرة ، فالناس كلهم مصيرهم إلى جنّة أو إلى نار
، والداعية المسلم مسؤول أن يدعو ليخرج الناسَ من الظلمات
إلى النور ، وينقذهم من عذاب الآخرة الذي هو حق أكيد في
شرع الله لمن لم يؤمن ، ولكنّها قضيّة متروكة في
الديمقراطية والعلمانيّة ! ولقد بعث الله الأمة المسلمة
لتكون خير أمة أخرجت للناس ، لأنها تدعو وتبلِّغ رسالة
الله وتتعهّدهم وتنقذ الناس !
ويتكرر بين الناس مصطلح : " الأديان السماوية التوحيدية "
! وهذا مصطلح متناقض بعيد التناقض ، فالله سبحانه وتعالى
لا إله إلا هو ، ما كان ليرسل لعباده أدياناً مختلفة
يتصارعون عليها ، ثم يحاسبهم يوم القيامة ! إن وحدانية
الله سبحانه وتعالى وعدالته ورحمته بعباده تأبى ذلك .
فالله أرسل لعباده رسلاً يبلّغون ديناً واحداً ، ديناً
سماوياً توحيدياً واحداً هو الإسلام : إنه دين نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم
السلام جميعاً ، كما نصَّ على ذلك كتاب الله ، وخُتِموا
بمحمد
r
:
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ
بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
[ آل عمران : 19 ]، وعندما ينتقل هذا المصطلح إلى بعض
الدعاة المسلمين لينضم إلى سائر المصطلحات التي سبق ذكرها
والتي أخذ يتبنّاها هؤلاء الدعاة ، ندرك عندئذ شدَّة أثر
الغزو الفكري وامتداده في العالم الإسلامي .
ولقد حرتُ في قول داعية مسلم : " .... الذي ينبثق من
إسلامنا كدين ونظام حياة شامل وكامل ..." ، وفي الوقت نفسه
يدعو إلى المفاهيم التي سبق أن ذكرناها ! فإذا كان الإسلام
ديناً ونظامَ حياة شاملاً ، فلماذا مفاهيم العلمانية
والمفاهيم الغربية ؟! لماذا هذا التناقض ، ولماذا التمسك
حيناً بالاشتراكية وحيناً بالعلمانية وحيناً بالديمقراطية
، كأننا نتسوّل الأفكار ومن هنا وهناك ؟!
ويضع بعضهم قاعدة جديدة ينسبها إلى الإسلام للتعاون بين
المسلمين وغير المسلمين ، فيقول : " لهم ما لنا وعليهم ما
علينا " ! أيّ أنَّ لغير المسلمين ما للمسلمين وعليهم ما
عليهم . إنه مبدأ ديمقراطي علماني يرفعونه شعاراً ولا
يطبقونه عملياً ، وليس للإسلام علاقة به . إنَّ الإسلام
نظّم العلاقات بين المسلمين وجميع الفئات على أسس
ربَّانيّة ، سعِد بها الناسُ جميعاً في ظل حكم الإسلام
وشريعته . ووجد فيها أهل الكتاب من العدل ما لم يجدوه في
ظل أي حكم آخر في تاريخهم كلّه . هذه كتب التاريخ تروي
وتشهد بذلك وتُقدّم أروع الأمثلة . وكيف يكون في دين الله
مثل هذا المبدأ غير العمليّ . فالمسلم عليه الزكاة فرضاً
وغير المسلم ليس عليه هذا الفرض . والمسلم عليه الجهاد في
سبيل الله ، وغير المسلم ليس عليه ذلك ، حيث إنَّ الجهاد
في سبيل الله يقوم به من يؤمن بالله والإسلام ويجاهد لنصرة
الإسلام وإعلاء كلمة الله وشرعه . وقس على ذلك أموراً أخرى
.
والذين يدعون إلى الوحدة الوطنية بدلاً من الوحدة
الإسلاميّة ، يحتجون بأنَّ غير المسلمين جزء من النسيج
الوطني، ولكنهم جهلوا أو تناسوا أنَّ الإسلام وحده هو الذي
ينصفهم بعدله وشرعه ، نسوا أو تناسوا أن هؤلاء كانوا جزءاً
من نسيج المجتمع في المدينة ، ولكنهم لم يكن لهم ما
للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، ولم تقم بينهم وبين
المسلمين أخوّة وطنيّة ، وشعارات مخدّرة وإنما كان لهم
حقوق أوفى المسلمون لهم بها . وعدلوا معهم وأنصفوهم فسعدوا
بها .
والإسلام يأمر بالقسط والعدل مع الناس كافّة ، وعلى ذلك
قام شرعه ، ولكن القسط والعدل كما فصّله الإسلام لا يشمل
الموالاة والخضوع والتبعية .
الداعية المسلم يجب عليه أن يدعو إلى وحدة المسلمين وإلى
أخوة الإسلام وإلى تطبيق شرع الله ، وإلى الإيمان بالله
وبرسوله محمد
r
وبسائر الأنبياء كما جاء في الكتاب
والسنَّة . وغير المسلم يدعو إلى وحدة عائلية أو وطنية أو
قومية أو حزبية من خلال عصبيات جاهلية ، تمزّق الأمة
والناس فِرَقاً وشيعاً يُصارع بعضها بعضاً .؟
وأخيراً نشدُّ الانتباه إلى أنّ ممالأة أعداء الله
والتنازل لهم ، وتغيير شرع الله إرضاءً لهم ، كلُّ ذلك لن
يجعلهم يغيرون من خُطّتهم المقرّرة في حرب الإسلام، ولكننا
نخسر شيئين : نخسر نصر الله وتأييده ، ونخسر احترام أولئك
وهيبتنا في عيونهم . وكلّما تنازلنا أمعنوا في الإيذاء
والجرأة به . وحسبك تدنيس القرآن الكريم بعد أن تنازل
المسلمون حتى عن بعض ديارهم وأعراضهم وبعض ثرواتهم.
لم نُقِمْ نحنُ المسلمين في واقعنا اليوم للقرآن الكريم
منزلته الأمينة . الملايين من المسلمين يجهلون القرآن
الكريم ، والملايين يجهلون العربيّة ، والملايين لا
يتدبّرون القرآن الكريم ولا يمارسونه عملياً في حياتهم .
ورأى الغرب ذلك فينا ، فتجرَّأ على تدنيس القرآن الكريم .
لم يعد لنا في ميزان الواقع الدولي أيّ وزن حقيقي لكثرة ما
تهاونا وتنازلنا ، وقلَّدنا وخضعنا :
أمّـةُ الحقِّ ما دهاكِ فأصْبَـحْـ
|
|
ـتِ
شظـايا تـناثرتْ في النِّجـادِ
|
|
كلُّما رُمْتِ ملتقى كُنْـتِ
في السا |
|
حة أوهْـى من حفنةٍ
مـن رمادِ
|
العلمانية:طه حسين وقاسم أمين نموذجا
للأخ الدكتور حسن
عبد الرحمن بكير
إن دراسة نماذج من أرباب التيار
العلماني تعطي صورةً واضحةً عن التوجه العلماني ومعالم
منهجه في تناول قضايا التجديد، ويساعد على تقويم هذا
الاتجاه تقويما موضوعيا بتحديد مصدر انحرافاته ومواطن
زللـه.
وإذا كانت هذه النماذج كثيرةً
ومتنوعةً، فإني أقتصر على تقديم بعض منها، وهي تختزل أهم
ما في التيار العلماني من أسس ومنطلقات. ومن أبرز هذه
النماذج :
1 –
قاسم أمين :
وهو أحد الأوائل الذين رفعوا شعار
التجديد، غير أنه تجديد يحاكي الغرب في كل مظاهره ضاره
ونافعه، ويعكس افتتانا - لا حدَّ له - بكل ما هو وافد؛ مما
شكل بداية دعوة كان لها تداعياتها الخطيرة على مجالات
اجتماعية كثيرة .
لقد سار قاسم أمين في دعوته إلى
التجديد متدرجا على مراحل؛ ففي المرحلة الأولى أصدر كتابه
« تحرير المرأة »() محاولا الظهور بمظهر المجتهد المجدد؛
فبذل جهده للتدليل على ما زعمه من أن حجاب المرأة – كما هو
سائد في المجتمعات الإسلامية – ليس من الإسلام ، وأن
الدعوة إلى السفور ليس فيها ما يخالف الدين وأصوله العامة،
فالحجاب – كما يدعي – أصل من أصول الأدب فحسب يلزم التمسك
به ، ويؤكد ذلك بقولـه: « إن الشريعة ليس فيها نص يوجب
الحجاب على الطريقة المعهودة، وإنما هو عادة عرضت لهم من
مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس
الدين، كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم
الدين والدين منها براء»().
وفي إيراده لقوله تعالى :
}
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ
آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي
الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ
لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا
يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
{
()
، يلوي قاسم أمين للآية عنقها فيقول: « إن الآية قد أباحت
أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها، غير
أنها لم تسم تلك المواضع، وقد قال العلماء إنها وكلت فهمها
وتعيينها إلى ما كان معروفا في العادة وقت الخطاب..»()().
لقد بحث الكاتب موضوعات الحجاب
واشتغال المرأة بالشؤون العامة وتعدد الزوجات والطلاق،
ووظف لما ذهب إليه آيات قرآنية توظيفا غير سليم؛ وتلخص
منهجه في محاولة التوفيق بين الإسلام وبين مذاهب الغربيين
في مرحلة أولى، وعندما جُوبِهَ الكتاب وصاحبه بمعارضة
شديدة، انتقل الكاتب إلى مرحلة ثانية أكثر جراءة كشفت عن
منطلقاته وأهدافه. ففي كتابه اللاحق «المرأة الجديدة»()
ظهر أثر الفكر الغربي واضحا؛ حيث دعا إلى التزام مناهج
البحث الأوربية الحديثة التي ترفض المسلمات العقدية
السابقة، سواء أكان مصدرها الدين السماوي أم غيره، ولا
تعترف إلا بما ثبت بدليل من تجربة أو واقع، وهو ما يدعى
«الأسلوب العلمي» الذي يُنسب إلى باحثي الاجتماع
الأوربيين. ()
إن المنهج العلمي قد يكون محل اتفاق
وذلك في العلوم التجريبية كالطبيعة والرياضيات والكيمياء
والفيزياء والهندسة والطب… أما العلوم الإنسانية التي تبحث
في أسرار النفس البشرية والعلاقات الاجتماعية والقيم
الخلقية، فلا يتصور فيها وجود منهج موحد، بل إن علماء
الغرب أنفسهم لم يتفقوا على منهج واحد لدراسة الإنسان وما
يتعلق به من جوانب نفسية وفكرية وخلقية.
ولعل من هذه الدراسات ما هو مسخر
لخدمة أفكار ونظريات ربما كان من أولى أسسها محاربة الدين
وهدم القيم والمبادئ الخلقية. ()
وهذا ما اتبعه قاسم أمين في منهجه
الملتوي ، وأراد أن يظهر بمظهر مجدد العصر الذي تلمس مكمن
الداء واضعا يده على الجرح، بالرغم من أنه لم يكن يوما ممن
اشتغلوا بالفقه ولا بأصوله، ولم يملك أدوات الاستنباط
التي تؤهله لولوج ميــدان الاجتهاد. ()
ولذلك فإن ما أورده من أدلة - سواء
أكانت نصوصاً قرآنيةً أم تاريخيةً أم عقليةً – تعامل معه
تعاملاً موجهاً لخدمة أفكاره المسبقة تحت ذريعة فتح باب
الاجتهاد للنهوض بالمجتمعات الإسلامية.
وهو – على الرغم من أنه كان يوظف بعض
حقائق الواقع في تشخيص أحوال الأمة وما تعانيه من أمراض -
فإنه لا يلبث أن يعرب عن مقصده؛ إذ يدعو صراحةً – وفي
افتتان شديد – إلى الأخذ بالحضارة الغربية وأساليبها. فبعد
أن رد سبب الإعجاب الشديد بالماضي إلى الشعور بالضعف
والعجز، قال : « هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى
علاجه وليس له دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يتعرفوا
على شؤون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها
وآثارها. إذا أتى ذلك الحين – ونرجو ألا يكون بعيدا –
انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة
التمدن الغربي وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في
أحوالنا إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة، وأن
أحوال الإنسان مهما اختلفت - ماديةً كانت أو أدبيةً -
خاضعة لسلطة العلم؛ لهذا نرى أن الأمم المتمدنة - على
اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين - متشابهة تشابهاً
عظيماً في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها
وطرق تربيتها ولغاتها وكتابتها ومبانيها وطرقها، بل في
كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل. هذا هو
الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ونشيد بتقليدهم،
وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوربية ».()
إن الثورة التي دعا إليها قاسم أمين
لم تقتصر على ميدان الاجتماع، بل شملت مجالات كثيرةً أهمها
الأدب واللغة؛ فقد كان من الداعين إلى كتابة الآداب
باللهجات العامية، ولا يخفى ما في هذه الدعوة من محاربة
للغة القرآن التي أراد لأصحابها أن ينسلخوا منها كما
انسلخت الأمم الأوربية الحديثة عن لغتها الأم ( اللاتينية
) .
ومحاربة لغة القرآن الكريم موقف عدائي
ضد الإسلام نفسه؛ لأن الوسيلة الضرورية لفهم هذا الدين
ومعرفة أحكامه وما ارتبط به من علوم، إنما هي اللغة
العربية الفصيحة كما نزل بها القرآن الكريم على خاتم
الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
إن إيراد قاسم أمين أنموذجا من
النماذج العلمانية التي رفعت شعار التجديد وزعمت امتلاك
منهج للاجتهاد بالرغم من أنه ليس فقيها ولا عالما بعلوم
الشريعة؛ إنما كان بسبب الدور الطليعي الذي مثله منذ بداية
القرن الماضي في حركة التغريب وهدم أركان الشريعة
بالالتفاف الخطير على النصوص وتأويلها تأويلاً يفرغها من
معاني أحكامها الصحيحة الصريحة.
2
– طـه حسين :
يُعد طه حسين أنموذجاً ممثلاً لفئة
كبيرة من العلمانيين سارت على خطاه وحذت حـذوه في الدعوة
إلى التجديد إلى حد الانقلاب على ما تعارف عليه الأصوليون
والفقهاء من أبجديات العقيدة وبدهيات الشريعة.
والذي يقرأ مصنفات طه حسين يتبين لـه
المسار الفكري الذي اختاره وكثيرون أمثاله؛ ذلك أن الرجل
بدأ مرحلته الأولى بمهاجمة الإسلام مهاجمةً سافرةً،
محاولاً التشكيك في أصوله ونصوصه من خلال كتابه في «الشعر
الجاهلي» الذي أثار ضجةً كبيرةً وغضباً عـامـاً استتبع
ردوداً متعددةً كشفت عن تهافت الكتاب وبطـلان
دعاويــه.()
ونظرا لقوة الضجة التي أثارها الكتاب
والمصير الذي انتهى إليه ()،
لجأ الكاتب إلى تغيير طفيف في الترتيب والأسلوب بحذف بعض
العبارات التي تحمل كفراً صريحاً وهجوماً مباشراً على
الإسلام، ثم أصدر كتاباً «في الأدب الجاهلي»، لكنه لم يخل
-بدوره – من طعن ودس للسموم.
وفي الكتابين، أو على الأصح في الكتاب
الأول والنسخة المعدلة منه دارت أهم المطاعن حول محور أساس
تمثل في إنكار الوحي والقول ببشرية القرآن. ()
ومن أهم ما تضمنه كتاب «في الشعر
الجاهلي» من إنكار صريح لما جاء به الوحي:
1 – طعن طه حسين في الدين الإسلامي بتكذيبه لما أخبر به
القرآن الكريم؛ وذلك بإنكاره الوجود التاريخي لإبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام، حيث يقول: « للتوراة أن يحدثنا عن
إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن
ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات
وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا
بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة » ()
.
2 - ذهابه إلى أن المسلمين ربطوا بين الإسلام من جهة ودين
إبراهيم من جهة ثانية كي يثبتوا أولية الإسلام في الحجاز،
وكي يوجدوا له جذورا في المنطقة، يقول: « أما المسلمون،
فقد أرادوا أن يثبتوا للإسلام أوليةً في بلاد العرب كانت
قبل أن يبعث النبي [
r
] وأن خلاصة الدين وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه
الله إلى الأنبياء من قبل » ()
.
3 – ذهابه إلى تفسيرات مخالفة لما تفيده الآيات الصريحة؛
فقد زعم أن مودة النصارى للمسلمين ليس سببها أن منهم
قسيسين ورهباناً كما جاء في الآية الكريمة()،
وإنما مرجعها – كما ادعى – قلة احتكاك المسلمين بالنصارى
لانعدام وجودهم حول المدينة المنورة مركز الدولة الإسلامية
الأولى : « وأما نصرانية النصارى، فلم يكن معارضتها
الإسلام إبان حياة النبي [
r
] قوية قوة المعارضة الوثنية اليهودية... لماذا؟ ؛ لأن
البيئة التي ظهر فيها النبي [
r
] لم تكن بيئةً نصرانيةً، إنما كانت وثنيةً في مكة
ويهوديةً في المدينة، ولو ظهر النبي [
r
] في الحيرة أو نجران للقي من نصارى هاتين المدينتين ما
لقي من مشركي مكة ويهود المدينة » ()
.
4 – وضعه القرآن الكريم مع التاريخ والأساطير في صف واحد
بصفتها المصادر الموثوقة للحياة الجاهلية؛ يقول في هذا
السياق : « وإن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع،
وإنَّا نستطيع أن نتصوره واضحاً قوياً بشرط ألا نعتمد على
الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير من
ناحية أخرى » ()
.
5 – تشكيكه الخطير في الأحكام السابقة عن الشعر الجاهلي من
خلال ادعائه أنه شعر منتحل ومصطنع لأسباب تتعلق بالدين
والشعوبية واختلاف الرواة ()؛
فما نقل عن فحول شعراء الجاهلية يقول عنه طه حسين : « إنما
هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب، أو صنعة النحاة، أو
تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين »
()
.
وإذا كان كثيرون قد تولوا الرد على
مزاعم طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي؛ فإنه لا يفوت في
هذا المقام الإشارة إلى أكبر خلل منهجي وقع فيه. ذلك أنه
ينطلق في بحثه من فروض هي مجرد تخيل قائم على الحدس والظن،
غير أنه يسير في بحثه وكأن هذه الفروض قد ثبتت صحتها وسلّم
بها حقيقة، ثم يقفز إلى استنتاجات يعدها نتائج علمية؛ مثال
ذلك : افتراضه أن ما رُوي عن ابن عباس من حفظ الشعر القديم
والاستشهاد به في معرض تفسير القرآن الكريم، إنما هو مجرد
اختراع وُضع للبرهنة على أن ألفاظ القرآن الكريم كلها
مطابقة للفصيح من لغة العرب – ولا يخفى ما في هذا الزعم من
بطلان - ، أو أنه اختراع وُضع لإثبات أن ابن عباس كان من
أحفظ الناس لكلام العرب الجاهليين، وعليه فإن إثبات قوة
الذاكرة لابن عباس يخدم أهداف الشيعة السياسية؛ لأن ابن
عباس كان يشهد بأن عليا أقوى منه ذاكرة.
وهذه الفروض التي ليس لها أي أساس
علمي أو تاريخي، يبدأ صياغتها- غالبا -على نحو :
-
«أليس من الممكن أن
تكون قصة ابن عباس قد اخترعت لكذا وكذا من الأسباب ».
-
«أليس من الممكن أن
...»
-
«لعل ...»
-
«أكاد أعتقد ...»
هذه الفروض يحولها طه حسين بـ«لعل» و بـ«أليس من الممكن»
من محض افتراضات واحتمالات بعيدة إلى نظريات ثابتة ونتائج
علمية مؤكدة؛ حيث ينتهي إلى القول : « ولكننا محتاجون بعد
أن ثبتت هذه النظرية (؟!) أن نتبين الأسباب المختلفة التي
حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام » ()
. ولا يجد الباحث أي سند علمي يفيد ثبوتها.
إن خطورة دعاوى طه حسين حول الشعر
الجاهلي لا تقف عند حد الشعر الجاهلي نفسه، ولو كان الأمر
كذلك لكان هيِّناً، ولكن مَكْمَن الخطر أن المسألة تمس
النص الإلهي الموحى به إلى الرسول
r
؛ إذ تحيله إلى نص بلا دليل من لغة العرب يدل عليه ويصدق
إعجازه. ()
ذلك أن النص القرآني - عندما نزل -
كانت العرب قد وصلت إلى قمة الفصاحة والبيان، فنـزل هذا
النص ليعجزهم عن أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة منه. قال
تعالى:
-
}
أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
{
() .
-
}
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا
نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ
مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ
{
()
.
-
}
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِثْلِـــــــــــــــــهِ وَادْعُوا مَنِ
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ
{
()
.
والرقي اللغوي الذي وصله العرب -
فصاحةً وبياناً -، جله كان شعراً لا نثراً، فلم تخل قبيلة
- من قبائل العرب - من شاعر أو شعراء يتبارون في نظم أبلغ
شعر وأعذبه، وكفى الشعر تأثيراً أن بيتا أو بضع أبيات منه
كانت كفيلةً بالرفع من شأن قبيلة كلها أو الحط منها، بل
كانت سببا كافيا لإشعال نار الحرب أو إطفائها.
وهذه العناية البالغة بالشعر - في عصر
ما قبل الإسلام - شاهدٌ على حفظ اللغة أولاً، وبرهان على
مستوى السمو والرقي الذي وصل إليه العرب بها ثانياً.
ودعوى طه حسين إنكار الشعر الجاهلي لا
يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة – كما يقول أحد الباحثين - : «
هو نزول النص الإلهي في أمة لا شاهد لها على فصاحة لغتها
وإبانة لسانها؛ مما يجعل آيات كثيرةً من النص عرضةً للتقول
بأنها غير ذات موضوع؛ لأنها أتت تتحدى العرب بفصاحة لغتهم
وبلاغتها، وفي إنكار الشعر الجاهلي – الذي أودع لغة العرب
فحفظها لهم – يصبح موضوع التحدي غير قائم أصلاً...»().
هذه هي النتيجة الخطيرة التي تترتب
على ما ادعاه طه حسين: تحويل لغة النص الإلهي إلى لغة لا
دليل على أنها لسان عربي مبين إلا النص نفسه؛ مما يفتح
المجال – واسعاً - أمام المنكرين للنص وقدسيته ليتقولوا
عليه وعلى لغته الرصينة ما شاءوا من تقول وافتراء.
ومع أن دعاوى طه حسين قد حوصرت في
مهدها بردود كثيرة، فإن تداعياتها لم تختف تماما؛ فقد مثلت
أنموذجاً لكثير ممن جاءوا بعده وحاولوا الظهور بمظهر
المجتهد المجدد كذلك، وهم - في حقيقتهم - لم يتجاوزوا
تقليد أرباب الاستشراق الذين لم يأل كثير منهم جهداً للطعن
في الإسلام وحقائقه الكبرى.
إن طه حسين وقاسم أمين وغيرهما ممن
ساروا على نهجيهما لم يضيفوا شيئا أكثر من ترديدهم لآراء
كبار أساتذتهم المستشرقين، وقد كفى بعض الباحثين مؤونة
البحث والتقصي في هذه المسألة بتحقيق المرجع الأصلي لكل
الدعاوى الخطيرة من مثل دعوى إنكار الشعر الجاهلي، حيث
عقدوا مقارنات بين آراء الأستاذ المستشرق – المتقدمة زمنا
طبعا – وبين صدى هذه الآراء لدى التلميذ المقلد.
والنتيجة التي انتهت إليها المقارنات
هي أن ما زعمه طه حسين حول الشعر الجاهلي إنما هو إعادة
صياغة لرأي()
المستشرق مرجليوت
()
، وأن ما أراد أن يصل
إليه من فكرة بشرية القرآن إنما هو استنساخ لرأي
المستشرق الإنجليزي جب.()()
|