تاريخ التحديث فاتح رمضان  1426هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 
الصفحة الرئيسية
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور
 




 
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 

مــــحـــاضـــرة

الـفتور

المظاهر – الأسباب – العلاج

ملاحظة: نظرا لأهمية الموضوع رأينا أن نتحف به زوارنا الكرام، إلا أن طول المحاضرة اضطرنا للتصرف فيها باختصار لا يخل بمحتواها ومضمونها

للأستاذ الدكتور:ناصر بن سليمان العمر

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، أيها الأخوة المؤمنون: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

تعريف الفتور

أقول مستعينا بالله -جل وعلا- ومتوكلا عليه ومصليا ومسلما على رسوله صلى الله عليه وسلم

ما هو الفتور؟

قبل أن أعرفه من الناحية اللغوية، أريد أن أنبه أن تركيزي في هذه الدروس يتعلق بالفتور في طلب العلم، والدعوة إلى الله، وسيدخل في ذلك تبعا وضمنا بقية أنواع الفتور، كالفتور في العبادة ونحوها، ولكن التركيز ينصبُّ على هذين الأمرين، كما ستلاحظون بإذن الله عند الحديث في مظاهر الفتور وأسبابه وعلاجه.

ما هو الفتور؟

عرف علماء اللغة الفتور بعدة تعريفات متقاربة، يكمل بعضها بعضا، ويوضح بعضها بعضا.

قال في مختار الصحاح: الفترة: الانكسار والضعف، وطرف فاتر: إذا لم يكن حديدا، أي قويا، وقال ابن الأثير: والمفتر الذي إذا شرب أي الذي إذا شرب أحمى الجسد، وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار؛ ولذلك يسمى الخمر من المفترات، وبعض الحبوب، وبعض المسكرات التي يستخدمها بعض الناس تسمى من المفترات؛ لأنها تحدث في الجسم ضعفا وخورا وفتورا.

يقال: أفتر الرجل فهو مفتر: إذا ضعفت جفونه، وانكسر طرفه وقال الراغب: الفتور، تعريف جميل للراغب -رحمه الله- الراغب الأصبهاني في مفردات القرآن قال: الفتور: سكن بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)([1]) أي سكون حال عن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلموقوله: لا يفترون، أي لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة.

وقال ابن منظور: وفتر الشيء، والحر، وفلان يفتر فتورا وفتارا: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.

ونخلص من هذا: إلى أن الفتور: هو الكسل والتراخي، والتباطؤ بعد الجد، والنشاط والحيوية.

نخلص بعد هذا من هذه التعريفات إلى أن الفتور: هو الكسل والتراخي والتباطؤ بعد الجد والنشاط والحيوية.

قال ابن حجر -رحمه الله، ورحم من سبقه-: الملال استثقال الشيء، ونفور الناس عنه بعد محبته، وهو داء يصيب بعض العباد والدعاة وطلاب العلم، فيضعف المرء ويتراخى ويكسل، وقد ينقطع بعد جد وهمة ونشاط.

  أقسام المصابين بداء الفتور

المصابون بداء الفتور ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم يؤدي بهم الفتور إلى الانقطاع كلية، وهم كثير، يكون من العباد فيترك العبادة، يكون من طلاب العلم الجادين فيترك طلب العلم، يكون من الدعاة المعروفين فينقطع نشاطه.

النوع الثاني: قسم يستمر في حالة الضعف والتراخي دون انقطاع، وهم الأكثر، أكثر من يصاب بالفتور يبقى معه بعض الأثر من جده ونشاطه، ولكن ينخفض نشاطه وعلمه وجده كثيرا إلى أكثر من نسبة سبعين أو ثمانين بالمائة، إذا أردنا أن نستخدم نسبة الأرقام.

النوع الثالث: قسم يعود إلى حالته الأولى، أو بعبارة أصح إلى قرب حالته الأولى؛ لأنه قليل أو نادر أن يعود إلى حالته الأولى، قسم يعود إلى قرب حالته الأولى وهم قليل جدا؛ لأن أثر الفتور قد يبقى، ويؤثر في الإنسان.

 وأريد أن أشير قبل أن أتجاوز أقسام الناس في الفتور إلى أن هناك قسم بعض الناس يؤدي به الفتور -والعياذ بالله- إلى الانحراف، ولكن لم أتحدث عن هذا النوع؛ لأن غالبا النوع الذي يؤدي به الفتور إلى ترك العمل هم منهم قسم كبير يؤدي بهم الأمر إلى الانحراف -والعياذ بالله- فقد رأينا أناسا كانوا في غاية النشاط، والعبادة والصلاح، ورأيناهم بعد حين، وقد انحرفوا عن الجادة -والعياذ بالله-.

أنا لا أتحدث هنا عن الانحراف، ولكنني أنبه إلى أن الفتور من أعظم أبواب الانحراف.

إن الفتور مرحلة وسطية بين العبادة والدعوة والعلم والانحراف، قل أن تجد إنسانا عابدا وداعية ومعلما أو متعلما وينحرف مباشرة، أقول: موجود، ولكنه قليل جدا.

إن ما يحدث أن يفتر أولا، أن يضعف أولا، ويعيش سنوات في ضعف، ثم الإنسان لا يستقر على حالة واحدة، إن لم يتداركه الله برحمته، ويعود يستمر في الانحدار حتى يقع في الانحراف -والعياذ بالله-.

أدلة الفتور من القرآن

ورد لفظ الفتور، ومعناه في عدة آيات وأحاديث من الكتاب والسنة، وسأذكر بعض هذه النصوص، لإلقاء مزيد من الضوء حول معنى الفتور، وسيكون ذكري لها باختصار، دون تعليق طويل، وإن كنت سأفصل فيها -بإذن الله- عند ذكر الأسباب

قال الله -تعالى- مثنيا على الملائكة: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)([2]).

أي لا يضعفون ولا يسأمون، وجاء في آية مشابهة:

(يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)([3]) والسأم هو الفتور، وقال سبحانه -مما يدل على معنى الفتور-: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([4]) كتابة الديون يفتر الإنسان عنها؛ ولذلك نبه الله -جل وعلا- قال: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([5]).

لو سألت الأخوة، قد تجد كل واحد من الموجودين، أو بعبارة أصح أن أغلب الموجودين إما له دَين أو عليه دَين، ولكن كم منهم يكتب هذا الدَّين؟ قليل جدا، قليل من يسجل ما له، وما عليه؛ ولذلك تلاحظون في الإعلانات بعد أن يتوفى بعض الناس يعلن أهله وورثته: من له عليه أو من له على فلان دين فليأت، ما معنى هذا؟ أنه لم يسجل ولم يقيد؛ فلذلك نبه الله إلى هذه النقطة الخفية، التي أقول: إن أغلبنا قد وقع فيها (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([6]).

السأم هو الفتور، قد يتحمس الآن الواحد، ويخرج ويكتب مرة ويكتب مرتين، ويكتب ثلاثا ثم بعدين -إن شاء الله- غدا بعد غدٍ ثم ينسى ويسأم، ثم تقع المشكلات بعد ذلك، ويقع الخلاف ويقع الخصام.

أيضا يقول -جل وعلا-: (لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)([7]) صحيح نعم، وهو قول الباري -جل وعلا- الإنسان لا يفتر من دعاء الخير لنفسه، دائما يدعو الله -جل وعلا- فيما يخصه من الخير، أما غير ذلك من العبادات، فالسأم والفتور موجود.

وقال -جل وعلا- عن أهل النار: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)([8]) النار مستعرة شديدة لا يمكن أن تقل أو تضعف لحظة واحدة (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ)([9]) لا تنقطع ولا تضعف ولا تخبو لحظة واحدة (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)([10]) وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)([11]) وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)([12]) أي انقطاع، ومما يدل في معنى قوله تعالى يصف المؤمنين: (وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)([13]).

أدلة الفتور من السنة

أما الأحاديث: فهي كثيرة جدا، وأذكر بعض هذه الأحاديث، وهي نص في الموضوع، أو في معناه عن أنس رضي الله عنه قال: "  دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين ساريتين "   ([14]) دخل المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين "  فقال: ما هذا الحبل؟ "   يقول صلى الله عليه وسلم"  قالوا: هذا حبل لزينب "   ([15]) زينب: هي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم من أمهات المؤمنين "  هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به "   ([16]) تقوم تصلي، فإذا فترت وكسلت تعلقت بالحبل حتى تنشط.

الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: لماذا هذا الحبل؟ قالوا: لزينب فإذا فترت تعلقت به، أنشط لها ولإذهاب الفتور، قال صلى الله عليه وسلم"  لا، حلوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد "   ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر وتعب وكسل فلينم، وهذه من رحمة الله -جل وعلا-.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استمعوا يا شباب، استمعوا يا أصحاب الجد، انظروا كيف يخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وكيف يدلنا على العلاج، يقول صلى الله عليه وسلم"  إن لكل شيء شرة، ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه "   ([17]).

وأذكر أن أحد الأخوة يقول: كان في غاية نشاطه، هذا الكلام منذ ثلاث سنوات، كان قويا ونشيطا، وكنت وكنا وقوفا، فجاء أحد الأخوة وسلم عليه، وقال: يا فلان -فلان من كبار العلماء، لا أريد أن أذكر اسمه- أحد كبار العلماء يبلغك السلام، ويقول لك: إنني أدعو لك بالتوفيق، ولكنني أذكرك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم"  إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة "   ([18]).

يقول هذا الأخ: لما انصرف المُبلغ، يقول: صحيح بلغ الحديث، لكن هل يمكن أن أفتر؟ يقول -عن نفسه-: كان في غاية النشاط، ما مر على هذا الكلام إلا سنتان، فإذا هو قد فتر قليلا، وخف نشاطه.

إذا "  لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة "   ([19]) وفي الحديث الآخر عن ابن عباس رضي الله عنه في نفس نص الحديث، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: "  لكل عالم شرة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا، وإلا فقد هلك "   ([20]).

وقال صلى الله عليه وسلمعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "  كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم تصوم النهار، وتقوم الليل، فقيل له: إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد ضل "   وفي رواية: "  فقد هلك " .

وعن عبد الله بن عمرو قال: "  ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم قوم يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا فقال: تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل عمل شرة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد فنعماه، ومن كانت فترته إلى المعاصي، فأولئك هم الهالكون "   ([21]).

"  وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسل مدخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: هذة فلانة تذكر من صلاتها فقال: مه "   ([22]) عائشة -رضي الله عنها- أثنت عليها ثناء كثيرا، أنها تصلي، وتقوم الليل، فقال الرسول صلى الله عليه وسلممه أي اسكتي، كفى عن هذا المدح "  مه: عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا "   ([23]).

وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه.

وأختم بهذا الحديث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"  يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه "   ([24]).

إذا -أيها الأخوة-نخلص من هذه الأحاديث إلى:

أن كل إنسان يصاب بالفترة -وبالفتور-، لكن هناك من يصاب بالفتور قليلا، ثم يعود كما كان أو أحسن، وهناك من يصاب بالفتور، وهو الهلاك، وهو الذي نقصده في هذا الحديث.

ليس حديثي عن الذي يصاب بالفتور قليلا ثم ينشط، هذا ليس هو مجال حديثي، ولا يخلو منه أحد، ولا يسلم منه أحد، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم لكنني أتحدث عن النوع الآخر من الفتور؛ أولئك الذين يفترون عن العمل، ويضعفون ثم يهلكون -والعياذ بالله-.

  آثار عن السلف في الفتور

انظروا بعض الآثار عن السلف:

قال ابن مسعود: لما بكى في مرض موته رضي الله عنه إنما قيل له: ما يبكيك؟ قال: إنما أبكي؛ لأنه أصابني في حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد، لما أصابه مرض الموت بكى قال: لأنه أصابني المرض، وكنت في حال فترة، ضعف، ويا ليت المرض أصابني وأنا في حال اجتهاد، وفرق بين من يصاب بمرض وهو في حال نشاط واجتهاد، وبين من يصاب بمرض وهو في حال فتور؛ لأن المريض والمسافر يكتب له ما كان يعمل في حال صحته، فبكى رضي الله عنه.

وعنه رضي الله عنه قال: "  لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لن تطيقوه، فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه، فإنه أسلم له " .

وقال الإمام النووي شارحا لحديث عائشة -رضي الله عنها-:

فيه الحث، الذي هو حديث عائشة، عندما قال لها الرسول صلى الله عليه وسلممه، فيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليه بنشاط، وأنه إذا فتر فليقعد حتى يذهب الفتور.

قال ابن القيم، خذوا هذه الكلمات من الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، السالكين العباد طلاب العلم تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيرا مما كان.

ابن القيم وضع لنا حدا قال: إذا أصيب أحدكم بفتور، لا بد أن يصاب بالفتور، المهم ألا توصله حدا وضعه ابن القيم -رحمه الله-، وهو من معنى الأحاديث السابقة لا توقعك في محرم، ولا تجعلك تتخلى عن فرض.

ولذلك ورد عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن النفس لها إقبال وإدبار، لاحظوا كلام جميل من الإمام علي رضي الله عنه النفس لها إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فخذها بالعزيمة والعبادة، وإذا أدبرت فأقصرها على الفرائض والواجبات، أو كما قال رضي الله عنه لاحظتم هذه القاعدة وهي مهمة ستأتي -إن شاء الله- في أسباب الفتور لكنني أؤكدها هنا.

بعض الناس تكون نفسه منصرفة، فيه ثقل، فيجبر نفسه على ماذا؟ على النوافل ما الذي يحدث؟ يبدأ يحس بثقل شديد في النوافل، حتى بعد فترة طويلة، لا، إذا قصرت نفسه وثقلت، فاتركها لكن لا تتخلى عن الفرائض والواجبات، وإذا أقبلت نفسك، انشرحت فخذها بالعزيمة.

أحيانا تجد من نفسك رغبة في الصلاة، العبادة، فإذا وجدت هذه الرغبة، خذ النفس فيها، وأحيانا تحس بثقل، فأقصرها على الأقل، ولو تقصرها على الوتر ثلاث ركعات، أو ركعة واحدة.

أحيانا تجد عندك النفس مقبلة لقراءة كتاب الله -جل وعلا- فخذها، ولو تقرأ في اليوم عشرة أجزاء، وأحيانا تجد ثقلا فأقصرها على وردك اليومي، وحتى لو تركت الورد، وإن كان هذا يحدث خللا كما ذكر ابن تيمية، فإنك تعود أقوى -بإذن الله- إلى ذلك.

النفقة: أحيانا تجد في نفسك إقبالا على النفقة في سبيل الله، فخذها دون إفراط، وأحيانا تجد ثقلا فأقصرها على ما تستطيع وترغب ولا تكرهها؛ لأن هذا تكون آثاره خطيرة بعد ذلك.

مظاهر الفتور

التكاسل عن العبادات والطاعات

أبرز مظهر من مظاهر الفتور هو التكاسل عن العبادات والطاعات، مع ضعف وثقل أثناء أدائها، ومن أعظم ذلك الفتور عن تأدية الصلاة، قال -سبحانه وتعالى- واصفا المنافقين (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)([25]).

وقال -جل وعلا-: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)([26]) هذا مظهر يا أخي إذا كنت تجد وأنت تقوم إلى الصلاة الفريضة ثقلا، فأنقذ نفسك، تدارك نفسك؛ لأن هذه صفة من صفات المنافقين -والعياذ بالله-.

  الشعور بقسوة القلب وخشونته

من مظاهر الفتور: الشعور بقسوة القلب وخشونته، فلم يعد يتأثر بالقرآن والمواعظ، ورانت عليه الذنوب والمعاصي، قال سبحانه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([27]) ويكاد يصدق عليه وصف الله لقلوب اليهود (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )([28]).

ويصل من قسوة قلبه ألا يتأثر بموت، ولا ميت، ويرى الأموات، ويمشي في المقابر وكأن شيئا لم يكن، وكفى بالموت واعظا، وأعظم من ذلك عدم تأثره بآيات الله -جل وعلا- وهي تتلى عليه، ويسمع آيات الوعد والوعيد فلا خشوع ولا إخبات، والله -جل وعلا- يقول: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)([29]) ويقول -جل وعلا-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)([30]).

  إلف الوقوع في المعاصي والذنوب من مظاهر الفتور:

ويصل الفتور إلى درجة أبعد، إذا ألف الوقوع في المعاصي والذنوب وقد يصر على بعضها ولا يحس بخطورة ما يفعل، ويقول: هذه صغيرة، وتلك أخرى وهلم جرا، وقد يصل به الأمر إلى المجاهرة. والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: "  كل أمتي معافى إلا المجاهرين "   ([31]) وأشير هنا إلى أن هناك فرقا بين الفتور والانحراف، ولكنني قد بينت هذا قبل قليل.

  عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه

ومن أبرز مظاهر الفتور: عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، والتساهل والتهاون بالأمانة التي حمله الله إياها، فلا تجد لديه الإحساس بعظم هذه الأمانة، والله -سبحانه وتعالى- يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)([32]).

أرأيتم -أيها الأخوة- هذا المظهر هو مما نشكو منه الآن، وهذا من أخطر الأدواء: عدم إحساس كثير من الناس بالمسئولية التي ألقيت على عاتقهم، يسمع أخبار المسلمين فلا يتأثر، يسمع أحوال أمته فلا يتحرك قلبه، قد يرى مظاهر تحدث في الشوارع من بعض السفهاء ولا يقشعر قلبه.

  استوحاش الأصحاب الصالحين

من علامات الفتور: أن الإنسان يكون له أصحاب صالحون، إذا وجدهم فرح بهم، إذا كلموه بالهاتف لمس أهله السرور على وجهه، وبعد فترة وبعد زمن فإذا هو يتوحش ويستوحش منهم، إذا قيل له: إن فلانا على الهاتف قال: اصرفوه، إذا قيل له: إن فلانا عند الباب قال: اعتذروا منه، إن لاقاه في الشارع أو في مناسبة من المناسبات فإذا بينهما وحشة، ومجاملة وثقل ويتمنى متى ينصرف عنه، هذه من علامات الفتور.

  الاهتمام بالدنيا والانشغال بها عن العبادة وطلب العلم

من مظاهر الفتور: الاهتمام بالدنيا، والانشغال بها عن العبادة، وطلب العلم والدعوة إلى الله، والدنيا حلوة خضرة، فقلّ أن ينجو منها أحد.

عرفنا أناسا بطلب العلم، عرفناهم بالدعوة إلى الله، عرفناهم بالنشاط، عرفناهم في مكتبات المساجد، عرفناهم في جمعيات المدارس، الآن ما هي أخبارهم؟ اللهاث وراء الدنيا، نحن لا نقول: إن طلب الدنيا حرام، لا، لكن بدلا إن كان يكتفي من الدنيا بالكفاف فإذا هو يلهث وراء هذه الدنيا، وإذا هو قد ترك العمل الذي هو فيه، وإذا هو حتى قد ترك العلم، وما بقي معه من العلم إلا قليلا، أو لم يبق معه شيء، وإذا هو يكتفي بالحوقلة والاستعاذة، هذا مظهر من مظاهر الفتور.

  كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة وينفع الأجيال

من مظاهر الفتور: كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة، وينفع الأجيال، فتوجد هذا النوع يتحدثون عما عملوا سالفا وكنا وكنا، وكنت وكنت، ويتسلون بهذا القول عن العمل الجاد المستمر، والله -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)([33]) وهذا مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم"  ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل "   ([34]).

  الغلو والاهتمام بالنفس

من مظاهر الفتور: الغلو والاهتمام بالنفس، مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، فبعد أن كان لا يلقي لهذه الأشياء بالا إلا في حدود ما شرع الله، فإذا هو قد أصبح يبالغ فيها، يبالغ في ثيابه، يبالغ في مسكنه، بدل ما كان لا يبالي إلا في حدود الشرع (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)([35])

  انتفاء الغيرة، وضعف الإيمان، وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله

أيضا: انتفاء الغيرة، وضعف الجذوة -الإيمان- وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله، فيرى المنكرات ولا تحرك فيه ساكنا، ويسمع عن الموبقات وكأن شيئا لم يكن، وقد يكتفي بالحوقلة والاسترجاع إن كان فيه بقية

أختم هذه المحاضرة بهذه المظاهر السريعة من مظاهر الفتور:

·        ضياع الوقت وعدم الإفادة منه، وتسجيته بما لا يعود عليه بالنفع، وتقديم غير المهم على الأهم، والشعور بالفراغ الروحي وعدم البركة في الأوقات، وتمضي عليه الأيام لا ينجز فيها شيئا يذكر.

·        عدم الاستعداد للالتزام بشيء والتهرب من كل عمل جدي

·        عدم الاستقرار على عمل معين.

·        النقد لكل عمل إيجابي

·        التسويف والتأجيل وكثرة الأماني

 


[1] - سورة المائدة آية : 19 .

[2] - سورة الأنبياء آية : 20 .

[3] - سورة فصلت آية : 38 .

[4] - سورة البقرة آية : 282 .

[5] - سورة البقرة آية : 282 .

[6] - سورة البقرة آية : 282 .

[7] - سورة فصلت آية : 49 .

[8] - سورة الزخرف آية : 75 .

[9] - سورة الزخرف آية : 75 .

[10] - سورة الزخرف آية : 75 .

[11] - سورة آل عمران آية : 64 .

[12] - سورة المائدة آية : 19 .

[13] - سورة آل عمران آية : 146 .

[14] - البخاري : الجمعة (1150) ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (784) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1643) وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1371) وأحمد (3/101) .

[15] - البخاري : الجمعة (1150) .

[16] - البخاري : الجمعة (1150) .

[17] - الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2453) .

[18] - أحمد (2/210) .

[19] - أحمد (2/210) .

[20] - أحمد (2/188) .

[21] - أحمد (2/165) .

[22] - البخاري : الإيمان (43) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1642) وابن ماجه : الزهد (4238) وأحمد (6/51) .

[23] - البخاري : الإيمان (43) ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (785) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1642) والإيمان وشرائعه (5035) وابن ماجه : الزهد (4238) .

[24] - البخاري : الجمعة (1152) ومسلم : الصيام (1159) .

[25] - سورة النساء آية : 142 .

[26] - سورة التوبة آية : 54 .

[27] - سورة المطففين آية : 14 .

[28] - سورة البقرة آية : 74 .

[29] - سورة ق آية : 45 .

[30] - سورة الأنفال آية : 2 .

[31] - البخاري : الأدب (6069) ومسلم : الزهد والرقائق (2990) .

[32] - سورة الأحزاب آية : 72 .

[33] - سورة الصف آية : 2-3 .

[34] - الترمذي : تفسير القرآن (3253) وابن ماجه : المقدمة (48) .

[35] - سورة الأعراف آية : 31 .

 

 

أقرأ أيضا:

 

السياسي المسلم

لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

لو أن ( بارتيليمي سانتهيلير Barthelemy St Hilair) الذي صرح بحق قائلا (1): " إن السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة، لا يسعها أن تسمو إلى المبادئ، وإن رجل السياسة بما أنه يرعى المصالح، ويخدم الشهوات، ويسعى للتوفيق بينها – ولو أنه قد شارك في أمرها – يتزلزل رأيه، ويعمى بصره، وتوقعه المنازعات اليومية في الحيرة في أن يقول بأي نور سام ينقاد ؟ " .

هذا العلامة الفرنسي – إذ يئس من أن السياسي الراغب في النجاح القريب والمطمع الخاص، يطابق سلوكه المبادئ الأساسية التي قامت عليها دعوته أول الأمر – لو أنه جعل من بعض دراساته السياسية والأخلاقية، البحث عما يمكن أن يجده من النماذج الحية للسياسة التي تجعل الصلة محكمة بين المبادئ والغايات، ولا تبالي بعدد النتائج المحصلة إلا إذا كانت وفق تلك المبادئ وضمن حدودها، لو أنه فعل ذلك لوجد في تاريخ ( السياسي المسلم ) المثل الأعلى للسياسة التي حددت (فكرة)، وعملت على أن تبني عليها كيان المجتمع بأسره، ولكان قد أضاف بذلك إلى دراساته السياسية والأخلاقية والفلسفية الزاخرة بالعلم والفائدة وبالعمق حقا، شيئا من العلم وشيئا من الفائدة.

 غير أن مترجم أرسطو وناقد الفلاسفة، قد حصر الثقة في العقل البشري المجرد، وفي المنهج العقلي ، وبالتالي في (السياسي الفيلسوف)، فوقع في شيء من التهافت، على حين قد وقع في شيء من التحيز القومي أيضا، فهو بالرغم من أنه صرح بأن الفيلسوف على استقلاله الشخصي لا يخلص تماما من تأثير القرن الذي يعيش فيه، وأنه عبثا يحاول التجرد، بما أنه دائما يتصل بزمانه، وأن الدولة المثالية التي يرسمها أفلاطون يتسنم فيها روح السياسة الإغريقية ، وأن حكومة الفرد التي كان يحلم بها (منتسيكيو) هي حكومة الفرد الوحيدة المقيدة في كل أوربا، وأن أعمال الفلاسفة مهما يظهر عليها أنها شخصية فإنها أيضا مظاهر اجتماعية؛ إنه بالرغم من إدراكه لهذه الحقائق واعترافه بها، يناقض نفسه ويعلن "أن الأولى باسترعاء النظر من بين جميع الأعمال المختلفة الأنواع ، والتي كلها باعتراف الإنسانية هي أعمال الفلاسفة، فإنها قد ساعدت على بلوغ النتيجة العامة". وهو في الوقت الذي يقرر فيه " أن هدى رجال السياسة ينطفئ نوره غالبا في سجلات التاريخ " "يطالب الفيلسوف السياسي بأن يعتمد في تحديده لمبادئ السياسة العليا على السيكولوجيا ويجعل دراسة التاريخ مراقبة لهذه الإدراكات السيكولوجية".

إنه إذا كان لابد لنا من أن نعتمد على العقل  بدل الهوى  بما أنه القبس الإلهي الذي خصصت الحكمة الإلهية به إنسان هذه الأرض من بين سائر المخلوقات، وكان لابد لنا من أن نجعل على هذا العقل (مراقبة) تقيه التلف في متاهات الشهوات والشبهات، فإن هذه المراقبة لا يحق أبدا أن تكون للتاريخ. إنها للدين، الدين الذي جعله خالق الإنسان لأعمال الإنسان عصمة و(حدودا). يقول (الدوس هكسلي Aldous Huxley) : "إن العقل الناقد قوة محررة إلى حد ما،غير أن الوسيلة التي بها يصير ذا فائدة تتوقف على الإرادة، وحيثما لا تكون الإرادة نزيهة وغير متحيزة، فإن العقل يصبح وسيلة لتحكيم الأهواء والأوهام وتبرير المصالح الخاصة، وهذا هو السبب الذي من أجله كان أولئك الفلاسفة الأذكياء الذين حرروا أنفسهم بكيفية تامة من السجن الضيق لعصرهم وبلدهم، من القلة بحيث لا يذكرون"(2) .

والدين بما أنه الخاصة الإنسانية التي لم يستطع الإنسان أن يستغني عنها في أي حقبة من أحقاب تاريخه المتعاقب، فإنه هو وحده القوة التي تستطيع أن تمسك بزمام العقل وتربطه برباط الإرادة الطيبة التي هي شرط في أن يكون العقل أداة بناء لا أداة هدم ، وأداة إصلاح لا أداة إفساد.

أما إذا كانت هناك قيمة يجب أن تعطى للتاريخ، فهي قيمة العبرة والتأييد والاستشهاد والاستئناس، لا الاعتماد العلمي، والمراقبة الأساسية؛ ولقد تفطن لهذا المعنى العلامة ابن قيم الجوزية حين قال : "إن الانسان يجب عليه لتتميم سعادته وفلاحه أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له نصيره في ذلك ما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره، ومن أنفع ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه فيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة؛ ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى تعاين ذلك، فإذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة"، ثم قال : "فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير وللشر"(3)وهو في كتاب السياسة الشرعية يثبت "أن من له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وأنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها لغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، وعرف أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها مواضعها وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر بعين الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها ".

وفي الدراسات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، الرامية إلى تحديد المثل والأهداف العليا للإنسانية نجد أن الكاتب الإنجليزي الذكي (الدوس هكسلي Aldous Huxley)، الذي أدرك أن الأنانية السياسية هي أسباب الفساد في السياسات الحاضرة، وأنه لا سبيل إلى الاصلاح الصحيح إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح،هو الذي أدرك الداء في مكمنه، والحقيقة في أصلها، لقد أدرك (هكسلي) عن وعي أن جميع الأمثلة التي رسمت في عصره ومن قبل عصره لأن تكون المثال المحتذى لعالم أفضل، وحياة مثلى، غير حرية بأن تكون ذلك المقام المطلوب أن تتبوأه الجماعة البشرية فوق هذه الأرض، وهي أسعد ما تكون، وأعدل ما تكون، وأكثر جمعا لعناصر الخير والحب الأخوي، ذلك أن جميع الهيئات والجمعيات وأكثر الفلاسفة والمفكرين الذين رسموا تلك الأمثلة وخططوا الطرق الموصلة إليها كانوا عرضة لتأثير البيئات والظروف المحيطة، كما أن الهوى والتعصب كان الديدن والشيمة المسيطرة على هؤلاء، وعلى من أطاعهم طاعة عمياء. واتبعهم تبعية تقليدية جازمة بغير دليل ولا برهان. وبخصوص الخطط السياسية للقرن العشرين – القرن الذي سمى العالم السياسي والاقتصادي (جستاف شتلبر) ما بعد سنة 1914 منه (عصر الخرافة) وقال(4) : "إن الجماهير الجاهلة ورجال العلم والمال والفن والأدب كل أولئك استووا في التعلق بخرافاته" – بخصوص هذا القرن، وبخصوص ساسته الذين حملوا علم السياسة زاعمين أنهم سائرون بالإنسانية إلى أهدافها العليا قال (هكسلي) : "إن أكثر شعوب العالم اليوم، أبعد ما تكون عن المثل العليا والاهتداء بهديها" " إنه لا شك أن التقدم العلمي والفني يسير بخطى حثيثة، ولكن تبادل الحب بين القلوب لا يسير مع هذا التقدم جنبا لجنب، وإذن فليس من وراء التقدم العلمي والفني فائدة بل إنه من بواعث التأخر والتدهور في كرم النفوس وطيب الأخلاق".

"إن الدكتاتوريين الاقتصاديين والسياسيين في العصر الحاضر، يخترعون الأكاذيب بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وهم يبثون أكثر هذه الأكاذيب في الدعاية المنظمة التي تنفث الكراهية والغرور في صدور الناس".

"إن تبادل الحب لا يمكن أن يتمكن من القلوب إلا إذا عاد الناس إلى الدين الصحيح والعقيدة في إله واحد ولكن العامة اليوم تعبد آلهة متعددة، فهي تعبد الأمة، أو تعبد طبقة معينة من الناس، أو تقدس الفرد".

"إن أهداف الإنسانية هي بعينها فبي كل زمان ومكان" "وإن الذين استطاعوا أن يدركوها حق الإدراك وأن يخطوا لتنفيذها خططا متشابهة، إنما هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من تأثير البيئة والظرف والزمان، ومن دواعي الهوى والتحيز والتعصب، وأولئك – كما يقول هكسلي- ليسوا إلا الأنبياء ورجال الدين ومن اتبعهم من بعض الفلاسفة الأحرار.

لم يضع (هكسلي) إذن الثقة في (السياسي الفيلسوف) بعد أن فقدها من السياسي الأناني المراوغ كما فعل (بارتيليمي) ولكنه وضعها في "السياسي المتدين".

لقد وضع (بار تيليمي سانتهيلرBarthelemy St Hilair ) مقياسا تاريخيا فسيحا وعادلا حقا كما يقول، يجب أن تؤسس عليه (محكمة قضاء) يمكن أن ترد إليها جميع أعمال الجمعيات القديمة والحديثة وجميع أعمال رجال السياسة والمقننين في كل الأزمان، وديانة الشرك، وديانة المسيحية، هذا المقياس هو "أن كل جمعية أيا كانت صورتها السياسية يجب عليها أن تحترم (حقوق الانسان) وتكفلها بمقدار معرفتها إياها، تحترمها وتكفلها أولا في ذاتها ثم في جميع النتائج المترتبة عليها" وعلى هذا المقياس التاريخي ناقش (بارتيلمي سانتهيلر Barthelemy St Hilair) أعمال أفلاطون وأرسطو وأعمال من سبقه هو من فلاسفة السياسة ورجالها العمليين، فأثبت منها ما أثبت، وزيف منها ما زيف، غير أن العالم الفرنسي كان أبلغ في التناقض، وأظهر عرضة لتأثير البيئة والظرف والعرق الدساس، وأبعد عن تحكيم مقياسه التاريخي الذي وضعه لمحاكمة الناس وآراء الناس عندما حكم بـ "أن الجمعية التأسيسية الفرنسية قد فاقت في عملها جميع من سبقها من الحكماء بإعلانها حقوق الإنسان" "وأن الفلسفة ذاتها لم تكن محيطة بها علما، وأن الديانات الأقدس ما تكون لم تستطع أن توحيها!!" "وأنه إذا كان بين الأمم الحديثة أمة تستحق قصب السبق فهي أمتنا" حقا إن العلامة والسياسي الفرنسي كان أكثر عرضة لتأثير الوطنية الضيقة وأبعد عن الاستجابة لنداء الحق عند ما حكم بأن السياسة الفرنسية والتي تمثلت صورتها في الجمعية التأسيسية الفرنسية هي وحدها السياسة التي خرجت بريئة أمام محكمة القضاء التاريخية لأعمال الجمعيات السياسية والدينية التي تكفلت بالعمل لخير الإنسان وحقوقه.

ولنضع نحن أمامنا الآن على ضوء هذا المقياس التاريخي الذي وضعه (بارتيلمي سانتهيلر Barthelemy St Hilair) وحكم به للجمعية الفرنسية، أعمال الجمعية الإسلامية أي أعمال (السياسي المسلم)، لنر إلى أي حد استطاع أن يحرر نفسه، ويحرر الإنسانية، أي إلى أي حد استطاع أن يأخذ بزمام الإنسانية للتمكن من حقوقها الطبيعية التي كرمها بها ربها، وخلقها من أجل التمتع بها.

لقد كان محمد – صلى الله عليه وسلم – هو السياسي الأول في الجمعية الإسلامية، وبما أن السياسة تعني في أصدق معناها الإشتقاقي، قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح والفلاح والحياة السعيدة، فقد كان محمد سياسيا مسلما بأصدق ما تكون هذه الكلمة، علما وعملا، مبدءا وخلقا، وتحقيقا في عالم الواقع التاريخي، وهو – صلى الله عليه وسلم – وإن لم يكن بدعا من الرسل قبله في مبادئ هذه السياسة وأصولها، وأغراضها وغايتها، - فجميع رسل الله من قبله كانوا ساسة لأممهم بهذا المعنى الشريف والأقدس للسياسة، فمحمد – صلى الله عليه وسلم – هو القائل "كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما هلك نبي خلفه نبي"[5] – فقد كانت سياسته القرآنية مهيمنة على كل سياسات الرسل من قبله، بما أنه كان سياسيا (عالميا)على حين كان الرسل من قبله ساسة (قوميين) " (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ) (لأعراف:59) (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً) (الأعراف: من الآية65) (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحا) (الأعراف: من الآية73) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) (سـبأ: من الآية28)

إن محمدا كعقل إنساني كلف من قبل رب البشرية بهدايتها إلى طريق تمتعها بحقوقها وقيامها بواجباتها، كان يستمد علمه بقوانين هذه الهداية من السماء، من الوحي، ولكي يسلم هذا العلم بشؤون هداية الناس وأساليب سياستهم وقيادتهم من الضلالات والانحرافات، وتأثيرالظروف والبيئات، وكل أنواع المؤثرات على العقل وعلى العاطفة، منع الوحي محمدا أن يصغي لغير نداء هذا العلم الذي هو وحده الحق وغيره الضلال، والذي هو وحده العلم وغيره الجهل، ذلك أنه وحده العلم الصادر عمن خلق العقل وغير العقل من أشياء يتأثر بها العقل مهما كان مبلغ طبيعته من الاستقلال في التفكير وفي الادراك وفي الحكم، ومن ثم جاء الوحي ينهى محمدا أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، أوأن يتخذ من ظنون الناس وتخرصاتهم بديلا " ( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة: من الآية120)

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116) (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثـية:18) وبما أن علم محمد صلى الله عليه وسلم - بقوانين سياسة الناس وهدايتهم إلى الخير كان مستمدا من الوحي فقد كان محمد صلى الله عليه وسلم - ينطق في كل شئ بالعلم لا بالهوى، وتصدر جميع أعماله وسلوكه السياسي في كل ذلك تبعا لمقتضيات هذا العلم (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4).

وفي هذا جاء حديث عائشة أنه – صلى الله عليه وسلم - "كان خلقه القرآن" (6)، ومن ثم أيضا لم يقل محمد صلى الله عليه وسلم - في شئ من العلم بالأشياء أنه أوتيه من عنده، بل كان دائما شعاره "اللهم إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب".

ومن ثم أيضا كانت سياسة محمد صلى الله عليه وسلم - للناس وقيادتهم سياسة (المبدأ قبل الغاية) لا (الغاية تبرر الوسيلة)، ومن ثم كانت سياسة محمد لا تحفل بالمنافع الحاضرة ولا تتبع أسلوب الدوران واللف، ومن ثم وفقت سياسة محمد صلى الله عليه وسلم - في الأخذ بزمام الإنسانية للتمتع بحقوقها، وجعل هذه الحقوق محققة الوجود العملي في كل ميادين الحياة الإنسانية، والحجة ثابتة والتاريخ شاهد.

اعتبر (بارتيليمي سانتهلير Barthelemy St Hilair) أن وثيقة (حقوق الإنسان) الفرنسية هي أول صك مكنته الجمعية التأسيسية الفرنسية للإنسان ليخوله التمتع بما لم يتمتع به من حقوقه الطبيعية من قبل إعلان هذه الوثيقة، ولقد غفل (بارتيليمي سانتهيلير) عن أن التاريخ أثبت أنه كان من قبل (وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية) (وثيقة حقوق الإنسان القرآنية).

 وإذا كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت سنة 1789 في أول مبادئها الأساسية "أن الناس قد ولدوا أحرارا متساوين في الحقوق" فإن الوثيقة القرآنية قد هدمت من قبل ذلك بما يزيد على ألف ومائة سنة كل اعتبار للحسب والنسب واللون والطبقة والجنس، وأعلنت في العبارة القدسية على لسان النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أن الحرية الإنسانية والمساواة الإنسانية مكفولة لكل من ولد من بني آدم من ذكر وأنثى، وأنه لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى، بالعمل الصالح للفرد وللجماعة في المجتمع  الإنساني بأسره  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).

ولئن كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت في مبدئها الثاني "أن الناس يمكنهم أن يفعلوا ما لا يضر بالغير، ويمكنهم بناء على ذلك أن يفكروا و يكتبوا وأن يطبعوا في حرية" فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل بمئات السنين، أن الناس أحرار في أن يفعلوا ما يشاؤون وأن يتمتعوا بما خلقهم الله للتمتع به بما يشاؤون، ما لم يتعدوا حدود شريعة الله، أو يعتدوا بغير حق على حقوق عباده :

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32)

(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)

(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:42)

أما عن حرية القول والكتابة والنشر فإن الوثيقة القرآنية تعتبر أن الناس ليسوا فقط أحرارا في أن يقولوا باللسان أو بالقلم، من حسن القول وطيبه ما يشاؤون، بل هم فوق ذلك مطالبون بأن يعلنوا باللسان أو بالقلم ما يرونه كفيلا بإصلاح المجتمع، بإرشاد الضال، وإقامة المعوج، وإرجاع الظالم إلى الحق إرجاعا:

·         (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104).

·         (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110).

·         (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا) (البقرة: من الآية83).

·    (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:114).

ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الثالث "أن للمواطنين الذين تتكون منهم الأمة الحق المطلق في إدارتها" فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل ذلك بمئات السنين: أن صاحب الحق في إدارة شؤون الأمة عليه أن يشاورها في الأمر كله، وأن لا يستبد بالأمر دونها، وأن الأمة لها الحق في أن تنازعه، وأن توقفه عند حده فيما لم تره من التصرفات يجري على غير ما تقتضيه مصلحتها المرسلة، ومنفعتها العامة:

·    (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) .

·    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59).

ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في مبدئها الأساسي الرابع "أنه يجب على الأمة صاحبة السلطان أن تضع نصب عينها دائما حقوق الأفراد من جهة، والمصلحة العامة من جهة أخرى" فإن الوثيقة القرآنية قد كفلت كل حقوق الأفراد والجماعات، وأوصت بالمحافظة عليها، والضرب على يد من يريد الإساءة إليها والتعدي عليها:

·         (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ)(النحل: من الآية90).

·    (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء:58).

·    (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33) .

 بل إن الوثيقة القرآنية فوق ذلك قد أوجبت القتال في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين في الأرض:

·    (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء:75).

·         (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء:98) .

 لقد كفلت الوثيقة القرآنية للإنسان كل حقوقه بالجملة وبالتفصيل وهدته إلى مثله العليا، وإلى السبل التي حققت له بالفعل هذه المثل، وجعلتها حية تمشي على الأرض في شخص رجل الدولة وفي شخص رجل الشارع معا.

اعترف (بارتيليمي سانتهيلير Barthelemy St Hilair) أن رجل السياسة الفرنسي اضطره التطبيق العملي، ومراعاة العواطف والميول والأغراض في الميدان السياسي، إلى نسيان المبادئ التي أعلنتها الوثيقة الفرنسية ولقد زعم زاعم (7) "أن النبي لما صار رئيسا سياسيا تغير عما كان عليه لما كان لا يزال  طامحا في الرئاسة، وأن الحكومة التيوقراطية من حيث السياسة الفعلية تغيرت عنها لما كانت فكرة، وعلى هذا صار الطابع السياسي يزداد بروزا والطابع الديني يزداد تراجعا".

غير أن تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم - وتاريخ رجال السياسة الإسلامية من بعد الرسول، يدل دلالة قاطعة على أن هذا الزاعم لم يعتمد في دعواه على حجة علمية بالغة، وسند تاريخي قوي.

كان محمد صلى الله عليه وسلم - أول قيامه بالدعوة الإسلامية النبي المسلم، والرسول المكافح في سبيل نشر المبادئ الإسلامية ومثلها العليا، وتركيزها وغرسها في نفوس الناس ، وعندما أصبح نبي الله، نبيا سياسيا كرجل للدولة وكقائد مظفر، فهل فتنته نعمة الحكم عن الذي أوحي إليه؟ هل أخرجته عن مبادئه التي كان يكافح من أجلها من قبل أن يكون حاكما؟ هل أصبح بعد الحكم القائد الصلف، والحاكم المستعلي، والسياسي المداور؟ هل استغل أو انتهز أو تكبر وتجبر؟ هناك الأمثلة الرائعة تحتويها شمائل الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم - ، وهي حجة قاطعة على أن رجل الدولة في الجماعة الإسلامية، ظل بعد الحكم نبيا، كما كان قبل الحكم نبيا، وظل بعد الحكم إنسانا، كما كان قبل الحكم إنسانا، وظلت جملة (إنما أنا بشر) تتصدر كل كلماته الشريفة التي يلقيها على الناس في الحياة وشئون الحياة.

أنصتوا – إن شئتم – إلى هذا المثل الرائع الذي يدل دلالة قاطعة على أن المثل العليا للسياسة الإسلامية – التي قررت الاعتراف بحق المطالبة بالحقوق من أي من كان مهما علت منزلته في الجماعة وأوجبت إعطاء الحقوق لأي من كان مهما نزلت منزلته في الجماعة – ظلت تحتل مكانه في نفس النبي محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القائد المظفر كما كانت تحتل مكانتها في نفسه وهو الرجل الضعيف يكافح مع زمرة قليلة من المستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، كان الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو يقوم بوظيفة القائد العسكري في إحدى غزواته يسوي الصفوف، فانحرف جندي عن الصف فطعنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقدح كان في يده يعدل به القوم آمرا له أن يقف مستويا في الصف فقال الجندي الصغير للقائد الأعلى: " يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني "، فهل تغطرس محمد أو تجبر أو أخذته عزة القائد العسكري فقدم جنديه للمحاكمة العسكرية بتهمة إساءة الأدب ومخالفة الأوامر؟ كلا، بل كشف عن بطنه قائلا للجندي البسيط: (استقد) _ أي اقتص وخذ حقك _، وهنا سرت الإحساسات الشريفة بالعدل وبالحق وبالتسامح وبالحب من نفس الرسول القائد إلى نفس الجندي المأمور، فقبل بطن قائده بعد أن أعطاه الحق في طعنه بالقصاص العادل.

وهذا مثل آخر من الأمثال العديدة على أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يتزحزح عن مقتضيات المبادئ الإسلامية التي قامت عليها دعوته الأولى، ولم يستعمل أسلوب الوصولية والانتفاع الخاص مما شاع اليوم في أخلاق ساسة الدنيا وقادتها. انتصر محمد – صلى الله عليه وسلم – في إحدى غزواته فغنم غنائم من الخدم والمتاع ما جعل بنته فاطمة تتشوف إلى نيل بعض ما يخفف عنها آلام الحياة وصعوبة العيش، وشدة ما تقاسي من تعب الخدمة البيتية وذهبت إلى أبيها المنتصر الغانم تطلب إليه أن يمنحها خادما يخفف عنها ما تلقاه من آلام الطحن في الرحى فلقنها محمد – صلى الله عليه وسلم – كلمات من الذكر ضبط بها نفسها، وأوقفها عند حدود العفة، وعرفها أنها مخطئة في اعتبار الغنائم غنائم أبيها، إنها غنائم الأمة وأن الأحق بها هم مساكين الأمة وضعفاؤها وأراملها قائلا: "والله لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ولكن أبيعهم وأنفق عليهم" (8).

أسس محمد صلى الله عليه وسلم - للجماعة الإسلامية قواعدها وثبت أركانها، وبنى أسس الحياة الإنسانية فيها على قاعدة: العبودية لله، والأخوة للإنسان، والكرامة للتقوى، والكلمة للعدل، ثم خير فاختار، اختار الرفيق الأعلى، وانتقل إلى رحمة ربه راضيا مرضيا، وخلفه في سياسة الجماعة الإسلامية من بعده أبوبكربن أبي قحافة فكان سلوكه السياسي في القوم سلوك صاحبه لا يحيد ولا يند، وبنى القاعدة الأساسية لخلافته على أساس أنه مطلق (إنسان) كلف بواجب من الأمر، فلا استئثار ولا استبداد، ولا تحكم ولا استغلال، إنه ليس إلا فردا من الجماعة، فإذا كلفته الجماعة بواجب القيام بشؤونها، فعلى الجماعة أن تقوم بواجبها في النصح والتسديد والتصويب ورده إلى جادة الحق إذا هو خرج عنها، أليس هو القائل في أول كلمة في القوم "أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق"

ومن بعد أبي بكر جاء الخليفة عمر، ذلك السياسي (العبقري) (9) المسلم، الذي جعلته مبادؤه الإسلامية يحس بعناصر الحرية تحيى في نفسه كإنسان، فأدرك بوعيه الإسلامي أنها في نفس الآخرين كذلك، وبذلك كان مضرب الأمثال في تمكين الضعفاء المحكومين، من أخذ حقوقهم من الحكام الأقوياء، عمر الذي هتك ستر (البريستيج) القيصري والكسروي في الحكومة الإسلامية وأوقف العمال أبناء الأكرمين أمامه تصفعهم بالقصاص العدل أكف المواطنين المظلومين قائلا للأولين كلمته الخالدة في سجل (حقوق الإنسان) وفي تاريخ السياسة الإسلامية "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

إن الأمثلة كثيرة وغزيرة في تاريخ السياسة الإسلامية وهي كلها تشهد على أن هذه السياسة كانت سياسة المبادئ لا الأشخاص، فعندما أشيع في غزوة أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات خشي الناس أن يكون شخص الرسول