تاريخ التحديث فاتح رمضان  1426هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 
الصفحة الرئيسية
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور
 




 
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 

الـمرأة المسلمـة

سر لجنة  الموقع أن تعلن لزوارها الكرام أن ركن " المرأة المسلمة " هذا تشرف عليه أختنا ومقام الوالدة الأستاذة خديجة أبو بكر ( أم أحمد ) شفاها الله تعالى

لجنة الموقع
لمراسلة ركن المرأة المسلمة يرجى الاتصال ب:

 

almouslimah@achabibah.com



ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر

 هي أم عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأمها قتيلة بنت عبد العزى العامرية. وهي أخت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.وكانت أسن منها ببضع عشرة سنة، وهي آخر المهاجرات وفاة.

أسلمت رضي الله عنها بعد إسلام سبعة عشر إنساناً، وبايعت النبي r وآمنت به؛ فمن حسن إسلامها أن أمها – وكان أبو بكر قد طلقها في الجاهلية – قدمت عليها لزيارتها فأبت أن تدخلها البيت أو تقبل هديتها إلى أن أذن لها رسول الله r في ذلك، ففي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: « قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله r فاستفتيت رسول الله r، قلت: إن أمي قدِمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم صِلِي أمك" » (أخرجه البخاري ومسلم).

 كانت رضي الله عنها تدعى ذاتَ النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها إلى قسمين ليسهل عليها حمل وإخفاء ما كانت تنقل إلى الغار من طعام وشراب إلى رسول الله r يوم الهجرة، فلما رأى رسول الله ما فعلت بنطاقها لقبها بذات النطاقين.

ولما توجه رسول الله من مكة إلى المدينة مهاجراً برفقة أبيها حمل أبو بكر معه جميع ماله – خمسة آلاف أو ستة آلاف – فأتاها جدها أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إن هذا قد فجعكم  بماله ونفسه، فكان من الفتاة الذكية الشجاعة إلا أن قالت: كلا، قد ترك لنا خيراً كثيراً، ثم عمدت إلى أحجار فجعلتهن في كوة في البيت وغطت عليها بثوب، ثم أخذت بيده ووضعتها على الثوب، وقالت: هذا تركه لنا، فقال: أما إذ ترك لكم هذا فنعم، وبذلك هدَّأت من روع الشيخ الكبير وأطفأت ثورته، وبعثت الطمأنينة في نفسه.

وقد تعرضت ذات النطاقين إلى الأذى والمحن في صغرها وكبرها، لكنها كانت مثال الصبر والتضحية والفداء. لما جاءها عدو الله أبو جهل يستدرجها لتبوح بسر أبيها ومكان وجوده لاذت بالصمت ولم تزد عن قول لا أدري، فما كان من عدو الله إلا أن لطمها لطمة قاسية خر منها قرطها، ثم تركها وانصرف وهو يتميز غيظاً أمام إصرارها واستمساكها بالحق.

ولم تمض فترة طويلة حتى لحقت أسماء بموكب الهجرة، وهناك وضعت ابنها عبد الله، وكان أول مولود في الإسلام.

هذا ولقد ضربت ذات النطاقين مثلا حيّاً ونموذجا طيبا في الصبر على شظف العيش والحرمان الشديد، والحرص على طاعة الزوج والتحري في مرضاته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح قولها: « تزوجني الزبير وماله شيء غير فرسه، فكنت أسوسه وأعلفه، وأدق لناضحه النوى، وأستسقي وأعجن، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي اقطعه رسول الله r على رأسي وهي على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله r ومعه نفر فدعاني، فقال: ” أخٍ. أخٍ، ليحملني خلفه فاستحييت وذكرت الزبير وغيرته. قالت: فمضى. فلما أتيت، أخبرت الزبير فقال: والله لحملك النوى كان أشدّ عليّ من ركوبك معه! قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني ».

وبعد هذا الصبر كله، كانت العاقبة أن انصبت عليها وعلى زوجها النعم، ولكنها لم تبطر بالغنى، بل كانت سخية كريمة لا تدخر شيئاً لغد، وكانت إذا مرضت تنتظر حتى تنشط فتعتق كل مملوك لها، وتقول لبناتها ولأهلها: أنفقوا وتصدقوا ولا تنتظروا الفضل.

وكانت رضي الله عنها شجاعة لا تخاف في الله لومة لائم، فقد شاركت يوم اليرموك في القتال وفعلت فعل الأبطال.

ولما كثر اللصوص في المدينة أيام سعيد بن العاص، اتخذت أسماء خنجراً كانت تجعله تحت رأسها. وقد قيل لها: ما تصنعين بهذا ؟ قالت: إن دخل عليَّ لصّ بعجت بطنه.

وأما مضاء العزيمة وعزة النفس عند أسماء رضي الله عنها فنعرفها من خلال كلماتها لابنها عبد الله لما دخل عليها ليستشيرها لما حاصر الحجاج مكة، وكانت أسماء آنذاك عجوزاً مكفوفة قد قاربت المائة. فقال لها عبد الله: يا أماه قد خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني من الدنيا ما أردت فما رأيك ؟

وأمام هذا الامتحان العسير للأمومة سقطت العواطف الجياشة ونجحت العزة والكرامة وهي تجيب: « أنت والله أعلم بنفسك يا بني. إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك...فقال عبد الله : هذا والله رأي يا أماه، ولكن أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني فأجابته: يا بني، إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها، فامض على بصيرتك، واستعن بالله.

ولما دنت منه لتودعه وتضمه إلى صدرها، وقعت يدها على درعه، فقالت : ما هذا يا عبد الله صنع من يريد ما تريد ! فنزع درعه وخرج للقتال وظل يقاوم ويكر حتى سقط شهيداً؛ فأمر الحجاج بصلب جثمانه، ثم دخل على أسماء وقال لها: يا أمه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة ؟

قالت : لست لك بأم ، ولكني أم المصلوب على رأس التينة، وما لي من حاجة، ولكن أحدثك: سمعت رسول الله r يقول: « يخرج في ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه – تعني المختار – وأما المبير فأنت».

وذكرت بعض الروايات أن الحجاج لما دخل على أسماء رضي الله عنها قال لها متشفياً : كيف رأيتني صنعت بابنك يا أسماء ؟ فقالت بهدوء: أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك.

وتوفيت أسماء رضي الله عنها بمكة بعد مقتل ابنها عبد الله بليال، عام ثلاث وسبعين للهجرة ولم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل. فرحم الله أسماء ذات النطاقين فقد كانت بحق مثالاً يحتذى به، ونموذجا طيباً يضرب به المثل.

بتصرف : عن: - كتاب نساء حول الرسول r والرد على مفتريات المستشرقين، لمحمد مهدي الاستانبولي ومصطفى أبو النصر شلبي. دار ابن كثير، دمشق.ط9. 1421هـ. وكتاب نساء حول الرسول r للسعيد الجميلي، المكتبة التوفيقية، مصر.

        

أقرأ أيضا:

خير نساء العالمين أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها

أم المؤمنين، وسيدة نساء العالمين، أم القاسم ابنة خويلد بن أسد، القرشية الأسدية، أم أولاد رسول الله r . وأول من آمن به وصدَّقه قبل كل أحد.

قال الإمام الذهبي : ومناقبها جمة، وهي ممن كمل من النساء. كانت عاقلة جليلة ديِّنة، مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي r يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين.

ومن كرامتها عليه r أنه جاءه منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط ....فكانت نعم القرين وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو r لها.

فضائلها :

1 – عن علي بن أبي طالب، قال : سمعت رسول الله r يقول : « خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران » ( صحيح : رواه البخاري ومسلم ) .

2 – وعن أنس، أن النبي r قال : « حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون » ( صحيح : صحيح سنن الترمذي "3053" ) .

3 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى جبريل النبي r فقال :« هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشَّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب » . ( صحيح : رواه البخاري ومسلم ) .

الزواج المبارك :

كان السادات والرؤساء في مكة يحرصون على الزواج من خديجة، فتأبى ذلك عليهم، وتردهم جميعا، ولكنها وجدت ما تنشده وما تبغيه في سيدنا محمد r وهنا أفضت عما يدور في نفسها إلى صديقتها «نفيسة بنت منية» .

فذهبت نفيسة إلى النبي الكريم r وكلَّمته أن يتزوج الطاهرة خديجة، وقالت : يا محمد ما يمنعك أن تزوج؟

فقال : « ما بيدي ما أتزوج به » .

قالت : فإن كُفيتَ ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟

قال : « فمن هي » ؟

قالت : خديجة.

قال : « وكيف لي بذلك » ؟

قالت : عليَّ.

قال : « فأنا أفعل » .

ورجعت نفيسة إلى الطاهرة خديجة تحمل خبر نجاحها في مهمتها، وزفَّتْ إليها نبأ موافقة محمدr بالزواج، فأرسلت الطاهرة خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر، وجاء رسول الله إلى بيت خديجة في آل عبد المطلب، وقام أبو طالب خطيبا، وألقى خطبة رائعة نقتطف منها فقرات كاشفة، فكان مما قال :

« الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، ... وجعلنا حضَنَةَ بَيْته وسُوَّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش شرفا ونبلا وفضلا إلا رجح به، ... ومحمد من عرفتم قرابته... وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق – المهر – فعليَّ » .

وافق عمها عمرو بن أسد وكان شيخا كبيرا فقال : هو الفحل لا يُقدحُ أنفه ( ومعناه : هو كفء كريم لا يرد ) .

موقف كريم :

عن عائشة رضي الله عنها قالت :

أول ما بُدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله يتزود لذلك، ثم رجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: «اقرأ» ، قال : «ما أنا بقارئ»، قال : «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال : } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ{(العلق:1-2)

فرجع رسول الله ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال : « زملوني. زملوني »، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة : «أي خديجة، مالي؟» وأخبرها الخبر، ثم قال : « لقد خشيت على نفسي».

قالت له : كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة : أي ابن عم اسمع من ابن أخيك ! فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ترى ؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال ورقة له : هذا الناموس الذي نزَّلَ الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله r أومخرجي هم؟

قال : نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفَتَر الوحي. ( صحيح : رواه البخاري ومسلم ) .

ألا ما أجل هذا الفضل المقبل، وما أعظم ما يواجه محمدا فيه من شؤون وشجون !.

وكان موقف زوجه خديجة رضي الله عنها منه من أشرف المواقف التي تحمد لامرأة في الأولين والآخرين؛ طمأنته حين قلق، وأراحته حين جهد، وذكَّرته بما فيه من فضائل، مؤكدة له أن الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدا وإن الله إذ طبع رجلا على المكارم الجزلة والمناقب السمحة فلكيما يجعله أهل إعزازه وإحسانه، وبهذا الرأي الراجح والقلب الصالح استحقت السيدة خديجة أن يحييها رب العالمين فيرسل إليها بالسلام من الروح الأمين.

الصابرة :

ضربت أم المؤمنين خديجة في الصبر مثلا رائعا.. وفازت بالنجاح م جراء صبرها في الخطوات الأولى لسير الرسالة النبوية.

فكان النبي r لا يسمع شيئا يكرهه من رَدٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرَّجَ الله عنه بها وحالها كما قال القائل :

وهي لا تنثني عن الحق صبرا  ودفاعا عن خاتم الأنبيـــاء

وعندما صدع النبي r بالدعوة وجهر بها، وقاطعت قريش بني هاشم  اشتدت الأزمات، وتفاقمت الأحداث، واستشرى الأمر بين رسالة رسول الله، وبين الطغيان الوثني المتمثل بصناديد قريش، فاضطربت عقولهم في رؤوسهم الخاوية إلا من البغي والظلم واستعباد الضعفاء، ورجفت قلوبهم الفارغة إلا من الفساد والتعبد للأصنام، غير أن المسلمين صبروا صبر الكرام.

وظلت أمُّنا خديجة من وراء رسول الله تشُدُّ أزره، وتشاركه في حمل الأذى من قومه بنفس راضية صابرة محتسبة، حتى قضى الله تعالى قضاءه في هذه المقاطعة الظالمة المريرة التي مكثت سيفا مصلتا على أعناق المحاصرين المؤمنين.

انتهى الحصار، وخرجت الطاهرة من الحصار ظافرة بثمرة صبرها لتتابع مع رسول الله r سيرها في الحياة زوجة أمينة.

البرَّة الوصولة :

قضت السيدة خديجة في كنف رسول الله r مرحلة تقارب ربع قرن من الزمن، فكانت في حياتها معه أوفى وأبر زوجة لزوجها، كانت تشاركه مباهجه ومسارَّه، وتتطلع إلى رضاه وسعادته، وتبرُّ من يحبهم ... وقد ظهر من كرمها : « لما أصابت الناس سنة جدب بعد زواجها من رسول الله r ... جاءت السيدة حليمة السعدية، مرضعته r زائرة، فعادت من عنده، ومعها من مال خديجة بعير، يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم  .

وداعا :

عندما خرجت السيدة خديجة من الحصار الظالم، لم تلبث إلا قليلا حتى لبَّت نداء ربها ... وصعدت روحها الطاهرة إلى السماء راضية مرضية.

قال عروة : ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين .

ودفنت رضي الله عنها بـ«الحجون» .

ولله در القائل :

ولو كان النساء كمن فقـدنا     لفُضِّلتْ النسـاء على الرجـال

رثاء ووفاء :

ترك موتها رضي الله عنها أثرا في نفس رسول الله r .. وكانت دائما في ذاكرته، واسمها على لسانه، يحب من أحبها، ويكرم من أكرمها.

تقول السيدة عائشة : ذكر رسول الله r خديجة، فتناولتها، فقلت: عجوز ! كذا وكذا، قد أبدلك الله بها خيرا منها.

قال : « ما أبدلني الله خيرا منها، لقد آمنت بي حين كفر الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرمني ولد غيرها » .

قلت : والله لا أعاتبك فيها بعد اليوم. ( أخرجه أحمد 6/117-118) .

وجاءت عجوز من صويحبات خديجة إلى النبي r بعد موتها، فأحسن النبي r لقاءها، وأكرم مثواها، وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، وصار يسألها عن أحوالها وما صارت إليه، فقالت عائشة لما خرجت : تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، فقال : « إنها كانت تأتينا أيام زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان » .( رواه الحاكم والبيهقي في "الشعب") .

وفي صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي r كان إذا ذبح الشاة، قال : «أرسلوها إلى أصدقاء خديجة» ، فذكرت له يوما فقال : «إني لأحب حبيبها» .

فهل بعد هذا الوفاء من وفاء .

المصدر: سعد يوسف أبو عزيز ( رجال ونساء حول الرسول صلى الله عليه وسلم)


ابن المرأة المسلمة هل له شرعا جنسية أمه ؟

     ورد على ركن " المرأة المسلمة" استفسار تقول صاحبته (الأخت ف. ع . ):

     " تتذرع بعض الأنظمة العربية والإسلامية المعاصرة في رفضها تجنيس أبناء مواطناتها المسلمات من أزواج مسلمين أجانب بكون الشريعة الإسلامية تنص على أن الأبناء يلحقون بآبائهم تبعا لقوله تعالى ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ) الأحزاب 5. فما مدى صحة ما شرعته هذه الأنظمة في هذا الموضوع؟ "

     وللجواب على هذا السؤال ينبغي أن نلاحظ ما يلي:

     1 – وجوب التمييز بين حكم النسب المنصوص عليه في الكتاب والسنة، ويقتضي أن ينسب الابن إلى أبيه تنظيما للمجتمع ومحافظة عليه من الفوضى والتسيب، ولحكم وعلل أخرى متعلقة بأحكام شرعية كثيرة كنظام الفرائض والمواريث والعلاقات الأسرية... وبين قانون الجنسية وهو أمر مستحدث في مجتمع المسلمين بتأثير الغزو الاستعماري لبلادهم وهيمنته على تشريعاتهم.

     وبما أن الأصل في الإسلام أن جنسية المسلم عقيدته، لا فرق بين عربي وعجمي، أبيض أو أحمر أو أسود إلا بالتقوى، وأن كل من استقر في دار الإسلام فهو رعيته، فإن دعوى هذه الأنظمة العربية والإسلامية باطلة وساقطة وغير معتبرة شرعا.

     2 – التفرقة بين أبناء البنات وأبناء الذكور في أمر الجنسية ليس له أي سند شرعي، وهي إضافة إلى التشريع الإسلامي باطلة قال صلى الله عليه وسلم:( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)- البخاري ومسلم وابن ماجه وابن حنبل-

     بل إن هذه التفرقة صورة صارخة للظلم الذي تعانيه المسلمة بين أهلها، وتنكر بيّن للعدل والإنصاف، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يفضل بعض ولده على بعض في الهبة:"أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ " قال: لا، قال: " فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم "، وفي رواية أخرى أنه لما جاء يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور"، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم "، وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: " سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء". وعنه أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" من كان له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده – يعني الذكور- عليها، أدخله الله تعالى الجنة.

     ولقد كان رسول الله أشد رأفة ورحمة بالبنت، وفي إكرامه لبنته السيدة فاطمة رضي الله عنها أسوة حسنة، وهو القائل فيها: " فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ، كما أن فيما روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص خير دليل على ذلك، قال سعد بن أبي وقاص: ( مرضت بمكة مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: " لا " ، قلت : فالشطر؟ قال: " لا " ، قلت : الثلث؟ قال: " الثلث كثير، إنك أن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ".      

     3 – هذه الأنظمة التي تحجب الجنسية عن أبناء الإناث من أزواجهن المسلمين هي نفسها التي تمنح الجنسية لأبناء الذكور من أجنبيات غير مسلمات، والأم غير المسلمة في أغلب الأحيان أشد تأثيرا على أبنائها من أبيهم، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر على ولاء الأبناء لأمتهم وأوطانهم وعقيدتهم، وفي هذا مخالفة للشرع وظلم وتمييز غير مبرر واستهتار بأمن الأمة.

     نحن لا نعترض على تجنيس الأمهات غير المسلمات إذا تزوجن من مواطنين مسلمين، فهذا حقهن، وقد يهتدين للإسلام ويجعل الله فيهن خيرا كثيرا، ولكننا نعترض على عدم إنصاف أبناء المسلمات المواطنات وأزواجهن من غير المواطنين في أمر التجنيس.     

    4– القرآن الكريم والسنة النبوية يجعلان الابن مشتركا بين الأب والأم وللأم حق زائد؛ يقول الله تعالى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) البقرة 233 – ( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) النساء11.

     كما أن الأم أحق الناس بصحبة الأبناء، وذلك بنص الحديث النبوي، وهذا حكم معلل بكون الأم أضعف ناصرا من الأب، وأشد حاجة إلى الرعاية، فعن أبي هريرة فيما رواه مسلم، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " ثم أمك "، قال: ثم من؟، قال: " ثم أمك "، قال: ثم من؟ قال: " ثم أبوك ".

 وحرمان الأبناء من جنسية أمهاتهم حيف وإضرار بالأمهات، والضرر يزال كما ورد في القاعدة الفقهية، يؤكد ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار) - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، وابن ماجه والدارقطني-،لأن الأبناء عند بلوغهم سن الرشد غالبا ما يضطرون بسبب القوانين الجائرة المعمول بها في أوطان المسلمين حاليا، إلى مغادرة وطن الأم والابتعاد عن أمهاتهم  في حال مفارقتهن الآباء بموت أو طلاق. واحتفاظهم بجنسية أبيهم وأمهم يتيح لهم رعاية آبائهم وأمهاتهم، وصلة أرحامهم من جهة الآباء والأمهات بالسوية والعدل، كما أنه رمز لبقاء وحدة المسلمين.

     6 – قوانين الجنسية في أوطان المسلمين غربية الوضع والاستنساخ، استعمارية المنشأ والمصدر؛ ماكرة الهدف والمقصد والغاية، ففي الوقت الذي منعت الأبناء من حمل جنسية أمهاتهم المسلمات من أزواجهن المسلمين، مهدت قوانين الجنسية في الدول الغربية كل السبل لاندماج المسلمين والمسلمات الأجانب وذوبانهم في المجتمعات غير المسلمة، بواسطة الزواج المختلط ومنح الآباء والأمهات وأبنائهم الجنسية الغربية، وفي هذا من المخاطر على الأمة، والاستهانة بعقول قياداتها السياسية ما لا يخفى على بصير.

     7 – ونختتم هذا الموضوع بحديث نبوي صحيح يحسم الحكم في هذه القضية، ولا يترك مجالا لتبرير هذه القوانين الجائرة، فقد أخرج النسائي في سننه قال: ( أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا شعبة، قال: قلت لأبي إياس معاوية بن قرة: أسمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابن أخت القوم من أنفسهم؟ "، قال: نعم، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أنبأنا وكيع، قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ابن أخت القوم منهم ".(صحيح البخاري وسنن النسائي وأبي داوود والترمذي)

     وقد استدل بهذا الحديث من يورث ذوي الأرحام، ورد عليهم الجمهور بأن معناه أن بين القوم وبين ابن أختهم ارتباطا وقرابة، وأنه بمثابة الواحد منهم في حفظ أسرارهم والتضامن معهم في المدافعة والنصرة.

     وبهذا يتبين أن حق ابن الأخت مساو لحق ابن الأخ، وأن حرمانه من جنسية أمه ظلم كبير وذريعة إلى فساد أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


 الجدة التي أنقذت حفيدتيها

     دافع المحامي اليهودي الفرنسي لوران ليفي عن حق ابنتيه المسلمتين عالية ( 18 سنة) وليلى ( 16 سنة) في ارتداء الحجاب، وأكد أنه سيستأنف ضد قرار مدرستهما الثانوية فصلهما بسبب إصرارهما على ارتداء الحجاب في المدرسة، وأنه كلف المحامي جيرار تشولاكيان تمثيل ابنتيه أمام المحكمة الإدارية، وأوضح أن ابنتيه عندما تذهبان للمدرسة لا ترتديان من الزي الإسلامي سوى حجاب بسيط يخفي الشعر والرقبة والأذنين، فيما تخلع ليلى وعالية «المعطف الإسلامي» على باب المدرسة. ويتساءل ليفي مندهشا «هل من الجائز إلقاء ابنتي في الشارع بسبب قطعة قماش لا أكثر ولا أقل توضع على الرأس لدواعي الاعتقاد الديني». وكانت قضية فصل الفتاتين نهائيا من مدرسة هنري والون بضاحية أوبيرفيليي الباريسية، تطبيقا  لقرار من المجلس الـتأديبي، قد أثارت جدلا حادا في فرنسا بين أنصار العلمانية ومؤيدي الحريات الخاصة. ويذكر أن والد الفتاتين محام يهودي متحرر، بينما والدتهما جزائرية من منطقة القبائل تزوجت والدهما على رغم تعاليم الإسلام التي تحرم هذا الزواج، غير أن الفتاتين اللتين نشأتا في منزل جدتهما لأمهما بسبب انفصال والديهما تأثرتا بتعاليم الإسلام واختارتا ارتداء الحجاب طواعية. فتحية لهذه الجدة التي استطاعت إنقاذ حفيدتيها، وشكرا لهذا الأب العاقل عسى أن يمن الله تعالى عليه بما هدى إليه ابنتيه. إنها  رسالة من هذا المحامي اليهودي العاقل إلى حكام المسلمين الذين يصادرون حرية بنات  المسلمين في الالتزام بتعاليم دينهن وارتداء ما فرضه الله عليهن من الحجاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


 

المرأة المسلمة بين طاغوتي التحجر والتسيب

 إن أساس الخطأ في التعامل مع المرأة هو الجهل بطبيعة الإنسان بشقيه الذكري والأنثوي، الجهل بمبدئه ومعاده، والغاية من خلقه، وعوامل وجوده، وتركيبه النفسي والوجداني، وقدراته العقلية والمادية والمعنوية، مما أدى إلى أن ينظر إليه نظرة مادية تعده مجرد تركيب كيماوي عضوي حيواني، وليس مخلوقا بشريا راقيا لمهمة سامية (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين4 ، خلقه الحكيم الخبير الذي يعلم الجهر وما يخفى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيـدِ) ق 16.

          إن الجهل بحقيقة الإنسان، حقيقة وجوده وطبيعته وفطرته، وما كلف به ولأجله، جعل كل محاولة لمعالجة قضاياه ترتكس في أخطاء فادحة، تغتال وجدانه وتحبط مساعيه وتستخف بملكاته ومواهبه، وتحتقر ذاته وكرامته وتحيله آلة مسخرة بيد مستغليه.

          من منطلق هذا الخطأ عالجت الفلسفات الوضعية شرقية وغربية، شيوعية ورأسمالية، قضية حرية المرأة ومساواتها، فأخطأت التقدير وضلت السبيل وجنت من النتائج ما أفقد المرأة قيمتها وكرامتها وحقوقها التي وهبت لها بالتكوين والتشريع.

          إن جميع الطوائف تجأر حاليا بالدعوة إلى ضمان حق المرأة في المساواة من غير أن تحدد فحوى هذا الحق ومضمونه ومداه، ومن قبلهم لم يناد الإسلام بهذا الحق فقط، ولكن جعله واقعا حياتيا في مجتمع الأسرة المسلمة بعد أن عرفه وحدد معناه وأبعاده وفحواه. إلا أن ظلم الإنسان أخاه الإنسان، وتسلطه وأنانيته، سلب المرأة هذا الحق، كما انتزع منها سائر الحقوق الأخرى. وليست وحدها التي سلبت حقوقها، فمعها في ذلك المستضعفون من الرجال أنفسهم ومن الولدان ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا(النساء98) (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) القصص4، بل إن أنبياء الله عز وجل كذلك، نالهم الاستضعاف وسلب الحقوق بما فيها حق الحياة، يقول هارون لموسى - عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - كما ورد في القرآن: ( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأعراف150.

          إن الانطلاق نحو تحقيق المساواة للمرأة انبثق من جهل تام بطبيعة من ندافع عنه، فكانت حصيلة جهودنا أن تحررت المرأة من طاغوتية التخلف والتحجر والكبت، وسقطت في طاغوتية الفساد والتحلل والانحراف والتسيب، وتحولت آلة تتلاعب بها رأسمالية الغرب وتستهين بها شيوعية الشرق، وأداة تجارية بيد الشركات لتسويق البضاعة، تتقاذفها خمارات الشوارع وحانات الليل.

           لا شك في أن المرأة والرجل خلقا من نفس واحدة ألهمها ربها فجورها وتقواها (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) النساء1 ، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) الشمس 7-10، وهذا يجعلهما متساويين في الحقوق والواجبات بالطبيعة التكوينية لهما.

          إن الخطاب الإلهي كتابا وسنة، كما توجه إلى الرجل توجه إلى المرأة، مما يؤكد المساواة في الجانب التشريعي أيضا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: ( لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني مُعْنِتاً- أي موقعا أحدا في فتنة- أو متعنتا- أي طالبا لزلة أحد- ، ولكن بعثني معلما ميسرا ). ولذلك عدهن صلى الله عليه وسلم شقائق للرجال، والمساواة بهذا الاعتبار حق أصلي للمرأة بحكم الخلق والتكوين كما هو حق بحكم الوحي والتشريع.

          إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو:

          هل كون المرأة والرجل ينتميان إلى نفس واحدة ونوع واحد هو الإنسان، يجعلهما متطابقين يجري على الواحد منهما حكم الثاني، ويستطيع كل منهما أن يقوم مقام الآخر، في مساواة تامة ينهض فيها الرجل بدور الأم والحاضنة والمرضعة، والمرأة بدور الرجل قوامة ونشاطا عضليا شاقا؟ أم أن انتماءهما الواحد وتكامل وجوديهما وسعيهما وهدفيهما ومصيريهما لا يمنع كونهما نوعين من الإنسان، لكل منهما طبيعته وتركيبه المادي والنفسي ومهمته ووظيفته في الحياة.

          إن الإجابة الصحيحة الموضوعية تحدد بدقة نقطة الارتكاز في موضوع مفهوم المساواة التي تعني الكبت والتخلف لدى المتحجرين، والتسيب والفساد لدى المتحررين، وتفسح المجال لمعرفة الصواب الذي ليس تخلفا وليس تسيبا، وليس ظلما للإنسان ذكرا كان أو أنثى.

          إن المساواة إذا كانت بمعنى المماثلة تؤدي إلى تطابق مهمتي الرجل والمرأة ووظيفتيهما في الحياة، وهذا يجعل يسيرا أن توضع لحقوقهما لائحة واحدة تنطبق على أحوالهما انطباقا تاما، فيستفيد الرجل مثلا من إجازة الحمل والوضع، وتشتغل المرأة في سراديب المجاري أو تنقطع عن أهلها وزوجها في معسكرات الجيش وميادين الحروب.

     أما إن كان هناك فرق بين مفهومي المساواة والمماثلة على رغم كون الرجل والمرأة إنسانين خُلقا من نفس واحدة، أي كان بينهما تطابق في الإنسانية واختلاف وتنوع في التكوين النفسي والجسدي والوظيفي ، فإن ذلك ينشئ لكل منهما حقوقا وواجبات تناسب وضعه وقدراته ومهامه وفطرته.

          إن اتحادهما في الإنسانية يرتب لهما حقوقا متطابقة، ولكن اختلاف طبيعتهما ووظيفتهما يضع لهما حقوقا متباينة، والبون بذلك شاسع بين ما يؤدي إليه التطابق والمماثلة، وما ينتج عن الاختلاف والتنوع اللذين تقوم عليهما الأسرة الإنسانية المكونة من رجل وامرأة متطابقين في إنسانيتهما مختلفين في طبيعتهما ومهمتهما، حرين متكاملين في تصرفاتهما ونتائج جهودهما، متعاونين على حفظ النوع البشري وازدهار الإنسانية ورقيها وإعلاء شأنها.

          على هذا النهج تأسست أول خلية أسرية بشرية بخلق آدم وحواء عليهما السلام ، زوجين من نفس واحدة مختلفين في صفات مؤتلفين في أخرى، وخاطبهما ربهما تكرما وإنعاما، وتنبيها وتحذيرا ، وإنزالا إلى الأرض حكمة منه وتدبيرا ، على قدم المساواة التي تراعي خصائص كل منهما:

- ( وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ)البقرة35

- (فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)   طه 117-122

- (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة38

          هذا التشريع التكويني هو الذي أسس الأسرة عرفا وتشريعا، واستمر نظامها متأرجحا بين السلب والإيجاب، مهتديا بالفطرة والتجربة حينا، وبما يأتيه هداية ربانية حينا، وبالتسيب والهوى أحيانا، مما يؤكد بوضوح ازدواجية الخلية البشرية، شأنها في ذلك شأن جميع الكائنات( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الذاريات49. ذلك أن الإنسان شيء واحد له وجهان ذكر وأنثى، ولا يستطيع الاستمرار إلا في إطاره الثنائي الذي خلق له، وأن النواة البشرية ليست الرجل وحده أو المرأة وحدها، وإنما هي الخلية الزوجية المكونة لأسرة واحدة، بها اختلاف مؤتلف متكامل يحدد الهدف والوظيفة والدور لكل جزئية فيها، لا يطغى طرف فيها على مجال الطرف الآخر ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس40.

          على هذا الأساس ولهذه الغاية، خلقت الخلية الإنسانية مزدوجة الطرفين، بحكم التشريع التكويني الفطري ، وبحكم التشريع المدون في شرائع السماء، بدءا بالشرائع المنسوخة وانتهاء بالشريعة المحمدية الناسخة.

          إن من يتأمل القرآن الكريم ومعالجته لهذا الأمر يتضح له أن في خلق الرجل والمرأة على هذا النحو إحدى آيات الله ودلائل قدرته ووحدانيته ودقيق تقديراته، فهو عز وجل لم يخلق اعتباطا وعشوائية (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(23)وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(24)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ) الروم، (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) الفرقان 2 .

          من هذه الزاوية نظر التشريع الإسلامي إلى المرأة بصفتها مخلوقا بشريا شقيقا للرجل، له حقوق مساوية للرجل وواجبات مساوية للرجل، ولكن هذه الحقوق وتلك الواجبات غير متماثلة أو متطابقة معه، بل هي متماثلة ومتطابقة مع طبيعة خلقة المرأة وفطرتها ومهامها ودورها في الحياة، محققة لجوهر المساواة مع الرجل لا لشكلها الخارجي.

          فهل استطاعت مجتمعاتنا تحقيق هذه المساواة على رغم ما يجأر به دعاتها؟

          إن واقع الحال يجيب بالنفي، ويؤكد أن المرأة لدينا مظلومة سابقا مهضومة الحقوق لاحقا، بما حرف بعضنا من تعاليم الإسلام، وبما يعد لها المتسيبون المتحررون من شعارات ترفع نيابة عنها.

          إن واقع الحال يبين أن المرأة تئن تحت الظلم من وطأة طاغوتين عاتيين، طاغوت التحجر وطاغوت التسيب الذي دعي تحررا؛ وكل منهما ألغى بطريقته الخاصة، وتأويلاته المتشيطنة، التشريع الإسلامي الذي يحمي المرأة من غيرها ومن نفسها، ويحمي حقوقها ومصالحها، ويجعلها شقيقة للرجل، كاملة الأهلية والشراكة في خلية الأسرة والمجتمع:

          لقد جعل الله تعالى الأسرة بأحكامها، للرجل والمرأة سكنا ومودة وكرامة واحتراما واستمرارا للحياة، فحولها التحجر معتقلا هو المرأة وسجانا هو الرجل، وحولها ( التحرر) مفسقة وبؤرة رذيلة، يستغني الرجل فيها عن المرأة، وتستغني المرأة عن الرجل.

          جعل الله الزوجة الواحدة للرجل الواحد قاعدة وأصلا، والتعدد علاجا لحالات خاصة واستثناء، فجعل التحجر التعدد أصلا والبيت مجمع إماء وسبايا، وجعل (التحرر) المخادنة أصلا والزواج قيدا ومحنة وبلاء.

          لوى التحجر لكل تشريع عنقه وأوله لغير غايته ومقصده، فجاء ( التحرر) وألغى كل تشريع إلا تشريع الهوى والتسيب.

          إن المساواة بين الرجل والمرأة هي الأصل في التشريع الإسلامي( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...) النور : 30-31

          وهي الأصل كذلك عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ، يقول عز وجل : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب : 35

         إن المرأة المسلمة اليوم تعيش بين سندان من التحجر نسب زورا للإٍسلام، ومطرقة من التسيب والعهر والفساد دعيت تحررا، فكيف تنقذ المرأة نفسها وتؤوب إلى شريعة ربها راضية مرضية ؟  ذلك هو مهمة الداعيات المتحليات بالفقه والخبرة والحكمة والإصرار، وذاك ما يسعى إليه كل غيور على أمته وعقيدته.  

 

مكانة المرأة المسلمة في الإسلام

     أيتها المسلمة ، البنت والأخت والأم

     هل تذكرين محنا عانت منها المرأة في ظل النظم الجاهلية منذ كانت البشرية ؟

     هل تذكرين الموؤودة ؟

     وتواري الرجل عن الأنظار كلما بشر بمولودة .

     - ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58)يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) النحل58  .
     وإذا بنور الإسلام يـبدد ظلمات  الجاهلية، وحرية الإسلام تمحق العبودية ، وعدالة الإسلام تمحو الظلم وتقهر الظالمين، وإذا بالتشريع السماوي يـنـزل معيدا للمرأة كرامتها وحريتها واعتبارها وإنسانيتها.

     وإذا بالرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ينادي بطون مكة بطنا بطنا، وينادي المرأة على قدم المساواة مع الرجل حيث قال : يا صفية بنت عبد المطلب ، يا فاطمة بنت محمد؛ وإذا بالمرأة العربية تقبل مستبشرة بالإيمان، ملبية نداء السماء، نداء الحرية والأخوة والحق .

     وإذا بك أيتها الأخت المسلمة تحتضنين خاتمة الرسالات وخاتم الأنبياء، في شخص أمك خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، إذ كانت أول مستجيب ومؤمن ومشجع ومنفق على دعوة الله.

     قال الرسول صلى الله عليه وسلم لخديجة، وقد رأى ما رأى في غار حراء: لقد خشيت على نفسي .

     قالت خديجة : كلا أبشر، والله  لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. (أخرجه البخاري ومسلم)

     يقول ابن إسحاق : إن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء به، فخفف الله بذلك عليه، فكان لا يسمع شيئا يكرهه من الرد عليه فيرجع إليها إلا وتـثـبـتـه وتهون عليه أمر الناس .

     ثم تتابعت النساء بعدها :

     أسماء بنت أبي بكر فاطمة بنت الخطاب أسماء بنت مخرمة التميمية فاطمة بنت المجلجل فكيهة بنت يسار ورملة بنت أبي عوف أمينة بنت خلف، وكلهن أسلمن قبل عمر بن الخطاب الذي بإسلامه تم عدد المسلمين أربعين .

وما كادت المرأة المسلمة تخرج من مرحلة  الدعوة السرية في دار الأرقم، حتى تألبت عليها قوى الشر والكفر والطغيان، تحاول فتنتها عن دينها بالإغراء تارة وبالتعذيب والتنكيل تارة أخرى، فما زادها الابتلاء إلا ثباتا وإيمانا ،لم ترتد مسلمة بعد إيمان قط، ولا ارتابت بعد يقين، ولا قالت كلمة كفر تقية، ولا أضمرت نفاقا أوشكا ؛فكان أول شهيد في الإسلام من النساء، كما كان أول مؤمن برسالة السماء من النساء .

     وكانت رائدة للشهداء في هذا المضمار سمية بنت خباط أم عمار، عذبها آل بني المغيرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بها وبولدها عمار وزوجها ياسر وهم يعذبون في رمضاء مكة، فيقول : صبرا آل ياسر موعدكم الجنة !!

     أمروها بالكفر فأبت إلا الإسلام، وصمدت للتعذيب برغم كبر سنها وضعف جسدها، وأغلظت لأبي جهل في القول فأخذ يضربها وطعنها بحربة فقتلها .

     ولما قتل أبو جهل يوم بدر قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم لابنها عمار : قتل الله قاتل أمك .

     وتبلغ المرأة في الإسلام مرتبة للتكريم لم يبلغها رجل من المسلمين ؛ إذ يسمع الله لها من فوق سبع سماوات وهي تشكو زوجها، فينـزل إنصافها من زوجها قرآنا غضا طريا، ويقدر الصحابة هذا التكريم الإلهي لها حق قدره ، فيلقاها عمر بن الخطاب ويسلم عليها وتقول : (هيهات يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تروع الصبيان بعصاك ، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين ، فاتق الله في الرعية واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت) ، فقال الجارود :( قد أكثرت على أمير المؤمنين أيتها المرأة)، فقال عمر : (دعها ، أما تعرفها ؟ هذه خولة بنت مالك زوجة أوس بن الصامت ، التي سمع الله قولها من سبع سماوات ، فعمر أحق والله أن يسمع لها ، اقرأ قوله تعالى : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما " فقد نزلت فيها ).

     ولما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى لم تتخلف المرأة المسلمة عنها، فكان منهن رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهلة بنت سهيل برغم معارضة أبيها لهجرتها .

     ثم جاءت المرأة الأنصارية من المدينة معززة لأختها المكية فحضرت بيعة الرضوان التي هي بيعة الموت ، وكانت في مقدمة المبايعات على الموت والجهاد البطلة المجاهدة نسـيـبـة بنت كعب وأم منيع .

     وهاجرت المرأة المسلمة إلى المدينة ، وترك المهاجرات خلفهن آباءهن ، وأمهاتهن ، وأزواجهن، وأولادهن ؛ ومنهن أم كلثوم بنت عقلة بن أبي معيط التي كانت أول من هاجر إلى المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم - .

إن المرأة لم تتخلف عن الإسلام في أي مرحلة من مراحله ، آمنت وبذلت ، وعذبت فصبرت ، وأوذيت فهاجرت ، ودعا داعي الجهاد فلبت ونافست الرجال فسبقتهم . كان أول المؤمنين منها ، وأول الشهداء منها ، وأول من رد عمر بن الخطاب إلى الصواب منها، ولم تتخلف حتى عن الخروج لمواجهة الطغاة والمتجبرين في صدر الإسلام، من أمثال الحجاج بن يوسف الذي انهزم أمام جيش من الثوار قادته امرأة تدعى غزالة ، وفيها يقول الشاعر مستهزئا بالحجاج :

أسد علي وفي الحـروب نـعـامــة     ربضاء تجفل من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الضحى     بل كان قلـبـك في جناحي طـائــر

وما أن سمعت المرأة المسلمة نداء الجهاد حتى هبت كاللبؤة تذود عن دينها ونبيها وأشبالها وعرينها.

هذه نسيبة بنت كعب أم عمارة الأنصارية ، شهدت غزوة أحد وخيبر والحديـبية وفتح مكة وحرب الردة في اليمامة، ويوم أحد كانت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وترمي بالرمح حتى خلصت إليها الجراحة ورئـي في عنقها جرح له غور أجوف؛ قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( ما التفت يوم أحد يمينا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني )؛ وقتلت يومئذ فارسا من المشركين، ويوم اليمامة جرحت اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ولدها حبيب على يد مسيلمة الكذاب.

إن مشاركة المرأة في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم بالقتال والتحريض والحراسة والتمريض، بلغت من الكثرة والتعدد والتنوع ما طفحت به كتب الحديث والسيرة.

فكوني أختي المسلمة نعم الحافظة للغيب، الموفية بعهد الله، ولا تفوتنك مكرمة نال منها أخوك الرجل، أو موقف كريم وقفه أخوك الرجل، ولك في سيرة الأنصاريات  والمهاجرات رضي الله عنهن قدوة وأسوة، وفي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم معالم لا يضل من سلكها ولا يتيه من اتبعها.

 

الرجوع إلى أعلى الصفحة

| الصفحة الرئيسية | العقيدة | الأخلاق من القرآن | الأخلاق من السنة  | حوار مع داعية إسلامي | دراسات قرآنية وشرعية |
| كتاب إسلامي |
 منتدى الفكر  | محاضرة | المرأة المسلمة | هذا بيان للناس | متفرقات | سير وصور
|
 

Copyright © 2005 All rights reserved. www.achabibah.com E-Mail : achabibah@achabibah.com