|

الحلقة 21
الباب السادس
فقه الأحكام السلطانية لدى الفقهاء والمتكلمين
الفصل السابع
شروط الخليفة من
غيره
3 - سلطــــة
الغلبـــة والأمـــــــر الواقـع
وهي خلافة التغلب والاستيلاء بالقوة على الإمامة ،
بدون تولية عهد من إمام سابـق ، أو اختيار من الأمة أو
أهل الحل والعقد .
ولئن لم يختلف الفقهاء والمتكلمون حول شرعية الاختيار
والتولية ، فإنهم اختلفوا حول كيفية إضفاء الشرعية على
إمامة المتغلب ـ إمامة الأمر الواقع ـ .
ذهب بعضهم إلى ثبوت إمامته وحمل الأمة على طاعته ،
وإنْ لم يستخلفه من قبله ولم يعقدها له أهل الاختيار ،
لأن المقصود هو اتقاء الفتنة وتمييز الإمام ، وقد تم
ذلك باستيلائه على السلطة.
وذهب آخرون إلى أن واجبا على أهل الاختيار عقد الإمامة
له، فإن توقفوا عن ذلك أثموا ؛ لأن الإمامة عقد لا يتم
إلا بعاقد ، ولأن عدم قيامها ـ في نظرهم ـ يعطل
المصالح ويبطل التصرفات الشرعية ؛ وفي ذلك يقـول
الكمال بن أبي شريـف
:
" وصار الحال عند التغلب كما لم يوجد قرشي عدل ، أو
وُجد ولم يُقدَر على توليته لغلبة الجورة على الأمر .
إذ يُحكم في كل من الصورتين بصحة ولاية من ليس بقرشي
ومن ليس بعدل للضرورة ، وإلا لتعطل أمر الأمة في فصل
الخصومات ونكاح من لا ولي لها وجهاد الكفار وغير ذلك "
.
وقد رأى أبو يعلى
أنها تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى عقد ، مستندا
إلى رواية لعبدوس بن مالك القطان عن أحمد : " ومن
غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين لا
يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه
إماما عليه ، برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين " .
واحتج برواية أبي الحارث في الإمام يخرج عليه من يطلب
الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم ، أن الجمعة
تكون مع من غلب ، وبما رواه أحمد عن ابن عمر أنه صلى
بأهل المدينة في زمن الحرة وقال : "نحن مع من غلب" ،
وبخروج عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ـ
وكان خليفة شرعيا على الحجاز ـ ، فلما استولى ابن
مروان على البلاد صار إماما يحرم الخروج عليه .
والواقع أن الفقه السياسي في هذا الأمر لم يكن إلا صدى
لأحداث الصراع على السلطة . فمنذ أُسقطت الخلافة
الراشدة لم يعرف المسلمون في غالب عهودهم إلا إمامة
المتغلبين وسلطة الأمر الواقع ؛ ابتداء من معاوية الذي
أخذ البيعة من أهل المدينة والصحابة تحت بارقة السيف ،
إلى بني مروان وبني العباس وغيرهم من مؤسسي الدول في
بلاد المسلمين شرقا وغربا ، إلى عصرنا الحديث حيث يتم
الاستيلاء على السلطة أولا ، ثم بعد ذلك يُبحث عن "جوق
وطني" للبيعة .
ولئن كان ابن خلدون قد لاحظ هذا الوضع ، واستخلص منه
نظريته في العصبية التي توفر لطالب الإمامة القوة
والغلبة والقهر
، حتى رأى أن يُعزر من يطلبها بدون عصبية ؛ لأن ذلك
منه حمق وسفاهة وإثارة لفتنة لا تقيم دولة
؛
فإن الغزالي أيضا قد جعل مدار الخلافة على الشوكة ،
فقال
:
"فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة
…
ومدار ذلك جميعا على الشوكة " .
إلى ذلك أيضا ذهب بدر الدين بن جماعة (639 - 734
هـ/1241 - 1333 م) في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير
أهل الإسلام"
،
فزعم أن كل من تصدى للإمامة وليس من أهلها ، وقهر
الناس بشوكته وجنوده ، بغير بيعة واستخلاف ، كان إماما
شرعيا لزمت طاعته ، ولا يقدح إمامته كونه فاسقا أو
جاهلا . وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم
قام آخر فغلب الأول ، انعزل الأول وصار الثاني إماما .
وهذا تشريع واضح لجواز الانقلابات العسكرية والوثوب
على السلطة على قاعدة " الإمامة للمتغلب " ، وهو ما له
أصل لدى الحنابلة بروايتهم "الجمعة مع من غلب" .
كذلك الإمام النووي،يقول "
: وأما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء ، فإذا مات
الإمام فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف
ولا بيعة ، وقهر الناس بشوكته وجنوده ، انعقدت خلافته
لينتظم شمل المسلمين ، فإن لم يكن جامعا للشرائط بأن
كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحهما انعقادها لما ذكرناه
" ؛ ويقول أيضا
:"إذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره
انعزل الأول وصار الثاني إماما "
أما الشيخ زكريا الأنصاري فهو أشد وضوحا في الأمر إذ
يقول
:
" وتنعقد الإمامة بثلاث طرق أحدها بيعة أهل الحل
والعقد
………
وثالثتها باستيلاء شخص متغلب على الإمامة ولو غير أهل
لها كصبي وامرأة ، بأن قهر الناس بشوكته وجنده وذلك
لينتظم شمل المسلمين ".
لقد أبدى الفقهاء والمتكلمون استنادا منهم إلى فقه
الضرورة تساهلا زائدا أباحوا به تسلط الجوَرَة والظلمة
، وتحولت بما ذهبوا إليه ، نظرية "خوف الفتنة"
الموهومة ، إلى ذريعة لإلغاء التعاليم الشرعية
المتيقنة . والمتيقن لا يُدفع بالموهوم . ولم يخرج عن
هذا المسار مذهب ؛ فمن الأحناف السرخسي في "المبسوط" ،
والكمال بن أبي شريف في "المسامرة على المسايرة" ، ومن
الحنابلة أبو يعلى ، ومن الشافعية الماوردي ، ومن
الشيعة الزيدية الذين يرون إماما كل من خرج شاهرا سيفه
وتوفرت فيه الشروط من ولد فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ،
أما المالكية فباب المصلحة المرسلة والمقاصد عندهم يسع
كل ضروب الغلبة والقهر والتسلط .
إن الفقهاء والمتكلمين وإنْ أطنبوا في تفصيل شرائط
الإمامة وصفات الخليفة ، قد ألغوا في المجال الواقعي
كل تلك الشروط والصفات عندما أقروا إمامة الغلبة
والقهر ، وفتحوا بهذا الاجتهاد السائب بابا واسعا
للفتنة الحقيقية . إذ قياسا على ما ذهبوا إليه جازت
لدى النفوس الضعيفة الخيانة العظمى ، تعاونا مع أعداء
الأمة وخدمة للعدو . وهو ما فعله العلقمي الذي مهد
للمغول طريق القضاء على الخلافة العباسية ، وما ارتكبه
بعض العلماء في عهد الاستعمار إذ أفتوا بأن سلطة
المحتل الأجنبي شرعية .
وقياسا أيضا على ما ذهبوا إليه ، صدرت الفتاوى التي
تعد دعاة القسط والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، خوارج محاربين ودعاة فتنة ، يُقام عليهم حد
الحرابة قتلا ونفيا وبترا للأيدي والأرجل من خلاف ؛
وأدى هذا الاتجاه في الفقه السياسي إلى أن صُفيت عناصر
القوة والمنعة في المجتمع ، والتبس على المسلمين أمر
دينهم ، فصار المعروف منكرا يُنهى عنه ، والمنكر
معروفا يُؤمر به ، وخضع الحكام للنفوذ الأجنبي التماسا
للحماية وتحسبا لغضب الأمة .
إن استقراء أحداث التاريخ الإسلامي ، والفتاوى
السياسية للفقهاء ، يكشف بوضوح أن أساس الحكم واقعا
عمليا وفكرا سياسيا ، كان لديهم هو الغلبة والقهر،
وإنْ مُوِّه على ذلك بمبررات شرعية بعد الاستيلاء على
السلطة بأثر رجعي . ولم تخرج عن هذا النهج إمارة أو
مملكة أو مشيخة أو جمهورية ، اشتراكية كانت أو
ليبرالية ، تزملت بدثار الإسلام أو بالديموقراطية أو
بالاستبداد الصريح السافر . ومادام الأجنبي يحمي
والشعوب مكبلة ، ودعاة القسط والحق يُقام عليهم حد
الحرابة ، فلا أمل في تغيير أو تطوير أو تحرير .
الفصل الثامن
مجال سلطة الخليفة
ونطاقها لدى الفقهاء والمتكلمين
كانت بداية نشوء الإمبراطورية الإسلامية في عهد
الراشدين ، على أساس الشورى القرآنية بنهج إداري لا
مركزي ، يختص فيه الخليفة وجهازه التدبيري بتنفيذ
قرارات الأمة ، وإقامة الشريعة ، وتنفيذ الحدود
والتعازير ، والإشراف على كامل البلاد وتوسيع رقعتها ،
وتستقل فيه كل ولاية أو إقليم بتسيير الأمر المحلي
شورويا .
كانت هذه البداية على هدى وسواء ورشد ، خطوات ثابتة
متزنة نحو نشوء نظام حكم شوروي لا مركزي ، مع الاحتفاظ
بالوحدة الوطنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية
والدينية ؛ وهو ما يعرفه العصر الحديث ـ والقياس مع
الفارق ـ في نظام الاتحادات الفيدرالية والكونفدرالية
، كما لدى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد
الأوروبي وما تتجه نحوه كثير من الأقطار التي بينها
قواسم مشتركة .
إلا أن الانقلاب على الخلافة الراشدة أطاح بهذا
المشروع ، وأنشأ تصورا جديدا للسلطة وفلسفة الأحكام
السلطانية ، أساسه الاستبداد الفردي المطلق ؛ لم يترك
فيه الفقهاء والمتكلمون ومن سار على نهجهم ، للتصور
الإسلامي إلا هامشا ضيقا لتبرير ما هو قائم ؛ مما قطع
الطريق على أي تطور جاد ، يمهد لنظام مؤسساتي متكامل
شوروي ، تتوزع فيه السلطات بشكل يمكِّن الأمة من تملك
أمرها والقيام به .
إن ما أنتجه الفكر في المجال السياسي الإسلامي لم يخرج
عن دائرة تركيز السلطة كلها في يد رجل واحد ، هو
الإمام أو الخليفة أو الملك أو السلطـان . ولـئن
اختلفت أنماط هذا الإنتاج السياسي فإنها لم تخرج عن
أربعة أصناف :
ـ النمط الأول : هو الفقهي التشريعي التبريري الصرف ،
الذي يمثله الماوردي خير تمثيل . وقد عالج أصحابه
السياسة السلطانية من الناحية الفقهية ، فتناولوا
بالتعريف الإمامة وشروطها ، وصفات الإمام وصلاحياته
وواجبات الأمة نحوه ، ومسؤوليته الشخصية عن التصرف في
الأموال والرجال والبلاد ، واتخاذ القرار الحاسم في دق
الأمور وجلها، وفي تعيين الأمراء والوزراء والقضاة
وقادة الجيش والشرطة ، وتوزيع الغنائم والجزية والخراج
والفيء والإقطاع والدواوين وإقامة الحدود والتعازير .
ـ النمط الثاني : وهو الفقهي التطبيقي العملي الصرف ،
ويمثله نجم الدين إبراهيم الطرسوسي في كتابه "تحفة
الترك فيما يجب أن يعمل في الملك" . ولئن أقر المصنف
بشرعية كل متغلب ، توفرت فيه شروط الإمامة قرشية
وعدالة واجتهادا أم لم تتوفر ، فإنه حاول أن يأطر
الخليفة على أحكام الشرع ، متجنبا نهج التبرير وأساليب
الملق ، مرشدا إلى أحكام السلوك العملي في تدبير أمر
الأمة ، خاصة في مجال تقليد الإمام للولاة والقضاة
والأمراء والجباة وكتاب الدواوين ، والكشف عن
مخالفاتهم ومعاقبتهم، والنظر في الأموال ومصادرها
ومصارفها والثغور والحصون والجسور إقامة وصيانة ،
والجيوش وتسييرها ، والحروب الداخلية والخارجية
وآدابـها وضوابطها ، وأحكام الأسرى والسبايا
والمحاصرين والشهداء ؛ متجنبا في ذلك شبهات التبرير
وليِّ أعناق النصوص ، مما جعل هذا النمط أكثر صدقا في
التعامل مع السياسة وأربابها .
ـ النمط الثالث : ويمثله الأخلاقيون وكتاب السمر
والتاريخ مثل : ابن رضوان في كتابه "الشهب اللامعة في
السياسة النافعة" ، وأبو حمو موسى بن يوسف في "واسطة
السلوك في سياسة الملوك" ، وعبد الرحمن الشيزري في
"النهج المسلوك في سياسة الملوك" ، وسبط ابن الجوزي في
"كنز الملوك في كيفية السلوك" .
ويعتمد هذا النمط على الأخلاق والقيم ، كمنطلق أساسي
في إرشاد الملوك وتوجيههم لما يحفظ ملكهم ، مع الإقرار
بسلطة الإمام المطلقة على البلاد والعباد في شؤون
الدنيا والآخرة . وكان هذا النمط معدودا من العلوم
الملوكية الخاصة ، المعتمدة على ضرب الأمثال والحكم ،
والأخبار والخرافات الرمزية ، التي تحفزهم إلى علو
الهمة، وشرف النفس ، والتزام العدل والرفق بالرعية .
وهو أسلوب مغاير تماما لما كان عليه أسلوب الوعظ لدى
السلف الصالح من أمثال سفيان الثوري والأوزاعي
وغيرهما ، ممن كانوا يعظون الملوك من غير رغبة أو رهبة
ثم ينصرفون .
وقد اشتمل هذا النوع من الكتابة الملوكية على نصائح
عملية متعلقة بكيفية ممارسة السلطة والاحتفاظ بها ،
كما عرض لقوانين وقواعد سياسية وسلوكية ، ومراسيم
ملكية ـ بروتوكولية ـ ، للتعامل مع جميع الفئات
والطوائف والأطراف داخليا وخارجيا ، في حالات السلم
والحرب ، ومع العامة والخاصة وأركان المملكة أمراء
وجندا ، وولاة وقضاة ، وعلماء وزهادا ، وعبادا وحاشية
، وإماء وحظايا ومماليك وخدما .
ـ النمط الرابع : كما لدى الحسن بن عبد الله العباسي
في كتابه "آثار الأُول في ترتيب الدول" ، وابن أبي
الربيع في "سلوك المالك في تدبير الممالك" ؛ وكان هذا
النمط وسطا بين النمطين ، الفقهي التبريري الذي يمثله
الماوردي ، والأخلاقي الذي يمثله ابن رضوان. وقد تعلقت
أبحاثه بقواعد المملكة وأركان المُلك ، إدارة وجندا
وتولية وعزلا ، وتصرفا في الأموال والأرواح والأبشار ،
وبالسلوك الفردي للخليفة في مرافق الدولة السياسية
والحربية والمالية ، وميادين اللهو والمتعة والراحة
والترويح عن النفس . ولم يتورع كتاب هذا النمط عن حض
الحاكم على ارتكاب كل محظور للوصول إلى السلطة أو
البقاء فيها ، والـجرأة على كل محرم يحقق له سبل
المتعة والرفاه .
هذه الأنماط الأربعة هي كل ما تناوله فقه الأحكام
السلطانية ، ولم يخرج مطلقا عن اعتبار الخليفة قطب
الدولة ومحورها ، وحاكمها الفرد الذي يمسك بزمام
الأمور كلها ، ما تعلق منها بدنيا الناس وآخرتهم ، وما
تعلق بأرض الإسلام ترابا وثروة وسيادة .
الحلقات السابقة من:
فقه الأحكام السلطانية
محاولة نقدية للتأصيل والتطوير
لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
بسم الله
الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان
قال الله تعالى :
)إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا
يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(
سورة النساء 58
قال رسول الله
r
:
)تكون
النبـوة فـيكم ما شـاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شـاء أن يرفعها؛ ثم تكون
خـلافة على منهـاج النبوة، فتكون
ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون ملكا عـاضا،
فيكون ما شـاء أن يكو ن ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون مـلكـا جبرية فتكون
ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون خلافة على منهاج
النبوة، ثم
سكت(
مسند الإمام أحمد ـ 5 /3
الترمذي الحديث رقم : 2225
الأحاديث الصحيحة للأ لباني 1/5
بسم
الله الرحمن الرحيم
|
الإهداء
إلى أم البنين
زوجتي الصالحة ، الأستاذة خديجة بنت
أبي بكر مطيع ، إكراما لمعاناتها في تأسيس الجناح النسوي من الحركة الإسلامية
المغربية وصمودها في مواجهة الظلم ، وبلائها وصبرها في هجرتها القاسية ومنفاها
الذي تجاوز ربع القرن . أجزل الله الثواب ورفع المنزلة .
|
تصدير
عندما نسلم الوجه للبارئ عز وجل ، والــفــؤاد لــفاطـر السماوات والأرض ،
وتنتـابنـا لحظات الإشراق الرباني ، تتوج الروح بالنور ، وتغمر الوجدان بالشوق
، وتشحن الوعي بالمدد ؛ حينئذ يَـهَبُ المرء كل شيء لخالق كل شيء ، ويعبئ كل
الـطـاقة لـطـاعة ربّ الـطـاقة ؛ في عبادة سرمدية تسع الكـون وما حـوى ،
إنسا وجنـا ومـلائكــــة وخلـقا مـمـا لا يعلمون ، في طمأنينة سجــود أبـدي
بــين يــدي نـــــــــــور السمـاوات والأرض
)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ
(
الرعد- 15
فإلى الذين يسجدون لله طوعا ، علهم بلقاء ربهـم يفرحون ؛ وإلى الذين يسجدون
لله كـرهـا ، عـلـهم بـالتوبة الـنصوح يفـوزون ، أقـدم هذا الـمصنف
المـتواضـع ، محـاولـة جـريئـة نحو بـديل بـنّاء، يـتخذه الـمحبون نـقطة
ارتكاز وتطوير ، وعقلاء الكارهين والمخالفين مجال حوار بنّاء وجدل رصين . أمـا
غـيرهم فـنـسأل الله لـهم رشـدا وصـلاح بــال . والله من وراء القصد ، وهو
يهدي السبيـــــــل .
يوم الجمعة 21 ربيع الأول 1421 من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها
أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.
عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي
مقدمـة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
. من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه ،
صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما . وبعد :
لعل مما يربك الصحوة الإسلامية ، في مواجهتها لنظم الحياة المعاصرة ، وحوارها مع
المخالفين والمناصرين ، عدم وضوح نهج سياسي إسلامي رشيد في الفقهيات المعاصرة ، مما
يفرض الاتجاه إلى هذا الصنف من الدراسة والبحث ، وإيلاءه ما يستحقه من عناية ،
لاسيما وتحدي الديموقراطيات الغربية ذات الأصل اليوناني قائم ، ومدجج بمختلف علوم
العصر وأسلحته الفكرية والمادية والاقتصادية وأبناء المسلمين أقبلوا عليه يغرفون
بانبهار وانهيار .
ولعل الجواب الذي تفرض صياغته علينا الظروف الحالية ، وتحدياتها السياسية المعاصرة
، لابد أن يكون عن سؤال قديم حديث هو :
ـ
ماذا ينبغي أن نختار أولا ؟ حاكما أو نظام حكم ؟
ـ
خليفة أو نظام خلافة ؟ مدبرا لأمرنا أو نظام تدبير له ؟
هذا التساؤل ، رافق الإنسان منذ هُدي إلى تجمعه الفطري على أساس الأسرة ، ثم
القبيلة ، ثم الأمة .
ولئن عرفت الإنسانية طيلة عمرها الموغل في القدم ، حكاما ولم تعرف نظم حكم، فإن
فطرتها كانت دائما تطمح إلى منهج يحقق لها الحرية والكرامة والعدل والمساواة .
وكلما أُرْسلتْ إليها نبوة صادقة هادية ، تأخذ بيدها إلى صراط مستقيم عتَّمت عليها
الجاهلية ، وحرَّفَ تعاليمَها حكمُ الاستبداد ، بدءاً بالملك الإله ، والرئيس
المتصل بالعقل الفعال ، والإمام المعصوم ، والسلطان الذي يقطع رقاب المخالفين
والمحتجين .
ولئن حاول أرسطو أن يتمرد على الحكم الفردي المستبد ، والمدينة الفاضلة الأفلاطونية
التي يرأسها نائب عن " واجب الوجود " ، وأن ينظّر لفكرة سيادة الدستور ، الذي يقوم
مقام الحاكم ، ويسد مسده ، مما تحاول أمم الغرب المعاصرة تطويره تحت مفاهيم
الديموقراطية بمدارسها المختلفة ، برلمانية ورئاسية ومجلسية ، مباشرة وغير مباشرة ؛
فإن ذلك لم يخرج مطلقا عن مفهوم " الحاكم والمحكوم " ، وإن خَفَّف من غلوائه وتجبره
وتسلطه .
ذلك أن المبادئ القويمة للعدالة والمساواة والكرامة ، تقتضي ألا يكون بين البشر
حاكم ومحكوم . وإنما اشتراك في التدبير العام لأمرهم ، حسب مقاييس القدرة والخبرة
والصلاحية والتوزيع العادل للمهمات ، والاستفادة المتوازنة من الخيرات .
وهذا ما قرره القرآن الكريم بقوله تعالى
)
و وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
(
الشورى37، وأكدته النصوص قطعية الثبوت والدلالة في عدة أحكام يتعذر استقصاؤها
وحصرها في هذه المقدمة .
هذا ما كان عليه أمر المسلمين زمن النبوة الخاتمة ، وفي عهد الخلافة الراشدة ، مما
ينسف فكرة " الحاكم والمحكوم " من أساسها ؛ إذ الحكم لله ، والناس مسلطون على أمرهم
الدنيوي ، في إطار العقيدة والتزاما بشريعتها .
ومع أن الرسول
r
بَيَّن لنا أنْ ستكون " خلافة على منهاج النبوة "
فيـما
رواه صحيحاً ، أحمد والترمذي؛ ورسول هذا المنهاج
r
خاطبه ربه -
عز وجل -
بقوله:
)
-
لَسْتَ
عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
(
الغاشية
22
- .
-
)
وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
(
- ق
45
–
وقال هو عن نفسه : " لست بملك ولا جبار " .
ومع ما يضفيه التعبير النبوي " خلافة على منهاج النبوة " ، من صفات بيّنة واضحة
المعالم ، لنظام أمر المسلمين ؛ نهجا للتدبير العام ، تَسْتَخلِفُ فيه الأمة
لخدمتها وتنفيذ أمرها من تشاء ، وتضع لذلك من النظم والأساليب ما يحقق مصلحتها
ويحفظ شريعتها ؛ فإن النظام السياسي للمسلمين منذ وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة
، ارتكس في حمأة الاستبداد ، وحاكمية العباد للعباد ، وتسلط الأقلية على الأغلبية ،
واحتكار الأقوياء للسلطة والخيرات ؛ سواء في مساره العملي لدى جميع الممالك
والإمارات والمشيخات والجمهوريات ، أو في مساره التنظيري لدى فلاسفة المسلمين الذين
تبنوا نظرية الحاكم المعصوم المتصل بالعقل الفعال ، أو الفقهاء الذين تبنوا نظرية
خليفة الله في أرضه على عباده . فكانوا على مدار أربعة عشر قرنا ، تبعا لمن بيده
الأمر، يبررون انحرافاته ، ويضفون على رعوناته وتصرفاته من القدسية ما تنكره القلوب
الحية والعقول السوية ، وترفضه العقيدة تصورا وشريعة ومنهاج سلوك .
هذه نقطة ضعف مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة ؛ إذ تدعو إلى نظام تدبير سياسي غير
واضح المعالم . مما يبرر لخصومها تساؤلهم عن طبيعة المشروع السياسي في الإسلام ، إن
بقلب سليم أو بقصد خبيث ؛ لذلك فإن محاولة تطوير الفقه السياسي لدى المسلمين ، بما
يعيد الأمة إلى نظام " الخلافة على نهج النبوة " ، ضرورة ملحة يفرضها واقع الظلم
والعسف والاستبداد ؛ ويفرضها تقارب الزمان والمكان وفشو القلم والإعلام ، وحِدَّةُ
تحدي الآخر ، مما جعل الكرة الأرضية قرية واحدة ، بل أسرة واحدة تأثيرا وتأثرا ؛
كما تفرضها القيم الحديثة السائدة ، قيم الحوار وحرية الفكر والمعتقد ، مما يفتح
آفاقا شاسعة للإقناع بدعوة الحق ، عقيدة ومنهاج حياة ، سياسة وتدبيرا ، تصورا شاملا
متكاملا لحياتي الدنيا والآخرة .
هذا ما نعالجه في هذه الدراسة المتواضعة ، بمحاولة دفع الفقه السياسي لدى المسلمين،
خطوة إلى الأمام أو خطوتين . فإن لم نستطع ، فبالنقد وتبيان أوجه الخطإ والصواب ؛
وإلا فبإثارة اهتمام القادرين والمتخصصين ، وحَفْزِ هِمَم الصادقين المخلصين ، وذلك
ـ لعمري ـ مكسب ليس بالهين .
عبـد الكريـم محمد مطيـع الحمـداوي
البـاب الأول
الفكر السياسي
لدى الصحوة الإسلامية المعاصرة
الفصل الأول
الصحوة الإسلامية وتحديات العصر
لا
ريب في أن مشاعر التصاغر ومركبات النقص ، تهيمن على شعوب المسلمين حكاما ومحكومين ،
مثقفين ومفكرين ، متدينين ولائكيين . وأن الثقافة الغربية هي المتحكمة فيهم بقوة
السلاح والاقتصاد والتقدم العلمي.
هذه الحالة المَرَضِية أنتجت فكرا سياسيا عليلا ، لدى كثير من قادة الفكر والسياسة
، ومختلف الشرائح الحزبية والمنظمات الدينية ، سواء منهم من نشأ على الثقافة
الغربية ، أومن تشرَّبها عن طريق مركب التقازم أمام الوافد الأجنبي ، ولو كان أصيل
الثقافة إسلاميها.
هذه الحالة أنبتت أيضا على أرض المسلمين ، أنظمة للحكم خاضعة لكثير من الإكراهات ،
منها:
ـ
إكراه الخوف من الصحوة الإسلامية ، و الرعب من عودة الأمة إلى دينها ، تلتمس منه
سبل الرشاد ، وتبحث فيه عن طوق النجاة. واسْتُجيب لهذا الإكراه برفع شعارات فقهية
جوفاء ، تتعايش بها المراقص والمسافح مع المساجد والمعابد ، ويباح بها بيع الأعراض
والبلاد والعباد ، ويتمتع بها المسخ والفساد بحرية تخريب النفوس والقيم.
ـ
إكراه التعلق بالسلطة والتمسك بها، اسْتُجيب له بتقوية أجهزة القمع ، بتجنيد سفهاء
الأمة ومغامريـها ومجرميها ، وتحويل البلاد معتقلا يكمم الأفواه ، ويذل الرقاب ،
ويبلد الحس ، ويصادر كل معالم الإنسانية والإنسان .
ـ
إكراه الأجنبي المتغلب ، اسْتُجيب له بالخضوع المطلق وتلبية كل مطالبه ؛ فأدى ذلك
إلى تجريد المجتمعات الإسلامية - تحت شعار الحرية - من كل خلق ودين وكرامة، وإلى
إقامة ديمقراطيات شكلية ، برلماناتها من الأذناب والمتملقين ورجال الأمن ، تغطي
نظما استبدادية ، المستشارون فيها طفيليات تمتص دماء الأمة وتحتكر ثرواتها ، وتعبث
بأعراضها، مهما تعدد ما أضفي عليها من صفات العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية
والشوروية . إذ الذئب فيها لا يستشير إلا مع ذنبه ، والحرية فيها أضغاث أحلام ،
وسراب وأوهام.
ـ
وإكراه الجهل بالنظام السياسي الإسلامي الحق ، عُمِلَ على تكريسه بنشر تصورات
منحرفة ، تبشر بالاستبداد وترسخه وتمد له ، فران على مجتمع المسلمين ركام تراث
مضطرب ، ومتاهات اجتهادات متناقضة ، من أقصى دعوات الحكم الفردي المطلق إلى أشد
دعوات التحلل الديمقراطي والانسلاخ اللبرالي من كل القيم.
وتبقى النخبة الإسلامية المتحررة من هذه الإكراهات وحدها في مأدبة اللئام ، تناضل
تخلف الحاضر ، ومكر المتآمر ، وركام الماضي ، وغبش المستقبل ، واستضعاف المأوى وقلة
الناصر، وتعاني ضرورات الترشيد والتوعية ، والتخلية والتحلية والتزكية وأولويات
التربية وإعادة التربية . مستعلية بإيمانها ، واثقة بربها ، لا يضرها من خالفها؛
لأن لها من ربها أوامر ملزمة ، تعقبها نتائج يقينية
)
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
(
ـ آل عمران
139
ـ .
ولئن
كانت هذه الفئة المؤمنة لم تول الفقه السياسي ما يستحقه من اهتمام ودراسة ، فقد
شغلها عن ذلك تثبيت الجذور ، وتقويم الجذوع ، وعرقل مسيرتها البطش المدجج بأحدث ما
تفتقت عنه عبقرية الحضارة الغربية في ميدان القمع والإرهاب والتجسس .
إن
ثبات هذه الفئة على الحق ، وإصرارها على السعي لإقامة أمر الإسلام ، وصمودها في وجه
عتاة الأجنبي وأوليائه المحليين ، وصدق إيمانها بقضيتها ، مما جعلها تقدم من
التضحيات المادية والمعنوية في المال والنفس والأهل والولد ، ما تنوء بحمله الجبال
.
إن
رجال هذه الفئة المؤمنة ـ على رغم اختلاف آرائهم وتباعد مواقعهم ـ يرفضون جملة
وتفصيلا نظم الحكم القائمة . فهي في نظرهم شوهاء ، ليست ديموقراطية بمقاييس الغرب ،
وليست إسلامية بمقاييس الإسلام . إلا أن نقطة الضعف في موقفهم هذا هي اختلافهم في
تحديد طبيعة البديل الإسلامي السياسي ، شكلا ومضمونا ، مظهرا ومخبرا وجوهرا . لكن
هذا الاختلاف ليس ظاهرة مَرَضية بقدر ما هو محاولة جادة وجريئة للرشد ، وسعي حثيث
للتوبة بالفكر السياسي إلى أصوله الإسلامية . ولئن جانب الصّوابُ بعض هذه
الاجتهادات ، فليس ذلك للأخطاء الذاتية فحسب ، وإنما بسبب الهجوم الشرس على الصحوة
المعاصرة أيضا، ولما يعانيه مجتمع المسلمين من تطاحن مذهبي ، وتآكل طائفي ، تمتد
جذورهما عبر التراث الموغل في القدم .
إن
رجال هذه الفئة يجمعون على شيء واحد ، هو ضرورة العودة بالنظام السياسي إلى الإسلام
كتابا وسنة . ولكنهم يختلفون كلما حاولوا وضع تصور عملي لهذا النظام ، حيث تطوح
بكثير من اجتهاداتهم الأهواء والأغراض ومؤثرات الداخل والخارج.
فما الحل ؟ ، وما هو التصور الرشيد لنظام الحكم في الإسلام ؟
ـ
هل هو الخلافة الرشيدة في إطارها الأول شكلا ومضمونا ؟
ـ
هل هو الملكية الوراثية أموية وعباسية وفاطمية ؟
ـ
هل هو النظام الديمقراطي الجمهوري برلمانيا أو رئاسيا ، إذا ما طبق الشريعة
الإسلامية في الميدان الجنائي ؟
ـ
هل هو المزاوجة بين النظم الديمقراطية وبين الاستبداد الفردي ملكيا أو عسكريا أو
حكم أجهزة ؟
ـ
هل هو نظام ولاية الفقيه مزاوجا بالديمقراطية أو غير مزاوج بها ؟
ـ
هل هو نظام غير هذه الأنظمة كلها . لم يتبلور بعد في أذهاننا وله أسس في الكتاب
والسنة صريحة ، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما ؟
إن
تصور الصحوة الإسلامية لطبيعة النظام السياسي غائم ومضطرب . وإن كان الإجماع يكاد
يطلق عليه مصطلح "إمامة " أو " خلافة " أو" إمارة المؤمنين " ، فإن مضمون هذا
النظام وشكل قيامه ، وطرق تدبيره لأمر المسلمين ، مما لم يتضح بعد في كتابات القوم
.
هذا الغبش في تصور القضية ثغرة ينفذ منها الأعداء للتشكيك في كفاية الدعاة وفهمهم ،
ولإحراجهم بأسئلة خبيثة عن طبيعة ما سموه "المشروع السياسي الإسلامي" وكأنما
الإسلام بنظمه ومناهجه للحياة مشروع أجنبي ، يراد استيراده وإقحامه في مجتمع
المسلمين.
إن
هذا الغبش الذي واكب الصحوة منذ فجر ميلادها ، وتلك الأسئلة المتعلقة بها مما
أحاول معالجته في هذه الدراسة . ولئن تعارض السعي في هذا الاتجاه مع ما دعي
بالموضوعية العلمية ، فإن من الموضوعية أيضا أن نقر بأن المرء لا يستطيع أن ينسلخ
من جلده ، أو أن يجتث قلبه بدعوى الموضوعية ؛ كما أنه لا أحد ممن سبق للبحث في هذا
الميدان استطاع أن يلتزم بهذه الموضوعية التي أصبحت لدينا وثنا ، وأصبحت لدى غيرنا
أداة طيعة لتحقيق أهدافهم . وحيادية المرء في قضية تتعلق بحاضره ومستقبله حكم
بالإعدام يصدره في حق نفسه ، وخطوة متقدمة نحو إلغاء ذاته وهويته وأمته
لكن هذا الموقف غير الحيادي في معالجة القضية ، لا يبرر غض الطرف عن السلبيات بدعوى
الإخلاص والانتماء ؛ لأن من صميم الصدق والإخلاص للانتماء العمل على الترشيد بالنقد
البناء ، والنصح الأمين ، وكشف مواطن الخلل . ولقد مرّ على الصحوة المعاصرة ما يربو
على قرنين ، كان منتظرا خلالهما أن تبلغ منتهى الكمال ووضوح الرؤية ؛ غير أن هذا
الأمل ظل يراوح مكانه ويراود الخيال .
إلا أن هذا النقد ينبغي أن لا يتناول اجتهادات المفكرين الإسلاميين في غير ما
يتعلق بالكتاب والسنة ؛ لأنها خاصة بظروف المكان والزمان والبيئة الثقافية ، ومستوى
التطور الفكري والسياسي للأمة ؛ مما يجعل نقدهم فيها محاكمة لهم إلى مقاييس غير
عصرهم ، وإسقاطا لقيم الحاضر على قيم الماضي ، وفي هذا من الحيف ما لا يجوز .
أما قياس اجتهاداتهم بمدى قربها من المبادئ الإسلامية ، فهذا مما لا ينبغي إهماله؛
لأنه من صميم واجب التناصح ، ولأن ضرورة تطوير الفكر السياسي المعاصر والارتقاء به
إلى مصاف التشريع الإسلامي الحق من أولى الأولويات التي تتعلق بها نهضة الأمة
وعزتها .
الفصل الثاني
البدائل السياسية لدى مفكري الصحوة المعاصرة
في
مستهل الصحوة المعاصرة ،كان نظام الحكم الإسلامي في تصور رفاعة الطهطاوي
( 1216 -
1290
هـ
/ 1801 -1873
م ) فرديا استبداديا ، يحمل ملامح من فقه الماوردي . وكان العمران البشري في رأيه
محتاجا إلى قوة حاكمة هي الملك، وقوة محكومة هي الشعب
.
والمُلك في نظره وظيفة حضارية وتشريعية وتنفيذية لا تستغني عنها الأمة في تدبير
مصالحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي إجراء القوانين والأحكام وحفظ
الشريعة . وشخص المَلِك مجعول على الأمة من الله . وظيفته النظر في الكليات
السلطوية ، التي تنتظم اختيار الوزراء والمسؤولين، الذين هم الوسطاء بين المَلك "
الطبيب " ، وبين الرعية " المرضى " . إلا أن دور هؤلاء الوسطاء استشاري فقط ؛ لأن
القرار بيد المَلك الذي لا يجوز أن يُسأل ، وضميره فقط هو الذي يراقبه ويحاسبه
.
وأهلية المُلك ليست لكل أحد ؛ لأنها في طبقة مخصوصة كما في الفلسفة اليونانية .
والوزارة لا تصلح إلا لأهلها الذين خُلقوا لها . والنظام الملكي وراثي ، فإن لم يوص
السابق للاحق اختار أهل الحل والعقد من يحكم البلاد طبقا لنظرية الماوردي . والخروج
على الحاكم تظلما أو تمردا لا يجوز ، ولو كان فاسقا أو جاهلا أو معتديا ، وهو ما
ذهب إليه أغلب الفقهاء .
أما جمال الدين الأفغاني (
1254 -
1314 هـ / 1838 -
1897
م ) ، فيرى أن الحكم الفردي المطلق رديف الجهل والتخلف . والنظام الشوروي أصلح
للأمة . إلا أن الشورى لديه هي الديموقراطية الدستورية
،
وعلى المسلمين في نظره أن يقلدوا الغرب في هذا المضمار جملة وتفصيلا ؛ لأن هذا سبيل
الرشاد .
كذلك محمد عبده (
1266 -
1323 هـ / 1849 - 1905
م ) ، يرى نقل التجربة الديموقراطية الغربية حرفيا ، أو اختيار أي منهج يؤدي إلى ما
يؤدي إليه نظام الحكم في الغرب . محاولا المزاوجة بين نظرية الماوردي وبين النظام
البرلماني الحديث
،
بأن تختار الأمة طائفتين ، إحداهما على علم بحدود الشرع ، هي " أهل الرأي " أو "
أهل الحل والعقد " لمساعدة الحاكم ملكا كان أو رئيس جمهورية ، بالنصيحة والنصرة
والشورى، والثانية من نواب يمثلون الشعب إقليميا ومهنيا لوضع مختلف التشريعات
والقوانين .
أما عبد الرحمن الكواكبي
( 1271 -
1320 هـ / 1855 - 1902
م) ، فقد شنّ هجوما شرسا وموفقا على الاستبداد
، وتتبع بالدراسة جذوره في النفس والمجتمع والدولة ، وكشف نتائجه المهلكة للحرث
والنسل . إلا أن البديل السياسي لديه بقي في إطار النظام الملكي المطلق
، الذي تُخَفَّف وطأة استبداده بتعيين فئة من الحكماء هم " أهل الحل والعقد " ،
بدونهم لا تنعقد الإمامة في نظره . ولهم حق مراقبة الحاكم ومحاسبته ، وهم بمثابة
مجالس للنواب ، أو للأسرة الحاكمة ، أو للأعيان ، أو شيوخ القبائل ، على غرار ما
كان من أمر " مجالس الحكماء " لدى البيتين الأموي والعباسي مما ساعد على استقرارهما
واستتباب أمنهما .
ويرى الشيخ محمد رشيد رضا (
1282 -
1354 هـ / 1865 - 1935
م ) أن الحكم في الإسلام للأمة ، وشكله ديموقراطي ، ورئيسه الإمام أو الخليفة
.
وعليه أن يتقيد بالشريعة والدستور والقوانين التي يضعها مجلس للنواب مؤلف من مسلمين
وغير مسلمين ، لأن مشاركة غير المسلمين في الشورى واستنباط الأحكام والقوانين، من
مصالح المسلمين . والمصلحة هي الأصل في الأحكام الدنيوية ، وهي مُقدَّمة على النص
عند بعض الفقهاء . ولا يُشترط الاجتهاد في هؤلاء النواب على رغم أنهم في نظره
ينصبون الأئمة ، ويعزلونهم إذا اقتضى الأمر ذلك . ولعل آراء الشيخ رشيد رضا هذه
متأثرة بواقع مجتمعه الذي تمثل فيه المسيحية نسبة عددية كبيرة لا بأس بها .
أما الشيخ علي حسن عبد الرزاق (
1305 - 1386 هـ / 1888 - 1966
م ) فقد ذهب في كتابه " الإسلام وأصول الحكم " إلى إنكار دور الإسلام في تنظيم شؤون
الحكم ، وادعى أن الشريعة الإسلامية مجرد عبادات روحية لا علاقة لها بشؤون الدولة
والدنيا . وأن نظام الحكم في عهد النبي
r
كان غامضا مبهما، وأنكر أن تكون حكومة الراشدين حكومة دينية ، وكان هذا منه خدمة
لأهداف السياسة الاستعمارية الإنجليزية والعالمية في المنطقة ، وعملها على الحيلولة
دون عودة الأمة إلى وحدتها بعد إلغاء الخلافة العثمانية . وصادف ذلك أن مَلك مصر
كان يطمح بدوره إلى منصب الخليفة ، فغضب على الشيخ علي عبد الرزاق وسحب منه شهادة
الأزهر . ثم إن هيئة كبار العلماء عقدت له مجلسا تأديبيا برئاسة شيخ الأزهر؛ فثبت
لديهم انحرافه الفقهي وعلاقته بأعداء الأمة ، وصدر الحكم بناء على ذلك بمحو اسمه من
سجلات الأزهر والمعاهد الأخرى ، وطرده من وظيفته ، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة
دينية أو غير دينية .
ثم
بعده ظهر الدكتور عبد الرزاق السنهوري كبير خبراء القانون المدني في عصره (
1312 -
1391 هـ / 1895 - 1971
م ) ، فبدا أثر الثقافة الفرنسية والاستشراق اللذين تشربهما أثناء دراسته بفرنسا
واضحا في تصوره لنظام الحكم في الإسلام ، لاسيما في كتابه " فقه الخلافة وتطورها "
؛إذ صنّف النظام السياسي الإسلامي صنفين
:خلافة صحيحة هي حكومة الراشدين ، وخلافة ناقصة هي خلافة بني أمية وبني العباس ؛
على غرار تصنيف بعض الفقهاء قبله ، مما له أصل في تصنيف أفلاطون للأنظمة السياسية
ثلاثة أصناف : حكومة مثالية السيادة فيها للعقل ، والمَلك يختص فيها بالمعرفة
التامة دون شعبه ، وحكومة ناقصة لها من القوانين ما يضبطها ، وحكومة جاهلة لا مَلك
لها ولا قانون . كما ذهب إلى أن الشريعة لا تفرض اطلاقا شكلا معينا لنظام الحكم
وهو ما يكاد يقترب فيه من الشيخ علي حسن عبد الرزاق
أما منهج التدبير في الخلافتين الصحيحة والناقصة عند السنهوري ، فلم يخرج فيه عما
ذهب إليه الماوردي في أحكامه السلطانية ومن سار على نهجه من الفقهاء ، لاسيما فيما
يتعلق باختيار الإمام واستدامته أو عزله ، ومحدودية مجالس الشورى وعدم إلزامية
آرائها ، وعضويتها المنحصرة في أعيان الأسرة الحاكمة وشيوخ القبائل وكبار الأغنياء
والموالين من الفقهاء .
كما تجلى تأثره بالثقافة الغربية العلمانية عندما رأى تعذر إقامة حكم إسلامي في
العصر الحديث يجمع للمسلمين أمري دينهم ودنياهم . واقترح بديلا لذلك إنشاء منظمتين
دوليتين ، إحداهما للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي بين الدول
الإسلامية يُطلق عليها " عصبة الأمم الإسلامية " على غرار " عصبة الأمم " لدى الدول
الأوربية
.
والمنظمة الثانية دينية لتنسيق النهوض بالشريعة الإسلامية وتشجيعه . وبهذا الاقتراح
ساهم في إبعاد المسلمين عن المطالبة بوحدتهم السياسية والدينية في إطار دولة
الخلافة ، وعمل على تكريس الاتجاه العلماني الخاص بفصل الدين عن الدولة وهو ما كان
يسعى إليه الاستعمار الغربي حينئذ .
ومن الغريب أن بريطانيا كانت أول المستجيبين لرأي السنهوري ، المسترشدين بنصحه ؛
فأنشأت أول منظمة إقليمية سنة
1945
هي " الجامعة العربية ". ثم في سنة
1969م
دعت هذه الجامعة العربية إلى إنشاء منظمة أوسع ، تضم المسلمين عربا وغير عرب ،
فتكونت منظمة " المؤتمر الإسلامي " ؛ كما عملت المملكة العربية السعودية على تأسيس
" رابطة العالم الإسلامي ".
وفي ظل منظمتي " الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي " نسي المسلمون أمر الوحدة
الإسلامية سواء في ظل الخلافة الصحيحة أو الخلافة الناقصة ، وعرفوا على يد الغرب
والصهيونية العالمية كل ضروب الذل والهوان والهزيمة والخضوع الإرادي الرسمي للأجنبي
.
أما الشيخ أبو الأعلى المودودي (
1321 - 1399 هـ / 1903 - 1979
م
) ، فيرى أن النظام السياسي الإسلامي يسبقه حتما قيام مجتمع إسلامي حق ، تنبثق منه
تلقائيا الخلافة الراشدة التي يدبرها إمام يختاره المسلمون ويطيعونه ، ويقيم فيهم
أمر الإسلام وينشر بينهم العدل . لأن الدولة الإسلامية ـ كما يقول في " منهاج
الانقلاب الإسلامي " ـ بمثابة الثمرة من الشجرة ، فإن طابت الشجرة طابت الثمرة .
ولذلك لم يرحب بانفصال باكستان عن الهند ؛ لأن ذلك في نظره ليس الطريق الطبيعي
لقيام نظام الإسلام السياسي .
وهذا التبسيط للقضية برغم فضل صاحبه وصدقه وجهاديته ، لا يعدو أن يكون خيالا بعيد
المنال ، وإلغاء لقضايا واقعية تتعلق بمعضلات الإعداد والتأسيس والتنظيم والتخطيط
والبناء والحماية ، لكل مراحل العمل من أجل إقامة دولة الإسلام . كما أنه في نهاية
المطاف لا يتجاوز محاولة تأسيس نظام حكم فردي ، ضمانات العدالة فيه مجرد ورع
الخليفة وزهده ، وتقوى الرعية وانضباطها وسلوكها القويم . مما لا يغني مطلقا عن
ضرورة توضيح طبيعة النظام ومناهج إقامة مؤسساته وضمانات استمرار سيره سويا رشيدا .
نفس التوجه تقريبا ، نجده لدى سيد قطب
( 1324 -
1387 هـ / 1906 - 1966
م )، في كتابه " معالم في الطريق " إذ يرى ضرورة استنبات المجتمع الإسلامي الحق
أولا ، بدءاً بالخلية التأسيسية التي تقيم أمر الإسلام في النفس والأسرة والمعاملة
اليومية ، تماسكا مع الصادقين ، ومفاصلة شعورية للجاهلية ، إلى أن يتحول كل فرد
فيها قرآنا يمشي على رجلين . فإن قام المجتمع الإسلامي أثمر الحكومة الإسلامية
خلافة على نهج النبوة . ولكنه لم يبين طبيعة هذه الحكومة شكلا ومضمونا ، تنظيما
وتدبيرا ، على نهجه في التحليل والجدل ، ورأيه في أن الإسلام لا يُسأل عن واقع ليس
من صنعه ، ولا تُرقع به أنظمة ليست على نهجه ، إلا أن تُقام ركائز العقيدة بأرض
الواقع متكاملة ، على قاعدتي : " طبقوا الإسلام أولا ثم اسألوه عن الواقع الذي
أنشأه " ، و " خذوا الإسلام جملة أو دعوه " .
أما الدكتور حسن الترابي ، فهو يدعو في كتابه " نظرات في الفقه السياسي " إلى تجاوز
المشاحة في المصطلحات الوافدة على المسلمين من الغرب ، واستعمالات الألفاظ ذات
الأصول غير العربية وغير الإسلامية . إذ لا حرج في نظره على المرء وهو يتكلم
( من موقع عزة ثقافية ، وفي سياق يُحترز به من الخلط أن يستعمل كلمة "
GOD
" مُعَرَّفَةً بالحرف الكبير ، إشارة إلى الله ) ؛ كما يُعرِّض بالمسلمين الذين
يرفضون ذلك بكون
( كثير من المسلمين الأوربيين الجدد إذا قاموا في بيئة اشتراكية أو تثليثية
يحترزون من استعمال " GOD
" ؛ لأنها تنصرف عند السامعين إلى فكرة التثليث ، فتوحي بإله يجوز في حقه ذلك كله ،
مما يستحيل في حق الله ). والدكتور الترابي فيما ذهب إليه ، يغفل عن حقيقة من
حقائق الإيمان ، هي الركن الثالث من أركان التوحيد ، بعد ركني توحيد الألوهية
وتوحيد الربوبية ، هي توحيد الصفات . أي أن الله تعالى ، لا يوصف إلا بما وصف به
نفسه أو وصفه به نبيه
r
،
)
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه
(
-الأعراف
180
- . ولم يرِدْ قطعا وصف الله عز وجل بلفظ " GOD
" . كما أن قابلية هذا اللفظ لصيغ الجمع والتأنيث والتذكير راجعة إلى طبيعة الدين
لدى الغرب. وهو كما نعلم مؤسس على أصول وثنية يونانية ، لديها آلهة ذكور مثل "جوبيتر
" ، وآلهة إناث مثل " أفروديت " ، وتعتقد أن في السماء آلهة متعددين يسيرون الكون ،
كما أن المسيحيين يؤمنون بتعدد الآلهة ( الأب والابن والروح القدس ) ، ويعدّون مريم
البتول عليها السلام إلهة . فتأنيث الألوهية وتذكيرها وجمعها من صميم ديانتهم .
إن
الترابي يصل بهذا الجنوح في التفكير إلى هدف رسمه لنفسه ، هو محاولة الإقناع بقبول
لفظ " ديموقراطية " مصطلحا إسلاميا لنظام الحكم ، وتبني المناهج السياسية الغربية
شكلا ومضمونا ، و ( مصادرتها لصالح الإسلام ) ، و ( غلبة أهلها عليها ) . (فالإسلام
الناهض المشع اليوم يستصحب فتحا متمددا لغويا . إذ تحيى وتعمر المعاني في الكلمات
التقليدية للإسلام ، ويتسنى له أن يستوعب الكلمات الأجنبية ، ويغلب عليها أهلها ،
ويضفي عليها الظلال الإسلامية ، ويسخرها لعبادة الله سبحانه وتعالى
…
ومن هنا يتمكن المسلمون مثلا إن قاموا بقوة وثقة وتوكل ، أن يصادروا كلمة " ثورة"
وكلمة " ديموقراطية " وكلمة " اشتراكية " لصالح الإسلام …
، أما وقد تجاوزنا غربة الإسلام ، وغلبة المفاهيم الغربية بكل مضامينها وظلالها ،
فلا بأس من الاستعانة بكل كلمة رائجة تعبر عن معنى ، وإدراجها في سياق الدعوة
للإسلام ، ولفِّها بأُطر التصورات الإسلامية حتى تُسلم لله ) .
كما أن الشورى عند الترابي من أصل الدين
، أي من صميم العقيدة وليست من الفروع ؛ وما دامت الشورى في نظره هي الديموقراطية
، فالديموقراطية ـ إذن ـ من أصل الدين وعقيدته .
وغني عن البيان تهافت هذه الآراء وخروجها عن النهج الرشيد السوي في التفكير.
فالمصطلحات الإسلامية ليست مجرد كلمات تقليدية كما وصفها الترابي ، بل هي ألفاظ
دينية نقلها القرآن الكريم والسنة النبوية من معناها اللغوي إلى مفهومها العقدي
والتشريعي ، فاكتسبت بذلك سمتا وحرمة خاصين . كما أن الإسلام متكامل المصطلحات
الدينية ، ولا تعاني مفرداته من خواء أو موات تحتاج معهما إلى أن تعْمُرَ وتحيى
باستيراد " قطع غيار " أجنبية . وليس في عملية استيراد المصطلحات الغربية أي غلبة
لأهلها عليها أو مصادرة لها ، لأن أهلها أنفسهم يرغبون في ذلك ، ويشجعون عليه
ويعدونه خدمة جليلة لأهدافهم في الهيمنة والاستعمار والتنصير .
إن
الدكتور الترابي مهما حاول تغليف هذا الاقتراح ، ولفّ هذه المصطلحات الغربية بصباغ
الإسلام ، وحشرها بأسلوبيته الإنشائية الرشيقة في السياق الإسلامي، فلن يؤدي هذا
المنهج في التفكير لديه ، إلا إلى تغريب مفاهيمنا ومصطلحاتنا الدينية، ومصادرة
الغرب لأمتنا وبلادنا ومقدساتنا . بل قد يُستدرج بعضنا ـ والعياذ بالله ـ إلى
المطالبة بأن نغلب الغرب على دينه فنعتنقه ، وعلى لغته فنتخلى عن لغتنا . وكأننا لم
نغلبهم بعد على ما لديهم من فساد وميوعة وتحلل ، ولم نصادر ما عندهم من انحراف
وشذوذ ودعارة .
ولعل الدكتور عدنان النحوي أول من خصص للشورى مصنفا تجاوز عدد صفحاته سبعين وستمائة
، عنوانه " الشورى وممارستها الإيمانية " . وهي منه خطوة رشيدة تحتاج إلى مناصحة
ومتابعة وتطوير . وقد شرح في كتابه الصفة الإيمانية للشورى ، وبيّن أنها عصمة من
الاستبداد ، وأن غياب العقيدة وانفصالها عن الشورى يؤدي إلى تحكم الهوى والتيه
والضياع ، وظلام الفتنة وهدير الشيطان ، والممارسات الشوروية الزائفة ، المبنية على
الأصابع المرفوعة والأيدي الممدودة . وأن القيادة الإسلامية الرشيدة تحمل خصائصها
أولا ثم يُبحث لها عن تسمية ثانية . وما دامت البيعة على قواعد الإسلام وأسسه ،
فالسمع والطاعة في المعروف واجبان، سواء لأمير أو خليفة أو رئيس .
و
" أهل الرأي " ، أو " أهل الشورى " أو " أولو الأمر " ، في رأيه هم العلماء، ويجب
أن تتوفر فيهم شروط الإيمان والتقوى والعلم والموهبة والوسع والحلم والأناة والروية
والتدبر والقدرة وبسطة الجسم وحسن السلوك والعدالة
.
كما استقصى في كتابه أكثر النصوص المتعلقة بالشورى في الكتاب والسنة والآثار. إلا
أنه في جميع ما أورد من نصوص واجتهادات ، لم يخرج عن دائرة من سبقه من الفقهاء
الذين يرون الشورى حكرا على نخبة خاصة ، اعتمادا منه على حديث رُوي عن النبي
r
أخرجه الدارمي
، قال : " أخبرنا محمد بن المبارك ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدثني أبو سلمة ، أن الرسول
r
سُئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة ، فقال : ( ينظر فيه العابدون من المسلمين
) " . وهذا الحديث مرسل ومتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية العملية الصحيحة ؛
إذ أشرك الرسول
r
المنافقين في الشورى أثناء الاستعداد لملاقاة المشركين في أحد . وقد رُوي الحديث
بمعناه في " مجمع الزوائد " للهيثمي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " قلت يا
رسول الله ، أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك ؟ " قال :
" تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين و لا تقضونه برأي خاصة " . وقد أخرجه
الطبراني في الكبير ، إلا أن فيه عبد الله بن كيسان ، قال فيه البخاري : " منكر
الحديث " .
كما أن الدكتور عدنان النحوي لم يخرج أيضا عن دائرة الحكم الفردي الذي ليس له من
ضمانات الاستمرار إلا ورع الراعي والرعية
. فإن ضعُف أو انعدم عمَّ التظالم والفوضى ، وصار الاستبداد سيد الموقف . ونحن
نلتمس نظاما شورويا له من المؤسسات والنظم والضوابط ما يضمن استمراره وفعاليته
وجدواه ، ويؤمِّن سلامة الأمة وحقوق أفرادها في الحرية والكرامة وتدبير أمرهم ،
قرارا وتنفيذا ومحاسبة ، غُرما وغُنما جهدا ومنفعة .
وفي الفكر السياسي الشيعي المعاصر ، نلاحظ ظاهرة إيجابية حديثة ، هي تحرره من قيدين
، أحدهما من التراث الإمامي الخاص ، هو عقيدة الانتظار التي كبّلته قرونا ومنعته من
التطور . وثانيهما من تراث أهل السنة ، هو قيد " خوف الفتنة "، الذي برروا به حكم
الاستبداد ، وأصلوا به تشريع الرضى بالفساد وعدم جواز الخروج على الظلم .
إلا أن البديل السياسي الذي صاغه الفقه الشيعي المعاصر في نظرية " ولاية الفقيه"،
لم يتجاوز نطاق الحكم الفردي المطلق الذي ينوب فيه الفقيه عن الإمام المنتظر،
والراد عليه كالراد على الله سبحانه وتعالى . وهو العنوان القيادي الحركي الذي
يتولى إدارة المفردات وتدبير القضايا التشريعية والتقنينية للدنيا والآخرة .
ولئن حاول بعض فقهاء هذا الاتجاه ، أن يثبتوا أن دور الولي الفقيه في القيادة
الفردية لا يلغي دور الأمة ، التي تُرك لها مجال المشاركة بإبداء الرأي والنصيحة أو
بالانتخاب والاستفتاء ، فإن صميم العلاقة بين الأمة والولي لم تخرج مطلقا عن دائرة
الحاكم والمحكوم ، وهو ما لدى فقهاء السنة أيضا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم .
وللإنصاف ، فإن الفكر الشيعي هو الوحيد الذي حاول في هذا العصر أن يؤسس نموذجا
للحكم إسلاميا ، وينهض بمسؤولية ذلك نهوضا جادا ، إلا أنه في واقع التطبيق لنظرية "
ولاية الفقيه " ، لم يتجاوز منهجا سياسيا زاوج فيه بين نظرية الإمامة عند أهل السنة
، وبين النظام الجمهوري الديموقراطي الليبرالي ، مع مراعاة المشاعر القومية
الفارسية والجذور العقدية المذهبية .
ذلك أن " الولي الفقيه " لديهم يختاره مجلس علماء منتخب ، وهو ما لدى علماء السنة ،
الذين يرون أن العلماء هم " أولو الأمر " الذين لهم حق تنصيب الإمام . كما أن
النظام البرلماني وطريقة صياغة الدستور ، وأسلوب تعيين رئيس الجمهورية والوزراء،
ليس له من مرجعية إلا الفكر الديموقراطي الغربي . أما اشتراط التشيع والفارسية
الأصلية لا المكتسبة في رئيس الجمهورية ؛ فمن صميم الفكر القومي والمذهبي .
أما الاتجاه السلفي المعاصر فيتجاذبه سياسيا تياران :
ـ
تيار السلفية الموالية للأنظمة القائمة ، ويرى في كل متغلب إماما شرعيا لا يجوز
الخروج عليه ، ولو كان جاهلا أو فاسق المعتقد والسلوك أو غير قرشي . واستعان رواد
هذا التيار في تبرير ما ذهبوا إليه ، بتأويلات انتقائية ومغالية لبعض نصوص الكتاب
والسنة ، احتطبوها من آراء الرجال ؛ مثل ما ذهب إليه أبو يعلى الحنبلي في "الأحكام
السلطانية " ، مما نسبه إلى عبد الله بن عمر من قول " الجمعة مع من غلب " و " نحن
مع من غلب " ، أو إلى الإمام أحمد بن حنبل حول شرعية إمامة المعتصم العباسي ، وهو
أمّي وسكير وفاسق العقيدة يقول بخلق القرآن .
بهذه المرجعية استنبتت السلفية الموالية المعاصرة فتاوى اتخذت متاريس لحماية
الاستبداد والظلم والفساد ، وقمع انتفاضات المطالبة بالحرية والعدل والكرامة .
ـ
أما التيار الثاني فهو السلفية الخارجة ، أو الثائرة . وتمثلها حركة جهيمان
العتيـبي ومحمد بن عبد الله القحطاني في نهاية القرن الرابع عشر الهجري بمكة
المكرمـة ، والجماعات الإسلامية المقاتلة في أفغانستان ومصر والجزائر .
ولئن كان هذا التيار قد تمرد على نظرية " خوف الفتنة " لدى الفقه السني وخرج عليها
، فإنه لم يستطع في نظرته السياسية أن يغادر إطار حكم "الفرد " الذي له من ورعه
وتقواه وصدقه وإخلاصه ما يملأ به الأرض عدلا كما مُلئت جورا وظلما . وهو ما يُعرف
بنظرية " العادل المستبد " ، الذي تنصبه جماعة من "أهل الرأي " ، أو " أهل الحل
والعقد " ، قد يتقلص عددها إلى ثلاثة أفراد ، أو فردين أو فرد واحد ولو سرا ، طبقا
لاختلاف الفقهاء والمتكلمين في الأمر .
وكان مآل هذا التيار أن استطاع هدم ما هو قائم ، أو خلخلة أركانه ؛ ولكنه لم يقدر
على بناء البديل الإسلامي الحق ، تصورا ونظاما ، ونموذجا حضاريا عمليا للحياة .
وطيلة العقود الثلاثة الماضية برزت في مج |