تاريخ التحديث فاتح رمضان  1426هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 
الصفحة الرئيسية
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور
 




 
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 

كتاب إســــلامي

الحلقة 21

الباب السادس

فقه الأحكام السلطانية لدى الفقهاء والمتكلمين

الفصل السابع

شروط الخليفة من غيره

3 - سلطــــة الغلبـــة والأمـــــــر الواقـع

 

وهي خلافة التغلب والاستيلاء بالقوة على الإمامة ، بدون تولية عهد من إمام سابـق ، أو اختيار من الأمة أو أهل الحل والعقد .

ولئن لم يختلف الفقهاء والمتكلمون حول شرعية الاختيار والتولية ، فإنهم اختلفوا حول كيفية إضفاء الشرعية على إمامة المتغلب ـ إمامة الأمر الواقع ـ .

ذهب بعضهم إلى ثبوت إمامته وحمل الأمة على طاعته ، وإنْ لم يستخلفه من قبله ولم يعقدها له أهل الاختيار ، لأن المقصود هو اتقاء الفتنة وتمييز الإمام ، وقد تم ذلك باستيلائه على السلطة.

وذهب آخرون إلى أن واجبا على أهل الاختيار عقد الإمامة له، فإن توقفوا عن ذلك أثموا ؛ لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد ، ولأن عدم قيامها ـ في نظرهم ـ يعطل المصالح ويبطل التصرفات الشرعية ؛ وفي ذلك يقـول الكمال بن أبي شريـف [1] : " وصار الحال عند التغلب كما لم يوجد قرشي عدل ، أو وُجد ولم يُقدَر على توليته لغلبة الجورة على الأمر . إذ يُحكم في كل من الصورتين بصحة ولاية من ليس بقرشي ومن ليس بعدل للضرورة ، وإلا لتعطل أمر الأمة في فصل الخصومات ونكاح من لا ولي لها وجهاد الكفار وغير ذلك " .

وقد رأى أبو يعلى[2] أنها تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى عقد ، مستندا إلى رواية لعبدوس بن مالك القطان عن أحمد : " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه ، برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين " . واحتج برواية أبي الحارث في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم ، أن الجمعة تكون مع من غلب ، وبما رواه أحمد عن ابن عمر أنه صلى بأهل المدينة في زمن الحرة وقال : "نحن مع من غلب" ، وبخروج عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ـ وكان خليفة شرعيا على الحجاز ـ ، فلما استولى ابن مروان على البلاد صار إماما يحرم الخروج عليه .

والواقع أن الفقه السياسي في هذا الأمر لم يكن إلا صدى لأحداث الصراع على السلطة . فمنذ أُسقطت الخلافة الراشدة لم يعرف المسلمون في غالب عهودهم إلا إمامة المتغلبين وسلطة الأمر الواقع ؛ ابتداء من معاوية الذي أخذ البيعة من أهل المدينة والصحابة تحت بارقة السيف ، إلى بني مروان وبني العباس وغيرهم من مؤسسي الدول في بلاد المسلمين شرقا وغربا ، إلى عصرنا الحديث حيث يتم الاستيلاء على السلطة أولا ، ثم بعد ذلك يُبحث عن "جوق وطني" للبيعة .

ولئن كان ابن خلدون قد لاحظ هذا الوضع ، واستخلص منه نظريته في العصبية التي توفر لطالب الإمامة القوة والغلبة والقهر[3] ، حتى رأى أن يُعزر من يطلبها بدون عصبية ؛ لأن ذلك منه حمق وسفاهة وإثارة لفتنة لا تقيم دولة  [4]؛ فإن الغزالي أيضا قد جعل مدار الخلافة على الشوكة ، فقال [5] : "فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة ومدار ذلك جميعا على الشوكة " .

إلى ذلك أيضا ذهب بدر الدين بن جماعة (639 - 734 هـ/1241 - 1333 م) في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" [6]، فزعم أن كل من تصدى للإمامة وليس من أهلها ، وقهر الناس بشوكته وجنوده ، بغير بيعة واستخلاف ، كان إماما شرعيا لزمت طاعته ، ولا يقدح إمامته كونه فاسقا أو جاهلا . وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فغلب الأول ، انعزل الأول وصار الثاني إماما . وهذا تشريع واضح لجواز الانقلابات العسكرية والوثوب على السلطة على قاعدة " الإمامة للمتغلب " ، وهو ما له أصل لدى الحنابلة بروايتهم "الجمعة مع من غلب" .

كذلك الإمام النووي،يقول "[7] : وأما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء ، فإذا مات الإمام فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة ، وقهر الناس بشوكته وجنوده ، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين ، فإن لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحهما انعقادها لما ذكرناه " ؛ ويقول أيضا [8] :"إذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره انعزل الأول وصار الثاني إماما "

أما الشيخ زكريا الأنصاري فهو أشد وضوحا في الأمر إذ يقول [9] : " وتنعقد الإمامة بثلاث طرق أحدها بيعة أهل الحل والعقد ………  وثالثتها باستيلاء شخص متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي وامرأة ، بأن قهر الناس بشوكته وجنده  وذلك لينتظم شمل المسلمين ".

لقد أبدى الفقهاء والمتكلمون استنادا منهم إلى فقه الضرورة تساهلا زائدا أباحوا به تسلط الجوَرَة والظلمة ، وتحولت بما ذهبوا إليه ، نظرية "خوف الفتنة" الموهومة ، إلى ذريعة لإلغاء التعاليم الشرعية المتيقنة . والمتيقن لا يُدفع بالموهوم . ولم يخرج عن هذا المسار مذهب ؛ فمن الأحناف السرخسي في "المبسوط" ، والكمال بن أبي شريف في "المسامرة على المسايرة" ، ومن الحنابلة أبو يعلى ، ومن الشافعية الماوردي ، ومن الشيعة الزيدية الذين يرون إماما كل من خرج شاهرا سيفه وتوفرت فيه الشروط من ولد فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ، أما المالكية فباب المصلحة المرسلة والمقاصد عندهم يسع كل ضروب الغلبة والقهر والتسلط .

إن الفقهاء والمتكلمين وإنْ أطنبوا في تفصيل شرائط الإمامة وصفات الخليفة ، قد ألغوا في المجال الواقعي كل تلك الشروط والصفات عندما أقروا إمامة الغلبة والقهر ، وفتحوا بهذا الاجتهاد السائب بابا واسعا للفتنة الحقيقية . إذ قياسا على ما ذهبوا إليه جازت لدى النفوس الضعيفة الخيانة العظمى ، تعاونا مع أعداء الأمة وخدمة للعدو . وهو ما فعله العلقمي الذي مهد للمغول طريق القضاء على الخلافة العباسية ، وما ارتكبه بعض العلماء في عهد الاستعمار إذ أفتوا بأن سلطة المحتل الأجنبي شرعية .

وقياسا أيضا على ما ذهبوا إليه ، صدرت الفتاوى التي تعد دعاة القسط والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، خوارج محاربين ودعاة فتنة ، يُقام عليهم حد الحرابة قتلا ونفيا وبترا للأيدي والأرجل من خلاف ؛ وأدى هذا الاتجاه في الفقه السياسي إلى أن صُفيت عناصر القوة والمنعة في المجتمع ، والتبس على المسلمين أمر دينهم ، فصار المعروف منكرا يُنهى عنه ، والمنكر معروفا يُؤمر به ، وخضع الحكام للنفوذ الأجنبي التماسا للحماية وتحسبا لغضب الأمة .

إن استقراء أحداث التاريخ الإسلامي ، والفتاوى السياسية للفقهاء ، يكشف بوضوح أن أساس الحكم واقعا عمليا وفكرا سياسيا ، كان لديهم هو الغلبة والقهر، وإنْ مُوِّه على ذلك بمبررات شرعية بعد الاستيلاء على السلطة بأثر رجعي . ولم تخرج عن هذا النهج إمارة أو مملكة أو مشيخة أو جمهورية ، اشتراكية كانت أو ليبرالية ، تزملت بدثار الإسلام أو بالديموقراطية أو بالاستبداد الصريح السافر . ومادام الأجنبي يحمي والشعوب مكبلة ، ودعاة القسط والحق يُقام عليهم حد الحرابة ، فلا أمل في تغيير أو تطوير أو تحرير .

 

الفصل الثامن

مجال سلطة الخليفة ونطاقها لدى الفقهاء والمتكلمين

 

كانت بداية نشوء الإمبراطورية الإسلامية في عهد الراشدين ، على أساس الشورى القرآنية بنهج إداري لا مركزي ، يختص فيه الخليفة وجهازه التدبيري بتنفيذ قرارات الأمة ، وإقامة الشريعة ، وتنفيذ الحدود والتعازير ، والإشراف على كامل البلاد وتوسيع رقعتها ، وتستقل فيه كل ولاية أو إقليم بتسيير الأمر المحلي شورويا .

كانت هذه البداية على هدى وسواء ورشد ، خطوات ثابتة متزنة نحو نشوء نظام حكم شوروي لا مركزي ، مع الاحتفاظ بالوحدة الوطنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية ؛ وهو ما يعرفه العصر الحديث ـ والقياس مع الفارق ـ في نظام الاتحادات الفيدرالية والكونفدرالية ، كما لدى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وما تتجه نحوه كثير من الأقطار التي بينها قواسم مشتركة .

إلا أن الانقلاب على الخلافة الراشدة أطاح بهذا المشروع ، وأنشأ تصورا جديدا للسلطة وفلسفة الأحكام السلطانية ، أساسه الاستبداد الفردي المطلق ؛ لم يترك فيه الفقهاء والمتكلمون ومن سار على نهجهم ، للتصور الإسلامي إلا هامشا ضيقا لتبرير ما هو قائم ؛ مما قطع الطريق على أي تطور جاد ، يمهد لنظام مؤسساتي متكامل شوروي ، تتوزع فيه السلطات بشكل يمكِّن الأمة من تملك أمرها والقيام به .

إن ما أنتجه الفكر في المجال السياسي الإسلامي لم يخرج عن دائرة تركيز السلطة كلها في يد رجل واحد ، هو الإمام أو الخليفة أو الملك أو السلطـان . ولـئن اختلفت أنماط هذا الإنتاج السياسي فإنها لم تخرج عن أربعة أصناف :

ـ النمط الأول : هو الفقهي التشريعي التبريري الصرف ، الذي يمثله الماوردي خير تمثيل . وقد عالج أصحابه السياسة السلطانية من الناحية الفقهية ، فتناولوا بالتعريف الإمامة وشروطها ، وصفات الإمام وصلاحياته وواجبات الأمة نحوه  ، ومسؤوليته الشخصية عن التصرف في الأموال والرجال والبلاد ، واتخاذ القرار الحاسم في دق الأمور وجلها، وفي تعيين الأمراء والوزراء والقضاة وقادة الجيش والشرطة ، وتوزيع الغنائم والجزية والخراج والفيء والإقطاع والدواوين وإقامة الحدود والتعازير .

ـ النمط الثاني : وهو الفقهي التطبيقي العملي الصرف ، ويمثله نجم الدين إبراهيم الطرسوسي في كتابه "تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك" . ولئن أقر المصنف بشرعية كل متغلب ، توفرت فيه شروط الإمامة قرشية وعدالة واجتهادا أم لم تتوفر ، فإنه حاول أن يأطر الخليفة على أحكام الشرع ، متجنبا نهج التبرير وأساليب الملق ، مرشدا إلى أحكام السلوك العملي في تدبير أمر الأمة ، خاصة في مجال تقليد الإمام للولاة والقضاة والأمراء والجباة وكتاب الدواوين ، والكشف عن مخالفاتهم ومعاقبتهم، والنظر في الأموال ومصادرها ومصارفها والثغور والحصون والجسور إقامة وصيانة ، والجيوش وتسييرها ، والحروب الداخلية والخارجية وآدابـها وضوابطها ، وأحكام الأسرى والسبايا والمحاصرين والشهداء ؛ متجنبا في ذلك شبهات التبرير وليِّ أعناق النصوص ، مما جعل هذا النمط أكثر صدقا في التعامل مع السياسة وأربابها .

ـ النمط الثالث : ويمثله الأخلاقيون وكتاب السمر والتاريخ مثل : ابن رضوان في كتابه "الشهب اللامعة في السياسة النافعة" ، وأبو حمو موسى بن يوسف في "واسطة السلوك في سياسة الملوك" ، وعبد الرحمن الشيزري في "النهج المسلوك في سياسة الملوك" ، وسبط ابن الجوزي في "كنز الملوك في كيفية السلوك" .

ويعتمد هذا النمط على الأخلاق والقيم ، كمنطلق أساسي في إرشاد الملوك وتوجيههم لما يحفظ ملكهم ، مع الإقرار بسلطة الإمام المطلقة على البلاد والعباد في شؤون الدنيا والآخرة . وكان هذا النمط معدودا من العلوم الملوكية الخاصة ، المعتمدة على ضرب الأمثال والحكم ، والأخبار والخرافات الرمزية ، التي تحفزهم إلى علو الهمة، وشرف النفس ، والتزام العدل والرفق بالرعية .

وهو أسلوب مغاير تماما لما كان عليه أسلوب الوعظ لدى السلف الصالح من أمثال سفيان الثوري والأوزاعي  وغيرهما ، ممن كانوا يعظون الملوك من غير رغبة أو رهبة ثم ينصرفون .

وقد اشتمل هذا النوع من الكتابة الملوكية على نصائح عملية متعلقة بكيفية ممارسة السلطة والاحتفاظ بها ، كما عرض لقوانين وقواعد سياسية وسلوكية ، ومراسيم ملكية ـ بروتوكولية ـ ، للتعامل مع جميع الفئات والطوائف والأطراف داخليا وخارجيا ، في حالات السلم والحرب ، ومع العامة والخاصة وأركان المملكة أمراء وجندا ، وولاة وقضاة ، وعلماء وزهادا ، وعبادا وحاشية ، وإماء وحظايا ومماليك وخدما .

ـ النمط الرابع : كما لدى الحسن بن عبد الله العباسي في كتابه "آثار الأُول في ترتيب الدول" ، وابن أبي الربيع في "سلوك المالك في تدبير الممالك" ؛ وكان هذا النمط وسطا بين النمطين ، الفقهي التبريري الذي يمثله الماوردي ، والأخلاقي الذي يمثله ابن رضوان. وقد تعلقت أبحاثه بقواعد المملكة وأركان المُلك ، إدارة وجندا وتولية وعزلا ، وتصرفا في الأموال والأرواح والأبشار ، وبالسلوك الفردي للخليفة في مرافق الدولة السياسية والحربية والمالية ، وميادين اللهو والمتعة والراحة والترويح عن النفس . ولم يتورع كتاب هذا النمط عن حض الحاكم على ارتكاب كل محظور للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها ، والـجرأة على كل محرم يحقق له سبل المتعة والرفاه .                             

هذه الأنماط الأربعة هي كل ما تناوله فقه الأحكام السلطانية ، ولم يخرج مطلقا عن اعتبار الخليفة قطب الدولة ومحورها ، وحاكمها الفرد الذي يمسك بزمام الأمور كلها ، ما تعلق منها بدنيا الناس وآخرتهم ، وما تعلق بأرض الإسلام ترابا وثروة وسيادة .

 


[1]  - المسامرة على المسايرة للكمال بن أبي شريف ص 29

[2]  - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 20

[3]  - مقدمة ابن خلدون ص 194

[4]  - يقول ابن خلدون في مقدمته ص 160 : " كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم ، والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا وإما إذاعة السخرية منهم "

[5]  - فضائح الباطنية للغزالي ص    110

[6]  - الصفحة 55

[7]  - روضة الطالبين للنووي ج 10 ص 46

[8]  - نفس المصدر ص 48

[9]  - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب ج 2 ص 268

 

أقرأ أيضا:

 

الحلقات السابقة من: فقه الأحكام السلطانية

محاولة نقدية للتأصيل والتطوير

لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان

قال الله تعالى :

)إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا( سورة النساء 58

 

قال رسول الله r :

          )تكون  النبـوة فـيكم ما شـاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شـاء أن يرفعها؛ ثم تكون خـلافة على منهـاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون،  ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون ملكا عـاضا، فيكون ما شـاء أن يكو ن ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون مـلكـا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها؛ ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت(

مسند الإمام أحمد ـ 5 /3

الترمذي الحديث رقم : 2225

الأحاديث الصحيحة للأ لباني  1/5

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الإهداء

إلى أم البنين

زوجتي الصالحة ، الأستاذة خديجة بنت أبي  بكر مطيع ، إكراما لمعاناتها في تأسيس الجناح النسوي من الحركة  الإسلامية المغربية  وصمودها في مواجهة الظلم ، وبلائها وصبرها في هجرتها القاسية  ومنفاها الذي تجاوز ربع القرن . أجزل الله الثواب ورفع المنزلة .

 

 

تصدير

عندما نسلم الوجه للبارئ عز وجل ، والــفــؤاد لــفاطـر السماوات  والأرض  ،  وتنتـابنـا لحظات الإشراق  الرباني ، تتوج  الروح  بالنور ، وتغمر الوجدان بالشوق  ، وتشحن  الوعي  بالمدد ؛  حينئذ يَـهَبُ المرء كل شيء لخالق كل شيء ،  ويعبئ كل  الـطـاقة  لـطـاعة  ربّ الـطـاقة  ؛  في عبادة سرمدية  تسع  الكـون وما حـوى ،  إنسا وجنـا ومـلائكــــة  وخلـقا مـمـا  لا  يعلمون ،  في طمأنينة  سجــود أبـدي بــين يــدي نـــــــــــور  السمـاوات  والأرض   ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ( الرعد- 15      

فإلى الذين يسجدون لله طوعا ، علهم  بلقاء ربهـم  يفرحون  ؛  وإلى الذين يسجدون لله  كـرهـا ،  عـلـهم  بـالتوبة  الـنصوح   يفـوزون  ،  أقـدم  هذا  الـمصنف  المـتواضـع  ، محـاولـة جـريئـة  نحو بـديل بـنّاء،  يـتخذه  الـمحبون  نـقطة ارتكاز وتطوير ، وعقلاء الكارهين والمخالفين مجال حوار بنّاء وجدل رصين . أمـا غـيرهم  فـنـسأل  الله  لـهم رشـدا وصـلاح  بــال .  والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيـــــــل . 

             يوم الجمعة 21  ربيع الأول 1421 من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم  وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.

عبد الكريم محمد مطيع  الحمداوي

 

 

مقدمـة

 بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه ، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما . وبعد :

لعل مما يربك الصحوة الإسلامية ، في مواجهتها لنظم الحياة المعاصرة ، وحوارها مع المخالفين والمناصرين ، عدم وضوح نهج سياسي إسلامي رشيد في الفقهيات المعاصرة ، مما يفرض الاتجاه إلى هذا الصنف من الدراسة والبحث ، وإيلاءه ما يستحقه من عناية ، لاسيما وتحدي الديموقراطيات الغربية ذات الأصل اليوناني قائم ، ومدجج بمختلف علوم العصر وأسلحته الفكرية والمادية والاقتصادية  وأبناء المسلمين أقبلوا عليه يغرفون بانبهار وانهيار .

ولعل الجواب الذي تفرض صياغته علينا الظروف الحالية ، وتحدياتها السياسية المعاصرة ، لابد أن يكون عن سؤال قديم حديث هو :

ـ ماذا ينبغي أن نختار أولا ؟ حاكما أو نظام حكم ؟

            ـ خليفة أو نظام خلافة ؟ مدبرا لأمرنا أو نظام تدبير له ؟

            هذا التساؤل ، رافق الإنسان منذ هُدي إلى تجمعه الفطري على أساس الأسرة ، ثم القبيلة ، ثم الأمة .

ولئن عرفت الإنسانية طيلة عمرها الموغل في القدم ، حكاما ولم تعرف نظم حكم، فإن فطرتها كانت دائما تطمح إلى منهج يحقق لها الحرية والكرامة والعدل والمساواة . وكلما أُرْسلتْ إليها نبوة صادقة هادية ، تأخذ بيدها إلى صراط مستقيم  عتَّمت عليها الجاهلية ، وحرَّفَ تعاليمَها حكمُ الاستبداد ، بدءاً بالملك الإله ، والرئيس المتصل بالعقل الفعال ، والإمام المعصوم ، والسلطان الذي يقطع رقاب المخالفين والمحتجين .

ولئن حاول أرسطو أن يتمرد على الحكم الفردي المستبد ، والمدينة الفاضلة الأفلاطونية التي يرأسها نائب عن " واجب الوجود " ، وأن ينظّر لفكرة سيادة الدستور ، الذي يقوم مقام الحاكم ، ويسد مسده ،  مما تحاول أمم الغرب المعاصرة تطويره تحت مفاهيم الديموقراطية بمدارسها المختلفة ، برلمانية ورئاسية ومجلسية ، مباشرة وغير مباشرة ؛ فإن ذلك لم يخرج مطلقا عن مفهوم " الحاكم والمحكوم " ، وإن خَفَّف من غلوائه وتجبره وتسلطه .

ذلك أن المبادئ القويمة للعدالة والمساواة والكرامة ، تقتضي ألا يكون بين البشر حاكم ومحكوم . وإنما اشتراك في التدبير العام لأمرهم ، حسب مقاييس القدرة والخبرة والصلاحية والتوزيع العادل للمهمات ، والاستفادة المتوازنة من الخيرات .

وهذا ما قرره القرآن الكريم بقوله تعالى ) و وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى37، وأكدته النصوص قطعية الثبوت والدلالة في عدة أحكام يتعذر استقصاؤها وحصرها في هذه المقدمة .

هذا ما كان عليه أمر المسلمين زمن النبوة الخاتمة ، وفي عهد الخلافة الراشدة ، مما ينسف فكرة " الحاكم والمحكوم " من أساسها ؛ إذ الحكم لله ، والناس مسلطون على أمرهم الدنيوي ، في إطار العقيدة والتزاما بشريعتها .

ومع أن الرسول r  بَيَّن لنا أنْ ستكون " خلافة على منهاج النبوة " [1] فيـما

 

رواه صحيحاً ، أحمد والترمذي؛ ورسول هذا المنهاج r خاطبه ربه - عز وجل - بقوله:  

)   -  لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (  الغاشية 22 - .

-         ) وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ( - ق 45

 وقال هو عن نفسه : " لست بملك ولا جبار " .

ومع ما يضفيه التعبير النبوي " خلافة على منهاج النبوة  " ، من صفات بيّنة واضحة المعالم ، لنظام أمر المسلمين ؛ نهجا للتدبير العام ، تَسْتَخلِفُ فيه الأمة لخدمتها وتنفيذ أمرها من تشاء ، وتضع لذلك من النظم والأساليب ما يحقق مصلحتها ويحفظ شريعتها ؛ فإن النظام السياسي للمسلمين منذ وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة ، ارتكس في حمأة الاستبداد ، وحاكمية العباد للعباد ، وتسلط الأقلية على الأغلبية ، واحتكار الأقوياء للسلطة والخيرات ؛ سواء في مساره العملي لدى جميع الممالك والإمارات والمشيخات والجمهوريات ، أو في مساره التنظيري لدى فلاسفة المسلمين الذين تبنوا نظرية الحاكم المعصوم المتصل بالعقل الفعال ، أو الفقهاء الذين تبنوا نظرية خليفة الله في أرضه على عباده . فكانوا على مدار أربعة عشر قرنا ، تبعا لمن بيده الأمر، يبررون انحرافاته ، ويضفون على رعوناته وتصرفاته من القدسية ما تنكره القلوب الحية والعقول السوية ، وترفضه العقيدة تصورا وشريعة ومنهاج سلوك .

هذه نقطة ضعف مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة ؛ إذ تدعو إلى نظام تدبير سياسي غير واضح المعالم . مما يبرر لخصومها تساؤلهم عن طبيعة المشروع السياسي في الإسلام ، إن بقلب سليم أو بقصد خبيث ؛ لذلك فإن محاولة تطوير الفقه السياسي لدى المسلمين ، بما يعيد الأمة إلى نظام " الخلافة على نهج النبوة " ، ضرورة ملحة يفرضها واقع الظلم والعسف والاستبداد ؛ ويفرضها تقارب الزمان والمكان وفشو القلم والإعلام ، وحِدَّةُ تحدي الآخر ، مما جعل الكرة الأرضية قرية واحدة ، بل أسرة واحدة تأثيرا وتأثرا ؛ كما تفرضها القيم الحديثة السائدة ، قيم الحوار وحرية الفكر والمعتقد ، مما يفتح آفاقا شاسعة للإقناع بدعوة الحق ، عقيدة ومنهاج حياة ، سياسة وتدبيرا ، تصورا شاملا متكاملا لحياتي الدنيا والآخرة .

هذا ما نعالجه في هذه الدراسة المتواضعة ، بمحاولة دفع الفقه السياسي لدى المسلمين، خطوة إلى الأمام أو خطوتين . فإن لم نستطع ، فبالنقد وتبيان أوجه الخطإ والصواب ؛ وإلا فبإثارة اهتمام القادرين والمتخصصين ، وحَفْزِ هِمَم الصادقين المخلصين ، وذلك ـ لعمري ـ مكسب ليس بالهين .

 

وعلى الله قصد السبيـــل

 

عبـد الكريـم  محمد مطيـع  الحمـداوي

 

 

البـاب  الأول

الفكر السياسي

لدى الصحوة الإسلامية المعاصرة

الفصل الأول

الصحوة الإسلامية وتحديات العصر

 

لا ريب في أن مشاعر التصاغر ومركبات النقص ، تهيمن على شعوب المسلمين حكاما ومحكومين ، مثقفين  ومفكرين ، متدينين ولائكيين . وأن الثقافة الغربية هي المتحكمة فيهم بقوة السلاح والاقتصاد والتقدم العلمي.

هذه الحالة المَرَضِية أنتجت فكرا سياسيا عليلا ، لدى كثير من قادة الفكر والسياسة ، ومختلف الشرائح الحزبية والمنظمات الدينية ، سواء منهم من نشأ على الثقافة الغربية ، أومن تشرَّبها عن طريق مركب التقازم أمام الوافد الأجنبي ، ولو كان أصيل الثقافة إسلاميها.

هذه الحالة أنبتت أيضا على أرض المسلمين ، أنظمة للحكم خاضعة لكثير من الإكراهات ، منها:

ـ إكراه الخوف من الصحوة الإسلامية ، و الرعب من عودة الأمة إلى دينها ، تلتمس منه سبل الرشاد ، وتبحث فيه عن طوق النجاة.  واسْتُجيب لهذا الإكراه برفع شعارات فقهية جوفاء ، تتعايش بها المراقص والمسافح مع المساجد والمعابد ، ويباح بها بيع الأعراض والبلاد والعباد ، ويتمتع بها المسخ والفساد بحرية تخريب النفوس والقيم.

ـ إكراه التعلق بالسلطة والتمسك بها، اسْتُجيب له بتقوية أجهزة القمع ، بتجنيد سفهاء الأمة ومغامريـها ومجرميها ، وتحويل البلاد معتقلا يكمم الأفواه ، ويذل الرقاب ، ويبلد الحس ، ويصادر كل معالم الإنسانية والإنسان .

ـ إكراه الأجنبي المتغلب ، اسْتُجيب له بالخضوع المطلق  وتلبية كل مطالبه ؛ فأدى ذلك إلى تجريد المجتمعات الإسلامية - تحت شعار الحرية - من كل خلق ودين وكرامة، وإلى إقامة ديمقراطيات شكلية ، برلماناتها من الأذناب والمتملقين  ورجال الأمن ، تغطي نظما استبدادية ، المستشارون فيها طفيليات تمتص دماء الأمة  وتحتكر ثرواتها ، وتعبث بأعراضها، مهما تعدد ما أضفي عليها من صفات العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية والشوروية . إذ الذئب فيها لا يستشير إلا مع ذنبه ، والحرية فيها أضغاث أحلام ، وسراب وأوهام.

ـ وإكراه الجهل بالنظام السياسي الإسلامي الحق ، عُمِلَ على تكريسه بنشر تصورات منحرفة ، تبشر بالاستبداد وترسخه وتمد له ، فران على مجتمع المسلمين ركام تراث مضطرب ،  ومتاهات اجتهادات متناقضة ، من أقصى دعوات الحكم الفردي المطلق إلى أشد دعوات التحلل الديمقراطي والانسلاخ اللبرالي من كل القيم.           

وتبقى النخبة الإسلامية المتحررة من هذه الإكراهات وحدها في مأدبة اللئام ، تناضل  تخلف الحاضر ، ومكر المتآمر ، وركام الماضي ، وغبش المستقبل ، واستضعاف المأوى وقلة الناصر، وتعاني  ضرورات الترشيد والتوعية ، والتخلية والتحلية والتزكية  وأولويات التربية وإعادة التربية . مستعلية بإيمانها ، واثقة بربها ، لا يضرها من خالفها؛ لأن لها من ربها أوامر ملزمة ، تعقبها نتائج يقينية ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ـ آل عمران 139 ـ .

 ولئن كانت هذه الفئة المؤمنة لم تول الفقه السياسي ما يستحقه من اهتمام ودراسة ، فقد شغلها عن ذلك تثبيت الجذور ، وتقويم الجذوع ، وعرقل مسيرتها البطش المدجج بأحدث ما تفتقت عنه عبقرية الحضارة الغربية في ميدان القمع والإرهاب والتجسس .

إن ثبات هذه الفئة على الحق ، وإصرارها على السعي لإقامة أمر الإسلام ، وصمودها في وجه عتاة الأجنبي وأوليائه المحليين ، وصدق إيمانها بقضيتها ، مما جعلها تقدم من التضحيات المادية والمعنوية في المال والنفس والأهل والولد ، ما تنوء بحمله الجبال .

إن رجال هذه الفئة المؤمنة ـ على رغم اختلاف آرائهم وتباعد مواقعهم ـ يرفضون جملة وتفصيلا نظم الحكم القائمة . فهي في نظرهم شوهاء ، ليست ديموقراطية بمقاييس الغرب ، وليست إسلامية بمقاييس الإسلام . إلا أن نقطة الضعف في موقفهم هذا هي اختلافهم في تحديد طبيعة البديل الإسلامي السياسي ، شكلا ومضمونا ، مظهرا ومخبرا وجوهرا . لكن هذا الاختلاف ليس ظاهرة مَرَضية  بقدر ما هو محاولة جادة وجريئة للرشد ، وسعي حثيث للتوبة بالفكر السياسي إلى أصوله الإسلامية . ولئن جانب الصّوابُ بعض هذه الاجتهادات ، فليس ذلك للأخطاء الذاتية فحسب ، وإنما بسبب الهجوم الشرس على الصحوة المعاصرة أيضا، ولما يعانيه مجتمع المسلمين من تطاحن مذهبي ، وتآكل طائفي ، تمتد جذورهما عبر التراث الموغل في القدم . 

إن رجال هذه الفئة يجمعون على شيء واحد ، هو ضرورة العودة بالنظام السياسي إلى الإسلام كتابا وسنة . ولكنهم يختلفون  كلما حاولوا وضع تصور عملي لهذا النظام ، حيث تطوح بكثير من اجتهاداتهم الأهواء والأغراض  ومؤثرات الداخل والخارج.

فما الحل ؟ ، وما هو التصور الرشيد لنظام الحكم في الإسلام ؟

ـ هل هو الخلافة الرشيدة في إطارها الأول شكلا ومضمونا ؟

ـ هل هو الملكية الوراثية أموية وعباسية وفاطمية ؟

ـ هل هو النظام الديمقراطي الجمهوري برلمانيا أو رئاسيا ، إذا ما طبق الشريعة الإسلامية في الميدان الجنائي ؟

ـ هل هو المزاوجة بين النظم الديمقراطية وبين الاستبداد الفردي ملكيا أو عسكريا أو حكم أجهزة ؟

ـ  هل هو نظام ولاية الفقيه مزاوجا بالديمقراطية أو غير مزاوج بها ؟

ـ هل هو نظام غير هذه الأنظمة كلها . لم يتبلور بعد في أذهاننا وله أسس في الكتاب  والسنة صريحة ، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما ؟

إن تصور الصحوة الإسلامية لطبيعة النظام السياسي غائم ومضطرب . وإن كان الإجماع يكاد يطلق عليه مصطلح "إمامة " أو " خلافة " أو" إمارة المؤمنين " ، فإن مضمون هذا النظام وشكل قيامه ، وطرق تدبيره لأمر المسلمين ، مما لم يتضح بعد في كتابات القوم .

هذا الغبش في تصور القضية ثغرة ينفذ منها الأعداء للتشكيك في كفاية الدعاة وفهمهم ، ولإحراجهم بأسئلة خبيثة عن طبيعة ما سموه "المشروع السياسي الإسلامي" وكأنما الإسلام بنظمه ومناهجه للحياة مشروع أجنبي ، يراد استيراده وإقحامه في مجتمع المسلمين.

إن هذا الغبش الذي واكب الصحوة منذ فجر ميلادها ، وتلك الأسئلة المتعلقة بها  مما أحاول معالجته في هذه الدراسة . ولئن تعارض السعي في هذا الاتجاه مع ما دعي بالموضوعية العلمية ، فإن من الموضوعية أيضا أن نقر بأن المرء لا يستطيع أن ينسلخ من جلده ، أو أن يجتث قلبه بدعوى الموضوعية ؛ كما أنه لا أحد ممن سبق للبحث في هذا الميدان استطاع أن يلتزم بهذه الموضوعية التي أصبحت لدينا وثنا ، وأصبحت لدى غيرنا أداة طيعة لتحقيق أهدافهم . وحيادية المرء في قضية تتعلق بحاضره  ومستقبله حكم بالإعدام يصدره في حق نفسه ، وخطوة متقدمة نحو إلغاء ذاته وهويته وأمته             

لكن هذا الموقف غير الحيادي في معالجة القضية ، لا يبرر غض الطرف عن السلبيات بدعوى الإخلاص والانتماء ؛ لأن من صميم الصدق والإخلاص للانتماء العمل على الترشيد بالنقد البناء ، والنصح الأمين ، وكشف مواطن الخلل . ولقد مرّ على الصحوة المعاصرة ما يربو على قرنين ، كان منتظرا خلالهما أن تبلغ منتهى الكمال ووضوح الرؤية ؛ غير أن هذا الأمل ظل يراوح مكانه ويراود الخيال .

إلا أن هذا النقد ينبغي أن  لا يتناول اجتهادات المفكرين الإسلاميين في غير ما يتعلق بالكتاب والسنة ؛ لأنها خاصة بظروف المكان والزمان والبيئة الثقافية ، ومستوى التطور الفكري والسياسي للأمة ؛ مما يجعل نقدهم فيها محاكمة لهم إلى مقاييس غير عصرهم ، وإسقاطا لقيم الحاضر على قيم الماضي ، وفي هذا من الحيف ما لا يجوز .

أما قياس اجتهاداتهم بمدى قربها من المبادئ الإسلامية ، فهذا مما لا ينبغي إهماله؛ لأنه من صميم واجب التناصح ، ولأن ضرورة تطوير الفكر السياسي المعاصر والارتقاء به إلى مصاف التشريع الإسلامي الحق من أولى الأولويات التي تتعلق بها نهضة الأمة وعزتها .

 

الفصل الثاني

البدائل السياسية لدى مفكري الصحوة المعاصرة

    

في مستهل الصحوة المعاصرة ،كان نظام الحكم الإسلامي في تصور رفاعة الطهطاوي ( 1216  - 1290 هـ / 1801 -1873 م ) فرديا استبداديا ، يحمل ملامح من فقه الماوردي . وكان العمران البشري في رأيه محتاجا إلى قوة حاكمة هي الملك، وقوة محكومة هي الشعب [2]. والمُلك في نظره وظيفة حضارية وتشريعية وتنفيذية لا تستغني عنها الأمة في تدبير مصالحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي إجراء القوانين والأحكام وحفظ الشريعة . وشخص المَلِك مجعول على الأمة من الله . وظيفته النظر في الكليات السلطوية ، التي تنتظم اختيار الوزراء والمسؤولين، الذين هم الوسطاء بين المَلك " الطبيب " ، وبين الرعية " المرضى " . إلا أن دور هؤلاء الوسطاء استشاري فقط ؛ لأن القرار بيد المَلك الذي لا يجوز أن يُسأل ، وضميره فقط هو الذي يراقبه ويحاسبه [3]. وأهلية المُلك ليست لكل أحد ؛ لأنها في طبقة مخصوصة كما في الفلسفة اليونانية . والوزارة لا تصلح إلا لأهلها الذين خُلقوا لها . والنظام الملكي وراثي ، فإن لم يوص السابق للاحق اختار أهل الحل والعقد من يحكم البلاد طبقا لنظرية الماوردي . والخروج على الحاكم  تظلما أو تمردا لا يجوز ، ولو كان فاسقا أو جاهلا أو معتديا ، وهو ما ذهب إليه أغلب الفقهاء .

أما جمال الدين الأفغاني ( 1254 - 1314 هـ / 1838 - 1897 م ) ، فيرى أن الحكم الفردي المطلق رديف الجهل والتخلف . والنظام الشوروي أصلح للأمة . إلا أن الشورى لديه هي الديموقراطية الدستورية [4]، وعلى المسلمين في نظره أن يقلدوا الغرب في هذا المضمار جملة وتفصيلا ؛ لأن هذا سبيل الرشاد .

كذلك محمد عبده ( 1266 - 1323 هـ / 1849 - 1905 م ) ، يرى نقل التجربة الديموقراطية الغربية حرفيا ، أو اختيار أي منهج يؤدي إلى ما يؤدي إليه نظام الحكم في الغرب . محاولا المزاوجة بين نظرية الماوردي وبين النظام البرلماني الحديث [5]، بأن تختار الأمة طائفتين ، إحداهما على علم بحدود الشرع ، هي " أهل الرأي " أو " أهل الحل والعقد " لمساعدة الحاكم ملكا كان أو رئيس جمهورية ، بالنصيحة والنصرة والشورى، والثانية من نواب يمثلون الشعب إقليميا ومهنيا لوضع مختلف التشريعات والقوانين .

أما عبد الرحمن الكواكبي ( 1271 - 1320 هـ / 1855 - 1902 م) ، فقد شنّ هجوما شرسا وموفقا على الاستبداد [6] ، وتتبع بالدراسة جذوره في النفس والمجتمع والدولة ، وكشف نتائجه المهلكة للحرث والنسل . إلا أن البديل السياسي لديه بقي في إطار النظام الملكي المطلق [7] ، الذي تُخَفَّف وطأة استبداده بتعيين فئة من الحكماء هم " أهل الحل والعقد " ، بدونهم لا تنعقد الإمامة في نظره . ولهم حق مراقبة الحاكم ومحاسبته ، وهم بمثابة مجالس للنواب ، أو للأسرة الحاكمة ، أو للأعيان ، أو شيوخ القبائل ، على غرار ما كان من أمر " مجالس الحكماء " لدى البيتين الأموي والعباسي مما ساعد على استقرارهما واستتباب أمنهما .

ويرى الشيخ محمد رشيد رضا ( 1282 - 1354 هـ / 1865 - 1935 م ) أن الحكم في الإسلام للأمة ، وشكله ديموقراطي ، ورئيسه الإمام أو الخليفة  [8] . وعليه أن يتقيد بالشريعة والدستور والقوانين التي يضعها مجلس للنواب مؤلف من مسلمين وغير مسلمين ، لأن مشاركة غير المسلمين في الشورى واستنباط الأحكام والقوانين، من مصالح المسلمين . والمصلحة هي الأصل في الأحكام الدنيوية ، وهي مُقدَّمة على النص عند بعض الفقهاء . ولا يُشترط الاجتهاد في هؤلاء النواب على رغم أنهم في نظره ينصبون الأئمة ، ويعزلونهم إذا اقتضى الأمر ذلك . ولعل آراء الشيخ رشيد رضا هذه متأثرة بواقع مجتمعه الذي تمثل فيه المسيحية  نسبة عددية كبيرة لا بأس بها .

أما الشيخ علي حسن عبد الرزاق ( 1305 - 1386 هـ / 1888 - 1966 م ) فقد ذهب في كتابه " الإسلام وأصول الحكم " إلى إنكار دور الإسلام في تنظيم شؤون الحكم ، وادعى أن الشريعة الإسلامية مجرد عبادات روحية لا علاقة لها بشؤون الدولة والدنيا . وأن نظام الحكم في عهد النبي r  كان غامضا مبهما، وأنكر أن تكون حكومة الراشدين حكومة دينية ، وكان هذا منه خدمة لأهداف السياسة الاستعمارية الإنجليزية والعالمية في المنطقة ، وعملها على الحيلولة دون عودة الأمة إلى وحدتها بعد إلغاء الخلافة العثمانية . وصادف ذلك أن مَلك مصر كان يطمح بدوره إلى منصب الخليفة ، فغضب على الشيخ علي عبد الرزاق وسحب منه شهادة الأزهر . ثم إن هيئة كبار العلماء عقدت له مجلسا تأديبيا برئاسة شيخ الأزهر؛ فثبت لديهم انحرافه الفقهي وعلاقته بأعداء الأمة ، وصدر الحكم بناء على ذلك بمحو اسمه من سجلات الأزهر والمعاهد الأخرى ، وطرده من وظيفته ، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة دينية أو غير دينية .  

ثم بعده ظهر الدكتور عبد الرزاق السنهوري كبير خبراء القانون المدني في عصره ( 1312 - 1391 هـ / 1895 - 1971 م ) ، فبدا أثر الثقافة الفرنسية والاستشراق اللذين تشربهما أثناء دراسته بفرنسا واضحا في تصوره لنظام الحكم في الإسلام ، لاسيما في كتابه " فقه الخلافة وتطورها " ؛إذ صنّف النظام السياسي الإسلامي صنفين [9] :خلافة صحيحة هي حكومة الراشدين ، وخلافة ناقصة هي خلافة بني أمية وبني العباس ؛ على غرار تصنيف بعض الفقهاء قبله ، مما له أصل في تصنيف أفلاطون للأنظمة السياسية ثلاثة أصناف : حكومة مثالية السيادة فيها للعقل ، والمَلك يختص فيها بالمعرفة التامة دون شعبه ، وحكومة ناقصة لها من القوانين ما يضبطها ، وحكومة جاهلة لا مَلك لها ولا قانون . كما ذهب إلى أن الشريعة لا تفرض اطلاقا شكلا معينا لنظام الحكم [10] وهو ما يكاد يقترب فيه من الشيخ علي حسن عبد الرزاق

أما منهج التدبير في الخلافتين الصحيحة والناقصة عند السنهوري ، فلم يخرج فيه عما ذهب إليه الماوردي في أحكامه السلطانية ومن سار على نهجه من الفقهاء ، لاسيما فيما يتعلق باختيار الإمام واستدامته أو عزله ، ومحدودية مجالس الشورى وعدم إلزامية آرائها ، وعضويتها المنحصرة في أعيان الأسرة الحاكمة وشيوخ القبائل وكبار الأغنياء والموالين من الفقهاء .

كما تجلى تأثره بالثقافة الغربية العلمانية عندما رأى تعذر إقامة حكم إسلامي في العصر الحديث يجمع للمسلمين أمري دينهم ودنياهم . واقترح بديلا لذلك إنشاء منظمتين دوليتين ، إحداهما للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي بين الدول الإسلامية يُطلق عليها " عصبة الأمم الإسلامية " على غرار " عصبة الأمم " لدى الدول الأوربية [11].

والمنظمة الثانية دينية لتنسيق النهوض بالشريعة الإسلامية وتشجيعه . وبهذا الاقتراح ساهم في إبعاد المسلمين عن المطالبة بوحدتهم السياسية والدينية في إطار دولة الخلافة ، وعمل على تكريس الاتجاه العلماني الخاص بفصل الدين عن الدولة وهو ما كان يسعى إليه الاستعمار الغربي حينئذ .

ومن الغريب أن بريطانيا كانت أول المستجيبين لرأي السنهوري ، المسترشدين بنصحه ؛ فأنشأت أول منظمة إقليمية سنة 1945 هي " الجامعة العربية ". ثم في سنة 1969م دعت هذه الجامعة العربية إلى إنشاء منظمة أوسع ، تضم المسلمين عربا وغير عرب ، فتكونت منظمة " المؤتمر الإسلامي " ؛ كما عملت المملكة العربية السعودية على تأسيس " رابطة العالم الإسلامي ".

وفي ظل منظمتي " الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي " نسي المسلمون أمر الوحدة الإسلامية سواء في ظل الخلافة الصحيحة أو الخلافة الناقصة ، وعرفوا على يد الغرب والصهيونية العالمية كل ضروب الذل والهوان والهزيمة والخضوع الإرادي الرسمي للأجنبي .

أما الشيخ أبو الأعلى المودودي ( 1321 - 1399 هـ / 1903 - 1979 م ) ، فيرى أن النظام السياسي الإسلامي يسبقه حتما قيام مجتمع إسلامي حق ، تنبثق منه تلقائيا الخلافة الراشدة التي يدبرها إمام يختاره المسلمون ويطيعونه ، ويقيم فيهم أمر الإسلام وينشر بينهم العدل . لأن الدولة الإسلامية ـ كما يقول في " منهاج الانقلاب الإسلامي " ـ بمثابة الثمرة من الشجرة ، فإن طابت الشجرة طابت الثمرة . ولذلك لم يرحب بانفصال باكستان عن الهند ؛ لأن ذلك في نظره ليس الطريق الطبيعي لقيام نظام الإسلام السياسي .

وهذا التبسيط للقضية برغم فضل صاحبه وصدقه وجهاديته ، لا يعدو أن يكون خيالا بعيد المنال ، وإلغاء لقضايا واقعية تتعلق بمعضلات الإعداد والتأسيس والتنظيم والتخطيط والبناء والحماية ، لكل مراحل العمل من أجل إقامة دولة الإسلام . كما أنه في نهاية المطاف لا يتجاوز محاولة تأسيس نظام حكم فردي ، ضمانات العدالة فيه مجرد ورع الخليفة وزهده ، وتقوى الرعية وانضباطها وسلوكها القويم . مما لا يغني مطلقا عن ضرورة توضيح طبيعة النظام ومناهج إقامة مؤسساته وضمانات استمرار سيره سويا رشيدا .

نفس التوجه تقريبا ، نجده لدى سيد قطب ( 1324 - 1387 هـ / 1906 - 1966 م )، في كتابه  " معالم في الطريق " إذ يرى ضرورة استنبات المجتمع الإسلامي الحق أولا ، بدءاً بالخلية التأسيسية التي تقيم أمر الإسلام في النفس والأسرة والمعاملة اليومية ، تماسكا مع الصادقين ، ومفاصلة شعورية للجاهلية ، إلى أن يتحول كل فرد فيها قرآنا يمشي على رجلين . فإن قام المجتمع الإسلامي أثمر الحكومة الإسلامية خلافة على نهج النبوة . ولكنه لم يبين طبيعة هذه الحكومة شكلا ومضمونا ، تنظيما وتدبيرا ، على نهجه في التحليل والجدل ، ورأيه في أن الإسلام لا يُسأل عن واقع ليس من صنعه ، ولا تُرقع به أنظمة ليست على نهجه ، إلا أن تُقام ركائز العقيدة بأرض الواقع متكاملة ، على قاعدتي : " طبقوا الإسلام أولا ثم اسألوه عن الواقع الذي أنشأه " ، و " خذوا الإسلام جملة أو دعوه " .

أما الدكتور حسن الترابي ، فهو يدعو في كتابه " نظرات في الفقه السياسي " إلى تجاوز المشاحة في المصطلحات الوافدة على المسلمين من الغرب ، واستعمالات الألفاظ ذات الأصول غير العربية وغير الإسلامية . إذ لا حرج في نظره على المرء وهو يتكلم [12] ( من موقع عزة ثقافية ، وفي سياق يُحترز به من الخلط أن يستعمل كلمة " GOD " مُعَرَّفَةً بالحرف الكبير ، إشارة إلى الله ) ؛ كما يُعرِّض بالمسلمين الذين يرفضون ذلك بكون [13] ( كثير من المسلمين الأوربيين الجدد إذا قاموا في بيئة اشتراكية أو تثليثية  يحترزون من استعمال " GOD " ؛ لأنها تنصرف عند السامعين إلى فكرة التثليث ، فتوحي بإله يجوز في حقه ذلك كله ، مما يستحيل في حق الله ).    والدكتور الترابي فيما ذهب إليه ، يغفل عن حقيقة من حقائق الإيمان ، هي الركن الثالث من أركان التوحيد ، بعد ركني توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، هي توحيد الصفات . أي أن الله تعالى ، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه r ، ) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ( -الأعراف 180 - . ولم يرِدْ قطعا وصف الله عز وجل بلفظ " GOD " . كما أن قابلية هذا اللفظ لصيغ الجمع والتأنيث والتذكير راجعة إلى طبيعة الدين لدى الغرب. وهو كما نعلم مؤسس على أصول وثنية يونانية ، لديها آلهة ذكور مثل "جوبيتر " ، وآلهة إناث مثل " أفروديت " ، وتعتقد أن في السماء آلهة متعددين يسيرون الكون ، كما أن المسيحيين يؤمنون بتعدد الآلهة ( الأب والابن والروح القدس ) ، ويعدّون مريم البتول عليها السلام إلهة . فتأنيث الألوهية وتذكيرها وجمعها من صميم ديانتهم .

إن الترابي يصل بهذا الجنوح في التفكير إلى هدف رسمه لنفسه ، هو محاولة الإقناع بقبول لفظ " ديموقراطية " مصطلحا إسلاميا لنظام الحكم ، وتبني المناهج السياسية الغربية شكلا ومضمونا ، و ( مصادرتها لصالح الإسلام ) ، و ( غلبة أهلها عليها ) .  [14](فالإسلام الناهض المشع اليوم يستصحب فتحا متمددا لغويا . إذ تحيى وتعمر المعاني في الكلمات التقليدية للإسلام ، ويتسنى له أن يستوعب الكلمات الأجنبية ، ويغلب عليها أهلها ، ويضفي عليها الظلال الإسلامية ، ويسخرها لعبادة الله سبحانه وتعالى ومن هنا يتمكن المسلمون مثلا إن قاموا بقوة وثقة وتوكل ، أن يصادروا كلمة " ثورة" وكلمة " ديموقراطية " وكلمة " اشتراكية " لصالح الإسلام ، أما وقد تجاوزنا غربة الإسلام ، وغلبة المفاهيم الغربية بكل مضامينها وظلالها ، فلا بأس من الاستعانة بكل كلمة رائجة تعبر عن معنى ، وإدراجها في سياق الدعوة للإسلام ، ولفِّها بأُطر التصورات الإسلامية حتى تُسلم لله ) .

كما أن الشورى عند الترابي من أصل الدين [15] ، أي من صميم العقيدة وليست من الفروع ؛ وما دامت  الشورى في نظره هي الديموقراطية ، فالديموقراطية ـ إذن ـ من أصل الدين وعقيدته .

وغني عن البيان تهافت هذه الآراء وخروجها عن النهج الرشيد السوي في التفكير. فالمصطلحات الإسلامية ليست مجرد كلمات تقليدية كما وصفها الترابي ، بل هي ألفاظ دينية نقلها القرآن الكريم والسنة النبوية من معناها اللغوي إلى مفهومها العقدي والتشريعي ، فاكتسبت بذلك سمتا وحرمة خاصين . كما أن الإسلام متكامل المصطلحات الدينية ، ولا تعاني مفرداته من خواء أو موات تحتاج معهما إلى أن تعْمُرَ وتحيى باستيراد " قطع غيار " أجنبية . وليس في عملية استيراد المصطلحات الغربية أي غلبة لأهلها عليها أو مصادرة لها ، لأن أهلها أنفسهم يرغبون في ذلك ، ويشجعون عليه ويعدونه خدمة جليلة لأهدافهم في الهيمنة والاستعمار والتنصير .

إن الدكتور الترابي مهما حاول تغليف هذا الاقتراح ، ولفّ هذه المصطلحات الغربية بصباغ الإسلام ، وحشرها بأسلوبيته الإنشائية الرشيقة في السياق الإسلامي، فلن يؤدي هذا المنهج في التفكير لديه ، إلا إلى تغريب مفاهيمنا ومصطلحاتنا الدينية، ومصادرة الغرب لأمتنا وبلادنا ومقدساتنا . بل قد يُستدرج بعضنا ـ والعياذ بالله ـ إلى المطالبة بأن نغلب الغرب على دينه فنعتنقه ، وعلى لغته فنتخلى عن لغتنا . وكأننا لم نغلبهم بعد على ما لديهم من فساد وميوعة وتحلل ، ولم نصادر ما عندهم من انحراف وشذوذ ودعارة .

ولعل الدكتور عدنان النحوي أول من خصص للشورى مصنفا تجاوز عدد صفحاته سبعين وستمائة ، عنوانه " الشورى وممارستها الإيمانية " . وهي منه خطوة رشيدة تحتاج إلى مناصحة ومتابعة وتطوير . وقد شرح في كتابه الصفة الإيمانية للشورى ، وبيّن أنها عصمة من الاستبداد ، وأن غياب العقيدة وانفصالها عن الشورى يؤدي إلى تحكم الهوى والتيه والضياع ، وظلام الفتنة وهدير الشيطان ، والممارسات الشوروية الزائفة ، المبنية على الأصابع المرفوعة والأيدي الممدودة . وأن القيادة الإسلامية الرشيدة تحمل خصائصها أولا ثم يُبحث لها عن تسمية ثانية . وما دامت البيعة على قواعد الإسلام وأسسه ، فالسمع والطاعة في المعروف واجبان، سواء لأمير أو خليفة أو رئيس . 

و " أهل الرأي " ، أو " أهل الشورى " أو " أولو الأمر " ، في رأيه هم العلماء، ويجب أن تتوفر فيهم شروط الإيمان والتقوى والعلم والموهبة والوسع والحلم والأناة والروية والتدبر والقدرة وبسطة الجسم وحسن السلوك والعدالة [16].

كما استقصى في كتابه أكثر النصوص المتعلقة بالشورى في الكتاب والسنة والآثار. إلا أنه في جميع ما أورد من نصوص واجتهادات ، لم يخرج عن دائرة من سبقه من الفقهاء الذين يرون الشورى حكرا على نخبة خاصة ، اعتمادا منه على حديث رُوي عن النبي r أخرجه الدارمي [17] ، قال : " أخبرنا محمد بن المبارك ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدثني أبو سلمة ، أن الرسول r سُئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة ، فقال : ( ينظر فيه العابدون من المسلمين ) " . وهذا الحديث مرسل ومتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية العملية الصحيحة ؛ إذ أشرك الرسول r المنافقين في الشورى أثناء الاستعداد لملاقاة المشركين في أحد . وقد رُوي الحديث بمعناه في " مجمع الزوائد " للهيثمي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : " قلت يا رسول الله ، أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك ؟ " قال : " تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين و لا تقضونه برأي خاصة " . وقد أخرجه الطبراني في الكبير ، إلا أن فيه عبد الله بن كيسان ، قال فيه البخاري : " منكر الحديث "  .

كما أن الدكتور عدنان النحوي لم يخرج أيضا عن دائرة الحكم الفردي الذي ليس له من ضمانات الاستمرار إلا ورع الراعي والرعية [18] . فإن ضعُف أو انعدم عمَّ التظالم والفوضى ، وصار  الاستبداد سيد الموقف . ونحن نلتمس نظاما شورويا له من المؤسسات والنظم والضوابط ما يضمن استمراره وفعاليته وجدواه ، ويؤمِّن سلامة الأمة وحقوق أفرادها في الحرية والكرامة وتدبير أمرهم ، قرارا وتنفيذا ومحاسبة ، غُرما وغُنما جهدا ومنفعة .

وفي الفكر السياسي الشيعي المعاصر ، نلاحظ ظاهرة إيجابية حديثة ، هي تحرره من قيدين ، أحدهما من التراث الإمامي الخاص ، هو عقيدة الانتظار التي كبّلته قرونا ومنعته من التطور . وثانيهما من تراث أهل السنة ، هو قيد " خوف الفتنة "، الذي برروا به حكم الاستبداد ، وأصلوا به تشريع الرضى بالفساد وعدم جواز الخروج على الظلم .

إلا أن البديل السياسي الذي صاغه الفقه الشيعي المعاصر في نظرية " ولاية الفقيه"، لم يتجاوز نطاق الحكم الفردي المطلق الذي ينوب فيه الفقيه عن الإمام المنتظر، والراد عليه كالراد على الله سبحانه وتعالى . وهو العنوان القيادي الحركي الذي يتولى إدارة المفردات وتدبير القضايا التشريعية والتقنينية للدنيا والآخرة .

ولئن حاول بعض فقهاء هذا الاتجاه ، أن يثبتوا أن دور الولي الفقيه في القيادة الفردية لا يلغي دور الأمة ، التي تُرك لها مجال المشاركة بإبداء الرأي والنصيحة أو بالانتخاب والاستفتاء ، فإن صميم العلاقة بين الأمة والولي لم تخرج مطلقا عن دائرة الحاكم والمحكوم ، وهو ما لدى فقهاء السنة أيضا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم .

     وللإنصاف ، فإن الفكر الشيعي هو الوحيد الذي حاول في هذا العصر أن يؤسس نموذجا للحكم إسلاميا ، وينهض بمسؤولية ذلك نهوضا جادا ، إلا أنه في واقع التطبيق لنظرية " ولاية الفقيه " ، لم يتجاوز منهجا سياسيا زاوج فيه بين نظرية الإمامة عند أهل السنة ، وبين النظام الجمهوري الديموقراطي الليبرالي ، مع مراعاة المشاعر القومية الفارسية والجذور العقدية المذهبية .

ذلك أن " الولي الفقيه " لديهم يختاره مجلس علماء منتخب ، وهو ما لدى علماء السنة ، الذين يرون أن العلماء هم " أولو الأمر " الذين لهم حق تنصيب الإمام . كما أن النظام البرلماني وطريقة صياغة الدستور ، وأسلوب تعيين رئيس الجمهورية والوزراء، ليس له من مرجعية إلا الفكر الديموقراطي الغربي . أما اشتراط التشيع والفارسية الأصلية لا المكتسبة  في رئيس الجمهورية ؛ فمن صميم الفكر القومي والمذهبي .

أما الاتجاه السلفي المعاصر فيتجاذبه سياسيا تياران :

ـ تيار السلفية الموالية للأنظمة القائمة ، ويرى في كل متغلب إماما شرعيا لا يجوز الخروج عليه ، ولو كان جاهلا أو فاسق المعتقد والسلوك أو غير قرشي . واستعان رواد هذا التيار في تبرير ما ذهبوا إليه ، بتأويلات انتقائية ومغالية لبعض نصوص الكتاب والسنة ، احتطبوها من آراء الرجال ؛ مثل ما ذهب إليه أبو يعلى الحنبلي في "الأحكام السلطانية " ، مما نسبه إلى عبد الله بن عمر من قول " الجمعة مع من غلب " و " نحن مع من غلب " ، أو إلى الإمام أحمد بن حنبل حول شرعية إمامة المعتصم العباسي ، وهو أمّي وسكير وفاسق العقيدة يقول بخلق القرآن .

بهذه المرجعية استنبتت السلفية الموالية المعاصرة فتاوى اتخذت متاريس لحماية الاستبداد والظلم والفساد ، وقمع انتفاضات المطالبة بالحرية والعدل والكرامة .

ـ أما التيار الثاني فهو السلفية الخارجة ، أو الثائرة . وتمثلها حركة جهيمان العتيـبي  ومحمد بن عبد الله القحطاني في نهاية القرن الرابع عشر الهجري بمكة المكرمـة ، والجماعات الإسلامية المقاتلة في أفغانستان ومصر والجزائر .

ولئن كان هذا التيار قد تمرد على نظرية " خوف الفتنة " لدى الفقه السني وخرج عليها ، فإنه لم يستطع في نظرته السياسية أن يغادر إطار  حكم "الفرد " الذي له من ورعه وتقواه وصدقه وإخلاصه ما يملأ به الأرض عدلا كما مُلئت جورا وظلما . وهو ما يُعرف بنظرية " العادل المستبد " ، الذي تنصبه جماعة من "أهل الرأي " ، أو " أهل الحل والعقد " ، قد يتقلص عددها إلى ثلاثة أفراد ، أو فردين أو فرد واحد ولو سرا ، طبقا لاختلاف الفقهاء والمتكلمين في الأمر .

وكان مآل هذا التيار أن استطاع هدم ما هو قائم ، أو خلخلة أركانه ؛ ولكنه لم يقدر على بناء البديل الإسلامي الحق ، تصورا ونظاما ، ونموذجا حضاريا عمليا للحياة .

وطيلة العقود الثلاثة الماضية برزت في مجال أبحاث الفقه السياسي الإسلامي ظاهرتان :

أولاهما: ظاهرة المؤتمرات والندوات الفكرية التي تنظمها الدول الإسلامية ، عربية وغير عربية، وتحدد لها محاور سياسية واقتصادية واجتماعية وفقهية ، هدفا معلنا من أجل استصدار توصيات وتزكيات ومواقف لصالح هذه الدولة أو تلك . وأفرزت هذه الظاهرة طائفة من علماء التبرير الجوالين ، صدرت عنهم فتاوى 0متناقضة مضطربة ، زكّت جميع أنظمة الحكم القائمة حاليا في بلاد المسلمين بدون استثناء . كما أن هذا اللون من النشاط السياسي لم يستطع أن يمهد ولو لصيغ فكرية تحقق نوعا من التوافق والتلازم بين السلطة والشريعة ، ولم يخرج تبعا لذلك عن المفاهيم الفقهية والاجتهادات الكلامية الخاصة بالفقه التراثي التقليدي ، برغم استخدامه أساليب ومصطلحات تضاهي" إنشائيات " الحداثيين واليساريين ورطانتهم .

أما الظاهرة الثانية: فتتعلق بالنشاط الإعلامي المسموع والمرئي والمكتوب ، الخاص بالفقه السياسي لدى الأمة . وقد ازدهر بشكل كبير بعد ظهور القنوات الفضائية ، وشمل ضروبا من الحوار والمناقشة بين علماء ومفكرين من مختلف الأعمار والأقطار والمستويات . وهي ظاهرة إيجابية ، غير أن عدم حيادية وسائل الإعلام التي تنظمها يقلل من جدواها ، ويمنعها من أن تصل المدى الذي ينبغي أن تبلغه . ذلك لأن المستفتي فيها له هدف تزكية الجهة التي يمثلها ، أو تحقيق مصلحة معينة لها . والمسؤول فيها ـ المفتي ـ ، يراعي ألا تُقطع حبال الودّ مع الجهة التي تخاطبه ، أو خيوط البثّ التي تنشر رأيه .

كما أن جل مفردات هذه اللقاءات والحوارات ـ إن لم تكن كلها ـ ، لا تتعلق بجوهر قضية نظام الحكم ، الذي هو التقويم المتكامل الصريح لطبيعة الأنظمة القائمة ، والتقديم الواضح الجلي للنظام السياسي الحق . بل تدور في مجملها حول قضايا سياسية ودستورية وفلسفية غائمة مجردة ، لا تمسّ لب القضية ، وإنما تحوم حول الحمى ولا تقتحمه . مثل قضايا : الفقه المتحرك والفقه الجامد ، مسؤولية الإنسان في تقرير مصيره ، ومدى مشاركته للحاكم الفرد في إبداء الرأي ، ودوره في التدبير العام ضمن حيز يُتصدَّقُ به عليه ، وهل البيعة تفويض كامل أو مشروط؟ وطاعة أولي الأمر هل هي طاعة للرسول r فقط أم طاعة مطلقة ؟ ، وهل الديموقراطية حكم إسلامي رشيد أم لا ؟ ، وهل يجوز في إطار التداول على السلطة أن يرأس الدولة المسلمة شيوعي أو يهودي أو نصراني ؟ الخ .

وقد اكتسبت الدراسات والآراء في هذا السياق صفة الحلقات المفرغة ، التي لم تؤد إلى صياغة نظام إسلامي متكامل ، بقدر ما ساهمت في خلط أوراق اللعب السياسي وإشاعة الغموض والإبهام ، واستدراج كثير من المشاركين بشغب إعلامي متعمد إلى متاهات من الآراء التشطيرية والانتقائية ، إن لم نقل الانتهازية التي لم تخرج قط عن إطار حكم للاستبداد ، يخفف غلواءه حيز صغير من المشاركة   بالرأي . ولم ترق مطلقا إلى مراقي المفهوم القرآني للحكم الرشيد ، الذي يجعل أمر المسلمين ملكا لهم ، يُسلطون عليه ضمن نظم مؤسساتية وتربوية وعلمية وإدارية وتشريعية وتدبيرية ، تعصم من الجنوح إلى أي شكل من أشكال الاستبداد ، حكم فرد كان ، أو حكم أقلية حزبية أو طبقية ، أو عرقية أو عسكرية أو أمنية .

وبعد ، فهذا عرض موجز لأهم ما تمخضت عنه الصحوة الإسلامية المعاصرة ، في مجال الفقه السياسي بتعبير العصر ، أو فقه الإمامة والأحكام السلطانية بتعبير الفقهاء والمتكلمين . وهو كما رأينا خلاصة تراكمات فكرية وفقهية واجتماعية وسياسية وتأثيرات أجنبية ، عاشها المسلمون ويعيشونها منذ التطبيقات الأولى للحكم الرشيد في المجتمع العربي بصفته الوعاء الأول للإسلام ، إلى أن سقطت بلاد المسلمين قاطبة بيد الاستعمار في القرنين الميلاديين التاسع عشر والعشرين ، ثم تحررت منه شكليا ، بعد أن اصطبغت بكثير من أصباغه الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

ولئن كان الفكر السياسي للصحوة المعاصرة غير خاضع لناموس الجمود والسكون والاستقرار ، وهذا من مؤشرات الرشد وملامحه ، فإنه لم يصل بعد إلى مستوى من الحركة الحقيقية الإيجابية للتطور المنشود ، بقدر ما فيه من اضطراب وخلط وغبش في التصور والتوجه ؛ وذلك لأسباب كثيرة ، من أهمها :

ـ تراكمية التراث البشري المدون ، الذي لم تتم دراسته وفرزه وسبره ؛ وما حقق منه ونشر كان التقريظ والإعجاب سمة تقديمه ، لذا لم ينل حظه من النقد البناء المستند إلى الكتاب والسنة ؛ مما يهدد بانتكاسة فكرية في هذا المجال . ذلك أن التراث البشري إما أن يعاد تقديمه بمنهج نقدي موضوعي فيكون منطلقا للتطوير وركيزة للتجديد ؛ وإما أن يقدم كمثال نموذجي يحتذى ـ وهو  واقع الحال ـ ، فيكون خطوة إلى الوراء وانتكاسة إلى الخلف ، وعرقلة في سبيل التأصيل والتحديث. 

ـ استعجالية بعض الصادقين من التيار الإسلامي ، ومبادرتهم بالمصاولة قبل اتضاح الرؤية وتبين الهدف وتكامل البديل .

ـ انتهازية الوصوليين من المنتسبين إلى التيار الإسلامي ، وحرصهم على سرقة جهود الحركة الإسلامية ومقايضة الحكام بها ، استجلابا للمناصب والرتب ، واحتلابا للمصالح الخاصة والمنافع الآنية .

فما مدى قدرة الصحوة الحالية على الخروج من المأزق ومغادرة النفق ، إلى رحاب النظام الإسلامي الرشيد ؟

للإجابة عن هذا التساؤل ، لا بد من مراجعة نقدية للتاريخ العربي السياسي جاهلية وإسلاما ، تطبيقا سياسيا ، وفقها نظريا ؛ ومعرفة لأوجه الصواب فيه والخلل ، والتأثير والتأثر ، ومدى تطابقه أو تعارضه مع الشريعة الإسلامية ؛ دراسة معمقة تجمع بين الفقه والتاريخ ، وتحاكمهما معا إلى القرآن والسنة . ولا تعارض مطلقا في هذا ، لأن الفقه هو مجرد فهم المسلم للنصوص ، والتاريخ هو عمل المسلم وتصرفه تحت عين النصوص خضوعا لها أو تحايلا عليها أو تمردا ضدها . وبين الفقه والتاريخ عملية إثراء متبادلة ، يتأثر التاريخ بالفقه لأن الأحكام الفقهية نافذة في التصرفات ، ويتأثر الفقه بالتاريخ لأن كل تصرف يُستصدر له حكم فقهي خاص . ويختلف الفقهاء في حكمهم على التصرفات تبعا لظروف الزمان والمكان والبيئة ، وحالات الاختيار والاضطرار والحرية والإكراه . يتطور الفقه والتاريخ معا إلى الأمام ، أو يرتكسان معا إلىالحضيض،  على قدر علاقتهما بالشريعة الإسلامية ، ومفاهيمها الحضارية . فهما فرسا رهـان الحياة الدنيا ، لا بد لفهم أحدهما من فهم الآخر . ولئن خفي هذا الارتباط الموضوعي بينهما في بعض المجالات ، فهو في المجال السياسي أشد وضوحا .

     

الباب الثاني

التجربة السياسية للعرب قبل الإسلام

 الفصل الأول

الجذور التاريخية للأمة العربية

         

العرب وعاء الإسلام الأول ، نزل القرآن بلسانهم ، وبُعثت النبوة في أشرف بيوتهم ؛ وكانت التطبيقات الأولى عقيدة وسلوكا وتضحية ، واجتماعا واقتصادا وسياسة في مجتمعهم ؛ وانبثق الاجتهاد الفقهي الأول ، بعد وفاة الرسول r ، تنـزيلا للنصوص والأحكام على ما يستجد من حوادث وأحداث على يد كرام صحابتهم .

ولا ريب أن لهذا التفاعل تأثيرا على التطور الفقهي المتعلق بجميع مجالات الحياة عامة ، وبالفقه السياسي على وجه الخصوص . إذ نادرا ما يتخلف تأثير الوعاء في محتواه . ولا نقصد بالتأثير تغييرا في الإسلام كتابا وسنة ، فهما محفوظان من لدن حكيم خبير ؛ ولكن التأثير قاصر على فقه الرجال ، ومستوى فهمهم للنصوص ، ودقة التزامهم بتعاليمها ، وكيفية تنـزيلهم للأحكام الأصلية والمستنبطة على نشاط الفرد والجماعة وتصرفاتهما .

إن مجال التأثير والتأثر بين العرب والإسلام واسع متشعب ، مساحة الخوض فيه تسع جميع مناشط الحياة ومكارهها . إلا أن ما يعنينا في الدراسة هو الجانب السياسي ، أو فقه الأحكام السلطانية . وهو ما ينبغي أن نستكشف ما تسرب إليه من رواسب الجاهلية العربية الأولى ، دينية كانت أو عرفية أو فكرية أو عادات وتقاليد ؛ ومدى تأثيرها في الفقه السياسي ونظم الحكم لدى المسلمين .

إن البحث في هذا الاتجاه ولهذا الهدف حساس ومثير ؛ لأن النفوس تأنف الخوض فيه بسبب نفورها الفطري من الجاهلية ، ورفضها الاعتراف بإمكانية بقاء رواسب لها في نفوس الأفراد ونظام المجتمع الإسلامي وإنتاجه الفكري . مع أن الرسول r خاطب أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ قائلا : " إنك امرؤ فيك جاهلية".

كما أن إيغال الجنس العربي في عمق التاريخ ، وندرة الوثائق المدونة ، والحفريات المتعلقة بتاريخهم ، وإغفال الأخباريين لكثير من أيامهم ، يمثل صعوبة أخرى في طريق البحث والاستنتاج . لذلك لا يسعنا إلا أن نحاول تجاوز تلك الحساسيات ، وتذليل هذه الصعوبات ، واستقراء ما بلغنا عن عرب الجاهلية على قلته ، لعله يأخذ بيدنا إلى الطريق ويقودنا إلى الهدف .

ولعل ما ينبغي ملاحظته في هذا المجال أن الأمة العربية ذات جذور تاريخية عميقة ، تكونت عبر حلقات تطور اجتماعي وعقدي وفكري طويل ، أسس مفاهيم وتقاليد وأعرافاً ، وكوّن تصورات ميتافيزيقية نظمت علاقات الأفراد فيما بينهم ، وعلاقاتهم بالحكام والقادة ، وعلاقاتهم بالطبيعة والجوار . متأثرين في ذلك كله بالحضارات الأولى في شمال الجزيرة العربية وجنوبها وشرقها وغربـها .

لقد كانت نقطة البدء لديهم الأمة الكلدانية التي تعتبر الأصل ، وما تفرع عنها من شعوب آشورية وبابلية وآرامية وعربية ؛ استوطنت اليمن والشام والعراق والحجاز ونجداً .

كما ساهم في تكوين هذه الأمة عامل الطبيعة  مناخا وموقعا جغرافيا ، وبيئة قاسية أضفت على الأخلاق والمعاملات طابعا متماثلا ، يغلب عليه الجفاء والتقشف والعنفوانية المزاجية الهوجاء ، وعفوية التصرف وبساطته وخشونته . لاسيما عندما يتعلق الأمر بما هو حيوي كالماء والكلأ ، فيتقاتل بنو الأب الواحد بشراسة وضراوة، أوعندما تتحكم في العواطف أعاصير الفاقة والجوع وزوابع الأحقاد القبلية مجتمعة ، فتنطلق غرائز الانتقام من عقالها إلى حد قد يصل أكل لحم البشر ؛ ونسوق مثالا على ذلك ما ذكره ابن حزم [19] من أن الأحدب بن عمرو الباهلي أخذ عفاق بن مري ـ من ربيعة ـ فشواه وأكله ، فقال فيه الراجز :

إن عفاقا أكلته باهلة     تمششوا عظامه وكاهله     وتركوا أم عفاق ثاكلة

أما تفاصيل حياتهم ونظم اجتماعهم فليس لدينا عنها إلا مصدران . أولهما المراجع التاريخية والأدبية التي تعود إلى العهود الإسلامية ، وهي لذلك غير محايدة أو موثقة . وثانيهما الإشارات القليلة المدونة قبل الإسلام في التراث اليوناني واللاتيني والسرياني والآشوري والثمودي ، وما تضمنته نصوص التوراة ، وما ورد حول مواجهات آشورية ، في بادية الشام والفرات والعقبة ودومة الجندل وتيماء ، لجماعات عربية تُدعى أرضُهم " عربايا " ،  أي أرض العرب . وذلك ما بين القرن التاسع ونهاية القرن السابع قبل الميلاد . وفيها ذكر لثمود وسبأ وملوك دومة الجندل،  وبعض الكيانات التجارية التي تتصارع حول طرق التجارة .

ولئن كان الأخباريون المسلمون يكادون يجمعون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات : عرب بائدة ، وعرب عاربة ، وعرب مستعربة ؛ فإن هذا التقسيم لا نجد له ذكرا في المصادر التاريخية القديمة ، يهودية كانت أو يونانية أو لاتينية أو سريانية ، مما يشير إلى أنه تقسيم عربي محض من العصر الإسلامي .

فالعرب البائدة هم عاد وثمود وطسم وجديس ، وأُميم وجاسم ، وعبيل وعبد ضخم وجرهم الأولى ، والعمالقة وحضور. وقد بينت الكتابات الثمودية والنقوش المكتشفة وجود أكثر هؤلاء الأقوام ، على رغم تشكك المستشرقين في ذلك . إلا أنهم لم يكونوا موغلين في القدم كما زعمت الروايات العربية . كما أظهرت هذه الآثار أن هلاك العرب البائدة كان بسبب الكوارث الطبيعية ، زلازل وخسفا  وانزلاق تربة وهيجان براكين ، وعواصف وانحباس مطر ؛ وهو ما ذكره القرآن الكريم وفصل أسبابه ونتائجه.

أما العرب العاربة ، العرباء ، فهم الخُلَّصُ ؛ لأن أول من تكلم بالعربية كان منهم وهو يعرب ، من أبناء قحطان الذي ورد اسمه " يقطان " في التوراة ( سفر التكوين ) ، من ذرية نوح عليه السلام .

ومن قبائل هذه الطبقة : جاسم بعُمان والبحرين ، وبنو هيف وهزال الأولى وبنو مطر وبنو الأزرق وبنو بديل ، وراجل وغفار وتيماء .

وأول من تولى المُلك منهم بعد قحطان هو يعرب ؛ كان مُلكه باليمن ، حيث تغلب على بقايا عاد . ووزع إخوته على أقطار الجزيرة ؛ فجعل أخاه " حضر موت " على الأرض التي عُرفت باسمه ، وأخاه " عُمان " على أرض عُمَان ، وأخاه جُرهم على الحجاز .

أما الطبقة الثالثة وهي العرب المستعربة ، فجدهم إسماعيل عليه السلام ؛ ويُدعون "العدنانيين " نسبة إلى عدنان ، و" النـزاريين " نسبة إلى نزار ، و"المعديين" نسبة إلى معد ، وكلهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

ثم اندمج العرب العاربة من بقايا القحطانيين بالعرب المستعربة من العدنانيين ، وتكوَّن منهم جميعا عرب الجاهلية الذين أدركوا الإسلام واستوعبوا شعوب العرب كلها بلغتهم التي نزل بها القرآن الكريم .

الفصل الثاني

النظم السياسية لعرب الجاهلية

          

انتظم العرب ـ كما هي سنة الاجتماع البشري ـ في مراتب ، أعلاها الشعب ، ثم القبيلة ، ثم البطن ، ثم الفصيلة ؛ فالشعب الأبعد مثل عدنان وقحطان ، والقبيلة مثل مضر وقريش وربيعة ، والبطن مثل بني عبد مناف ، والفصيلة مثل بني عبد المطلب وبني العباس .

ثم تكونت من هذه المجموعات دول وشبه دول في مختلف مناطق الجزيرة ؛ فكانت في الجوف ـ ما بين نجران وحضر موت ـ الدولة المعينية التي ازدهرت ما بين سنتي 1300 و 630 قبل الميلاد . ولما انقرضت حلت محلها مملكة سبأ ، ثم ممالك كمنة وقتبان وديدان ولحيان ونجران وحضر موت .

وفي الشمال قامت مملكة الغساسنة بالشام ، ومملكة النبط التي ضمت دمشق وسهل البقاع وفلسطين وحوران ومدين وسواحل البحر الأحمر ، ومملكة تدمر ، ومملكة كندة من كهلان بن سبأ في بادية الحجاز ، ومملكة الحيرة بالعراق قريبا من النجف والكوفة ، وملوكها من آل لخم وآل نصر ، والنعامنة والمناذرة وآل محرق .

كما ظهرت تجمعات سياسية أقرب إلى نظام حكومات المدن اليونانية ، كما هو حال مكة والطائف ويثرب ، وبعض القرى الغربية التي ليس لها ملك ، بل أسر تجارية هم الملأ من الوجوه والأشراف وكبار التجار والمحاربين ؛ يجتمعون في " دار الندوة " للتشاور في شؤون السلم والحرب ، تجارة ومقايضة وعلاقات وتحالفات وفض نزاعات.

ومهما كان شكل النظام السياسي لتجمعاتهم ، فإن الأصل عندهم ظل دائما هو القبيلة التي تقوم على رابطتي الدم والأرض ، وتتدرج فيها السيادة من رب الأسرة إلى رب القبيلة إلى رب العرب ، الذي هو الرئيس والحاكم والملك الذي يفعل ما يشاء ، مستعينا بشيوخ القبائل ، " مستنيرا " بالإلهام المستمد من الأصنام التي يعبدونها .

كما كونت الأعراف والتقاليد والبدائية والخرافة والأوهام الدينية لديهم ، شروطا للسيادة جعلتهم طبقات ومراتب ، أشرافا وعامة ، أحرارا وعبيدا وموالِـيَ؛ على رغم مظاهر المساواة الخادعة التي موهت بها البداوة في معاملاتهم وعاداتهم وتقاليدهم . فدم الشريف لديهم لا يكافئه إلا دم شريف مثله ، ولا كفاية لغير العربي في الزواج إلا بغير العربية ، ودم الرئيس عندهم مقدس ويشفي من عضة الكلب، وشرف المال جعلهم أتباعا ومتبوعين ، مادحين وممدوحين . وقمة الشرف لديهم المَلِك وأهله ، ثم الأعيان والوجهاء والمقاتلون ، ثم الأسر التي تنجب الذكور أكثر من غيرها، ثم الأجراء والحرفيون والمزارعون والخدم والعبيد .

والتفوق في السيادة عندهم لكل من فاق غيره بالمال والعقل ، والدفع والنفع ، والفحولة وكثرة الأبناء من الذكور ، والقوة الجسدية والنسب والسجايا والعادات  إلا أن لكل قبيلة ترتيبها لأولويات هذه المزايا كما ذكر صاحب خزانة الأدب [20]  نقلا عن شرائع المروءة للجاحظ ، قال :

( كانت  العرب تسوِّد على أشياء ؛ أما مضر فتسود ذا رأيها ، وأما ربيعة فمن أطعم الطعام ، وأما اليمن فعلى النسب . وكان أهل الجاهلية لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال : السخاء والنجدة ، والصبر والحلم ، والتواضع والبيان . وقيل لقيس بن عاصم : " بم سُدت قومك ؟ " ، قال : " ببذل الندى وكف الأذى ونصرة المولى وتعجيل القِرى " ) . وقال الأصمعي : ( ذكر أبو عمرو بن العلاء عيوب جميع السادة وما كان فيهم من الخلال المذمومة ، إلى أن قال : " ما رأيت شيئا يمنع من السؤدد إلا قد رأيناه في سيد ؛ وجدنا الحداثة تمنع السؤدد وساد أبو جهل بن هشام وما طَرَّ شاربه، ودخل دار الندوة وما استوت لحيته . ووجدنا البخل يمنع السؤدد وكان أبو سفيان بخيلا عاهرا ، وكان عامر بن الطفيل بخيلا عاهرا وكان سيدا . والظلم يمنع السؤدد وكان كُليب بن وائل ظالما وكان سيد غطفان . والحمق يمنع السؤدد وكان عيينة بن حصن أحمق وكان سيدا . وقلة العدد تمنع السؤدد وكان السيل بن معبد سيدا ولم يكن بالبصرة من عشيرته رجلان . والفقر يمنع السؤدد وكان عتبة بن ربيعة مملقا وكان سيدا " ) .

كما كانت لهم مقاييس للسؤدد والرئاسة مغرقة في البدائية والتخلف ، متعلقة بصفات جسمانية بيولوجية . ففي عيون الأخبار لأبي مسلم الدينوري[21] : ( قيل لأعرابي : " بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم ؟ " ، فقال : " إذا كان سائل الغُرَّة طويل الغُرْلَةِ ، مُلْتَاث الإزار ، وكانت فيه لوثة ، فلسنا نشك في سؤدده " . وقيل لآخر : " أي الغلمان أسود ؟ " ، قال : " إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقْرِبْ به من السؤدد " ) . وعرَّف معاوية بن أبي سفيان السؤدد بثلاث هن : الصَّلع واندحاق البطن وترك الإفراط في الغيرة . وكلهن متوفرات فيه .

إلا أن هذه الصفات والشروط الخاصة بالسؤدد عند العرب ـ بيولوجية وسلوكية ـ ،كان يطغى عليها توفر شرط واحد ، هو الغلبة بأي وسيلة كانت . فالذي يغلب قومه ويروضهم بماله أو سلاحه أو أنصاره هو السيد فيهم بلا منازع ؛ وهو الملك المُطاع الذي يفعل ما يشاء . وهذا شأن الشعوب البدائية عادة ، التابع فيهم مملوك واجبه الطاعة وتنفيذ الأوامر في  النفس والأهل والولد والمال ؛ والملك عليهم مالك لكل شيء ، إذا طمع في مال صودر ، أو أمر بقتل امرئ قُتل ، أو همَّ بفاحشة مُهِّدَ له سبيلها وأُضفيت على ممارسته الشرعية ، واعتُبر ذلك منه فحولة ورجولة . وقد ذكر صاحب خزانة الأدب [22] كيف أفرط مَلِك طسم على جديس ، حتى أمر بأن لا تُزف امرأة من جديس إلا إذا أُتي بها إليه قبل زوجها. وسارت هذه السنة فيهم إلى أن هجتهم عروس منهم بقولها :

لا أحـد أذل مـن جديـس           أهكــذا يُفعـل بالعــروس

فغضبت جديس ودبرت مكيدة لقتل الملك .

ولفظ " مَلِك " من الألفاظ العربية القديمة وردت في جميع لهجات العرب ، وتلقب بها ملوك الحيرة وغسان وكندة . كما كانوا يطلقون على الملك أيضا لقب " الوَحَى "، أي النار . وقد روى الثعالبي في " فقه اللغة " [23]، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال : " سألت ابن الأعرابي عن الوَحَى "  ، فقال : " هو الملك ". فقلت:" ولم سمي الملك وَحىً ؟ " ، فقال : " الوَحَى : النار ؛ فكان الملك مثل النار يضر وينفع " .

والسنة عندهم أن المُلك وراثي ينتقل من الأب إلى الابن الأكبر ، إلا ما شذَّ . والنخبة من عشيرة الملك والوجهاء وشيوخ القبائل ورجال الدين هم أهل الحل والعقد الذين يشرفون على تنصيب الملك . وهم المستشارون الذين يعينونه على التخلص من مناوئيه ، وعلى إشباع رغباته وأهوائه . ويطلق عليهم الأذواء والأقيال.

أما الطبقات الضعيفة فهم السوقة لأن الملك يسوقهم ، وهم بمنزلة الماشية من الراعي ، والرعاع من العصا ، والغوغاء السفلة تحت السوط ، إذا فزعـوا طاروا ليس لهم مطلقا رأي في أمر أو كفاءة لإبداء نصيحة أو مشورة.

أما القوة العسكرية لدى ملوك العرب فقد كانت ضعيفة ؛ لا تكفي إلا لكبح جماح التمرد الداخلي أو عدوان عرب الجوار . وذلك نظرا لضعف المنطقة اقتصاديا وفقرها ديموغرافيا ، بسبب طبيعة الصحراء وكثافة الهجرة منها إلى أماكن الخصب والرخاء . مما اضطر به ملوكهم في أغلب الحقب إلى الخضوع للفرس والروم والأحباش ، والتأثر ببعض عاداتهم وتقاليدهم في الملك ، والاستعانة بهم ضد منافسيهم من عرب الجوار . فظهر بذلك ما أُطلق عليه في التصانيف اللاتينية واليونانية القديمة : " عرب الروم " ، و" عرب الفرس " ، و " عرب الأحباش " . كما هو الحال في العصر الحديث الذي عرف " عرب أمريكا " ، و " عرب الاتحاد السوفياتي " ، و " عرب الصين " .

أما الدين الغالب فيهم فكان عبادة الأوثان ثم اليهودية والنصرانية . والناطق الرسمي باسم الأوثان كان لديهم هو الملك . وباسمها كانت تفتح المراسيم الملكية والأوامر والقوانين قبل نشرها على العامة . وكانت الأوثان في أول الأمر تحت رعاية الملك مباشرة ، ثم رُئي أن يعين الملك لها سدنة يقومون بها ويسخرونها لصالح السلطة، ومن أجل ترويض العامة .

أما الدخل المالي ، فكان من الضرائب وواردات الأرض التي تستثمرها الدولة مباشرة ، أو تؤجرها للعامة بجَعْلٍ يُتفق عليه . ويتعهد الكبراء وسادة القبائل بجمع ريعها من الأتباع ودفع حصة الحكومة إلى خزانة الملك .

وزبدة القول أن عرب الجاهلية كانوا يشترطون للملك والسيادة شروطا وصفات من أهمها : الذكورة والفحولة والغلبة ، والقدرة على البطش وضرب الأعناق ، والسن وروابط الدم والنسب والوراثة . بالإضافة إلى شروط سلوكية أخرى كالعدل والعقل والنجدة والكرم ومستوى من العلم بالديانة الرسمية . ولكنهم مع ذلك ولَّوْا النساء والغلمان والقُصَّر والبخلاء والحمقى والعتهاء ، والظلمة والعُهَّر ، والعملاء للأجنبي فارسيا وروميا وحبشيا . كما عرفوا سلطة الملك المطلقة في أموال الرعية وأنفسها وأعراضها ودمائها ؛ واستغلاله للدين ونيابته عن الأوثان المعبودة ونطقه باسمها، وتمييزه بين أفراد الرعية بمقياس الكفاءة بالمال والنسب والقوة ، وتعيينه المستشارين والبطانة من الأسرة المالكة ووجوه الأغنياء والمقاتلين ورجال الدين والمستفيدين الذين يُعَدُّون أهل الحل والعقد .

هذه الشروط التي اشترطها عرب الجاهلية في سادتهم ، وتلك الصفات التي تحلى بها أو افتقدها ملوكهم ، والنظم الإدارية والعلاقات السياسية التي تميزت بها دولهم ، تجلت كلها واضحة بيِّنة في نظم المسلمين السياسية بعد الانقلاب على الخلافة الراشدة وقيام الملوكية العاضة الجبرية ؛ تطبيقا عمليا ، وتشريعا فقهيا ، وتبريرا أصوليا على يد كثير من فقهاء الأحكام السلطانية في فتاواهم ومصنفاتهم ؛ مما ساهم في إبعاد الفقه السياسي الإسلامي عن أصوله الحقيقية في الكتاب والسنة ، وعطل تطوره وعاق مواكبته للحياة كما سيبدو إن شاء الله تعالى فيما يأتي من فصول هذه الدراسة .

 

الباب الثالث

تجربة الحكم في عهد الخلفاء الراشدين

الفصل الأول

العزيمة والرخصة في تصرفات الراشدين

         

دراسة العهد الراشدي ، وتجربة المسلمين السياسية الأولى ، موضوع شديد الحساسية ، زلت فيه أقدام ، وضلت فيه عقول وأفئدة ؛ ذلك لأن دراسة تصرفات الجيل الأول ضرورة يمليها واجب استنباط الأحكام الشرعية والاستفادة من التجربة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لكن مع المحافظة على أعراض هذا الرعيل القرآني وحرمته ، التي هي عند الله أعظم من حرمة الكعبة . وإن كان الصراع السياسي الذي أُقحموا فيه ، قد فتح أبوابا للتأويل وتوظيف النصوص ، لنصرة فريق على فريق وطائفة على طائفة  ، ثم تطور ذلك إلى الكذب على رسول الله r نفسه ، وعلى الأئمة الأطهار والصحابة الأبرار أنفسهم .

إننا باستيعاب الفترة الراشدية فقهيا وتاريخيا ، واختزالها في نظرة شمولية تاريخية، وتنـزيل حكم الشرع على تصرفات الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في موضوع سياسة الحكم ، يتضح لنا بدون أي لبس أو غموض ، أن طرق اختيارهم الخليفة دارت بين حكمين شرعيين : عزيمة ورخصة .

العزيمة ما ترك الرسول r المسلمين عليه ، وما فعله عثمان وعلي ـ رضي الله عنهما ـ ؛ إذ لم يستخلفا أحدا بعدهما .

والرخصة ما فعله أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ؛ إذ استخلفا بإشارة من عامة المسلمين ، مخافة الفتنة التي تتبعها الردة .

أما حكم العزيمة ـ عدم الاستخلاف ـ ، فقد أجمع عليه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، عقب وفاة الرسول r مباشرة ، عندما اختاروا أبا بكر ، ثم عندما اختاروا عمر وعثمان وعليا ـ رضي الله عنهم ـ  ؛ ولم يدَّعِ أحد وصية من النبي r ، وتصرفوا في إطار الشورى ، محكمين العقل والمصلحة العامة المؤطرين بالشريعة ، الخاضعين لها .

ولئن كان أبو بكر وعمر قد ترخصا في أمر الاستخلاف ، للضرورة القصوى التي قدراها حق قدرها ، خارج إطار الهوى والمصالح الخاصة ، فإنهما قد أكدا بأقوالهما وأعمالهما حكم العزيمة الذي ترك اختيار القيادة السياسية ، لعامة المسلمين، يبثون فيه شورويا بكل حرية .

يقول أبو بكر عندما حضرته الوفاة [24]: ( وددت أني كنت سألت رسول الله r لمن هذا الأمر ، فلا ينازعه أحد ، وددت أني كنت سألته : هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ) .

ويقول أيضا[25]: ( وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة ، كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا ) .

ويقول عمر في اليوم الثاني لبيعة أبي بكر ، دفاعا عن موقفه يوم السقيفة [26]: (أيها الناس ، إني قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ، وما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهده إليَّ رسول الله r ) .

ويقول عن طريقة بيعة أبي بكر [27] : ( إن بيعة أبي بكر كانت فلتة . فقد كانت كذلك ، غير أن الله وقى شرها وإنـا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي  بكر . خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ؛ فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى ، أو نخالفهم ، فيكون فساد ) .

وعندما حضرته الوفاة ، وألح عليه الناس في أن يستخلف قال [28] : ( إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ـ يعني أبا بكر ـ . وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ـ يعني رسول الله r ؛ فقال ولده عبد الله : " فعرفت حين ذكر رسول الله r أنه غير مستخلف ") .

ثم يحذر وهو على فراش الموت ، كلا من علي وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ من أن يستخلفا أقاربهما إن اختيرا للأمر ؛ فيقول لعلي [29] : ( لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله  rوما آتاك الله من العلم والفقه والدين ، فيستخلفوك . فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه ، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ) .

ثم يلتفت إلى عثمان فيخاطبه [30] : ( يا عثمان ، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله r  وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك ؛ فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس ) .

كما قال لسعد بن أبي وقاص [31] : ( أنشدك الله يا سعد ، إنْ وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس ) .

وعندما نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله ، أبى ذلك وحذر ابنه من قبوله قائلا [32] : ( يا عبد الله، إياك ثم إياك أن تتلبس بها ) .

وعندما أُحيط بعثمان ـ رضي الله عنه ـ تمسك بالعزيمة ، فلم يوص لأحد ، برغم مناورات البيت الأموي الذي ورمت أنوف أهله إرادة للخلافة ، ومحاولات معاوية السيطرة عليها ، بدعوى  الدفاع عن الخليفة . حتى إنه عرض على عثمان رضي الله عنه [33] الاختيار بين أربعة أمور لفك الحصار عليه : أن يضرب رقاب علي وطلحة والزبير ، أو أن يستقدم أربعة آلاف فارس من الشام للسيطرة على المدينة والدفاع عن الخليفة ، أو أن ينفي إلى الآفاق جميع صحابة النبي r ، أو أن يجعل له عثمان الطلب بدمه . ولم يجرؤ معاوية على أن يسأله استخلافه ؛ لأنه يعلم عدم أهليته للأمر ، ورفض كرام الصحابة ذلك ، وتمسك عثمان بالعزيمة ؛ على رغم أنه كان أولى الناس بالترخص ، وقد رأى الفتن التي تأججت نارها بين المسلمين ، والمخاطر التي هددت مؤسسة الخلافة نفسها ؛ فلم يوص لأحد وخرج من الدنيا متحللا من كل التبعات .

أما الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ فقد حرضه العباس ـ رضي الله عنه ـ على أن  يسألها الرسول r أثناء احتضاره ؛ فأبى بشدة وقال [34] : (والله لا أسألها رسول الله أبدا ) .

وعقب وفاته r قبيل بيعة السقيفة ، عرض عليه العباس ثانية أن يبايعه على ملأ من الناس [35] فيقولون :  عم رسول الله r بايع ابن عمه ؛ فلا يختلف عليه أحد . فرفض ذلك أيضا .

وعندما توفي عمر  رضي الله عنه قال الإمام علي  كرم الله وجهه  [36] : ( يا أيها الناس إن رسول الله r لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا ، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله . ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر ، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ) .

وعندما استشهد عثمان - رضي الله عنه- [37] اجتمع طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار وأتوا عليا يبايعونه ؛ فأبى بشدة وقال لهم : ( أكون وزيرا لكم خير من أن أكون أميرا ، ومن اخترتم رضيته ) ، فألحوا عليه وقالوا : ( لا نعلم أحق منك ، ولا نختار غيرك ). وما زالوا يلحون عليه في الأمر حتى غلبوه فيه وأخرجوه إلى المسجد فبايعوه . وعندما قيل له وهو خليفة [38] : ( ألا تستخلف علينا ؟ ) ، قال : ( ما استخلف رسول الله r فأستخلف . ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم ) .

وروى أحمد في مسنده [39] بإسناد صحيح عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال : ( سمعت عليا يقول : " لتخضبن هذه من هذا ، فما ينتظر بي الأشقى ؟ " . قالوا : " يا أمير المؤمنين فأخبرنا به نبير عترته " . قال:"إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي " ، قالوا : " فاستخلف علينا " . قال : " لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله  r " . قالوا :" فما تقول لربك إذا أتيته ؟" ـ وقال وكيع مرة : إذا لقيته ـ . قال : " أقول : اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم " ) .

ومن غرائب التقديرات الإلهية في أمر الخلافة الراشدة ، أنها بدأت بالسنة النبوية التي هي العزيمة ، إذ لم يستخلف النبي r أحدا ، وترك الأمر للمسلمين كافة ، يرون فيه رأيهم ويقررون فيه ما يظنونه مصلحة لهم . وقد أخرج كل من البغوي في مصابيح السنة عن حذيفة ، والترمذي ، قال : ( حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، قال أخبرنا إسحاق بن عيسى عن شريك عن أبي اليقظان عن زادان عن حذيفة ـ رضي الله عنه  ـ قال : قالوا يا رسول الله لو استخلفت ؟ قال :" إِنْ استخلفْ عليكم فعصيتموه عُذِّبتم ، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه ، وما أقرأكم  عبد الله فاقرؤوه " ) .  ثم انتهت بالسنة النبوية التي هي العزيمة أيضا ، لدى كل من عثمان وعلي ، إذ تركاها كما تركها الرسول r شورى بين المسلمين . مما يرسخ القاعدة الأساسية التي لا تسمح لأحد بأن يتطاول على أمر الأمة  أو يحتكره في نفسه أو أسرته أو قبيلته أو حزبه . ويبقى ما فعله أبو بكر وعمر ضمن حكم الضرورة التي تبيح المحظورة ، وتفتح باب الترخص والتيسير ، ويُرتكب لها الضرر الأخف دفعا للضرر الأكبر ، لا سيما إذا خيفت فتنة تعقبها ردّة .

إلا أن ما يجب توضيحه في هذا الأمر والتركيز عليه ، هو أن ما فعله أبو بكر وعمر يُعد رخصة استخلاف لا رخصة توريث . إذ البون شاسع بين الاستخلاف ، الذي قد تدعو إليه الضرورة القصوى ، المقدرة بقدرها  المنضبطة بشروطها ؛ وبين التوريث الذي ليس لإباحته رخصة أو أصل عزيمة .

وأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، تصرفوا في أمر اختيار الخلفاء بين الرخصة والعزيمة ، على أنه أمرهم وشأنهم ؛ يقررون فيه ما يرون من مصلحة ، ويقدرون ما يحيط به من ضرورة ، ضمن سلوكيات فقهية  تدَينية  بدهية . فلم يضيقوا على أنفسهم واسعا، ولم يكفر بعضهم بعضا ، ولم تُقطع باختلافهم وشيجة رحم أو رابطة إيمان ، ولم يسقطوا فيما انزلق إليه فقهاء الأحكام السلطانية بعدهم .

فما هي الظروف والمسوغات التي جعلت أبا بكر وعمر يلجآن إلى هذه القاعدة الفقهية ، قاعدة الرخصة بدل العزيمة ، أو كما يقول الفقهاء : الأمر إذا ضاق اتسع؟

إن موقفهما هذا يُنظر إليه من أربع زوايا :

1 - زاوية الترتيبات التي وضعها النبي r لما بعد وفاته .

2 - زاوية فتن النفاق والردة والتمزق القبلي .

3 - زاوية مداولات سقيفة بني ساعدة ومقاييس الاختيار فيها .

4 - زاوية مناورات البيت الأموي للسيطرة على الحكم والانقضاض على السلطة .

الفصل الثاني

ترتيبات الرسول  r  لما بعد وفاتـه

   

تأكد لدينا أنه r لم يوص لأحد بالخلافة ، وما ورد  عن استخلافه أبا بكر أو عليا أو غيرهما لا يثبت عند النقد والسبر ، باستثناء ما أخبر به مما يكون بعده ، مما يُعد معجزة نبوية . وما أخبر به من مغيبات المستقبل ، بعضه أقره ورضيه، وبعضه استنكره وتبرأ منه . من ذلك الحديث الصحيح [40]: ( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها . ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ) .

أما توجيهاته r  في أواخر أيامه الشريفة ، فمن أهمها :

1 - بعثه [41] r  بعثا إلى الشام ، وأميرهم أسامة بن زيد ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين . وأمَّره على فضلاء الصحابة ، وكبار المهاجرين والأنصار ، وجعل من جنوده أبا بكر وعمر على حداثة سنه ؛ فتكلم المنافقون في إمارته ، وقالوا :" أمَّر غلاما على جلة المهاجرين والأنصار "  فقال رسول الله r  : " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، وإنه لخليق بالإمارة ، وكان أبوه خليقا لها " . ولكن المرض ابتدأ برسول الله r  فتأخر مسير جيش أسامة . ولما أعاد r  الأمر بإنفاذ الجيش وألح فيه ، خرج أسامة ، فضرب العسكر بالجوف ، في طريق الشام على مسيرة ثلاثة أميال ، انتظارا لما يكون من أمر مرض الرسول r  . ولو سار الجيش كما رسم له رسول الله r   ، لما حضر أبو بكر وعمر وفاته . ولسار أمر الخلافة على غير ما سار عليه يوم السقيفة .

2 - أوصى r  إلى أبي بكر[42] ـ رضي الله عنه ـ بالصلاة بالناس ، عندما اشتد به المرض .

3 - أمر r ألا يتخذ قبره مسجدا [43].

4 - أبرأ r  ذمته من حقوق الخلق ؛ إذ خرج في مرضه متكئا على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم ـ ، حتى جلس على المنبر ، وكان مما خطب [44] : ( أما بعد أيها الناس ، إنه قد دنا مني خلوف من بين أظهركم ، ولن تروني في هذا المقام فيكم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ، ومن أخذت له مالا ، فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخش الشحناء من قبلي ، فإنها ليست من شأني ).     

5 - لما اشتد برسول الله r  المرض ، قال [45]: " ائتوني بدواة وبيضاء ، أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا " ،  فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال عمر : " إن رسول الله r قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله " . واختلف أهل البيت  فاختصموا ، فمنهم من يقول : " يكتب لكم رسول الله r  " ، أو قال : " قربوا يكتب لكم رسول الله r  " ، ومنهم من يقول ما قال عمر . فلما أكثروا اللغط والاختلاف ، وغُمَّ على رسول الله r  ، قال لهم : " قوموا عني " . فلما ندموا ورجعوا إليه يطلبون الوصية ، قال لهم : " دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه " . ثم أوصى بثلاث : أن يُخرج المشركون من جزيرة العرب ، وأن يجازى الوفد بنحو ما كان يجيزهم ، وسكت عن الثالثة ، أو نسيها الراوي .

ولئن قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ [46] : " إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله r  ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب  من اختلافهم ولغطهم" ؛ فإن ذلك في واقع الأمر وحكمة الله تعالى ، لم يكن رزية ؛ وليس لرسول الله r  أن يكتم ، أو يمتنع عن التبليغ . وليس موقف عمر ـ رضي الله عنه ـ رفضا للسنة النبوية ، أو اعتراضا على توجيهاته r  ، أو شكا في عصمته وهو يوجع ؛ لأن ما دعاه إلى ذلك إلا الشفقة والحنو عليه r  والحرص على راحته. كما أن الواقعة كلها اختتام مشهود للرسالة المحمدية ، واختبار نبوي كريم للصحابة الموكلين بمتابعة الدعوة ومواصلة الطريق ، واستشهاد لهم على تمام التبليغ . وكأنه r  يسألهم بلسان الحال : " هل أنتم بعدي محتاجون إلى مزيد إرشاد وتوجيه وتوصية ؟" ، وكأنهم يجيبونه ضمنيا بأنهم تلقوا كفايتهم وتزودوا من القرآن الكريم بحاجة دنياهم وأخراهم ، وتشبعت أرواحهم بنور النبوة التي بلغت الرسالة كاملة ، وأدت الأمانة تامة ، ثم اختارت لقاء ربها . ولقاء الرب عز وجل مهمة ليست بالهينة ؛ فلتترك لاستعدادها ومعاناة شوقها " دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه " .

هكذا تحمل المسلمون مسؤوليتهم ، عند احتضار الرسول r ، وشهدوا على أنفسهم عندما سُئِلوا تعريضا وتورية ، فأجابوا تصريحا وحسما . وكأنما مشهد من ضمير الماضي وعمق الغيب يتجدد ، إذ  عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( الأحزاب 72  .

6 - في يوم الاثنين ، يوم وفاته r ، خرج عليه السلام في صلاة الصبح [47] . فكاد الناس يفتنون في صلاتهم فرحا ، فتبسم r فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة. ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أنه قد أفاق من وجعه . وعند عودته إلى بيته r نزل به الموت ، فجعل يأخذ الماء بيده الشريفة ويجعله على وجهه ويقول: " وا كرباه " ، فتقول فاطمة ـ رضي الله عنها ـ : " وا كربي لكربك يا أبت " ، فيقول r:" لا كرب على أبيك بعد اليوم " .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة عن فراس الشعبي عن مسروق عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، قالت : ( اجتمع نساء رسول الله r عنده ، لم يغادر منهن امرأة ، فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها ، فقال : " مرحبا بابنتي " ، فأقعدها عن يمينه أو شماله ، ثم سارَّها فبكت ، ثم سارَّها فضحكت. فقلت لها : " خصك رسول الله r  بالسِّرار وأنت تبكين ؟ " . فلما أن قامت قلت : " أخبريني ما سارَّكِ ؟ " ، فقالت : " ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله r ". فلما توفي r قلت لها : " أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني " ، قالت : " أما الآن فنعم " ، قالت : " سارَّني في الأول قال لي: "إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة ، وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي . فاتقي الله واصبري ، فنعم السلف أنا لك " ، فبكيت . ثم سارني فقال : " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة " فضحكت ). 

وفي رواية لعائشة ـ رضي الله عنها ـ [48] أنه r لما مرض عرضت له بُحَّةٌ ، فسمعته يقول : ) مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ( ـ النساء 69 ـ. قالت عائشة : " فظننا أنه كان يُخير " .

وعن ابن مسعود [49] قال : نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر ، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وشدَّدَ فدمعت عينه ، وقال : "مرحبا بكم  رحمكم الله ، آواكم الله ، حفظكم الله ، رفعكم الله ، نفعكم الله ، وفقكم الله ، نصركم الله ، سلمكم الله ، قبلكم الله ، أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم  وأستخلفه عليكم ، وأؤديكم إليه . إني لكم نذير وبشير ، لا تعلوا على الله في عباده وبلاده ، فإنه قال لي ولكم : ) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ( ـ القصص 83 " ـ ، وقال: )أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ( الزمر 60 ." فقلنا : " متى أجلك ؟" ، قال : " قد دنا الفراق ، والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى " . قلنا : " فمن يغسلك يا نبي الله ؟ "  قال : " أهلي ، الأدنى فالأدنى " ، قلنا : " ففيم نكفنك يا نبي الله ؟ " ، قال : " في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر ، أو حلة يمانية " ، قلنا : " فمن يصلي عليك يا نبي الله ؟ " ، قال : " مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا "  فبكينا وبكى النبي r  وقال : " إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا ، على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ؛ فإن أول من يصلي عليّ جليسي وخليلي جبريل  ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها ، ثم ادخلوا عليّ فوجا فوجاً ، فصلوا عليّ وسلموا تسليماً ؛ ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ولا صيحة ، وليبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد . أقرئوا أنفسكم مني السلام ، فإني أشهدكم أني قد سلمت على من بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة " . وفي رواية " أقرئوا أنفسكم مني السلام  ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام ، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه مني السلام " . فعليك السلام والرحمة ، وعليك الصلاة التامة العامة يا خير خلق الله . 

وكان آخر عهده r بالدنيا ، أن كان يقول [50]: " أحسنوا الظن بالله " ، ويوصي : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " ، وكررها حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه ، ويدخل يده في قدح ماء ثم يمسح وجهه بالماء ويقول : " لا إله إلا الله ، إن للموت لسكرات " ، وينصب سبابته ويقول : " في الرفيق الأعلى".

ويصمت الرسول r عن مخاطبة الخلق ، ليواجه اللحظة الحرجة ، في صعود روحه الطاهرة إلى السماء ، مخاطبا نفسه وهي مقبلة على ربها، بحياء المؤمن وشوق المحب وخجل الولهان ، وخشية العبد المطيع : " يا نفس ما لك تلوذين كل ملاذ ؟"  ثم يُعْرِضُ r عن نفسه مناجيا ربه : " اللهم اغفر لي ، واجعلني في الرفيق الأعلى ". وكان آخر ما ناجى به ربه ، وكأن ربه قد سأله ، فأجاب مُبَرِّئاً ذمته: " جلال ربي الرفيع ، قد بلغت " [51]. ثم فاضت روحه الطاهرة إلى ربها وبقيت سنته العطرة ، وبقيت ريح المسك في يد أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ بعد أن وضعت يدها على صدره الكريم ، جُمَعاً وجمعاً ، تتوضأ وتأكل وما يذهب ريح المسك منها . فصلى الله عليك يا رسول الله ، يا طيب الذكر في الدنيا والآخرة ، يا نبينا وفخرنا ورحمة ربنا المهداة إلينا  .

 

الفصل الثالث

فتن النفاق والرِّدة والتمزق القبلي

 

بُدئ رسول الله r بوجعه لليلتين بقيتا من شهر صفر ، وسرعان ما شاع الخبر فتنمرت معسكرات النفاق والردة في مجتمع المدينة ومكة وأطراف الجزيرة كلها ، واشرأبت أعناق اليهود والنصارى للإجهاز على الإسلام .

أما النفاق فقد أثبت القرآن الكريم وجوده في المدينة فقال تعالى : ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ( التوبة 101 ، وقال : ) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ( الأحزاب 61-  ويوم أحد تراجع عن القتال ثلاثمائة منافق يمثلون ثلث الجيش الإسلامي، وقال فيهم رب العزة:  )وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون ( آل عمران 167  .

وقد حاول معسكر النفاق عقب وفاة الرسول r ، الإجهاز على الدعوة الإسلامية. وكان أول الناشطين لإثارة الفتنة وإيقاد نار التقاتل بين المسلمين ، أبو سفيان بن حرب ؛ إذ قال عقب مبايعة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ:[52] " والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم ؟، أين المستضعفان؟ أين الأذلان ؟ ، علي والعباس ؟ " . ثم أقبل على الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ وخاطبه : " يا أبا الحسن أبسط يدك أبايعك " ، فأبى الإمام علي عليه ذلك ؛ فجعل يستفزه بشعر المتلمس :

  إن الهوان حمار الحي يعرفــه   والحـر ينكره والرسلة الأجــد

     ولن يقيم على خسف يراد بـه    إلا الأذلان حمار الحي والوتـــد

     هذا على الخسف معكوس برمته   وذا يشج فلا يبكي لـه أحـــد

فزجره الإمام علي وقال له : " إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طال ما بغيت الإسلام شرا . لا حاجة لنا في نصيحتك " .

وكان من أخطر مؤامرات المنافقين في هذه الفترة [53] أن جاء إياس بن عبد الله بن عبد ياليل من بني سليم إلى الخليفة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وسأله أن يجهز له جيشا يقاتل به أهل الردة ؛ ففرح أبو بكر وجهز معه جيشا . فلما سار جعل لا يمر بمسلم و لا مرتد إلا قتله وأخذ ماله . فلما سمع أبو بكر بذلك بعث وراءه جيشا آخر فرده ثم قتله .

وفي مكة نفسها لما وصل خبر وفاة الرسول r إليها [54] ، وعامِلُهُ عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية ، استخفى عتاب وارتجت المدينة وكاد أهلها يرتدون . فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة ، وصاح فيهم فاجتمعوا فقال : "يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد . والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله r ؛ فلقد رأيته قائما مقامي وهو يقول : " قولوا معي لا إله إلا الله ، تدين لكم العرب وتؤدي لكم العجم الجزية ، والله لتنفقن كنوز كسرى في سبيل الله " ، فمن بين مستهزئ ومصدق ، فكان ما رأيتم. والله ليكونن الباقي " فامتنع الناس عن الردة .

أما الردة فقد طالت العرب ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة ، ولم يبق لصلاة الجمعة مقام إلا في الحرمين .

وكانت أول ردة في الإسلام باليمن [55]، آخر حياة رسول الله r بعد حجة الوداع ، فقد ارتد الأسود عبهلة بن كعب في عامة مدحج ، وتعصبت معه نجران ، وانضمت إليه مراد ، واستولى على صنعاء . ثم انجلت فتنته بقتله وأتت البشارة بذلك ، آخر ربيع الأول مباشرة بعد وفاة الرسول r .

وعقب وفاته r [56] ارتد أهل اليمامة والبحرين ، واستعانوا بالفرس ، وارتدت ربيعة وحنيفة وسليم وبنو تميم وحضر موت ، واجتمعت غطفان وأسد على الردة . وكان على رأس بني أسد طلحة بن خويلد المتنبي ، وعلى رأس بني تميم الكاهنة سجاح ، وعلى رأس بني حنيفة مسيلمة الكذاب ، وعلى كندة الأشعث بن قيس .

هكذا ارتدت العرب على أعقابها ؛ منهم من ارتد وادعى النبوة ، ومنهم من ارتد ومنع الزكاة ، ومنهم من استوعبت الردة قبيلتهم جميعا ، ومنهم من استوعبت بعض القبيلة . وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة الممطرة لقلتهم وكثرة عدوهم وإظلام الجو بفقد نبيهم .

وتطور الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك بعد بيعة الصديق [57] ، فقد بعثت غطفان وأسد وطيء وفودا إلى المدينة ، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة ؛ فلم يستجب لهم أبو بكر ، فرجعوا إلى عشائرهم وأخبروهم بقلة أهل المدينة ، وطمَّعُوهم فيهم . فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة ، وألزم أهلها بحضور المسجد ، وقال لهم : " إن الأرض كافرة ، وقد رأى وفدهم منكم قلة ، وإنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا ، وأدناهم منكم على بريد فاستعدوا وأعدوا " . فما لبثوا ثلاث ليال حتى طرق المرتدون من أسد وطيء وغطفان المدينة المنورة غارة ، فقاد أبو بكر المعركة ضدهم بنفسه فانهزموا .

إن المتأمل لتطورات الفتنة عند وفاة الرسول r ، يكتشف تحالفا ضمنيا ـ على أقل تقدير ـ ، انعقد بين المنافقين والمرتدين . وكأنما خطة إياس بن عبد الله كانت تدور بشكل آخر في ذهن أبي سفيان الذي عرض على الإمام علي أن ينصره بجيش يملأ الأرض على أبي بكر خيلا ورِجْلاً [58] ؛ إذ لا يستطيع أن يجند هذا العدد الهائل إلا بتحالف بين المنافقين والمرتدين ، والمسلمون قلة مستضعفة ولا قدر لأبي سفيان عندهم لأنه من الطلقاء .

أما الصف المسلم  الذي لا يشكو نفاقا ولا ردة ، فقد كان يعاني آفتين مزمنتين، آفة العصبية العائلية والقبلية ، وآفة التشوف إلى السلطة واحتكارها ، وكلاهما قاتلتان.

كان المجتمع العربي المسلم يومئذ ، موزعا بين عديد من مراكز الاستقطاب العائلي والقبلي ، كما هو شأن المجتمعات البدائية ذات العصبية .

بنو هاشم ، وفيهم النبوة الخاتمة والسيادة الدينية قبل البعثة ، وفيهم قال الرسول r [59]: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من  كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " .

وكان غرة جبينهم الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ ، بما فضله الله تعالى من قرابة ومصاهرة للرسول r ، وما حباه به من علم وفضل وشجاعة وفصاحة وحكمة ، وقد قال عنه r [60]: " أنا مدينة العلم وعلي بابها "، وقال عنه أيضا فيما أخرجه أحمد في مسند بني هاشم رقم 23192:" اللهم   من كنت مولاه  فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "  . وكان حريا ببني هاشم إِنْ ولي الخلافة أن يتخذوه جسرا لاحتكارها في البيت الهاشمي .

وعصبية بني أمية ورائدهم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ، ذو النورين الذي تستحيي منه الملائكة . ولئن كان أغلب بني أمية بما فيهم زعيمهم في الجاهلية أبو سفيان ، من الطلقاء الذين لا مطمع لهم في الخلافة ، فإنهم لم يكونوا قد نسوا سيادةً في الجاهلية ذاقوا عسيلتها . ولو ولي عثمان الخلافة بعد رسول الله r ، لاتخذوه جسرا للاستيلاء عليها واحتكارها ، ولأعملوا السيف في رقاب الصحابة كما فعلوا في ما بعد ، أواخر عهد عثمان إذْ بويع .

وعصبية قريش مجتمعة ، ببطاحها وظواهرها ؛ وقد كانت العرب قاطبة تدين لها بالولاء والريادة الدينية ، لكونها مقر الكعبة ومهد النبوة  وأوسط العرب دارا ونسبا. 

وعصبية الأنصار ، الأوس والخزرج مجتمعين ، لكونهم أبناء عمومة ومن العرب القحطانية من اليمن ، ولنصرتهم النبي r ، ولما نزل من القرآن الكريم يشيد بجهادهم وبلائهم في نصرة الإسلام ، ولكونهم أصحاب المدينة المنورة عاصمة الدولة، وسكانها الأصليين ، والأكثرية العددية إذا قيسوا بالمهاجرين ، وليقينهم بأنهم أحق من يحكم ويستأثر بالأمر .

ثم عصبية الأوس وحدهم والخزرج وحدهم ، مما يمثل صراعا تنافسيا كامنا ينتظر فرصة الظهور بين أبناء العم .

فمن الأوس زعيماهم أُسيد بن الحضير وسعد بن معاذ ، الأشهليان العقبيان النقيبان البدريان .

ومن الخزرج بنو النجار ، وسعد بن عبادة ، وأبو قتادة فارس رسول الله r ، وثابت بن قيس خطيبه ، وقيس بن السكن الذي جمع القرآن في حياة النبي r ، والبراء بن أوس زوج أم بردة مرضعة إبراهيم ، ابن رسول الله r .

وكلا القبيلتين تتنافسان مجتمعتين مع قريش على السلطة ، كما تتنافسان فيما بينهما عليها أيضا . وكان تنافسهما فيما بينهما سببا لترجيح كفة قريش على الأنصار يوم السقيفة ، واختيار أبي بكر للخلافة . قال بن الأثير [61] : " ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد بن الحضير ، وكان نقيبا : " والله لئن وليتها الخزرج مرة ، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر " ، فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما أجمعوا عليه ، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب  " .

هذه المخاطر المتعلقة بحركات النفاق والردة ، والتمزق القبلي والصراع على السلطة ومحاولة احتكارها ، إذا أضيف إليها مخاطر اليهود الذين كانوا يلعقون جراحهم في أطراف الجزيرة ، ويتحينون فرص الانقضاض على  الإسلام وأهله ، وحالة الاستنفار لدى الوثنية الفارسية والمسيحية البيزنطية ، رُعباً من الدين الجديد المنتصر وعنفوانية أهله ، وصدق قتاليتهم وصلابة عودهم ، تكون صورة المجتمع الإسلامي في الجزيرة ، والتهديدات التي تحاصره أشد وضوحا وأكثر قتامة .

هذه الظروف بما فيها من مخاطر ، استوعبها ثلاثة أقطاب من كبار الصحابة هم أبو بكر وعمر وعلي ـ رضي الله عنهم ـ ؛ إذ فهموا جوهر نظام الحكم في الإسلام وشكله ، وأنه أمر للمسلمين عامة مبني على الشورى قرارا وتنفيذا ومراقبة، واستوعبوا واقع الفتن والمشاكل التي تواجه المسلمين ، فتعاونوا على تجاوز المحنة وتثبيت أمر الإسلام في القلوب والأمن والوحدة في المجتمع ، بما تم إنجازه في سقيفة بني ساعدة ، تحت مسوغات شرعية سليمة ومبررات سياسية كافية ، عزيمة ورخصة، اختيارا واستخلافا وتدبيرا .

الفصل الرابع

مداولات سقيفة بني ساعدة

      

كان التنافس السياسي على السلطة في سقيفة بني ساعدة بين ثلاثة أطراف : قريش وهم عمدة العرب وعمادهم . والأوس ثم الخزرج ، ولكل منهم سابقة السيادة في الجاهلية ولاحقة النصرة والجهاد في الإسلام . إلا أن هوى غالبية المسلمين كان مع الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ ، الذي تخلف عن حضور اجتماع السقيفة . وعندما فاخر عبد الرحمن بن عوف الأنصار بفضل أبي بكر وعثمان وأبي عبيدة بن الجراح عقب البيعة ، قال له زيد بن الأرقم [62] : " يا ابن عوف ، إننا لا ننكر فضل من ذكرت ، وإن منا لسيد الخزرج ولولا أن عليا بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وغيره من بني هاشم ، اشتغلوا بدفن النبي r ، وبحزنهم عليه فجلسوا في منازلهم ما طمع فيها من طمع ، فانصرف ولا تهِجْ على أصحابك ما لاتقوم به " .

والواقع أن الإمام عليا ـ كرم الله وجهه ـ بما أوتي من حكمة وبُعد نظر ، فضل ألا ينغمر في صراع حول السلطة ، وأن يمتثل لتوجيهات الرسول r ، الخاصة بالإشراف على غسله وكفنه والصلاة عليه ودفنه ، وتقبل التعازي ورعاية الأسرة النبوية في فترة الحزن . فلم يحضر اجتماع السقيفة ولم يجار أحدا في الحديث عن الخلافة ، ولم يستغفله دعاة الفتنة والكيد للإسلام ، أبو سفيان ومن على شاكلته . وبذلك فسح المجال واسعا لقيام مؤسسة الخلافة الراشدة غير الوراثية التي هي أمر للمسلمين كافة ، والتي هي المحجة السياسية البيضاء في الكتاب والسنة .

وما قيل عن إبائه مبايعة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ مضطرب وغير صحيح ، ولا يثبت عند الفحص الدقيق . بل إنه كان أحرص الناس على سلامة أبي بكر ونجاحه في القيام بما نيط به . وعندما عزم أبو بكر على قيادة حرب المرتدين بنفسه، وخرج شاهرا سيفه ، اعترض الإمام علي سبيله وثناه عن عزمه قائلا له [63] : " شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أُصبنا بك لا يكون للإسلام نظام " .

وعندما بويع عمر كان الإمام علي وزيره وعونه وبطانته الصادقة المخلصة الأمينة حتى إن عمر كان يقول: " لولا علي لهلك عمر " .

وعندما بايع الناس عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، قال عبد الله بن عباس للإمام علي  : " قد خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان " ، فقال الإمام علي : " إنهم لم يخدعوني ، بل إني رأيت الجميع راضون به فلم أحب مخالفة المسلمين ، حتى لا تكون فتنة بين الأمة " .

وعندما عُرضت عليه الخلافة بعد مقتل عثمان وألحوا عليه في الأمـر ، قال[64]: " لا حاجة لي في البيعة ، دعوني والتمسوا غيري " .

بهذه الروح العالية والنفس الأبية ، والحكمة الراجحة والتقوى العميقة ، والنظرة السياسية البعيدة والفهم الدقيق لجوهر الحكم في الإسلام ، نظر الإمام علي إلى أمر الخلافة فجنب المسلمين كوارث وفتنا هددت المجتمع المسلم والإسلام نفسه بالفناء والاضمحلال . وكان تخلفه عن ندوة سقيفة بني ساعدة من أهم ما يسر أمر الوفاق فيها على بيعة أبي بكر ، وجنب الأمة بداية وراثية للحكم .

لقد انقدحت شرارة السقيفة من منطلق غير سليم ، إذ تنادت كل من الأوس والخزرج من وراء ظهر المهاجرين ، على أساس قبلي عرقي إقليمي محض ، باعتبارهما أصحاب المدينة  ، وأبناء عمومة ،ومن العرب القحطانية ،وأغلبية الساكنة؛ وأن  المهاجرين قلة من العرب العدنانية ،طردهم أهلهم أصحاب السيادة والقوة والنفوذ من موطنهم الأصلي مكة .

وعلى رغم ما تشربته نفوس المسلمين الأوائل ، من تعاليم إسلامية قيمة صهرتهم جميعا في أمة واحدة ، فإن رواسب من الماضي وعاداته وأعرافه وتقاليده وحساسياته كان يذر قرنها بين الفينة والفينة ؛ في عهد رسول الله r ،   فيعالجها r بالحكمة والموعظة الحسنة والوحي . أما بعد وفاته r فقد انفسح المجال لانفلاق نواة هذه الرواسب في سقيفة بني ساعدة ، باتفاق بين الأوس والخزرج على احتكار السلطة ، تداولا بينهما في إطار " منا أمير ومنكم أمير " .

إن فكرة التداول على السلطة التي ابتدعها الأنصار في غاية النضج السياسي بالنسبة لعصرها ؛ إذْ هي أساس النظم الديموقراطية المعاصرة . ولا أدري هل كان هذا المفهوم التداولي للسلطة معروفا في ذلك العصر وقبله أم لا . إلا أن الفكرة في حد ذاتها متقدمة على عصرها كثيرا . ولكن التداول يحتاج إلى مؤسسات سياسية متينة تحميه من الاحتكار والاستئثار ، وهذا لم يكن متوفرا آنئذ . لذلك كان مآل ما اتفق عليه الأوس والخزرج أن يُنقض ، مهما حسنت النيات ورسخ الوفاء في النفوس . وهو ما انتبه له الأوس عندما أُلقي في روعهم أن الخزرج إن تم لهم الأمر ، سوف لن يتركوا للأوس نصيبا فيه ؛ فنقضوا اتفاقهم مع الخزرج وآزروا المهاجرين  فتمت البيعة لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ؛ ذلك أن خبر اجتماع الأوس والخزرج في السقيفة وما عزموا عليه ورد أبا بكر وعمر ؛ فانطلقا إليهم صحبة أبي عبيدة بن الجراح ، وكان الحوار الشهير المدون في كل كتب السير والتاريخ الإسلامي . وكان من أهم حجج القرشيين فيه :

ـ فضل أبي بكر وسنه ، واحترام كافة المسلمين له ، لاسيما وقد قدمه الرسول r لإمامة الصلاة في فترة مرضه الأخير .

ـ قريش أصلح لجمع شتات العرب في تلك الظروف العصيبة ، لكونها أوسط دارا ونسبا ومقرا للكعبة ومنبتا للوحي والنبوة . فإن ولي الخلافة امرؤ من غيرها كانت الفتنة والردة . إلا أن أحدا لم يستشهد يوم السقيفة بنص من قرآن أو سنة على فضل أبي بكر أو غير أبي بكر ، أو فضل قريش أو غير قريش ، أو وصية لفرد أو بيت أو قبيلة . وهذا يضعف ما رُوي من نصوص منسوبة للرسول r في أمر الاستخلاف . وإنما كان المقياس الوحيد للترشيح والاختيار هو مصلحة المسلمين وما فيه وحدتهم وأمنهم الاجتماعي والتفافهم حول عقيدتهم .

كما أن النقاش الذي دار بينهم يوم السقيفة ، وإن تخللته حدة معهودة في المجتمعات البدوية الفطرية ، قد أسفر عن نضج  سياسي متقدم جدا على عصرهم ؛ إذ الخلاف بينهم كان بين نظريتين كلاهما في عمق السياسة والحكمة .

ـ أولاهما تراعي المصلحة العاجلة ، وتحاول تلافي المخاطر الماحقة التي تهدد المجتمع المسلم والدين الإسلامي نفسه . وهي التي رفع لواءها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح .

ـ وثانيتهما تراعي المصلحة الآجلة ، وأمن الأمة ومساواتها وعدم احتكار السلطة والمسؤولية فيها ، وجانب الأغلبية والأقلية في الساكنة ؛ وهو ما كان يراه الأنصار مما عبَّر عنه قيس بن شماس الأنصاري ؛ إذ قال [65] : " وأخرى فإنكم قد علمتم ما ذكره النبي r فينا من الفضائل الشريفة ، وقد خرج من الدنيا ولم يستخلف رجلا بعينه ، وإنما وكل الناس ، وإنما وكل الله عز وجل عن الكتاب والسنة الجامعة . والله تبارك وتعالى لا يجمع هذه الأمة على الضلال ، فنحن أنصار الله ولنا الإمامة في الناس . فهاتوا ما عندكم يا معشر المهاجرين . والسلام " .

كما ظهر بُعد نظر الأنصار ونضجهم السياسي في حوار خباب بن المنذر الأنصاري مع أبي بكر عقب البيعة مباشرة ؛ إذ قال [66]خباب للأنصار بعد أن بايعوا أبا بكر : " أَتُسَكِّنُوني وقد فعلتم ما فعلتم ، وكأني بأبنائكم وقد وقفوا على أبوابهم يسألون الناس الماء فلا يسقون " .

فقال أبو بكر : " ومتى تخاف ذلك يا خباب " .

قال خباب : " إني لست أخاف منك ، ولكن أخاف مَنْ يأتي بعدك " .

قال أبو بكر : " فإذا كان ذلك ورأيت ما لا تحب فالأمر في ذلك الوقت إليك"

قال خباب : " هيهات يا أبا بكر ، من أين يكون ذلك إذا مضيت أنا وأنت ، وجاءنا قوم من بعد يسومون أبناءنا سوء العذاب ، والله المستعان " .

وما خشيه خباب وفكَّر فيه ، هو عين ما وقع فيما بعد إذ استباح بنو أمية المدينة المنورة ثلاثة أيام ، قتلوا فيها أبناء الأنصار وذبحوا رجالهم وانتهكوا أعراض نسائهم .

لقد كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ حريصا على أن يُوَلَّى الخلافةَ رجلٌ قادر على ألا يجعل لأسرته أو قبيله طريقا إلى وراثتها أو احتكارها ؛ ولذلك رشح لها يوم السقيفة أحد رجلين :

أولهما صلب العود ، قوي الشكيمة ، يفرق منه الشيطان كما أخبر بذلك رسول الله r [67] . فرعه في قريش أقل عددا وأضعف ناصرا ، هو عمر بن الخطاب، من بني عدي بن كعب بن لؤي بن غالب ، الذين لا يرفعون رؤوسهم أمام عنجهية بني أمية وشرف بني هاشم .

وثانيهما رجل دفعه صدقه وتجرده وولاؤه لربه إلى أن يقتل أباه في سبيل الله يوم بدر ، رجل نزل فيه قوله تعالى : ) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ( ـ المجادلة 22 ـ ، وقال فيه r [68] : " هذا أمين هذه الأمة " . هذا الرجل هو أبو عبيدة بن الجراح الذي قطع الصلة بأقرب الناس إليه موالاة لربه . وذلك أكبر ضمان  يحول دون توارث الخلافة إن وُلِّيَها .

لذلك أخذ أبو بكر بيدي عمر وأبي عبيدة ورشحهما يوم السقيفة . إلا أنهما رفضا أن يتقدما عليه ثم أقحماه فيها . فتتابعت بيعة الأنصار والمهاجرين لأبي بكر ؛ ولم يتخلف إلا سعد بن عبادة الذي أنف ولجَّ في أنفته مع بعض أنصاره وأقاربه ، فلم يبايع أبا بكر ولا عمر في خلافته ، ورفض أن يقر الخلافة في قريش .

لقد كان أبو بكر وعمر يعرفان عزة الأنصار أوساً وخزرجاً ، والقرشيين أمويين وهاشميين ، وتعلقهم بالرئاسة وطموحهم إلى احتكارها وتوارثها ؛ لذلك حرصا على أن لا يكون الأمر لرجل منهم ، وأعانهما على ذلك تخلف الإمام علي عن حضور اجتماع السقيفة .

وبقي أبو بكر وعمر  برغم ترخصهما في أمر الاستخلاف مخافة الفتنة ـ وهو الهاجس الذي ظل ينغص حياتهما ـ ، وَفِيَّيْنِ لمبدأ العزيمة الذي هو عدم جواز التوارث واحتكار أمر المسلمين في أسرة أو قبيلة أو فئة .

فعندما احتضر أبو بكر ، كان له من بين أسرته وأصهاره وبني تيم رهطه ، من هم أهل للإمامة . ومع ذلك أعرض عنهم واستخلف عمر من بطن آخر مستضعف في قريش هم بنو عدي .

كان  لـه ابنه عبد الرحمن شقيق عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، شهد اليمامة وقتل سبعة من أكابر المرتدين ، منهم مُحَكَّم اليمامة الذي كان في ثلمة من الحصن، فرماه عبد الرحمن بسهم فأصاب مقتله ودخل المسلمون من تلك الثلمة . وهو الذي وقف في وجه معاوية عندما أراد أخذ البيعة لولده فقال له [69]  : " أهرقلية ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه ، لا نفعل والله أبدا " .

وكان له الزبير بن العوام ، زوج ابنته أسماء وحواري رسول الله r وابن عمته، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وقاتله في النار .

وكان له طلحة بن عبيد الله [70] أحد العشرة المبشرين بالجنة ، من رهطه بني تيم بن مرة بن غالب بن فهر ، يجتمع مع أبي بكر في عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، ويجتمعان مع رسول الله r في مرة بن كعب .

ومع ذلك لم يختر للخلافة إلا عمر ، وفاء منه لمبدئه وتجردا لعقيدته ، ومعرفة دقيقة لما يجري في مجتمعه ، وحرصا منه على قمع الفتن المتوارية تحت الرماد ، وتثبيت أمر الإسلام في النفوس وعلى أرض الواقع ، واستمرار مسيرة الفتح والدعوة في الآفاق .

ولئن كان بعض المهاجرين والأنصار كرهوا استخلاف عمر ، وقالوا لأبي بكر في مرض موته [71] : " نراك استخلفت علينا عمر وقد عرفته ، وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ؛ فكيف إذا وليت عنا وأنت لاق الله عز وجل فسائلك ، فما أنت قائل؟"؛ فإن رد أبي بكر عليهم كان حاسما حازما : " إني وليت أمركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له ؛ وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت . أما والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ، ولتألمن النوم على الصفوف الأذربي ـ نسبة إلى أذربيجان ـ كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان " .

وعندما رفض عمر ترشيح أبي بكر له وقال : " لا حاجة لي بها "، زجره أبو بكر قائلا : " لكن بها إليك حاجة ، والله ما حبوتك بها ، ولكن حبوتها بك " .

وعندما احتضر عمر ، كان يستطيع إذ ترخص بالاستخلاف ، أن يختار أحد أقاربه، وعلى رأسهم ابنه عبد الله الذي رشحه للخلافة بعض الأنصار والمهاجرين ، ولكنه رفض ذلك بشدة ، وحذر ابنه من قبولها .

كذلك عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، كان له من الأقارب والأصهار ، ومن بني أمية من قادة الجيوش وأمراء الشام ومصر ، من هم قادرون على السيطرة والاستئثار بالسلطة والمغالبة عليها ، ومع ذلك تمسك بالعزيمة ولم يستخلف .

والأمر نفسه لزمه الإمام علي ؛ إذ لم يستخلف برغم إلحاح أصحابه عليه . فكانت بذلك العزيمة هي الأصل ، وهي السنة التي ترك النبي r المسلمين عليها ، وهي ما التزم به عثمان وعلي . وكانت الرخصة هي التيسير تلافيا لفتنة تعقبها ردة وهي ما فعله أبو بكر وعمر بتجرد دقيق تام ، لا شبهة فيه لهوى أو غرض أو آفة محاباة أهل أو أقارب .

لقد كانت مقاييس الاختيار طيلة العهد الراشدي مبنية على أسس واضحة بيِّنة ثابتة ، من أهمها :

1 - المساواة المطلقة بين المسلمين ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أحمر أو أسود إلا بالتقوى . وما ذُكر من اشتراط القرشية ليس له أصل في الشرع ، إلا ما رُئي من مصلحة جمع شمل أو وحدة صف في ظروف عصيبة .

2 - مقياس " الأصلح " للمرحلة والحالة ، وهو ما اختير له أبو بكر ثم عمر من بعده . ذلك أن التصرفات عند العقلاء تكون لجلب منفعة أو دفع مضرة . ودفع المضار مقدم على جلب المنافع . ودفع الضرر المظنون واجب ، فما بالك بالضرر المستيقن ؛ وهو ما كان الحال عليه عند اختيار أبي بكر وعمر . وقد حلف أبو هريرة ثلاثا [72]  على أنه (لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبِد الله ) . وأكد عمر مرارا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، وأنها كانت دفعا للفتن [73]: " أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر" . وعندما سُئل أبو بكر : " هل أوصى الرسول r لأحد ؟ " ، قال [74] : " ودَّ أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله r فخرم أنفه بخرامة " . وعندما سُئل : " ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين ؟ " ، قال : " لم أجد من ذلك بدا ، خشيت على أمة محمد r الفرقة " . وقال أيضا : " فبايعوني وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة " ، وقال مرة : " وما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة ولا سألتها في سر ولا علانية " . 

3 - الواقعية في التعامل مع الأحداث ، فلم يجنحوا نحو المثالية وسراب الخيال ، ولم ينهاروا لثقل المسؤولية وإظلام الجو عليهم بفقد نبيهم ، وتألب أرتال النفاق والردة واليهود والنصارى عليهم . بل جمعوا أمرهم ووحدوا قرارهم وأقاموا دولتهم الراشدة، مقدمين دفع المضار على جلب المنافع ؛ حتى إذا اندفعت الأضرار انطلقوا إلى جلب المنافع ، فتحا مبينا ونشرا لدعوة الحق والعدل . وبذلك كان عهدهم حقا عهد خلافة رشيدة .

 

الفصل الخامس

مناورات البيت الأموي للانقضاض على السلطة

 

كانت القيادة في الجاهلية لبني هاشم وبني أمية ، وكلا الحيين من قريش ، ينتميان إلى عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك من العدنانية ، ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

وكان لعبد مناف من الولد : هاشم ( عمرو) ، والمطلب ، وعبد شمس ، ونوفل. وكان هاشم وعبد شمس توأمين . ولم يبق لهاشم عقب إلا عبد المطلب جد رسول الله r من أبيه عبد الله ،[75] وكان بنو هاشم قلة بالنسبة لبني عبد شمس ، خاصة من ولده أمية . والغلبة في البداوة تكون بكثرة عدد الذكور في العائلة الواحدة داخل القبيلة ، وفي القبيلة داخل القوم ؛ لذلك كان التنافس شديدا على الرئاسة بين فرعي بني هاشم وأمية . وإذ احتفظ بنو هاشم في الجاهلية بالسيادة الدينية؛ فإن بني أمية غلبوا على السيادة العسكرية ، فحاربوا رسول الله r بقيادة أبي سفيان ورهطه . ثم عندما انهزموا في فتح مكة ، عفا عنهم الرسول r قائلا : "اذهبوا فأنتم الطلقاء " .

وظل زعيمهم ، أبو سفيان في أول إسلامه على شيء من النفاق والريبة ، حتى إنه لما رأى الناس يطؤون عقب رسول الله r حسده ، وقال في نفسه : " لو عاودت الجمع لهذا الرجل " . فضرب رسول الله r في صدره ، ثم قال له : " إذن يخزيك الله " .

وبعد وفاة الرسول r كان موقنا بأن المسلمين لن يرضوا برئاسته وزعامته ؛ ولذلك خطط لركوب موجة التنافس على الخلافة ، فحاول تحريض العباس وعلي ـ رضي الله عنهما ـ على رفض بيعة أبي بكر ، إلا أن كيده فشل واندحر  .

وطيلة عهد الخلفاء الراشدين ركب وقومه ، موجة الولاء والتقرب لمن بيده السلطة ، وهو نهجه منذ أسلم وطلب من الرسول r أن يعين ولده معاوية كاتبا له  وأن يتزوج بنته الثانية عزة بنت أبي سفيان ، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة؛ فأجابه للأولى ولم يجبه للثانية مبينا له أن الجمع بين الأختين لا يحل [76] .  وفي نفس الوقت كان رجل آخر من بني أمية ، عم لعثمان بن عفان ، هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، يتنقص من رسول الله r ويغتابه، ويتسمع ما يُسِرُّهُ إلى أصحابه فيفشيه إلى المشركين من قريش ؛ كما كان يقلده في مشيته وبعض حركاته بشكل ينطوي على التهكم . فنفاه الرسول r إلى الطائف . وكان أموي ثالث كاتبا للوحي هو عبد الله بن أبي سرح ، ولكنه ارتد ؛ فأهدر النبي r دمه ، فشفع له عثمان يوم الفتح فقبل توبته وعفا عنه [77]  .

وعندما توفي الرسول r ، كان عامله على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص ابن أمية ، فخنس واختبأ عن القوم وتركهم للردة تأكلهم  ، لولا أن سهيل بن عمرو وعظهم على باب الكعبة فثبتوا على الإسلام .

هذه الحالة الأموية لم تكن خفية على أبي بكر ؛ ولذلك كان يحاول الاستفادة للإسلام من شجاعتهم وخبرتهم الحربية بأقل الأضرار . وعندما بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام واليا ، كان من أبرز نصائحه له ألا يولي أقاربه ، وقد روى الحاكم عن يزيد بن أبي سفيان وقال صحيح الإسناد ، قال : ( قال لي أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ حين بعثني إلى الشام : " يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، وذلك أكثر ما أخاف عليك ، بعدما قال رسول الله r :" من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله . لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم " ). 

ولما مات يزيد بن أبي سفيان في طاعون عمواس [78] ، واستخلف أخاه معاوية على دمشق ، أمضى عمر بن الخطاب له ذلك . وعندما أخبر أبو سفيان زوجته هند بموت ابنها يزيد بكت ، وحين أخبرها بتولية أخيه معاوية مكانه كفكفت دموعها وفرحت . وكان هذا أول الطريق الذي مكَّن بني أمية من الانقلاب على الخلافة الراشدة وإقامة ملكهم في الإسلام .

ثم عندما وُلي عثمان بن عفان واستكتب مروان ابن طريد رسول الله r الحكم بن أبي العاص ، تمكن بنو أمية من دار الخلافة وأخذوا يعيثون فيها من وراء ظهر عثمان ـ رضي الله عنه ـ .

ثم في سنة سبع وعشرين للهجرة ، عندما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وولى عليها أخاه لأمه عبد الله بن أبي سرح [79]، صارت السلطة كلها عمليا بيد بني أمية ؛ معاوية في الشام حيث الكثافة السكانية وكثرة الجند والمال ، وضعف الولاء للإسلام لحداثة الناس به ، وكثرة أهل الذمة الحاقدين على منبت الوحي وأهله .

وعبد الله بن أبي سرح في مصر حيث الكثافة السكانية والوفرة المالية وحداثة الناس بالإسلام وكثرة أهل الذمة من القبط كما هو الحال في الشام .

ومروان بن الحكم في مركز الحكم كاتبا خاصا للخليفة ، ومستبدا بأمر الخلافة  بيده خاتمها وأوامر حلها وربطها .

هذا الثلاثي الأموي ، كان ينسق خططه الخاصة بالسيطرة على الحكم بدقة متناهية، رأس الحربة فيه معاوية الذي كان يعرف ما يريد ، ويَعُدُّ عثمان مجرد مرحلة ينبغي تجاوزها ، ويوقن أن كرام الصحابة قد تجاوزتهم الأحداث سياسيا ، ولم يبق لهم أي قدرة على استرجاع المبادرة والعودة إلى النهج الذي يرضونه لدينهم وأمتهم . لذلك عندما قال عثمان لمعاوية [80]: " ما ترى ، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر ، لا بد لهم مما في أنفسهم " ، قال له معاوية : " الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم " . قال عثمان : " من ؟ " ، قال معاوية : " علي وطلحة والزبير "، قال عثمان: " سبحان الله ، أقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه ؟". قال معاوية : " فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك " ، قال عثمان : " لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء " ، قال معاوية: " فاختر مني إحدى ثلاث خصال " ، قال عثمان : " وما هن ؟" ، قال معاوية : " أرتب لك هاهنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام ، يكونون لك ردءا وبين يديك يدا الخ "  . وهذا عين ما اقترحه أبوه من قبل ـ أبو سفيان ـ على الإمام علي عندما حرضه على معارضة بيعة أبي بكر ، فرفض ذلك علي كما رفضه عثمان .

كان منهج بني أمية في التخطيط للانقضاض على الحكم ، لا يرعوي عن اتخاذ كل السبل مهما كانت دنيئة ؛ كالاغتيال السياسي والتسميم والدس ، وتفريخ الفتن في الصف المسلم عامة وفي بيت الخلافة زمن عثمان ، وفي جيش علي أثناء خلافته . ولا يسعنا في هذا المجال ، إلا أن نؤكد أن التخطيط الأموي لإسقاط الخلافة الراشدة وإقامة الملك  لم ينل حظه من الدراسة التاريخية والتنقيب الموضوعي، لكشف كثير من الجرائم السياسية التي وقعت آنذاك ، وصبت كلها في صالح البيت الأموي . بدءا من الرسالة التي زورها مروان بن الحكم باسم عثمان لوفد مصر المتظلم ، إلى والي مصر الأموي عبد الله بن أبي سرح ، يأمره فيها بقتل محمد بن أبي بكر الصديق والمتظلمين ؛ ومرورا بقتل طلحة غيلة على يد مروان بن الحكم يوم الجمل ، وهما معا في معسكر واحد خلف عائشة ـ رضي الله عنها ـ. وباغتيال الزبير بن العوام وقد غادر جيش الخارجين على الإمام علي نادما تائبا . وباغتيال الإمام علي الذي أُدرج في قصة متهافتة عن محاولة لاغتيال ثلاثة ، هم علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، فقُتل واحد فقط هو علي ، ونجا الآخران معاوية وعمرو بن العاص . مع العلم بأن معاوية كان قد عرض على عثمان أن يقتل عليا وطلحة والزبير فرفض ذلك . وقُتل الثلاثة فعلا غيلة في ظروف غامضة ، واستفاد معاوية وحده من هذه الجرائم .

إن سعي معاوية للملك ومحاربته بني هاشم من أجله ليس ظنا وتخمينا واستنتاجا، بل هو حقيقة واقعية أكدتها أفعال آل أمية وأقوالهم . ومعاوية نفسه إذْ أخذ البيعة لولده يزيد من أهل المدينة قال لقومه [81] : " لأخبرنكم عني يا بني أمية ، لن يبرح هذا الأمر فيكم ما عظمتم ملوككم . فإذا تمناها كل امرئ لنفسه وثب بنو عبد المطلب بن هاشم في أقطارها ، وقال الناس : آل الرسول ، فكانت الخلافة فيهم كحجر المنجنيق يذهب أمامه ولا يرجع وراءه " .

لقد تعاون من بني أمية على إسقاط الخلافة بيتان ، بيت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، وبيت مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس . ثم بعد أن تم لهما ذلك استأثر بالملك أولا معاوية بن أبي سفيان وأبناؤه  نيفا وعشرين سنة . ثم انقلب عليهم ابن عمهم مروان وأبناؤه . والبيتان كلاهما جعلا السلطة وراثية دموية لا تراعي في مؤمن إلا ولا ذمة . 

ومن غرائب التقديرات الإلهية أنهم بعد أن قتلوا العترة النبوية وشردوهم ، وأذلوا نساءهم وأطفالهم في سبيل الملك ؛ سُلِّط عليهم في آخر أيامهم بنو العباس ، فقتلوا منهم الأحفاد بالأجداد ، والنساء والأطفال بالرجال ، واستأصلوا شأفتهم . ولم يثبت أبدا أن آل البيت قد سُلِّطوا على بني أمية أو أخذوا بثأرهم منهم ، مما يبقى معه حق رسول الله r وحق شهداء ذريته ومظلوميهم على عاتق بني أمية إلى يوم القيامة.

 

الفصل السادس

الخلافة الراشدة من خلال ممارسة السلطة

 

اتضحت راشدية الخلافة الأولى بدون أي لُبس أو غموض فيما تقدم ، من حيث طريقة اختيار القادة . وهو الجانب الشكلي من النظام السياسي ، الذي تختار فيه الأمة بواسطة الشورى وتحت حاكمية الشريعة ثم المصلحة العامة ، وما هو منطقي من تصرفات العقلاء ، رجال التنفيذ والتدبير والقيادة .

إلا أن للنظام السياسي ركنين أساسين : شكله وجوهره . فطريقة اختيار الرجال من عناصر الشكل ، أما الجوهر فهو ممارسة السلطة الفعلية قرارا وتنفيذا وتسييرا للمرافق ومراقبة ومحاسبة للمسؤولين .

فكيف كانت الممارسة السياسية للسلطة في هذا العهد حتى استحق صفة الرشد والراشدية ؟

لعل أهم ركائز جوهر الحكم في عهد الراشدين كان ركنا ركينا في البناء السياسي، هو الشورى الجماعية المنضبطة بالعقيدة والشريعة ، على أساس قوله تعالى: ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38، وما بينته السنة النبوية المطهرة .

وكانت مقومات الشورى عندهم عرض القضايا وأوجه حلولها على عامة المسلمين في المسجد ، وضمان حرية الاجتهاد وإبداء الرأي بكل خلق كريم ، لا قذف ولا تعريض، ولا مجاملة على حساب الحق ، ولا تغليب هوى أو مصلحة خاصة . وبعد التداول المفتوح وسبر الآراء ونقدها ، يتم اتخاذ القرار الملزم للخليفة والأمة ، إما بانعقاد إجماع أو اتفاق أغلبية . والأغلبية كما نعلم مقياس شرعي ورد في السنة النبوية العملية ؛ إذ نفذ الرسول r الرأي المخالف لرأيه في غزوة أحد . وفيما رواه البختري بن عبيد بن سليمان عن أبيه عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ عن الرسول r قال : " اثنان خير من واحد ، وثلاث خير من اثنين ، وأربعة خير من ثلاثة ، فعليكم بالجماعة ، فإن الله عز وجل لن يجمع أمتي إلا على هدى " . والجماعة في هذا الحديث وردت بمعنى الأغلبية . ولئن وصفوا رواية البختري عن أبيه بالضعف ، فإن حديثه هذا تقويه السنة العملية ، وعمل الراشدين بمقتضاه ، وأحاديث الجماعة ولزومها ، التي وردت بعدة روايات تبلغ درجة التواتر المعنوي .

هكذا كان ينشأ القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحربي بالإجماع أو الأغلبية ، في القضايا الدنيوية التي لم يرد فيها نص ؛ ثم ينفذ تحت مراقبة جميع أفراد الأمة ونصحهم وتعاونهم .

ثم بعد حين انتقل هذا المقياس ـ مقياس الإجماع والأغلبية ـ من المجال السياسي إلى المجال الفقهي ؛ عندما اضطر المسلمون إلى استنباط أحكام شرعية من نصوص الكتاب والسنة لما يجد من حوادث وأحداث . فعُرف بذلك في علوم الفقه وأصوله مصطلح "الإجماع" ، ومصطلح "قول الجمهور" الذي هو رأي أغلبية المجتهدين أو المذاهب .

هذا في القضايا العامة والخطط التي تمس المصالح الكلية وسياسة الدولة والمجتمع. أما القضايا الجزئية والتنفيذية والإجرائية ، فقد كانت موكولة إلى الجهاز التنفيذي برجاله ومرافقه .

ولقد كان منتظرا أن تتطور هذه التجربة الفذة المبنية على الشورى ، بعلاقتها العضوية مع الاجتهاد السياسي وحرية الرأي ، ومفهومي الإجماع والأغلبية في إطار الإيمان والخلق الكريم ؛ لترقى إلى نظام لم تعرفه البشرية من قبل ولا من بعد . إلا أن الصراع القبلي على السلطة والتنافس عليها ، ورواسب التقاليد السياسية والأعراف الاجتماعية والثقافة البدائية الموروثة من عهد الجاهلية ، وتأثير النظم السياسية لدى دول الجوار فرساً وروماً وأحباشا ، وما كان كامنا في المجتمع الإسلامي حينئذ من جماعات أسلمت نفاقا أو انتهازية ، وعدم قيام مؤسسات إدارية وتنظيمية للشورى والتدبير العام اغتال هذه التجربة الوليدة والفريدة والراشدة ، التي بشر بها الرسول r فيما رواه الطبراني [82] قال : " حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أحمد بن يونس ، ثنا الفضيل بن عياض عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالوا : ( قال رسول الله r : " إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة ، ثم يكون رحمة وخلافة الحديث " ) .

إن ممارسة الشورى على النهج القرآني لم تكن لدى الخلفاء الراشدين ادعاء أو شعارا للاستهلاك الإعلامي ، ولم تكن ـ كما زعم بعضهم ـ مجرد فطرة عفوية وخلق غير ملزم مندوب إليه ؛ وإنما كانت تطبيقا حرفيا لواجب شرعي وعزيمة حتمية هما أساس استحقاق نظامهم السياسي صفة الرشد والراشدية .

ولعل حادثة غزو الروم ومشورة المسلمين حولها في عهد أبي بكر ، تقدم لنا صورة واضحة لمنهجهم في تدبير أمرهم [83] . ذلك أن أبا بكر حينما فكر في غزو الروم ، دعا عليا وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجراح ، وعامة الأنصار والمهاجرين من أهل بدر وغيرهم ؛ فدخلوا عليه فقال لهم : " إن الله عز وجل لا تحصى نعماؤه ، ولا تبلغ جزاءها الأعمال ، فله الحمد قد جمع الله كلمتكم ، وأصلح ذات بينكم ، وهداكم إلى الإسلام ، ونفى عنكم الشيطان ؛ وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ، ليؤيد الله المسلمين ويجعل كلمته هي العليا . مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر ؛ لأن من هلك منهم هلك شهيدا ، وما عند الله خير للأبرار . ومن عاش عاشَ مدافعا عن الدين مستوجبا على الله ثواب المجاهدين . وهذا رأيي الذي رأيته فليشر امرؤ علي برأيه " . فقام عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال : " الحمد لله الذي يخص بالخير من شاء من خلقه  والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . قد والله أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت فما قضى أن يكون حتى ذكرته . فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد . سرِّبْ إليهم الخيل في إثر الخيل وابعث الرجال بعد الرجال والجنود تتبعها الجنود ، فإن الله ناصر دينه ومعز الإسلام بأهله " .

وتكلم عبد الرحمن بن عوف فقال :" يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الأصفر ، حد حديد وركن شديد ، ما أرى أن تقتحم عليهم اقتحاما ، ولكن تبعث الخيل فتغير في قواصي أرضهم ، ثم ترجع إليك . وإذا فعلوا ذلك بهم مرارا أضروا بهم وغنموا من أداني أرضهم ، فقعدوا بذلك عن عدوهم . ثم تبعث إلى أرض اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ، ثم تجمعهم جميعا إليك ؛ فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم " ، قال أبو بكر : " ما ترون ؟ " ، قال عثمان:" إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين شفيق عليهم ، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم صلاحا ، فاعزم على إمضائه فإنك غير ضنين " ، فقال طلحة والزبير وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وكل الحاضرين : "صدق عثمان ما رأيت من رأي فأمضه "،      وعلي بن أبي طالب ساكت ، فقال أبو بكر :" ما ترى يا أبا الحسن " ، قال علي:" أرى إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نُصرت عليهم إن شاء الله " . قال أبو بكر :" بشرك الله بالخير ، ومن أين علمت ذلك ؟ " ، قال علي :" سمعت رسول الله r يقول : " لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون " .

قال أبو بكر :" سبحان الله ما أحسن هذا الحديث ، لقد سررتني سرك الله " ، ثم قام في الناس قائلا :" أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام ، وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على كل دين ؛ فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم ألوية ، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم . لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم  " .

وعندما أتم أبو بكر تجهيز الجيش جمع المسلمين مرة أخرى واستشارهم قائلا :" ما ترون في هؤلاء إن أرسلتهم إلى الشام في هذه العدة ؟ " . فقال عمر :" ما أرضى هذه العدة لجموع بني الأصفر " . فالتفت أبو بكر لعامة المسلمين وقال لهم :" ما ترون أنتم؟" . قالوا :" نحن نرى ما رأى عمر " .قال أبو بكر :" ألا أكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد ونرغبهم في ثوابه ؟ " ، فوافق الجميع وتم تنفيذ ما اتفق عليه.

وعندما أقطع أبو بكر رجلين من المؤلفة قلوبهم ، هما عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة ، بعد أن استشار بعض الصحابة الذين كانوا يجالسونه ، اعترض عمر على ذلك وقال لأبي بكر :" أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين ، أرض هي لك خاصة أم هي بين المسلمين ؟ "، قال أبو بكر : " بل هي بين المسلمين عامة " . قال عمر : " فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين ؟ " ، قال أبو بكر :" استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك" . قال عمر : " فإذا استشرت هؤلاء حولك ، أَوَكُلَّ المسلمين أوسعتهم مشورة ؟ " . قال أبو بكر : " قد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا الأمر مني " .

على هذا النهج كانت تنشأ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية  وتنفذ وتراقب ،  في عهد الخلفاء الراشدين ؛ مما حفلت بنماذج فذة منه مختلف كتب التاريخ الإسلامي .

إن الشورى الجماعية الملزمة ، المفتوحة على المجتمع كله في المسجد ، كانت الأداة الفعالة والسبيل القاصد لاتخاذ القرار ؛ سواء منه ما تعلق باختيار الرجال ، أو ما تعلق منه بتسيير دواليب الدولة ومصالحها ووضع حلول ما يستجد من قضاياها، أو ما تعلق بمراقبة المسؤولين ومحاسبتهم وأطرهم على الحق أطرا . وبذلك كانت خلافة راشدة ورحمة على منهاج النبوة .

 

 

الفصل السابع

الخلافة الراشدة من خلال مفهوم العدالة 

 

     يقول الله تعالى :

ـ ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ( النحل 90  .

ـ ) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (  الرحمن 7  - 9 .

ـ ) وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ( الأنعام 152 .

ـ )  َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(  المائدة 8 .

هذه بعض نصوص القرآن الكريم عن العدالة ، ونصوص السنة النبوية في الموضوع أكثر من أن تحصى في هذه الدراسة ، وكلها تؤسس العدالة الإسلامية  على أربعة أركان :

ـ ركن المساواة في التكاليف الشرعية والواجبات الاجتماعية والوطنية ، وفي الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية .

ـ  ركن حفظ ضرورات الفرد والمجتمع حياةً وعقلاً ونسلاً ومالاً وديناً وعرضاً ضمن مصلحة الجماعة التي هي الأمة بصفتها مجموعة مواطنين يكونون دولة على أرض  هي لهم جميعا .

ـ ركن التجرد التام عن الهوى محبة وبغضا ، موالاة وعداوة ، وإن اختلفت الأجناس والألوان والأديان والمصالح والمراتب في سلم الجاه والسلطة والثروة .

ـ ركن الإحسان ، وما  يُستنبط فيه من قواعد التسامح والتغافر والإيثار والتعاون ، وقواعد الضرر الذي يُرفع ، ومنع الضرر ابتداء والضرار جزاءً والمشقة التي تجلب التيسير ، والتيسير الذي يجلب التكليف ؛ مما يخفف وطأة العدالة وشدتها ويحببها إلى الخلق ظالمين ومظلومين .

أما العدالة لدى الوضعيين فتظل مفهوما غائما في عالم العقل ، غير قابل للتطبيق إلا ضمن مقولات متضاربة حول حقوق اجتماعية وسياسية واقتصادية ، وُضعت في ظروف خاصة بواضعيها ، وأهداف لهم آنية ناشئة عن أهوائهم ومصالحهم ، ثم عملوا على صياغتها في قوانين ملزمة . وهي في كل الأحوال لا تخرج عن ثلاث نظريات لكل واحدة منها دعاة وأتباع : النظرية الوضعية ، والنظرية الطبيعية ، والنظرية النفعية البراجماتية .

أما الوضعية ، فهي المتعلقة بأحقية الدولة في استعمال القوة لحفظ نظامها وقوانينها على قاعدة أن ( القوي دائما على حق ) ، وأن القانون دائما عادل ما دامت الدولة قد أقرته.

وأما الطبيعية ، فتعتبر الإنسان حيوانا بشريا غايته التمتع واللذة والرفاه ، وتعتمد على إقرار المبادئ الأخلاقية القائمة فعلا في المجتمع سواء وُجدت دولة أم لم توجد . والقيمة السلوكية السائدة في المجتمع ، هي عين العدالة لديه دائما . وكل ما يتعارض مع تسيب الهوى ـ إن كان التسيب هو العرف ـ يُعد مرفوضا ومتعارضا مع حق الإنسان في الرفاهية والمتعة . والقوانين المنظمة لدواليب الدولة وتصرفات مواطنيها تأخذ قيمتها بحسب انسجامها مع هذه النظرية الطبيعية التي تُعد لدى مريديها إلها نافذ الكلمة والسطوة .

وأما النفعية البراجماتية ، فأساسها أن الأفكار والقوانين والنظم والتصرفات تقاس عدالتها بمقدار ما تحقق من مكاسب ومصالح . وأن عدالة قواعد الدولة وتصرفاتها تتجلى في نتائج نظمها وإنجازاتها وتطبيقها للقوانين . ففي ميدان الاقتصاد مثلا ، يُعد كل ما يجلب العملة الصعبة إلى البلاد عدالة ، حتى لو كان بيعا لأعراض الأمة أو انتهاكا لشرفها أو انتقاصا من سيادتها .

هذا في المجال النظري ، أما في نطاق التطبيق العملي على أرض الواقع ، فقد سُخرت النظرية الطبيعية لتوفير أوجه الرفاه والمتع الحسية وإشباع الغرائز والأهواء السائبة داخل المجتمع . وعُمِل بالنظرية النفعية في ميدان تسيير الدولة ، والكسب فرديا وجماعيا . فصار كل ما يُرجى نفعه من أساليب ومعاملات وتصرفات عين العدالة وجوهرها .

أما النظرية الثالثة ، الوضعية ، التي تعطي الحق للأقوى ، فقد استُخدمت لحماية التطبيق الفعلي في المجتمع والدولة للنظريتين ، الطبيعية والنفعية . أي لحماية الأهواء والتسيب الفكري والسلوكي والاقتصادي بدعوى حق الحصول على  السعادة ، ضمن قاعدتي " الغاية تبرر الوسيلة " ، و " القانون لا يحمي المغفلين " .

هذه هي العدالة الممارَسة في المجتمعات البشرية منذ انعتاقها من ربقة الإسلام ؛ سواء منه الإسلام الموسوي قبل تحريفه ونسخه ، أو الإسلام العيسوي قبل تحريفه ونسخه ، ثم الإسلام الخاتم المحمدي الناسخ ، الباقي إلى يوم القيامة .

فما مدى عدالة الخلافة الراشدة في ظل هذه المفاهيم  ؟ .

إن العدالة الوضعية التي تعطي الحق للأقوى تُعد في مفهوم العدل الإسلامي مرفوضة بكل المقاييس ؛ لأن القوة لله وحده والبشر كلهم متساوون في الحقوق والواجبات ، وهم إزاء الشريعة كأسنان المشط . والرسول r وهو سيد ولد آدم يخاطبه ربه عز وجل بوصف العبودية ) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً.. الآية ( الإسراء 1 .

وفي قمة انتصاراته العسكرية وأدائه التبليغي وكثرة المؤمنين برسالته ، ووفرة المال في دولته ، يخرج إلى الناس في مرضه الأخير ويخاطبهم : " من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني " .

وعندما قدم r المدينة ، وأقطع الدور ، وأقطع ابن مسعود فيمن أقطع ، قال له أصحابه : " يا رسول الله نكبه عنا " . فقال :" فلم بعثني الله إذا ؟ إن الله عز وجل لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه " . والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 197 ونسبه للطبراني وقال رجاله ثقات .

أما عن النظرية الطبيعية ، فإن العدالة الإسلامية تربأ بالإنسان عن أن ينـزل إلى مستوى الحيوان السائب الذي لا ضابط له إلا شهوته . كما لا تعرف للطبيعة معنى إلا كونها من مخلوقات الله الخاضعة لسننه ، وليس لها أي حاكمية أو تصرف في الإنسان .

فإن كانت الطبيعة هي الفطرة ، فالفطرة هي السواء الذي يولد عليه الإنسان ، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . والسواء بذلك هو الأصل في مفهوم العدالة الإسلامية . والانحراف والشذوذ طارئان على الفطرة .

وإن كانت الطبيعة هي السنن الكونية ومختلف الطاقات المادية والمعنوية ، فقد جعل الله لها ضوابط ونظما وقوانين تُسخر من خلالها لصالح الإنسان ) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ( لقمان 20  ، ) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( الجاثية  13 .

إن العدالة الإسلامية تضع الطبيعة في إطارها الحقيقي وحجمها الأصلي ، مسخرة للإنسان ، وعليه أن يكتشف سننها وقوانينها كي يستطيع القيام بواجب الاستخلاف والإعمار الذي خُلق له . وهي في ذلك تراعي طبيعة الكون كله ، وطبيعة علاقته بالخالق سبحانه ، وبالإنسان في مهمته الأرضية ، ضمن توازن دقيق ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( ـ القمر 49 ـ . كما تراعي فاعلية الإنسان الإيجابية والسلبية في الحياة ، ومدى قوته وضعفه وطموحه ونوازعه ، وطاقاته واستعداداته وعلاقاته ، وفضائله ونقائصه وصوابه وخطئه .

إن العدالة الإسلامية تتعامل مع واقع الحياة ومجتمع الناس ، لا مع فروض مستمدة من التجريد المحض ، أو الخيالات والأوهام المجنحة ؛ وتعمل من خلال الحقائق الموضوعية ذات الوجود الواقعي المستيقن . وما عدا ذلك من مفاهيم فلسفية ضبابية وتفكير غائم وتصور أغبش ، فلا مجال له في ساحة العدالة الإسلامية المستمدة من مشكاة الوحي .

وبالنسبة للنظرية النفعية نلاحظ أن العدالة الإسلامية تضع للنفع مقاييس إلهية غير تلك الخاضعة للحواس والهوى والشهوات ومختلف الإشباعات الحيوانية السائبة التي جعلوها مقياسا لسعادة الإنسان .

إن النفع الإسلامي يتخذ الدنيا مطية لحياة أخرى أبدية فيها محاسبة وجزاء ، ويسعد الناس بصفتهم بشرا سويا متوازنا في فكره وعواطفه وسلوكه وكسبه وعلاقاته. وهو بذلك نفع مجاله أرحب ونطاقه أوسع وفائدته أكثر دواما ؛ لأنه يشمل الدنيا والآخرة . وبذلك تتميز نفعية العدالة الإسلامية عن العدالة البراجماتية تميزا تاما في المبادئ والمنطلقات ، وفي المجال والممارسة والنتائج .

إن مما يميز البراجماتية أنها تختلف عن العدالة الإسلامية في أهم خصائصها ؛ فهي تعد الكينونة البشرية دنيوية فقط ، غايتها السعادة . وهي بذلك انبثاق ذاتي من الفكر اليوناني الوثني الذي لا يؤمن باليوم الآخر . أما العدالة الإسلامية فنفعيتها تخاطب الكينونة البشرية في بُعديها الدنيوي والأخروي ، والنتائج التي يتوخاها المؤمن بجانب سعادة الدنيا هي رضى الله تعالى . وأكبر خسارة لديه هي خسران الآخرة ) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (المطففين 15 ـ16. ومن استطاع أن يتلاعب بالعدالة في الدنيا ويفلت من العقوبة ، فالآخرة تنتظره ؛ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجـلهم وجـلودهم بما عملوا  : ) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( ـ الكهف 48 ـ . يقول الرسول r فيما رواه أحمد في مسنده صحيحا : " يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء ، وحتى للذرة من الذر "؛ وعدالته سبحانه وتعالى حينئذ ، قضاء فصل لا إمهال فيه ولا إبطاء ، ولا محاباة ولا ظلم) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (  غافر 17.

بهذا الوضوح والموضوعية والحسم المتوج بالإحسان والرحمة ، تتعامل العدالة الإسلامية مع الكينونة البشرية في وجودها الكلي بسائر مقوماته وخصائصه وحالاته.    

إن العدالة الإسلامية مصدرها الكتاب والسنة وهما وحي من الله تعالى لا يد للدولة فيه . ولذلك ليس للدولة سلطة تشريعية إلا فيما فُوِّض للأمة من حق الاجتهاد. وفيما عدا ذلك فهي خادم مطيع لا حول لها ولا قوة إلا ما دامت خاضعة للشريعة ، منفذة لإرادة الأمة .

هذا الانضباط التام لنصوص الوحي أنشأ مقررات سليمة ترشِّدُ التصرفات ، وتجعل الجميع سواء أمام عدالة الله في الدنيا طوعا واختيارا ، وعدالته في الآخرة كرها واضطرارا .

وهذا ما استوعبه عمر فيما رواه الطبراني [84]، عندما قال للصحابة يوما : " أما والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر ، تذهب بنا شرقا وغربا . فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم ، فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه"  فقال طلحة: " وما عليك لو قلت إن اعوج عزلوه ؟ " ، فقال عمر : " لا ، القتل أنكى لمن بعده ".

إن العدالة الإسلامية انبثاق ذاتي من طبيعة التصور الاعتقادي لدى المؤمن . إنْ اختل تصوره اختلت عقيدته وفقدت بذلك العدالة لديه توازنها وخسر الدنيا والآخرة ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (  البقرة 82 - 85

إن ربانية العدالة الإسلامية تحررها من الهوى والغرض والمحاباة والظلم ؛ لأن واضع سننها ـ عز وجل ـ لا يضره تظالمنا ولا ينفعه تناصفنا ، ولا تفيده عبادتنا ولا يؤذيه عصياننا ؛ فهي بذلك صمام الأمان لسعادة الإنسان ، وهي بذلك أيضا تختلف عن عدالة الاستبداد الوضعية التي كرسها أفلاطون ، عندما جعل الحاكم مخلوقا فوق البشر ، مستمدا سمو فكره ومطلقية قدراته من " العقل الفعال المتصل بواجب الوجود". ولئن حاول أرسطو أن ينقذ البشرية من الاستبداد الأفلاطوني ليبني مجتمعا ودولة تحت حاكمية ما سماه " دستورا " ، فإن كل الدساتير التي عرفتها البشرية لم تأخذ قط طابعا مستقرا ولا خصائص ثابتة في أي بلد أو مجتمع أو نظام حكم . إنها دائمة التغير ، ينقلب بها الناس على بعضهم ، وينقلب عليها الناس فيما بينهم ، ويصوغها كل حاكم على مقاسه ، وكل نخبة متسلطة حسب هواها .      أما العدالة الإسلامية فثابتة مستقرة ؛ لأنها من لدن حكيم خبير ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( ـ الروم 30 ـ .

إن العدالة الإسلامية التي أخذ بها الراشدون أنفسهم وأهليهم وقومهم والإنسانية، ليست من جنس عدالة الفلاسفة الوضعيين أو الطبيعيين أو النفعيين . إنها العدالة الإلهية التي بنوا بها مجتمعا حرا قويا أبيّاً رأوا نموذجه حيا متحركا ، ساعيا فوق الأرض في حياة نبيهم r ، وبذلك استحقوا صفة الرشد والراشدية .

الفصل الثامن

الخلافة الراشدة من خلال النظم السياسية الوضعية  

     عرف الفكر السياسي البشري اجتهادات كثيرة ، لها من المثالب والنقائص ، والاضطراب والتناقض ما حال بينها وبين تحقيق سعادة الإنسان ؛ سواء في ذلك الفكر الوضعي ، أو الفكر الديني سماويا محرفا كان أو وثنيا أو فلسفيا .

وما بلغنا من تراث في هذا المجال يوضح هذه الحقيقة بجلاء . فلدى الأمم الهندية كان المَلِك يعد مسؤولا عن حماية رعاياه وتكريس نظامهم الاجتماعي ، ضمن عقد غير مكتوب ، تمشيا مع حالة أسطورية لمخلوقات شبه إلهية ، ونظام ديني يقسم البشر إلى طوائف متفاوتة القدر ، تتوارث مقامات خاصة من قمة هرم السلطة إلى حضيض الفاقة والسُّخرة .

أما الفكر السياسي الصيني فقد اتسم ببعض التطور ، ولكن الحكم فيه بقي بيد مَلِك يملك وحده بوسيلتي " الإقناع والتهديد " ، من أجل تحقيق رفاهية الشعب .

كما أن مذهب الفكر الفرعوني في عقيدة " المَلِك الإله " أعلن أن فرعون هو "الإله حورس إله المساحات الشاسعة وإله السماء مثل الصقر " ، الذي اتحدت فيه شخصيتان أسطوريتان تمثلان الوجه البحري والوجه القبلي . وأتباعه وحدهم هم البشر الحقيقي ، وما عداهم من الأجانب والعبيد مجرد أشباه حيوانات  لا حقوق لهم .

وفي الفكر الإغريقي رفع أفلاطون شعار " المَلِك الفيلسوف " ، الذي يملك الحقيقة المستمدة من العقل الفعال المنبثق من واجب الوجود ، ويرفه الأحرار من شعبه. أما الأجانب والعبيد فليس لهم إلا واجب خدمتهم للأحرار .

أما الفكر السياسي الروماني ، فقد تبنى القانون الطبيعي الذي يَعُدُّ نشأة الدولة مجرد نتيجة لغريزة الإنسان الاجتماعية . ولئن كانت سلطة الدولة وشرعيتها مستمدتين نظريا من الشعب ، مرتكزتين على إرادته ، فإنه في واقع الأمر أقام نظاما سياسيا يعطي لإرادة الإمبراطور قوة القانون ؛لأن الشعب ـ في نظره ـ تنازل له عن جميع الحقوق والاختصاصات ووضعها في يده ، كما ورد في قانون جوستنيان الروماني.

كذلك الفكر السياسي المسيحي في القرون الوسطى ، رفع شعار طاعة الحاكم مهما فسق أو كفر أو ظلم أو طغى ، طبقا لتوجيهات بولس : " إن الطاعة واجب فرضه الله على المسيحيين " .

وما بلغنا من تراث عهد الإقطاع ، حيث طبقة النبلاء تلتزم بالطاعة التامة للملك في مقابل حماية أملاكهم . ثم طبقة الملاكين الصغار الذين يخدمون النبلاء نظير حماية حياتهم. ثم طبقة الفلاحين والعبيد التي تتحمل وحدها عبء الإنتاج والسخرة .

وما عرفه العصر الحديث من توجهات قومية واشتراكية ورأسمالية ، جماعية وفردية. وكلها تنتحل الديموقراطية وتتبنى شعاراتها ومصطلحاتها .

هذا الركام الفكري السياسي منذ فجر البشرية ، أوجد النظم الحاكمة اليوم في مختلف الدول ، المتقدمة منها والنامية . ولئن تميز نظام عن آخر ببروز عناصر مدرسة فكرية معينة فيه أكثر من غيره ، فإن في كل الأنظمة الحالية رواسب من جميع اتجاهات التراث السياسي البشري .

هذا في المجال النظري ، أما الجانب التطبيقي العملي فإن ما عرفته البشرية من أنظمة سياسية لا يكاد يخرج عن ثلاثة أصناف :

1 - حكم الفرد ، مَلِكاً أو أميرا أو إمبراطورا أو رئيسا ، بيده كل السلطات ، سمته الجهل والشراسة . فإن توفرت فيه الثقافة أحيانا خففت من غلواء استبداده وأحرجته في بعض المواقف ؛ فيضطر للمداورة والمناورة والتمويه في الظروف العادية، بوضع قوانين أو اتخاذ دستور . وإن اشتدت به ضائقة ، أو ضجت من مظالمه الرعية ، أو استفزته الاحتجاجات ، ضرب بالدستور والقوانين عرض الحائط  وتناول البلاد وأهلها بأنيابه وأظفاره .

2 - حكومة النخبة " الأرستقراطية " ، أي حكومة " أفضل الناس " . وسواء كانت الأفضلية وراثية أم عسكرية أم أوليغارشية ـ نخبة الأغنياء ـ ، فإن فضائلها مهما تبجح بها أنصارها لا ترقى إلى مستوى التخريب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي الذي تحدثه بالمجتمع .

3 - حكومة الديموقراطية أو الحكومة الشعبية ، وتدعي أنها تعطي الشعب حق اختيار حكامه ، وتمكنه من  ممارسة السلطة في إطار المساواة بين الأفراد والطبقات   

ولئن ظهرت الديموقراطية المباشرة على شكل حكومة المدينة بأثينا ، ثم في محاولة تطبيقها حاليا بسويسرا ضمن نظم ولجان شعبية على كافة الصعد ، فإن شكلها الثاني ـ الديموقراطية غير المباشرة ـ له في مجال التطبيق ثلاثة أصناف :

أولها : الحكومة البرلمانية التي قد تتعايش مع الحكم الفردي وقد تنفرد بالسلطة دونه .

ثانيها : الحكومة الرئاسية ، التي يكون فيها رئيس الدولة هو رئيس الحكومة ، ويُنتخب من قبل الشعب لمدة معينة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية .

ثالثها : حكومة المجلس الوطني الذي يحتكر السلطة التشريعية والتنفيذية ، بواسطة لجان يعينها المجلس من بين أعضائه وتحت إشرافه ، بصفته ممثلا لإرادة الأمة مثلما كان مطبقا في الاتحاد السوفياتي .

إلا أن القول الفصل في هذا الموضوع ، أنه ليس خارج النظام الإسلامي إلا أسلوبان للحكم ، هما : النهج الديموقراطي ، أيا كانت تسمياته ، والنهج الاستبدادي أيا كانت تسمياته . والممارسة وحدها هي التي تحدد نمط الحكم وطبيعته . وليس علينا من ضير إذا أكدنا أن جميع الأنظمة الديموقراطية فشلت في بناء مجتمع سويّ متوازن ، وفي إقامة نظم تتيح للشعوب أن تحكم نفسها بنفسها بدل أن تدلي برأيها لمن يحكمها ، وأن تقرر في قضاياها بدل أن تُستفتى فيها ، وأن تكون لها على أمرها السلطة الكاملة والسيادة الاعتبارية والفعلية ، سياسيا وقانونيا، تقريرا وتنفيذا ، مراقبة ومحاسبة . بل إن أشد المتحمسين للديموقراطية والمنتقدين للنظم البرلمانية ـ جان جاك روسو ـ قرر استحالة مباشرة الشعب للحكم ، ورأى أن يكتفي بتولي مهمة التشريع فقط .

أما الاستبداد ، صريحا أو مغلفا بشكليات الديموقراطية ، أيّاً كان مصدره ، حزبا أو طبقة أو نخبة أو فردا ، فإن أنظمته كلها تلتقي في صفاته الأساسية التي تنعدم بها الحريات وتُكمم الأفواه وتحتكر الأرزاق ، ويتحول بها الإنسان إلى عبد حاجته الضرورية التي لا تدع مجالا للتفكير في أمة أو وطن أو كرامة أو حال أو مآل . ولا عبرة بما تلجأ إليه هذه الأنظمة بين الفينة والأخرى ، من استفتاءات تأكيدية للولاء ، أو انتخابات لهيئات نيابية تُطبخ نتائجها في إدارات الأمن والداخلية . لأن ذلك كله مجرد تمويه على واقع بئيس ، ودعاية كاذبة لنظم تُنتهك فيها أبسط المعاني الإنسانية . ولأن القرارات السلطوية الحقة بيد القابعين خلف المجالس والمؤسسات الدستورية التي تُمرر منها هذه القرارات بمختلف ضروب التحايل والشيطنة والمقايضة ، إذ المال بيد الحكام والفقر في حياة الشعب ، والوفرة لدى النخبة والحاجة لدى العامة ، سلاحان رئيسيان للكذب والتدجيل وتزوير الإرادات .

هذه أشكال النظم السياسية الوضعية التي عرفتها البشرية ، فما مدى تطابقها أو تعارضها مع الخلافة الراشدة التي أسسها أبو بكر الصديق وبناها عمر الفاروق وانقلب عليها بنو أمية ؟ .

بادئ ذي بدء ، ينبغي أن نبين خطأ الزعم بأن الخلافة الراشدة والديموقراطية المباشرة في أثينا سواء ؛ لأن بين النموذجين فوارق شاسعة من أهمها :

1 - أن الخلافة الراشدة طبقت الشورى الجماعية ضمن المجتمع كله بجميع مواطنيه ، أصليين وأجانب ، أحرارا وعبيدا ، نساء ورجالا ، أغنياء وفقراء ، بيضا وحمرا وسودا، من كافة المراتب الاجتماعية والمستويات . وتشريع الشورى كان يسري في الأمة كما يسري الدم في الجسد الواحد . وهذا الأمر لم تعرفه ديموقراطية أثينا المباشرة ، التي كانت تستثني الأجانب والعبيد والنساء والطبقات الدنيا ، بل حتى في التطبيق المعاصر للديموقراطية المباشرة تستثني قوانين سويسرا حاليا الأجانب المقيمين ولو كان لهم فروع أو أصول تتمتع بالجنسية السويسرية الكاملة . وهذا الاستثناء يُعد هدما لروح الديموقراطية المباشرة وتنكرا لشعاراتها ومقتضياتها .

2 - الخلافة الراشدة طبقت الشورى ضمن تعاليم إلهية تنظم حياة الناس وترشِّدُ تصرفاتهم ، دون قسوة عليهم أو تملق لأهوائهم ؛ فنشأ بذلك  مجتمع نظيف راق ، متوازن ومتطور ، قضى على فتن المؤامرات الداخلية والخارجية ، ووحد الجزيرة العربية ، وبنى دولة الحرية والكرامة ، وحطم أكبر إمبراطوريتين ، الفرس والروم ، وطرد البيزنطيين من مصر وشمال أفريقيا ، ووحد البلاد المفتوحة كلها تحت راية الإسلام شكلا ومضمونا ، في مدة قياسية لم يسبق لها مثيل في التاريخ .

أما دولة الديموقراطية المباشرة في أثينا ، فإنها لم تهيئ مواطنيها إلا للرفاهية المادية السائبة ، واستغلال العبيد والأجانب ، وضعفة المواطنين الذين يمثلون أغلبية الساكنة، مما أوهن دولة أثينا عسكريا واجتماعيا واقتصاديا وأدى إلى هزيمتها المنكرة أمام  "إسبارطة" ، التي كان نظام الحكم فيها فرديا عسكريا صارما .

3 - الخلافة الراشدة طبقت الشورى الجماعية ضمن نظام اقتصادي ، تهيمن عليه العقيدة ، حرر الناس من الحاجة ، وسوَّاهم في ملكية الأرض والثروة ، ورسخ في نفوسهم الأمن والطمأنينة وعدم الخوف من السلطة ؛ فقويت بذلك شوكتهم وتماسك صفهم ، وانطلقوا في ربوع الأرض حاملين مشعل الإيمان وراية الحرية وشعار الكرامة.

أما دولة أثينا فكرست نظاما اقتصاديا استغلاليا تتمتع فيه طبقة الأحرار وحدها بالخيرات ، ويجتر فيه الأجانب والعبيد والمُسْتَغَلون مرارة الحرمان والحقد والغيظ . فما إنْ هوجمت أثينا من قبل إسبارطة حتى ثار المستضعفون وتحولوا إلى طابور لمساعدة العدو ، مما ساهم في تعجيل سقوط الديموقراطية المباشرة تحت سنابك الغزاة.

4 - الخلافة الراشدة كانت تحت حاكمية شريعة ربانية ، وهي شريعة محايدة لا هدف لها إلا إسعاد الناس في الدنيا والآخرة . وهذه الصفة كرست في المجتمع مفهوم المساواة المطلقة ، إلى حد حلب فيه أبو بكر  الخليفة شاة الأعرابية ، وخاطبت عجوز عمر الخليفة بلقب " عويمر " ، ونام فيه علي الخليفة في ليل بارد دون غطاء ، فلما أحس الدفء وعرف أن أحدا وضع عليه غطاء هو مِلْك للمسلمين ، غضب ورماه عن ظهره . ورفض فيه عثمان ، وهو في أشد حالات الحصار ، الاستعانة بالقوة التي وفرها له معاوية ، ثم خرج وخاطب المسلمين قائلا: (وقد سمعت رسول الله r يقول : " لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من الله بُعْداً "، من أساء فليتب ومن أخطأ فليتب . وأنا أول من اتعظ ، والله لئن ردني الحق عبدا لأنتسبن نسب العبيد ، ولأكونن كالمرقوق الذي إن مُلِك صبر وإنْ عُتق شكر ) . وعندما أتاه الحسن بن علي ليدافع عنه رده قائلا : " ارجع يا ابن أخي ، اجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره " . وعندما جرد أبو هريرة سيفه للدفاع عنه قال [85] له : " عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك " . ويرسل إلى الصحابة حويطب بن عبد العزى بقوله [86] : " هذا أمركم تولوه واصنعوا فيه ما شئتم " .

     أما الديموقراطية المباشرة فاحتكرت السلطة فيها طبقة الأحرار من الأغنياء والأشراف والقادة العسكريين ، وشُغل الناس فيها بإرضاء شهواتهم ، وصار الأعيان والسادة مجرد وسطاء بين الشعب وبين المتع الحسية ، مما نخر المجتمع وعصف بعناصر القوة والمنعة فيه .

5 - اختيار المسؤولين في دولة الديموقراطية المباشرة كان يجري بواسطة القرعة بين المرشحين ، مما أخل بمقياس الكفاءة والصلاحية والقدرة . أما في الخلافة الراشدة فقد كان الاختيار بواسطة الشورى الجماعية ، على أساس الرجل الصالح للمسؤولية التي تناسبه ويناسبها . والصلاحية فيها ليست بمقياس النسب أو الشرف أو المال أو القرابة، بل يضبطها قول الرسول r الذي رواه الحاكم  عن يزيد بن أبي سفيان وقال صحيح الإسناد : " مَنْ ولي مِنْ أمر المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم " .

وبالنسبة للحكومة الأرستقراطية أو حكومة أفضل الناس ، فإن مقياس التفاضل في الإسلام هو التقوى . والتقوى ـ وإن بدت بعض علاماتها في المرء ـ مغيبة حقيقة توفرها في الخلق ، لا يعلمها إلا الله تعالى . فرُبَّ قتيل في الجهاد ليس له نصيب من الشهادة ، ورُبَّ قائم في جنح الليل ليس له إلا التعب والسهر ، ورُبَّ صائم ليس له إلا الجوع والعطش . وليس للأمة إلا نبي واحد ومعصوم واحد هو محمد r ؛ لذلك فلا مجال لتمييز الفاضل من المفضول ، ولا مجال لتكوين حكومة نخبة على أساس المال أو الجاه أو الشرف أو القوة أو الأفضلية .

وما سوى ذلك من فوارق بين النظامين في ميادين الشورى واتخاذ القرار وتنفيذه وساحة المراقبة والمحاسبة ، واضح بيِّن ؛ إذ لا يستوي نظام الشورى الجماعية  المنضبطة بالعقيدة مع نظام الاستبداد الذي يهيمن عليه بضعة أفراد لا يجمعهم إلا حب السلطة والتمسك بها .

أما حكومة الديموقراطية غير المباشرة ، برلمانية كانت أو رئاسية أو مجالس وطنية، فإن من أهم ما يميز بينها وبين الخلافة الراشدة :

1 - أن الشورى في الديموقراطية غير المباشرة استطلاع للرأي ، وفي الخلافة الراشدة قرار ملزم مبني على حرية الرأي المفضية إلى الإجماع .

2 - السلطة في الديموقراطية غير المباشرة محتكرة بيد نخبة منتقاة من حزب الأغلبية البرلمانية ، أو تحالف الأقليات الحزبية في البرلمان ، وهي في كل الأحوال تَحَكُّمُ فئة في فئة . أما الخلافة الراشدة فالسلطة فيها للأمة ، والحكومة مجرد جهاز تنفيذي يختارها الجميع على أساس الرجل الصالح للعمل المناسب .

3 - الحكومة في الديموقراطية غير المباشرة تمارس السلطة الفعلية نيابة عن الشعب وباسمه ، ضمن نسق " حاكم ومحكوم " . أما في الخلافة الراشدة فالحاكم هو الأمة والمحكوم هو الجهاز التنفيذي ـ الحكومة ـ ، الذي يُعَدُّ خادما تعينه الأمة بإرادتها وتحت سلطتها ، وتقيله أو تعفيه حسب مشيئتها ، وتقره إلى أجل مسمى بكامل حريتها . هذا بغض النظر عن مثالب الديموقراطية غير المباشرة التي حفلت بها كتب الفقه السياسي المعاصر ، ولا جدوى من إيراد تفاصيلها في هذه الدراسة .

إن النظم السياسية في الفكر البشري ، وإنْ كانت منتمية في مجموعها إلى التراث اليوناني الوثني ، فإنها تُعد امتدادا للفلسفة الإشراقية ، هنديةً وصينيةً وفارسيةً وآشوريةً وبابليةً ، وكلها أيضا وثنية ، ولا تخطط إلا لفترات محدودة من الحياة المادية في الدنيا . أما النظام الإسلامي فيستمد مبادئه ومناهجه وأهدافه من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . الوحي المبني على العلم الدقيق المطلق ، والحكمة البالغة التي ميزت بين ما يصلح للبشر ويصلحهم ، وبين ما يضر البشر ويفسدهم . وشتان بين النهج الرشيد الشامل المتكامل في عالمي الغيب والشهود ، وبين هرطقات مبتذلة وتخيلات وهمية ومحاولات قاصرة .

لقد كان همُّ الخليفة الراشد إشعار نفسه بأنه خادم للأمة ؛ ينفذ قراراتها ويطبق شريعتها ، ويبني في نفس الوقت مؤسسات الدولة ومرافقها . هذه الممارسات الرشيدة هي التي وضعت اللبنات الأولى للخلافة . وعلى ضوء محاكمتها إلى القرآن والتاريخ يتضح جليا أنها كانت تجربة فذة رائدة . فالراشدون وُجدوا ضمن أمة أمية، حديثةِ عهدٍ بتربية نبوية شفوية وعملية ، ورثت أثقالا من بقايا صراع قبلي وتراث جاهلي ، كادت تطيح بأصل الدين عقب وفاة الرسول r . ومع ذلك استطاعوا أن يقطعوا مسافات شاسعة في طريق بناء الدولة النموذجية ، وتركوا لنا تجربة خصبة ثرية قابلة للتطوير والتجديد ، وأسسا متينة صالحة للبناء والتشييد :

ـ تغلبوا على فتن الردة وكبحوا جماح النفاق ، وأعادوا للأمة وحدتها وهيبتها

ـ رسخوا مفهوم الخلافة كمؤسسة خدمية تنفيذية ؛ واستبعدوا بذلك المفهوم الكهنوتي ـ الثيوقراطي ـ للسلطة ، الذي عرفه الغرب المسيحي والشرق الوثني.    

ـ كرسوا مفهوم الخلافة على أنها ليست خلافة عن الله ؛ لأن الله لا يغيب ، وليست خلافة عن النبي r؛ لأن النبي لم يستخلف أحدا ولا أحد يسد مسده ؛ وإنما هي خلافة عن المسلمين في تنفيذ قراراتهم وتطبيق شريعتهم .

ـ كرسوا مفهوم البيعة الشرعية ، بصفتها مجرد عقد توثيقي لقرار اتفقت عليه الأمة واتخذته سلفا ، لا بصفتها نيرا في الأعناق وغُلاًّ في الأيدي وكمامةً على الأفواه .

ـ جعلوا أمر المسلمين لهم جميعا ، ما تعلق منه باختيار الخليفة ومدة ولايته ، وما تعلق بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها . فلم يحتكروه  ضمن دائرة مغلقة أو محدودة من نخبة أو فئة أو قرابة أو مجلس حل وعقد، أو هيئة أولي أمر أو نواب أو شيوخ .

ـ أسسوا مفهومي الإجماع والأغلبية الشورويين ، وجعلوهما مقياسا لاتخاذ القرار وتنفيذه والمحاسبة عليه ، ومهدوا بذلك لنشوء الفقه وأصوله وعلوم الحديث رواية ودراية ، نقدا للمتن والسند ، ضمن شروط العدالة والضبط . ولتأسيس الاجتهاد بمختلف مناهجه وطرقه ، ضمن حرية الرأي المفضية إلى الاتفاق أو الاختلاف ، وما عُرف بالإجماع وقول الجمهور ومذهب الفرد والشذوذ .

ـ كرسوا المفهوم الإسلامي الحق للطاعة ، المرتكزة في الشؤون الدينية على قاعدة "لا طاعة في معصية" ؛ وفي الأمور الدنيوية على أساس أن الطاعة لما تقرره الجماعة ووافق الشريعة .

ـ وزعوا الثراء والرفاهية على جميع أفراد الأمة بالتساوي والعدل ، فاطمأن الناس إلى أرزاقهم واتجهوا إلى ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم .

ـ وزعوا العلم النبوي بالتساوي على أطراف البلاد ، وأرسلوا كبار فقهاء الصحابة والتابعين ، إلى كافة الأقطار . فتم بذلك الانسجام التام بين الدين الجديد وبين واقع الحياة لدى مختلف الشعوب التي أسلمت ؛ كما أخذوا يبنون مؤسسات دولة الشورى ، إدارةً وقضاءً واقتصاداً وقوةً ، وينقلون الأمة من العهد الشفوي إلى النظام الكتابي التوثيقي بكل دقة وحزم ، وقطعوا في ذلك أشواطا كبيرة .

كل هذه الإنجازات التي شملت كافة مناشط الحياة ، تمت في مدة قياسية لم تتجاوز ثلاث عشرة سنة هي فترة خلافة أبي بكر وعمر . ولولا مناورات البيت الأموي الذي فتن الأمة ، وخرب الخلافة وانقلب عليها ، مستعينا بمرتزقة الشام ، وبقايا شراذم النفاق وحاقدي أهل الذمة ، لكانت مؤسسة الخلافة الراشدة قد تم بناؤها وأخرجت شطأها ، وورفت ظلالها وأينعت ثمارها  .

الباب الرابع

فــترة استنبات الفكر السياسي لدى المسلمين

الفصل الأول

الانحراف عن النهج النبوي وآثاره

 

كان النهج السياسي في عهد الخلفاء الراشدين ، واضحا على صراط مستقيم من كتاب وسنة ، إلا أن الانحراف أخذ يذر قرنه بعد الانقلاب الأموي ، باستنبات عفوي لطفيليات من بذور جاهلية وأطماع شخصية وموروث ثقافي مما قبل البعثة النبوية ، واختلاط بعد الفتح بأمم كثيرة ؛ واستنبات مقصود على يد الأسرة التي أطاحت بالخلافة الراشدة وما تلاها من أسر حاكمة .

ولقد استأنف الاستنبات هذا مسيرته عقب وفاة الرسول r حين حرض أبو سفيان عليّاً على رفض بيعة أبي بكر . من ثمَّ واصل خطواته على خوف ورهبة واستحياء ، بسبب قوة الإسلام في النفوس وصرامة القيادة الصديقية والعمرية . هذه المسيرة كان يرعاها الطلقاء والمنافقون ، والأعاجم الذين أسلموا رغبا أو رهبا ، وطلاب السلطة والسيادة ، وأهل الذمة الحاقدون  .

وفي عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ كان البيت الأموي قد تسلل فعلا إلى مؤسسة الخلافة وأحكم قبضته عليها ، ولم يبق له إلا إعلان ذلك . مروان بن الحكم كاتب للدولة مستبد برأيه من وراء الخليفة عثمان ، وعبد الله بن أبي سرح على رأس ولاية مصر ذات الكثافة البشرية والعسكرية والثروة ، ومعاوية بن أبي سفيان على رأس مملكة حقيقية في الشام ، وحوله المستشارون والجند من مرتزقة الأعراب وحضريي الشام وأهل الذمة ، الذين لا يعرفون للإسلام ولا لصحابة رسول الله r حرمة ، ممن هدد بهم معاوية عمارا بقوله  [87] : " يا عمار ، إن بالشام مائة ألف فارس، كل يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم . لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته ، ولا الزبير ولا صحابته ، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ، ولا يتقون سعدا ولا دعوته " .

فلما انهارت مؤسسة الخلافة باغتيال الإمام علي ، تحالفت مراكز القوة الأموية في الشام ومصر والحجاز ، وأقامت دولتها وملكها في دمشق على غير النهج النبوي والخلافة الراشدة . ونال التحريف في عهدهم وعهد من جاء بعدهم كثيرا من المفاهيم الإسلامية ، في ميادين العقيدة والحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الداخلية والخارجية ، مما يتعذر استقصاؤه في هذه الدراسة .

في ميدان العقيدة كان البلاط الأموي أول مؤسسي مذهب الجبر ؛ بمعنى أن القضاء والقدر إكراه وجبر للعبد على الفعل ، وأن الإنسان لا يثبت له فعل ولا قدرة على الفعل أصلا . وكان تبنيهم لهذه العقيدة الفاسدة من أجل التمويه على ما ارتكبوه في حق الأمة وآل نبوتها من جرائم وآثام وسفك دماء ؛ ولتهدئة غضب العامة وثورتهم على مسيرة الانحراف وعملية الانقلاب على نهج النبوة وشيوخ الخلافة الراشدة .

ثم بتشجيع منهم ودعاية من أعوانهم انتشرت هذه البدعة انتشار النار في الهشيم، وصارت "إيديولوجيا " رسمية للدولة ، يجادلون بها ويدافعون عن مواقفهم بمنطقها . وعندما دخل بقية آل البيت من مذبحة كربلاء على عبيد الله بن زياد [88]، وكانت زينب بنت الإمام علي في أرذل ثيابها ، قال لها عبيد الله بن زياد : " الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذَّب أحد ورثتكم " ، فقالت : " الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا ، لا كما تقول . وإنما يُفتضح الفاسق ويُكذب الفاجر " ، قال : " كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ " ، قالت : " كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فيحاجونك إلى الله " . وعندما عُرض عليه علي بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ ، قال له : " ما اسمك ؟  قال : " علي بن الحسين " ، قال:" ألم يقتل الله علي بن الحسين ؟ " ، فسكت .

وعندما عُرض رأس الإمام الحسين ـ رضي الله عنه ـ ، على يزيد بن معاوية قال [89]: " أتدرون من أين أُتي ابن فاطمة ؟ " قالوا : " لا " ، قال : " يزعم أن أباه خير من أبي ، وأمه فاطمة بنت رسول الله r خير من أمي ، وجده رسول الله r خير من جدي ، وأنه خير مني وأحق بهذا الأمر مني ولكنه أُتي من قلة فقهه ، لم يقرأ ) قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ( آل عمران 26 ـ  وقوله تعالى )والله يؤتي ملكه من يشاء( ـ البقرة 247 ـ ".

وبعد انتشار هذه العقيدة الفاسدة ، كان رد الفعل لها ظهور انحراف عقدي آخر ، هو عقيدة المعتزلة القائلين في القضاء والقدر إن العبد قادر خالق لأفعاله كلها خيرها وشرها ، مستحق على فعله ثوابا أو عقابا في الآخرة ، وإن الله تعالى منـزه عن أن يخلق فعلا هو شر أو معصية أو كفر . وتعرضت هذه الفرقة المعارضة لبني أمية ومذهبهم في الجبر ، لكل ضروب الاضطهاد والقتل والمطاردة ، بسبب المخاطر السياسية التي تمثلها عقيدتهم على بني أمية .

كما كان لتآمرهم على الإمام علي برفعهم المصاحف خديعة ، ومطالبتهم بالتحاكم إلى القرآن ، أثر مباشر في ظهور بدعة الخوارج المُحَكِّمَة وعقيدتهم التكفيرية.

أما تبنيهم التقليد العربي الجاهلي في توارث الحكم من قِبَل بيت واحد ، فقد أثار من النعرات القبلية والعائلية ما استنهض كل بيت قرشي للمطالبة بحقه في السلطة . فنشأت العلوية والعباسية والبكرية والعمرية ، بمبررات ومقولات عقدية وسياسية متهافتة ، يحاول كل فريق أن يربطها بالكتاب والسنة . وظهرت بهذا الصراع الفئوي بدع الكذب على الرسول r ، ووضع الأحاديث لتأييد فريق على فريق ، أو انتصارا لاتجاه على اتجاه ، من ذلك :

ـ ما وضعه الحسين بن يحيى الحنائي ، من أنه لما نزلت آية الكرسي قال الرسول r لمعاوية : " أكتبها فلا يقرؤها أحد إلا كُتب لك أجرها " .

ـ وما وضعه إبراهيم بن زكرياء الواسطي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، أن جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي r سفرجل، فأعطى معاوية منها ثلاثة وقال : " تلقاني بهن في الجنة " .

ـ وما وضعه أحمد بن عيسى الخشاب عن عبد الله بن يوسف عن ابن عياش عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن وائلة بن الأسقع عن النبي r قال : "الأمناء عند الله ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية " .

ـ وما وضعه جعفر بن محمد الأنطاكي عن زهير بن معاوية عن أبي خالد الوالدي عن طارق بن شهاب عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله r : "يُبعث معاوية يوم القيامة وعليه رداء من نور " .

ـ وما وضعه أحمد بن الحسين بن القاسم في فضل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ ، عن وكيع بن الجراح عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : " قال رسول الله r : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش : ألا هاتوا أصحاب محمد ، فيؤتى بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب . قال : فيقال لأبي بكر : قف على باب الجنة فأدخل مَنْ شئت برحمة الله وادرأْ من شئت بعلم الله. ويقال لعمر : قف على الميزان فثقل من شئت برحمة الله وخفض من شئت بعلم الله . ويُعطى عثمان من الشجرة التي غرسها الله في الجنة ويقال له : ذُدِ الناس عن الحوض . ويُعطى علي بن أبي طالب حلتين ، ويقال له : البسهما فإني ادخرتهما لك يوم أنشأت خلق السماوات والأرض .

ـ وما وضعه زكرياء بن دويد الكندي عن حميد عن أنس قال : أخذ النبي r بين كتفي أبي بكر وعمر وقال لهما : أنتما وزيراي في الدنيا وأنتما وزيراي في الآخرة . ما مثلي ومثلكما في الجنة إلا كمثل طير يطير في الجنة ، فأنا جؤجؤ الطير وأنتما جناحاي ، فأنا وأنتما نسرح في الجنة ، وأنا وأنتما نزور رب العالمين ، وأنا وأنتما نقعد في مجالس الجنة . فقالا له : يا رسول الله ، وفي الجنة مجالس ؟ ، قال لهما : نعم ، فيهما مجالس ولهو . فقالا له : أي شئ لهو الجنة يا رسول الله ؟ ، قال: لها آجام من قصب من كبريت أحمر وحملها الدر الرطب ، قال : فيخرج ريح من تحت العرش يقال له الطيبة ، فتثور تلك الآجام فيخرج له صوت ينسي أهل الجنة أيام الدنيا وما كان فيها " .

ـ وما وضعه طلحة بن زيد الرقي عن عبيد بن حسان عن عطاء الكيجاواني عن جابر قال : " بينما نحن مع رسول الله r في بيت في نفر من المهاجرين ، فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد بن أبي وقاص . فقال النبي r : " لينهض كل رجل إلى كفوه "، ونهض النبي r إلى عثمان فاعتنقه فقال :  "أنت وليي في الدنيا والآخرة " .

ـ وما وضعه إبراهيم بن عبد الله بن همام عن عبد الرزاق عن معمر قال : قال رسول الله r : " يستجيب للمتظلمين ما لم يكونوا أكثر من الظالمين ، فإذا كانوا أكثر منهم فيدعون فلا يستجيب لهم ".

أما تأويل آيات القرآن الكريم بغير معناها الحقيقي تأويلا سياسيا حسب أهواء الفرق والمذاهب والملل والنحل ، فقد نال كل ما يتعلق بالسلطة والحكم والطاعة من قريب أو بعيد مثل :

قوله تعالى :  ) إني جاعل في الأرض خليفة (   ـ البقرة 30 ـ الذي جعلوه دليلا بتأويل خاص على شرعية حاكم مستبد ، عدُّوه خليفةً وظلاً لله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ .

وقوله تعالى : ) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( النساء 59 ـ حيث جعلوا فسقة الحكام أولياءَ أمرٍ للمسلمين ، طاعتهم واجبة ، وعصيانهم كفر في مذاهب ، ومهدر للدم في مذاهب أخرى .

     وقوله تعالى : ) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (  النساء 58 ـ وعدوا الأمانة هي سلطة الحكم وأهلها هم الحكام .

وقوله تعالى : ) إن أكـرمكم عند الله أتقاكم (   الحجرات 13 ـ  ، حيث فضلوا الجنس العربي على غيره من الأجناس ، وقريشا على غيرها من العرب ، والموالين لهم على غيرهم من قريش والعرب والعجم .

وقوله  تعالى : ) ورفعنا بعضهم فـوق بعض درجات ليتخـذ بعضكم بعضا سخريا ( ـ الزخرف 32 ـ ، وقوله تعالى : ) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ( ـ النحل 71 ـ ، فأولوا ذلك بما يتيح لهم استعباد خلق الله ، وإذلال المسلمين واحتكار الثروة العامة ، وحرمان أهلها منها   .

أما الأحكام الشرعية فقد وظفوها أيضا بتأويل وشيطنة لتثبيت حكمهم وتكريس سلطتهم وإذلال أعدائهم . من ذلك أخذهم البيعة كرها تحت بارقة السيف ، وتوثيقها بيمين المبايع على الطلاق والعتاق في حالة نقضها . فكان الذي يتهم بنقض البيعة تنتزع منه زوجته أم أولاده وتطلق عليه ثم يعقد لرجل آخر عليها، ويجرد من أمواله وممتلكاته ، إِنْ لم يفصل رأسه عن جسده .

ومن ذلك أيضا ، استلحاق اللقطاء ، وهو محرم شرعا ، مثل ما فعل معاوية باستلحاق زياد بن أبيه ، للاستفادة من دهائه وحقده لما ناله من مهانة سفاح أمه .

حتى العبادات التي هي من أركان الإسلام نالها التحريف والعدوان ؛ فقد خطب معاوية خطبة الجمعة جالسا ، وقُدمت خطبة العيد على صلاته ، وصلى الوليد بن يزيد بالناس صلاة الصبح مخمورا أكثر من ركعتين ، ثم التفت إليهم وقال لهم : "أزيدكم ؟ " .

وذكر الفخر الرازي  [90] أن معاوية قدم المدينة ، فصلى بالناس صلاة يُجهر فيها، فقرأ أم القرآن ولم يقرأ ) بسم الله الرحمن الرحيم ( ، فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية : أنسيت ، أين )بسم الله الرحمن الرحيم( حين استفتحت القرآن ؟ ، فأعاد معاوية الصلاة وقرأ )بسم الله الرحمن الرحيم (  .

كما كان بنو أمية أول من وظف المصاحف والمساجد لأغراض السياسة والصراع على السلطة برفعهم المصاحف يوم صفين ، وأمرهم بشتم الإمام علي ـ كرم الله وجهه  ـ على المنابر . وأول من ابتدع الاغتيال السياسي باغتيال طلحة ابن عبيد الله على يد مروان بن الحكم ، والزبير بن العوام ، وتسميم الإمام الحسن ابن علي وقتل الإمام الحسين ، والإمام زيد وابنه يحيى .

الفصل الثاني

بواكير التصنيف السياسي

 

كان بنو أمية أول من استعان في تسيير أمر الأمة بالنصارى واليهود والمجوس ، كتبةً ومستشارين وجنوداً . وقد احتكر اليهود والنصارى في عهدهم بالشام ، المناصب الإدارية الرفيعة ، فكان منصور بن سرجون الرومي كاتبا لمعاوية ثم ليزيد بن معاوية ، ومعاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، وعبد الملك بن مروان . ثم خلفه في نفس المنصب ولده سرجون بن منصور ، ثم حفيده منصور بن سرجون بن منصور الذي ترهب وسُمي يوحنا الدمشقي ، وألف كتاب ( رسالة في الجدل بين مسلم ومسيحي ) ، وصف فيه الإسلام بالهرطقة والمسلمين بالهراطقة .

كما ذكر الجهشياري[91]   أن المجوس احتكروا المناصب الإدارية بخراسان طيلة العهدين الأموي والعباسي ، وأن عمر بن عبد العزيز حين كان خليفة ، أمر بعزل أهل الذمة والمجوس من مناصبهم ، ولكن أمره لم ينفذ بدقة وبقوا في مناصبهم إلى ما بعد ذلك .

وقد كان لهؤلاء الكتبة والإداريين والمستشارين أثر كبير في نقل تراث الأمم وثقافاتها إلى العربية مبكرا . فقد نُقل الديوان المكتوب بالفارسية إلى اللغة العربية في عهد الحجاج ، كما نُقل الديوان المكتوب بالرومية في الشام إلى اللغة العربية في عهد هشام بن عبد الملك .

كما أن التصنيف بدأ مبكرا في عهد بني أمية ، على يد خالد بن يزيد بن معاوية الذي اشتغل بالصنعة ، وأحضر جماعة من فلاسفة اليونان كانوا بمصر ، وأمرهم بنقل الصنعة من اللسانين اليوناني والقبطي إلى اللغة العربية .

واستمرت مسيرة النقل والتعريب للثقافات الأجنبية تتطور ببطء ؛ فنقل أبو عمرو بن يوحنا كتاب أفلاطون في آداب الصبيان ، ونقل الحجاج بن يوسف بن مطر كتاب (أقليدس) في الهندسة نقلين ، أحدهما سماه الهاروني نسبة إلى هارون الرشيد ، والثاني وهو المعول عليه سماه المأموني نسبة إلى المأمون .

كما كان لهذا النهج في تقريب النصارى واليهود والمجوس ، أثر كبير في إذلال القبائل العربية المعارضة ، وكل رموز الأمة من أنصار ومهاجرين وعلماء ؛ إذ سلطت عليهم الأقليات الدينية التي تحولت إلى جماعات ضغط سياسي ، وأرتال المنافقين وعبيد الدرهم والدينار من المسلمين . من ذلك استعانتهم في هجاء الأنصار وصفوة المسلمين بالشاعر النصراني الأخطل ، الذي كان الفرس المجلى في بلاط بني أمية ، زمن معاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم  . أما عبد الملك بن مروان فقد أمر بأن يركب الأخطل الكافر ظهر جرير بن عطية المسلم التقي ، وما ذلك إلا لأن الأخطل كان قد طوّل لسانه في التنقيص من الأنصار وهجائهم وشتم المعارضين لسلطة بني أمية . ثم تجاوز ذلك كله إلى الطعن في الإسلام نفسه والاستخفاف بالمسلمين عامة ، فقال [92]   :

ولست بصائم رمضان  طوعا          ولست بآكل لحــم الأضاحـي

ولست بزاجر عنسا  بكـورا         إلى بطحاء مكـة   للنجـــاح

ولست مناديا أبدا بلـيــل         كمثل العير : حـي   على الفلاح

ولكني  سأشربها شمـــولا          وأسجد عند  منبلج   الصبــاح

ومع ذلك لم يزدد إلا قربا من بني أمية وتمكنا من بلاطهم ، واحتطابا لأموال بيت المسلمين.

هذه البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، التي استنبت فيها الفكر السياسي لدى المسلمين بعد سقوط الخلافة الراشدة ، امتدت من بداية أمر بني أمية إلى انهيار ملكهم ، ومن بداية دولة بني العباس إلى عهد المأمون العباسي الذي أسس دار الحكمة وأشرف بنفسه على تعريب الثقافات الأجنبية ، وعلى رعاية المذهب المعتـزلي الذي اضطهد كرام العلماء والفقهاء جلدا وسجنا وقتلا .

طيلة هذه الفترة تم تطعيم الساحة السياسية في المجال الثقافي وعلى أرض الواقع،  بمفاهيم سُربت إليها بواسطة وضع الأحاديث والتأويل المبتسر المغرض لبعض آيات القرآن الكريم ، وانتحال الأخبار ، وتجنيد الشعراء والكتاب ، فلم يكد يشرف العهد الأموي على نهايته حتى أينعت ثمار هذا الغراس ، أدبياتٍ سياسيةً معتمدةً في معظمها على الثقافة الوافدة وتقاليد ما قبل البعثة النبوية . من ذلك :

رسائل عبد الحميد الكاتب (ت 132 هـ/750م) ، الذي اختص بمروان بن محمد وقُتل معه ، كرسالته إلى أبي مسلم الخراساني عندما اتسعت دعوة العباسيين ، وما كتبه نصيحة لولي العهد عبد الله بن مروان بن محمد ، وما كتبه عن آداب الكتابة والدواوين في " رسالة إلى الكتاب " .

ثم ما كتبه عبد الله بن المقفع (109 - 145 هـ/727 -762 م) عن آداب الملك وسياسته في " الأدب الصغير" و" الأدب الكبير" ، و" كليلة ودمنة " .

وما كتبه عمرو بن بحر الجاحظ (150 - 255 هـ/ 767 - 869 م) في " البيان والتبيين" ، و" الرسائل الكلامية " ، و" الرسائل السياسية " . ولعل الجاحظ بذلك أول من بحث الإمامة من وجهة نظر معتزلية ؛ إذ استعرض في باب " استحقاق الإمامة" من رسائله الكلامية ، آراء الفرق والمذاهب حول الإمامة العظمى ووجوبها، وصفات الخليفة ، ودرجاته من رسول ونبي وإمام .

ثم بعد حين ظهر عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213 - 276 هـ/ 828/889) ، فاتخذ في كتابه " عيون الأخبار " بابا بعنوان "كتاب السلطان " ، تحدث فيه عن السلطان ومكانته ، وسيرته وسياسته وصحبته ، وآداب معاشرته وتغيره وتلونه واختيار عماله . وحشر فيما كتب حِكَماً وأمثالا وشعرا وأقوالا للصحابة والتابعين والأدباء والفلاسفة وملوك العرب والعجم .

     وبعده مباشرة ألف أحمد بن عبد ربه القرطبي ( 246 - 328 هـ/ 860- 940م )  "كتاب العقد الفريد " ، وخصص فيه بابا بعنوان " فرش كتاب اللؤلؤة في السلطان". وبواسطة ما اختار من أمثال وشعر ونثر وحكمة مقتبسة  من تراث الأمم السالفة على غرار نهج ابن قتيبة ، بيّن حاجة العمران إلى السلطان ، وحاجة السلطان إلى النصيحة ولزوم الطاعة ، وآداب خدمة السلطان ومصاحبته ، وكيفية اختيار السلطان أهل عمله ، وما يلزمه لحسن السياسة وإقامة المملكة ، وصفات الإمام العادل من هيبة وتواضع وحسن سيرة ، ورفق بالرعية ، وحزم وعزم ومشورة.

لقد أسفر عهد بني أمية وصدر عهد بني العباس ، في ساحة الفكر السياسي عن أربع نتائج :

أولاها : تكريس مفاهيم الاستبداد المتمرد على تعاليم الإسلام ، ومبادئ الحرية والكرامة والمساواة والعدل .

وثانيتها : الاتجاه إلى الثقافة الأجنبية والاستقاء منها ، واتخاذها مرجعا أساسيا ، بدون ترو أو تمييز .

ثالثتها : بواكير من كتابات سياسية غير واضحة المعالم ، متأثرة بالتراث التاريخي القومي والوافد ، مبثوثة في كتب الأدب والأخبار .

رابعتها : التمهيد لظهور التصنيف السياسي الصرف ، في المجالين الفلسفي والفقهي .

الباب الخامس

التصنيف السياسي الفلسفي

 

الفصل الأول

تمهيــــــــــــــــــــــــــد

     بدأ تدوين الفقه السياسي متأخرا جدا عن تدوين كثير من العلوم ، كالحديث والتاريخ والتفسير والفقه والأدب . وامتدت فترة التمهيد له مدة طويلة ، من أواخر الخلافة الراشدة إلى عصر المأمون العباسي . كما ساهم في تكوين بنيته الفكرية كل العناصر الثقافية المحلية والوافدة جاهلية وإسلاما .

ونظرا لكون الأمة العربية كانت قبل البعثة وصدر الإسلام ، شفوية الثقافة، فقد ظل التفكير السياسي لديها شفويا تتداوله  الألسن شعرا وحكمة وأخبارا . ولم تكن الحاجة ماسة إلى تدوينه في فجر الإسلام مثلما كانت بالنسبة للعلوم المتصلة اتصالا واضحا مباشرا بالعقيدة والعبادة . لذلك تأخر التدوين السياسي إلى أوائل القرن الهجري الثاني ، حيث ظهر ضمن مصنفات أدبية وأخبارية على هيئة مواعظ ونصائح وأساطير مقتبسة من تجارب الإنسان وتقاليد الأمم . ومن ثم انتقل إلى مرحلة ثانية هي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به ؛ ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية . فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدا للفلسفة الإشراقية ، هندية وصينية وبابلية وآشورية وفـارسية ويونانية . وكان ذلك على يد الفـارابي  (260 - 339 هـ / 874 - 950 م ) ، المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطو ؛ حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة مؤلفات منها : " رسالة تحصيل السعادة " ، " السياسة المدنية " ،  "رسالة السياسة " ، " الفصول المدنية " ، " آراء أهل المدينة الفاضلة  " .

وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م ) ، ظهرت الكتابات السياسية لجماعة " إخوان الصفا وخلان الوفا " ، متأثرة بنفس المؤثرات . وكانت السياسة لديها تمثل علما مستقلا بذاته ، له خمسة أقسام : السياسة النبوية ، والسياسة الملوكية ، والسياسة العامية ، والسياسة الخاصية ، والسياسة الذاتية                                            

     وفي بداية القرن الهجري الخامس ـ الحادي عشر الميلادي ـ ، ظهرت المرحلة الثالثة بأول الكتابات السياسية المستقلة عن الفكر الفلسفي ، المتأثرة بالفقه والشريعة، على يد الماوردي ( 364 - 450 هـ / 975 – 1058 م ) ومن نهج نهجه ونحا نحوه .

ولقد سار الفقهاء والمتكلمون في هذه المرحلة ، على نهج تشريعي لما ينبغي وما يجب وما يجوز وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة . واستوفت أبحاثهم نظم الملك والوزارة والإدارة والقضاء ، والحسبة والأموال وتنظيم الجيوش والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة . كما بذلوا جهودا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها ، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية .

ثم تدهور التصنيف في هذه المرحلة إلى مستوى من الإسفاف والمداهنة الخانعة ، بأسلوب متودد يحاول حفظ ماء وجه الفقهاء ، ولا يزعج الحكام أو يضايقهم ، من خلال الإعراض عن ذكر الأحكام الشرعية الخاصة بتصرفات الخليفة ، والاقتصار على تقديم النصائح ذات الطابع الأخلاقي والتعليمي التي من شأنها أن تحفظ العروش أطول مدة ممكنة ، والتذكير بوصايا من تراث الأمم ، ومأثورات الطرائف والأساطير ومختارات الشعر والنثر والحكم والأمثال ، وآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية ما صح منها وما لم يصح ، مثلما هو حال كتاب " سير الملوك " لنظام الملك ( 408 - 485 هـ / 1018 – 1092 م ) ، و"سلوان المطاع في عدوان الأتباع " لمحمد بن ظفر الصقلي المكي ( 497 - 565هـ / 1104 - 1169 م ) ، و"النهج المسلوك " لابن نصر الشيزري (ت 589 هـ ) .

ثم بعد ذلك ظل التصنيف السياسي لدى المسلمين متأرجحا بين هذه المراحل ، لا يغادرها ولا يتطور لما هو خير منها ، إلى عصر النهضة الحديثة التي حاول استنهاض الهمم فيها كل من الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ومن جاء بعدهم . ولكن محاولاتهم ظلت حبيسة ازدواجية عقيمة ، تتخذ مرجعية في فقه الماوردي من جهة ، وتحاول تطويرا بالديموقراطية الغربية من جهة أخرى ؛ لذلك لم تثمر تأصيلا حقيقيا لنظام حكم إسلامي متميز في الكتاب والسنة  .

ولئن كان من الصواب البدء بدراسة التصنيف الفلسفي نظرا لأسبقية ظهوره ؛ فإن بعضا من الإسلاميين قد لا يوافق على إقحام الآراء السياسية لفلاسفة المسلمين الأوائل في هذه الدراسة ، لأسباب عقدية تتعلق بتصورهم الإيماني ، أو مبررات أصولية لها علاقة بطرق استنباطهم التي لا تمت إلى منهجية الاستنباط الشرعي بصلة، أو مسوغات فقهية خاصة بمرجعيتهم غير الإسلامية استنادا واستدلالا .

إلا أن ذلك لا ينفي وجوب التزام الموضوعية في دراسة نظم الحكم عند المسلمين بكل اتجاهاتهم ، وكشف مختلف المؤثرات والعوامل التي ساهمت في تكوين فكرهم السياسي ؛ كي تتضح رؤيتنا لمسار الدولة الإسلامية نظرا وتطبيقا على مدار التاريخ ، ولأوضاعنا المعاصرة بكل مساربها ومتاهاتها ، ونقائصها ونواقضها ، وذبذباتها المتأرجحة بين عوامل الداخل والخارج ، الأصيل والدخيل ، سلبا وإيجابا .

ولنتبين مدى قرب الفكر السياسي الحديث لدى المسلمين أو ابتعاده من التشريع الإسلامي في الكتاب والسنة ، ونستبين أوجه الانحراف وسبل التقويم ، إذ التعلم باكتشاف الخطأ أبلغ في النفس وأشد تأثيرا .

ولا ريب أن منهجنا الذي نلتزم به ونسير على هديه ، مرتكز على قاعدة أساسية متينة ، هي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقا من مرجعية الكتاب والسنة ، عقيدة وأصولا وفروعا . وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرا بالإسلام أو ملتقيا به في بعض جزئياته أو كلياته ؛ إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلا صادقا.  ذلك لأن بوصلة التوجه إلى أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح . وكل غبش يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبا على التصرفات ، عقلية كانت أو سلوكية .

وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة ، واضطراب مرجعيتهم الفكرية ؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية ، التقاءً عفويا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته ، أو التقاء إراديا بقصد التمويه على انحرافهم  الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان ، في نظرتهم إلى عالمي الغيب والشهود ، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية منبثقة عنها .

ولعلنا لا نحيد عن الصواب إن ركزنا في بحثنا هذا على المرجعية الفكرية والفلسفية والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندا ومتكأ . ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني ؛ وأعرضنا مطلقا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة ، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية ، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم ، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية . علما بأن فكرهم السياسي لم يتبلور قط إلى مستوى صياغة نظام للحكم متكامل ، بمنهجه ونظمه للإدارة والمال والتدبير العام ؛ وإنما كان مبثوثا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلا ومضمونا ، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود ، والمادة والروح والطبيعة وما وراءها ، والاجتماع البشري والسعادة والشقاوة ؛ مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي ، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة .

أما التصنيف السياسي المباشر فقد ظهرت أولى بواكيره على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع " السياسة " بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في التسيير ، وكان من أول مؤلفيها تحت عنوان " رسالة في السياسة " كل من الفارابي وأبو القاسم المغربي وابن سينا .

ولئن اختلفت بعض مضامين هذه الرسائل التي تطابقت عناوينها فإنها اتفقت كلها في ثلاث هن :

1 ـ أن السياسة حاجة ملحة لكل البشر رفيعهم ووضيعهم ، ولكن الملوك ثم أعوانهم أشد حاجة إليها .

2 ـ لم يعتمدوا في تصانيفهم على الكتاب والسنة مرجعا أو استشهادا .

3 ـ كانت منطلقاتهم الفكرية والفلسفية معتمدة اعتمادا مطلقا على الفكر اليوناني .

ثم بعد ذلك أخذت تظهر مصنفات فلسفية موجهة للملوك فقط ، ترشدهم إلى ما ينبغي عمله وإقامته في سياستهم ، مثل كتاب " سلوك المالك في تدبير الممالك " لابن أبي الربيع .

الفصل الثاني

المرجعية الفكرية لدى فلاسفة المسلمين

 

يذهب البعض إلى أن الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس وغيرهم هي الأساس الذي بُني عليه تفكير فلاسفة المفكرين المسلمين الأوائل . إلا أن في هذه الدعوى تجاوزا كبيرا للحقيقة ؛ لأن الفلسفة اليونانية نفسها ليست إلا امتدادا وخلاصة للأوهام الميتافيزيقية التي كانت منبتا لأديان القارة الآسيوية ؛ وذلك ما نُقل إلى الثقافة العربية في صدر دولة بني العباس وكان مرجعا لأول حركة فلسفية في الإسلام .

إن الإنسان عندما نسي المنهج الرباني الذي أنزل مع آدم عليه السلام ، وفقد الصلة بالله ، وارتكس في حمأة الجاهلية والبدائية ، ملأت الهواجس والأوهام قلبه وعقله  واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف ، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ ، فأقبل على نفسه ينسج لها استجلابا للطمأنينة ، خيالات وتصورات وأساطير وخرافات ، عما لا يفهمه وما يرجوه أو ما يرهبه ويخافه . فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين ، تراث ضخم من المعتقدات الضالة المضطربة ، التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء ، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة ماضيا واستقبالا . ثم تحول هذا التراث إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والطواطم والنجوم والكواكب ، واتخاذها آلهة وأربابا .

ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الآسيوي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه . وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما : المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنئذ ، والمعرفة الغيبية اليقينية التي لا مصدر لها إلا الوحي .

ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر السياسي في محاورة "بروتاجوراس" ، تقدم لنا خير مثال على ما نذهب إليه من أن الفكر البشري عامة والسياسي خاصة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام [93] .

لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية ، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها ، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع ، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء . ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع . فعمد "برومثيوس" إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ ،  من معبد أثينا ، وسلمهما للإنسان . وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة .

على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور ، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها ؛ مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم  عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة .

إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان :

ـ في بلاد ما بين النهرين ، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم " أبناء الشمس " .

ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية ، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة ، والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد ، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية ، وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره ، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية .

ـ وفي الهند لدى البراهمة ، وعقيدة اتصال النفس بالمبدأ الروحاني " براهمان " ، الذي يحل في جميع مظاهر الوجود . وعقيدة شرائع " مينو " التي تقسم الناس إلى أربع طبقات :

طبقة البراهمة ، رجال الدين والنخبة السياسية ، الذين خلقوا حسب زعمهم من رأس الإله، وهم أعلى الناس وخلاصة الجنس البشري .

وطبقة الجند ، حماة البلاد الذين خلقوا من منكبي "براهما " ويديه ، ويحق لهم بعد البراهمة قراءة الكتب المقدسة .

وطبقة التجار والزراع المكلفة بالإنتاج والنشاط الاقتصادي والفلاحي ، وخلقوا من ركبتي " براهما " .

وطبقة الخدم والأسرى المخلوقين من قدمي " براهما " ، وليس لهم إلا خدمة الطبقات التي فوقهم .

ـ وفي بلاد فارس حيث ظهرت الهرمسية والزرادشتية والصابئة والكلدانيون عبدة النجوم، ممن يؤمن بفناء الجسد وخلود النفس في النعيم أو الشقاء ، وبالقائد البشري الكامل الذي يعرف حقيقة الوجود .

ـ وفي الفكر المصري الفرعوني ومدرسة الإسكندرية التي التقت فيها تيارات أوروبا وآسيا وإفريقيا ، ونشأت بها طقوس نظمت مفهوم الألوهية وعلاقتها بالبشر، ووضعت قواعد الثواب والعقاب ، وأنشأت عقيدة ثنائية التركيب البشري وخلود النفس ، وأبوة الشمس والنجوم لبعض النخب السياسية .

هذه المعتقدات الهلامية والتصورات الضالة هي التي ورثها اليونان وظهرت فيما كان لديهم من علوم وفنون وآداب وفلسفة .

ظهرت لدى الفيتاغوريين عقيدة تؤمن بثنائية التركيب البشري ، وضرورة تطهير النفس بالعلوم الطبيعية والعملية كالموسيقى والرياضيات وما وراء الطبيعة ، كي تتمكن من الصعود إلى عالم الأفلاك ، حيث سعادتها الأبدية واتحادها بواجب الوجود .

ولدى الأفلوطينيين في عقيدة الآلهة المتعددة من النجوم والكواكب التي ترى وتسمع وتدبر الكون ، وعقيدة المعرفة الحدسية التي يختص بها قادة الشعوب أنبياء وملوكا وفلاسفة ، والمعرفة العقلية الجدلية التي هي الطريق العادي لاكتساب العلوم.

على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة الوثنية ، سار الفكر السياسي وعلى أركانها تأسس :

من مفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة لدى البابليين والفراعنة والصينيين والهنود، إلى ما طوره من نفس المفاهيم كل من اليونان والرومان ، إلى ما نقل إلى اللغة العربية في القرنين الهجريين ، الثالث والرابع ؛ وعمل فلاسفة المسلمين على إعادة صياغته في صباغ إسلامي لم يستطع أن يخفي أصله الوثني .

ومن أفكار كونفوشيوس في" التعليم الأكبر" و"عقيدة الوسط"و" الأغاني"  حول فساد الحكم ، ومهام الحكومة وواجبها في توفير حاجات الناس أمنا وطعاما ، وشروط الكفاءة في الحاكم وممارساته السياسية والتدبيرية ؛ إلى تصورات الحكماء السبعة في أثينا لنظام الدولة وتشريعاتها الخاصة بقواعد الإدارة وأساليب تحقيق السعادة؛ إلى نظريات فيتاغورس في العدالة والمساواة ، وما يرى الأبيقوريون من وجوب الخضوع للدولة ولو كانت استبدادية ما دامت تحقق الأمن والنظام ، وما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون ، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم .

إلى ما تطور إليه الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية ، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار ؛ مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي . وما سار عليه الفكر السياسي الروماني الذي ميّز بين الدولة والفرد ، وجعل لكل منهما حقوقا وواجبات ، وبلور فكرة سيادة الدولة ونظرية العقد الحكومي ، ونظرية القانون الطبيعي التي وضعها " شيشرون " على أساس أن للكون خالقا واحدا ، وأن للدولة قانونا واحدا يجب أن يطبق على الجميع  .  إلى ما عربه المسلمون في دار الحكمة التي أسسها المأمون العباسي ، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي .

إلا أن مما يثير الاستغراب أن العرب لم يقتبسوا من هذا التراث السياسي الذي عكفوا على تعريبه ، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي ؛ وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم ، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة ، القادر وحده على إسعاد الشعب . أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور ، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة ، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون ، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما ، فإن النقل العربي قد أهمله وأغفله ، ولم نجد له أثرا في فكرهم وتراثهم . ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة ، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها . وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي ، لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به .

هذه خلاصة المرجعية الفكرية والسياسية التي نُقلت إلى اللغة العربية ، وصادفت ظروفا بيئية مناسبة للغراس فنمت وأثمرت .

ولقد التقى العرب المسلمون قبل هذه الفترة بهذه المعتقدات الدينية والفلسفية عدة مرات فاستعلوا عليها ولم تؤثر فيهم .

التقوا بها وهم رسل للنبوة الخاتمة بدعوة الحق لدى ملوك الفرس والروم والقبط، يملأ قلوبهم نور العقيدة واستعلاء الإيمان ، والحرص الصادق الأمين على إخراج الناس من عبادة العباد إلى رحابة عبادة رب العباد ، فاحتقروا تلك المعتقدات وترفعوا حتى عن اعتبارها فكرا أو فلسفة أو مجرد عقل سوي .

ثم التقوا بها بعد أن استعصى أهلها على الرشد ، مجاهدين وغزاة وفاتحين ، فحطموا  الأوثان ونشروا رسالة التوحيد والإيمان .

والتقوا بها مرة أخرى حين وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة ، وتحول أمر المسلمين إلى الاستبداد ، وفر الصادقون من الأمة مضطهدين ومهاجرين شرقا وغربا؛ فنشروا دين الحق وقوضوا أركان الشرك والكفر .

ثم لما كان عهد بني العباس ذو النـزعة الأعجمية فرسا وتركا ، وانفرط عقد الوحدة العقدية بتمزق الأمة مللا ونحلا ومذاهب ، وضعف الالتزام بالدين بين الحاكمين والمحكومين ، وتمكن العسف والاضطهاد والاستبداد من رقاب العباد ؛ أُرسلت عاصفة المترجمات الفلسفية اليونانية والسريانية والقبطية والفارسية ، فتلقفتها النخبة المقربة من أصحاب النفوذ ، وأصبحت الرطانة بمصطلحات اليونان والإغريق ميزة الصفوة وبدعة ذوي المقامات .

وإذ أخذ الفقهاء والعلماء الصادقون يضجون من موجة الانحراف هذه ، ويوضحون خطرها على الأمة وعظا وكتابة وحوارا وجدلا ، أُثيرت للتغطية والتمويه وصرف الأنظار ، معركة كلامية حول ما دُعي علاقة بين العقل والنقل ، تقديما وتأخيرا ، حاكما ومحكوما . وبذلك أسبغت على الصراع بين الإسلام وبين الوثنيات الفلسفية صفة الجدل العلمي الرصين ، على رغم ما في ذلك من خلط وتلبيس وتدليس . ذلك أن هذه التيارات التي زعمت أنها تحكم العقل في النص ليس لها ما يؤيد دعواها ؛ لأن العقل السليم المجرد السوي ، المتحرر من الخرافة والأوهام، المدجج بالمعارف المادية الصحيحة والتصورات الغيبية اليقينية ذات المصدر الرباني ، ليس له إلا أن يسخر من هذه الفلسفات ذات الجذور الخرافية الأسطورية  .

إن هذه التيارات التي تزعم تحكيم العقل في النص ، لم تحكم في واقع الأمر إلا عقلا وثنيا مضللا ، لأقوام عبدوا الأصنام والكواكب والنجوم والأشباح ، واتخذوا لعباداتهم هذه أرضية من أوهام سموها فلسفة . وإذْ صارت هذه التصورات الفاسدة هي المتحكمة في النص فلا بد من الضلال.

 

الفصل الثالث

التصور السيـاسي لنظام الحكـم

لدى فلاسفة المسلمين

    

التصور الإيماني والموقف من قضايا الغيب والألوهية والربوبية هو أساس الأفكار والتصرفات لدى الإنسان ؛ لذلك فالنظرية السياسية لفلاسفة المسلمين منبثقة من تصورهم لهذه القضايا وموقفهم منها . ولئن كان التوحيد الإسلامي الحق ينبني على ثلاث قواعد هي : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ؛ فإن نظرية هؤلاء الفلاسفة لا تنبني على أي قاعدة من هذه القواعد . فهم يسمون الله تعالى " واجب الوجود " ، ويتصورون علاقته بالكون والخلق على غير حقيقتها؛ ولا أصل في الإسلام لهذا الإسم ولا لهذا التصور . وعقيدتهم التي انبثق منها فكرهم السياسي هي ما ابتدعه فلاسفة اليونان وأطلقوا عليه مصطلح  "الفيض" .

فما هي هذه العقيدة ؟ وما جذورها ؟ وكيف انبثق منها تصورهم السياسي ؟

ينبغي أولا أن نبين أن مصطلح "الفيض " هذا ، لا يخفي خلفه أي معنى معقد أو فكرة راقية أو تصور مثير ؛ فالفيض لغة من "فاض" ، ويدل على جريان شيء سائل بسهولة ويسر ، ومنه : فاض الإناء بعد أن امتلأ ، وفاض الدمع من العين إذا خرج ، وفاضت الروح من الجسد : إذا غادرته ، وفاض السر من صدر المرء : إذا عجز عن كتمه ، فباح به .

والفيض عند الفلاسفة يعنون به أن الله تعالى ـ واجب الوجود كما يسمونه ـ لا يخلق الموجودات ، ولكنها تفيض عنه وتنبثق منه بدون إرادته ، أي تصدر منه وتتولد عنه بطريق الفيض  بدون وعي منه أو إرادة . وهذا الفيض أو الصدور أو الخروج ، في عقيدتهم ، دائم وضروري وواجب . وكما تخرج الشجرة الثمرة ليس لها إلا ذلك والدجاجة البيض ليس لها إلا ذلك ، كذلك يصدر الوجود عن الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ .

تُنسب هذه العقيدة إلى أفلوطين (205 - 270 م ) ؛ ولكنها في أصلها مزيج وتلفيق لهلوسات أفلوطين وفيلون والمعتقدات الوثنية والمجوسية . وعندهم أن الموجود الأول ـ الذي يعنون به الله تعالى ـ واحد ، ولذلك لا يفيض عنه إلا واحد هو العقل الكلي ، أو العقل الأول ، أو العقل الفعال ، تختلف التسميات والمقصود واحد . ومن هذا العقل الكلي تفيض النفس الكلية ، وعن النفس الكلية تفيض الأشياء المادية . وكلما فاض شيء من شيء تعلق الفائض بمصدره وامتلأ منه نورا . فالعقل تعلق بالموجود الأول وتلقى منه النور ، والنفس تعلقت بالعقل وتلقت منه النور ، والموجودات المادية كذلك تعلقت بالنفس . والإنسان الذي يتلقى الفلسفة ، يتحول إلى عقل متصل بالموجود الأول ، يتلقى منه النور والحقيقة ، ولذلك له حق التحكم فيمن سواه من البشر ؛ لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يبلغهم إلى السعادة ، وهو الملْهَمُ القادر ، نبيا كان أو فيلسوفا أو ملكا .

ولئن كانت هذه المعتقدات قد ظهرت لدى الكندي بصورة خافتة ، بأن جعل الحركة مفعولة لله ، ولكنها تخضع مباشرة للفلك الأقصى الحيّ العاقل المميز الفاعل، الذي هو أول فائض عن واجب الوجود ومنفعل به ، وهو نائبه في تحريك الكون وتسييره ؛ فإن هذه التصورات الضالة قد ظهرت بعد ذلك بصورة صارخة لدى الفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهما .

يرى الفارابي أن العقل الأول صدر عن الله فيضا واجبا لا دخل للإرادة والوعي فيه ؛ ومن هذا العقل الأول صدر عقل ثان وفلك أعلى ، واستمر الفيض والصدور على هذه الوتيرة ، من كل عقل عقلٌ وفلك إلى تتمة عشرة عقول ، آخرها العقل الفعال الذي فاضت عنه النفس ، ومن النفس فاضت المادة بعناصرها الأربعة ، النار والهواء والماء والتراب . فبالفيض في نظره صدرت الموجودات تباعا عن واجب الوجود حتما ولزوما ، دون تعقل منه أو إرادة ، إلى أن ظهر الإنسان . وكل فائض يتلقى النور والسعادة بالتعلق بمصدره والشوق إليه . كذلك الإنسان سعادته القصوى أن يشتاق إلى مصدره الأول " الموجود الأول " ، ويتلقى منه النور ويتحد به . وطريقه إلى ذلك السعي إلى الكمال وتحصيل الخيرات والفضائل  ؛ وهذا سبيل السعادة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية .

وبما أن كل موجود ـ في عقيدتهم ـ تكوَّن ليبلغ كماله الأقصى الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود ، فإن سعادة الإنسان القصوى هي الاتحاد بالموجود الأول . إلا أن هذه الرتبة ليست لأي إنسان ، فالفضائل العظمى نظرية كانت أو فكرية أو خلقية أو عملية تُجعل فيمن أُعِدَّ لها بطبيعته . ومَنْ أُعد لها بالطبع ، وبأعلى الدرجات  هو القادر على إيجادها في الأمم والمدن . والملوك تبعا لذلك ليسوا ملوكا بالإرادة فحسب ؛ ولكنهم ملوك بالطبيعة أيضا لأنهم خُلقوا ملوكا . ولا ينقص من قدرهم أنهم يصلون إلى الحكم أو لا يصلون . والملك أو الفيلسوف أو النبي أو الإمام عند الفارابي  هو الوحيد القادر على تأديب الأمم وتعليمها ، مثلما هو حال رب المنـزل في تأديبه أهل بيته ، أو القيِّم على الصبيان والأحداث .

والنبي واضع النواميس والملك والفيلسوف والإمام والرئيس الأول عندالـفارابي بمعنى واحد يدل على الاقتدار والتسلط المطلق على من تحت يده . واقتداره ليس بقوة خارجة عنه فقط ، بل بما يكون في ذاته من عظم المقدرة . كل هذه الألفاظ تعني الشخص الذي اجتمعت فيه صفات القدرة المطلقة لصلته بالعقل الفعال ، سواء انتفع به غيره أم لم ينتفع ؛ إذ ليس عدم الانتفاع به من قِبل ذاته ، ولكن من جهة مَنْ لا يصغي إليه . وسواء وُجد مَن يقبل منه أو لم يوجد فهو دائما الفيلسوف والنبي والملك والرئيس الأول والإمام . وكما أن الطبيب طبيب بمهنته وقدرته على علاج المرضى وجد مرضى أم لم يجد ، وجد آلة يستعملها في فعله أم لم يجد ، كان ذا يسار أو فقر ، إذ ليس يزيل طبه ألا يكون له شيء من ذلك . كذلك لا يزيل إمامة الإمام والفيلسوف والملك والنبي ألا تكون له آلات يستعملها في أفعاله ، ولا ناس يستخدمهم في بلوغ هدفه .

وأهل المدينة الفاضلة الذين يؤدبهم الملك طبقتان خاصة وعامة ، والخاصة هم الذين لهم رئاسة ما ، مدنية أو صناعية ، يرصدون بها لرئاسة ما مدنية . ولا يقتصرون في معلوماتهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك . أما العامة فمن ليس hلهم رئاسة ما ، مدنية أو صناعية ، يرشحون بها لرئاسة ما مدنية ؛ ويقتصرون في علمهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك .

هكذا وظف الفارابي الفلسفة اليونانية سياسيا ليبشر بفكرة الإمام الغائب المنتظر، أو الإمـام الموجود الذي لا يستمع له الناس ولا يقبلون منه ، أو الإمـام المتمكن المستبد الذي يفعل ما يشاء وله العصمة من الخطأ ، لأنه على اتصال بالموجود الأول.

وما ذهب إليه ابن سينا يكاد يكون نفس ما لدى الفارابي ، ولا غرابة في ذلك فمرجع الرجلين واحد ، هو كتاب " أتولوجيا " المقتبس من " تاسوعات" أفلوطين التي جمعها الإسكندر الأفروديسي . وذلك لأن عقيدة الفيض عند ابن سينا تستند إلى ثلاثة مبادئ  هي :

1 - القول بأن الوجود ينقسم إلى واجب بذاته هو الله تعالى ، وإلى ممكن ، أي واجب بغيره هو العالم .

2 - الزعم بأن الواحد من حيث هو واحد لا يصدر عنه إلا واحد ، والله واحد فيجب ألا يصدر عنه إلا واحد ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ .

3 - الزعم بأن تعقل الموجود الأول هو علة للوجود على ما يعقله ؛ فإذا عقل شيئا وُجد ذلك الشيء على الصورة التي عقله بها .

ثم سار ابن سينا بعد ذلك على نهج رواد الفلسفة الإشراقية ، بالتشريع والتنظير لنظم الاستبداد السياسي في شخص الرئيس الأول ، الذي هو الفيلسوف والنبي والملك والإمام  الذي يحتكر المعرفة ، ويفعل في شعبه ما يشاء ، ويختص بالاتصال بالله تعالى . ثم تدثرت هذه المعتقدات لديه من أجل تقريبها إلى العامة ، بفكرة الإمام المعصوم أو الغائب المنتظر .

نفس المسار العقدي والفكري تقريبا سارت عليه جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" ؛ ومحور فكرهم السياسي أن العقل خليفة الله الباطن ورئيس الفضلاء . والإمام عندهم هو وحده المتصل بالفلك الأقصى أو العقل الفعال أو واجب الوجود، وهو صورة الصور وخليفة الله الظاهر في الأرض ، والمتحكم في الجن والإنس والحيوان والنبات والمعادن والخيرات ، وهو المعصوم من الخطأ ، كلامه وحي وأعماله سنة ، وله أن يفسر النصوص  قرءاناً وسنةً ؛ فيخصص عامها ويقيد مطلقها ويؤول معانيها وينسخ بعض أحكامها ، ويضيف إلى شريعتها . كما أن من معتقداتهم الباطنية التي لا يبوحون بها لغيرهم أن الإمام بمنزلة العقل الفعال أو الموجود الأول ، في حالة عدم وجود الناطق الذي هو النبي ، لأنه يحل محله في رتبته . وفي حالة وجود النبي يحمل الإمام عندهم مرتبة النفس الزكية ؛ وهو لديهم في عالم الدين والصنعة النبوية الرئيس الروحي الأعلى ، ووجوده ضروري في كل زمان ، ليكون حجة الله في أرضه والضامن لعباده التسرمد والخلود .

هكذا نشأت في صدر الدولة العباسية فكرة الحكم المطلق لدى فلاسفة المسلمين كافة ؛ ولئن كان الحكم الفردي المطلق قائما قبل ذلك منذ سقوط الخلافة الراشدة؛ فإنهم قد سبقوا إلى تبريره فكريا وفلسفيا والتشريع له عقديا ودينيا . وكانوا يستطيعون أن يلتزموا الموضوعية والتوازن فلا يكتفوا بعرض آراء مدرسة الاستبداد الأفلاطوني ، بل يعرضون بجانبها آراء المدرستين الأرسطية الدستورية والرومانية القانونية . ولو فعلوا لكسروا على الأقل الحلقة المفرغة التي حاصرت المسلمين بين نظامين استبداديين، نظام الملكية الوراثية الجبرية عند أهل السنة ، ونظام الإمامة الاستبدادية الوراثية عند الشيعة والباطنية ؛ ولاقتربوا بذلك شيئا ما ، من المفهوم الإسلامي للحكم الذي يرى أن المجتمع مجموعة أفراد أحرار متساوين في الحقوق والواجبات ، تحكمهم شريعة واضحة في الكتاب والسنة ، بمنهج شوروي عام شامل ، يتيح لهم التسلط على أمرهم كله ، قرارا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة .

من هذا العرض المختصر، يمكن أن نوجز التصور السياسي العقدي ، للرعيل الأول من فلاسفة المسلمين عامة ، في سبعة أسس قام عليها هي :

1 - استنادهم إلى نظرية الفيض وهي كفر صريح .

2 - الفلك الأقصى حيّ عاقل مميز ، يسير الموجودات ويحركها نيابة عن الله ، وهذا أيضا تصور لا علاقة له بالإسلام .

3 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام والرئيس الأول ألفاظ مترادفة ، تعني الاتصال المباشر بواجب الوجود ، والعصمة التامة ، والقدرة المطلقة على إصلاح الخلائق الذين هم مجرد أدوات لأفعالهم . وهذا التصور أيضا بعيد كل البعد عن العقيدة الإسلامية .

4 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام ، يستمد النور من العقل الفعال الذي يستمد بدوره النور من الموجود الأول ، ولذلك لا يصدر منه إلا الحسن . وهذا أساس الفكر السياسي لدى المعتزلة ، ورئيسهم إبراهيم بن سيار النظام صاحب نظرية "الأصلح" ، بمعنى أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح وليس له إلا ذلك، لأنه لا يستطيع إلا فعل الخير ، فهو جواد كريم كالنبع الذي لا يصدر عنه جفاف ، والشمس التي لا يصدر عنها ظلام ، وفعل الخير واجب عليه . وهذه النظرية بلا شك تعبير مراوغ عن نظرية "الفيض" الوثنية .

5 - الحاكم أو الفيلسوف أو الملك أو النبي أو الإمام ، لا يلتزم بالفضائل لأنها أوامر إلهية نزل بها الوحي قرءانا وسنة ، ولكن لأنه مجبول على ذلك بالفطرة بسبب اتصاله بمصدر النور ، فهو المعصوم ومرتبته فوق الخاصة والعامة .

6 - السعادة القصوى في الدنيا هي بلوغ كل فرد قمة كماله المـؤهـل لـه بالفطرة، إنْ ملكا أو خاصة أو عامة . أما الحياة الأخروية فقد جحدها كل هؤلاء الفلاسفة ؛ إذ أنكروا المعاد الجسماني والبعث ، وأولوا ما ورد في الشرع من نصوص حول اليوم الآخر والبعث والنشور والعرض والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار ، بأنه مجرد تمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى أذهان العامة ؛ وأن التسليم بالمعاد الجسماني وحياة الآخرة مجرد وسيلة للمحافظة على الأخلاق .

7 - البشر ثلاث طبقات ، الأرفعون والخاصة والأوضعون ، ولكل طبقة سماتها وفطرتها ودورها . وهم تبعا لذلك ثلاثة أصناف ، حكام وأدوات حكم ومحكومون. وجذور هذه العقيدة تجد تربتها لدى البراهمة .

هذه زبدة التصور السياسي الفلسفي ، وهو كما يتضح بجلاء يتعارض تعارضا مطلقا مع التصور الإسلامي ، عقيدة وسلوكا ونظام حكم واجتماع .

ولئن حاولوا التمويه على هذا التعارض بتأويل بعض النصوص الإسلامية تأويلا يخدم هدفهم ، وتأويل بعض الآراء اليونانية الوثنية بما يجعل بينها وبين الإسلام شبهة علاقة ووشيجة ، فإن مثل هذه المحاولات البائسة ليست بجديدة في هذا الميدان . لقد سبقهم إليها فيلون الإسكندري (ت 50 م ) ، فحاول تأويل الشريعة الموسوية بما يقربها من المعتقدات اليونانية ؛ ومن الكنيسة المسيحية حاول ذلك أوريجنس (ت 254 م) ، والراهب أوغستينوس (ت430 م) ، ثم تداولها بعد ذلك من المسلمين ، الكندي (185-250 هـ / 801 - 871 م) الذي رأى في رسائله ، أن صدق المعارف الدينية يُعرف بالمقاييس العقلية معرفة لا ينكرها إلا جاهل ؛ ثم تبعه في ذلك من تلاه ممن سار على نهجه .         

الفصل الرابع

التصنيف لدى فلاسفة المسلمين

     كان الفارابي أول من خصص رسالة مستقلة عن "السياسة" كفن للتسيير الحكيم ، ينتفع به كل من استعمله ، ملكا أو مملوكا ، رفيعا أو وضيعا . ثم تابعه في ذلك أبو القاسم المغربي ، فخصص رسالة لسياسة الملك . وبعدهما صنف ابن سينا رسالته على نهج الفارابي شكلا ومضمونا ؛ ثم تتابعت مصنفات الفلاسفة تحوم حول الموضوع ولا تقتحمه ، تردد معانيه المطروقة ولا تضيف إليها أو تطورها ، باستثناء محاولات خجولة في بحث نظم الملك والتدبير ، لم تتحرر من المفهوم الأفلاطوني لطبيعة الملك وتميزه عن الخلق ، وحقه في التحكم ، مثلما هو لدى ابن أبي الربيع في كتابه " سلوك المالك في تدبير الممالك " .

ونستعرض فيما يلي خلاصة لما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة في هذه المصنفات لتتضح الصورة ويتبين الأمر :

الفارابي ورسالته " السياسة "

       ولد الفارابي ، محمد بن محمد بن طرفان بن أوزلغ ، أبو نصر ،  من أبوين من أصل فارسي في مدينة فاراب سنة 260 هـ/ 874 م . كان أبوه من قواد الجيش ، وتعلم على يد متى بن يونس ، ثم اشتغل بحران على أبي حنا النصراني ، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بدراسة الفلسفة اليونانية وألف بها معظم كتبه ، ثم انتقل إلى دمشق فقربه سيف الدولة الحمداني وأكرمه وأجرى له راتبا لمعاشه . وتوفي بدمشق سنة 339 هـ/ 950م .

رسالته "السياسة" أخرجها الراهب شيخو اليسوعي معتمدا على نسختين إحداهما بالمكتبة الشرقية ، والثانية بمكتبة الفاتيكان . ثم حققها الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد ، ونشرتها مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية .

قسم الفارابي رسالته إلى خمسة فصول بعد المقدمة :

في المقدمة شرح قصده من التصنيف ، وهو ذكر قوانين سياسية يعم نفعها جميع من استعملها من طبقات الناس ، سواء منهم الأرفعون أو الأوسطون أو الأوضعون. ثم بيَّن طريقة اكتساب السياسة بأن يتأمل المرء أحوال الناس ويمعن النظر فيها ، ويميز محاسنها ومساوئها ، نافعها وضارها ، ويجتهد في التمسك بالمحاسن والتحرز من المساوئ . مشيرا إلى أن المرء تتجاذبه قوتان : ناطقة ـ أي عاقلة ـ ، وبهيمية. ولكل منهما إرادة واختيار ، وعليه أن يوهن القوة البهيمية ويخمدها ، وهو لذلك بين حالين محمود ومذموم ، في كل منهما له فائدة ، هي ترويض النفس على التمسك بالمحمود وترويضها على الاحتراز من المذموم.

أما الفصل الأول ، فتناول فيه وجوب معرفة الله تعالى معرفة عقلية مبنية على التأمل والاستقراء ، على النهج الفلسفي اليوناني ؛ ولم يرجع في ذلك مطلقا إلى الكتاب أو السنة .

وفي الفصل الثاني ، بين ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المرء مع رؤسائه ومن هم فوقه ، من اجتهاد في خدمتهم ، وإظهار لمحاسنهم ، وحفظ لأسرارهم ، وتنـزيه لهم عن القبائح ،  وحذر عند مناصحتهم  ،وإنكار للذات عند خدمتهم ، وإظهار الافتقار إليهم ، والاستفادة من القرب منهم بتحصيل المنافع

وفي الفصل الثالث ، بيَّن ما ينبغي أن يستعمله المرء مع أنداده ، أصدقاء وأعداء، ومن ليسوا بأصدقاء ولا أعداء ، صلحاء ونصحاء ، أو سفهاء وأهل كبر ومنافسة .

وفي الفصل الرابع ، بيَّن ما ينبغي أن يستعمله المرء مع من دونه ، ضعفاء ومحتاجين، أذكياء متعلمين أو بلداء جهلة .

وفي الفصل الخامس ، تحدث عن سياسة المرء نفسه ، مالا واقتصادا ، واستجلابا للجاه واللذة غير المحرمة ، بتحصين الأسرار وأصالة الرأي والمشاورة ، ومحاذرة الأعداء بالإحسان إليهم والشفاعة لهم بما يخمد ثائرتهم ويضعف أحقادهم .

وهو في رسالته كلها ظل وفيا للعقيدة اليونانية التي لا تؤمن بالمعاد الأخروي ولا بالحساب أو العقاب ، وكانت توجيهاته خاصة بطرق استجلاب سعادة الدنيا التي هي في الفلسفة اليونانية الجاه واللذة وعلو المقام وتحصيل السعادة . وهي تعاليم تجعل الممتثل لها مسخ امرئ انتهازي من الطراز الأول .

أبو القاسم المغربي ورسالة "السياسة"

  

هو الحسين بن علي ، أبو القاسم ، ويُلقب بالوزير المغربي . فارسي الأصل ، وُلد سنة 370 هـ / 980 م . قتل الحاكم الفاطمي أباه وعمه وأخويه ؛ ففر إلى الشام ثم بغداد والموصل . استوزره مشرف الدولة البويهي مدة قصيرة ، ثم تنكر له  ففر منه . وتقلبت به الأحوال واضطرب أمره إلى أن توفي سنة 418هـ/1027م .

رسالته MالسياسةL حققها الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد ، معتمدا على نسختين، تحمل الأولى رقم 6 اجتماع تيمور - وتحمل الثانية رقم 77 مجاميع مصطفى فاضل باشا بدار الكتب المصرية . وقامت مؤسسة شباب الجامعة في الإسكندرية بطباعتها ونشرها

قسم أبو القاسم رسالته إلى مقدمة موجزة وثلاثة أبواب :

في المقدمة بين مقصوده منها ، وهو الفائدة التي يُعد العظماء عامة والسلطان خاصة ، أولى الناس بها . ثم بين أنواع السياسات ، وهي ثلاثة في نظره : سياسة السلطان لنفسه ، وسياسته لخاصته ، وسياسته لرعيته .

وخصص الباب الأول لطريقة إصلاح السائس نفسه بالمطعم والمشرب والحمام والرياضة واللذة ، وبإحراز فضائل النفس والحرص على معرفة التاريخ والاستفادة من التجارب ، والتخلق بما يستجلب محبة الخلق وطاعتهم ، إحسانا وعدلا ووفاء .

وفي الباب الثاني تحدث عن ضرورة إصلاح السلطان أخلاق خاصته ، وتفقد أحوالهم ، والإحسان إليهم ، وبسط آمالهم في العفو عن الزلل ، واختيار أكثرهم قدرة على الخدمة ، قادة للجيوش وشرطة وقضاة ومحتسبين وجباة للأموال .

وفي الباب الثالث تحدث عن سياسة السلطان رعيته حزما وفطنة ، وحسن سيرة، وتعرفا على طبقات العامة ، وإكراما للأخيار ، وتعطفا على الضعفاء وقمعا للأشرار ، وحرصا على جمع الأخبار وكشف ما قرب منها أو بعد ، سواء ما تعلق بأوليائه وأنصاره ، أو أعدائه ومناوئيه .

ابن سينا ورسالته "السياسة"

هو الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس ، من أصل غير عربي ، أبوه من أهل بلخ ، ولد سنة 370هـ/980م . حفظ القرآن وأتم دراسة اللغة والآداب ، ثم درس الحساب والجبر والمقابلة ، والمنطق والهندسة وعلم النجوم والطب. تقلب في مناصب كثيرة عند أمراء عصره وناله نصيبه من السجن والمطاردة . ألف بطريقة موسوعية ما ينيف على مائة رسالة ومصنف ، ولما اشتد به مرض الموت أعلن توبته وتصدق بماله كله على الفقراء ، ورد المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه واعتكف على قراءة القرآن ، وتوفي سنة 428هـ/1037م

أما رسالته "السياسة" فقد حققها الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد من نسختين إحداهما في مكتبة ليدن بهولندا ، والثانية بمكتبة السلطان أحمد بإستانبول. ونشرتها مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.    

وقد قسم ابن سينا رسالته إلى مقدمة وخمسة أبواب:

في المقدمة تحدث عن اختلاف أقدار الناس وحاجتهم إلى السياسة بحسب مراتبهم ، ملوكا وسوقة ، رعاة ومرعيين ، وساسة ومسوسين ، خدما ومخدومين .

وفي الباب الأول تحدث عن سياسة الرجل نفسه ، بأن يعلـم أن له عقلا هـو السائس ، ونفسا هي المسوسة . ويعرف أوجه الفساد والصلاح ، وضرورة اتخاذ أصدقاء صادقين في نصحهم له ، واجتناب قرناء السوء ، والتزام مناصحة رؤسائه وتقديم المشورة إليهم بالحكمة

وخصص الباب الثاني لسياسة الرجل دخله وخرجه ، وبيان أسباب الكسب وصناعات ذوي المروءة ، وسيرتهم ونفقاتهم زكاة وصدقة ومعروفا وادخارا.

وبين في الباب الثالث سياسة الرجل أهله ، هيبة وكرامة وتربية .

وفي الباب الرابع فصل ما ينبغي أن تكون عليه سياسة الرجل أبناءه ، تربية بعد الفطام وفي مرحلة التمييز ، واختيارا للمؤدب والمعلم والوسط الدراسي .

وفي الباب الخامس تحدث عن حاجة الرجل إلى الخدم  ، وعن طرق اتخاذهم وسياستهم ، وعن حقوقهم وواجباتهم .

ابن أبي الربيع وكتابه :

"سلوك المالك في تدبير الممالك"

     تبدو أهمية الكاتب  والكتاب من كونهما يمثلان نهاية الحقبة العباسية ، بكل ما تعنيه هذه الحقبة سياسيا من انهيار للدولة العربية  واستئساد لأعدائها ، وتحكم المماليك والعجم في دويلاتها المركزية كالشام ومصر والجزيرة ونجد والحجاز . وهما بذلك من خواتم فترة التصنيف السياسي الفلسفي زمن المستعصم العباسي(ت656 هـ/1258م).

قسم ابن أبي الربيع كتابه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة :

بين في المقدمة بأسلوب متذلل دواعي التأليف بقوله :" وبعد ، فإن الذي بعث المملوك على تأليف هذا الكتاب أمران ، أما الأول فإنه وقف على كتاب مشجر في حفظ البدن  مختصر . ولا خفاء على كل ذي فطانة ومن به أدنى نظر في العلوم الحقيقية أن النفس أشرف من البدن ، فمراعاتها إذا وإصلاح أخلاقها الصادرة عنها وتزكيتها بالعلم والعمل من أهم الأسباب ، وأحرى بالتقديم عند ذوي الألباب؛ والثاني أن بعض من أوامره مطاعة مجابة ، وعوارض العوائق عن ملتمساته منحسرة منجابة ، ومن اصطفاه الجناب المقدس وقدمه ورفعه على أمثاله وكرمه ، أمره أن يمضي ذلك الرأي في إنشاء الكتاب المقدم ذكره."

وفي الفصل الأول بين أن أكمل مراتب الإنسان ، وأعلى درجات السعادة الأبدية تستحق بتوفر ثلاث عشرة فضيلة ، هي : جودة تخيل ، وصحة وفهم وحفظ وفطنة ، ومحبة للعلم والصدق والعدل ، وكبر نفس وقوة عزيمة ، وترفع عن الشهوات واستهانة بالدينار والدرهم.

وفي الفصل الثاني بين أحكام الأخلاق وأقسامها .

وفي الفصل الثالث بين أصناف السيرة العقلية الواجب اتباعها والعمل بها .

وفي الفصل الرابع تحدث عن أقسام السياسات ، ووجوب تبجيل الملوك وتعظيمهم، لأن ذلك هو سبيل تحصيل السعادة . ثم تطرق إلى ما يفتقر إليه الناس من حفظ للنوع ، غذاء ولباسا ومسكنا وتناسلا وعلاجا ، وكل ذلك يتم بتدبير الملوك الذين هم الحفظة على الخلق ، وتنصيبهم يكون من الله تعالى .

ثم انتقل إلى الحديث عن أركان المملكة ، وهي عنده أربعة أركان : الملك والرعية والعدل والتدبير، وفصل الحديث عن هذه الأركان بما لا فائدة من إيراده .

هذه نماذج من التصنيف السياسي لدى فلاسفة المسلمين ، ولعل من نافلة القول أن نؤكد أنها وإن اختلفت بعض مضامينها ، قد اتفقت في تعريفها للسياسة بأنها القيام بأمر الناس ، بما يصلحهم  من تحقيق المصالح المادية ودرء المفاسد ؛ وفي إعراضها عن الاستشهاد بنصوص الكتاب والسنة ، أو الإشارة إلى الآخرة والبعث والنشور ؛ وفي التوجه بها إلى الملوك والسلاطين ، سواء بمجرد التلميح والإشارة كما فعل الفارابي وابن سينا ، أو بالتصريح الواضح كما فعل ابن أبي الربيع . وفي كل الأحوال تبدو المدرسة الأفلاطونية وسماتها بمفاهيم الحكم الفردي المطلق ، جلية في كل ما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة ومن سار على نهجهم . 

 

الباب السادس

فقه الأحكام السلطانية لدى الفقهاء والمتكلمين

الفصل الأول

مصطلحات النظام السياسي لدى الفقهاء والمتكلمين

 

بعد عرضنا لآراء الفلاسفة المسلمين حول نظم الحكم والدولة من منطلقهم الفلسفي ، نعرض لآراء طائفة أخرى من الأعلام هم الفقهاء والمتكلمون ، وندرج ضمنهم كتاب السير والتاريخ فيما أُطلق عليه "الآداب الملوكية" و"مرايا الملوك" .

وقد آثرنا أن يكون الفقهاء والمتكلمون في سياق واحد ، لأن الفقهاء عادة يشتغلون بعلم الكلام إلا ما ندر ؛ فالفقه يجمع الفريقين ، وعلم الكلام يميز مراتبهم. ولئن كان مصطلح "فقيه" يختص بعلماء الأحكام الشرعية العملية إيجابا وحظرا وإباحة وندبا وكراهة ، فإن المتكلم يتميز عن الفقيه بمعرفة علم الكلام المبني على المنطق ومدارك العقول ، والنظر حدا وبرهانا ومقدمات ونتائج . ومن لا إحاطة له بهذا العلم عندهم فلا ثقة له بعلومه أصلا ، كما قرر ذلك الإمام الغزالي في مقدمة كتابه "المستصفى" .

ولئن كان المتكلمون قد بحثوا فقه الإمامة الكبرى في سياق دراستهم للعقيدة وأصول الدين ، مجاراة لفقهاء الشيعة الذين يعدون الإمامة من أصل الدين ، فإن غالبية الفقهاء أفردوا لها مصنفات خاصة ، وفصلوا أحكامها الكلية والجزئية ، ما تعلق منها بصلاحية الإمام اختيارا وعزلا واستنابة واستخلافا ، وما تعلق بالوزارة والقضاء وإمارة الجيش وجباية الأموال زكاة وخراجا ، وشؤون الإدارة والدواوين والحسبة .

إلا أن هذه المصنفات كثيرا ما تتشابه مواضيعها وتتقارب أساليبها ، إلى حد يكاد يجزم المرء فيه بأن بعضها منقول عن بعض ، مثلما هو الحال في كتابي "الأحكام السلطانية" للماوردي وأبي يعلى الحنبلي ؛ إذ عاش المؤلفان في عصر واحد، وتوفي أحدهما ـ الماوردي ـ سنة 450 هـ ، والثاني ـ الحنبلي ـ سنة 458 هـ ؛ وعبارات الكتابين تكاد تكون واحدة ، لولا أن أبا يعلى يذكر فروع الحنابلة ورواياتهم ، والماوردي يذكر فروع الشافعية وخلافهم مع المالكية والحنفية .

لقد أطلق الفقهاء والمتكلمون على مباحثهم هذه مصطلحي "الأحكام السلطانية" و"الإمامة الكبرى" ، أو الخلافة وإمارة المؤمنين ؛ إلا أننا نؤثر أن نتخذ مصطلحا أكثر شمولا ومطلقية ومناسبة لمفاهيم العصر ، يسع معاني المصطلحات التراثية إلى جانب ما يتعلق بجوهر تدبير أمر الأمة وشكله . ولعل مصطلح "النظام السياسي للدولة الإسلامية" يفي بما نرمي إليه . وذلك لأن نظام الدولة ، أي دولة ، ينبغي أن يتناول بالتأسيس والتقنين والرعاية جميع أوجه السير العام لمرافقها ، من القمة إلى القاعدة عموديا ، ومن أقصى السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والتربوية إلى أقصى مؤسسات المراقبة والمحاسبة أفقيا . والمصطلحات التي ابتدعت في الفقه السياسي لدى الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة قبلهم لا تتسع لكل هذه المعاني . من أجل ذلك ينبغي البدء بدراسة مدلول كل من هذه المصطلحات ، لنتبين مدى كفايتها أو قصورها عن الأداء السياسي بشموليته التدبيرية عموديا وأفقيا ، إدارة واقتصادا وسياسة واجتماعا.

على أن صعوبة تعترض سبيل هذه الدراسة ، لأن بحثنا فيها شرعي وإن كان اعتمادنا فيها على اللغة ؛ والشرع متلقى من الكتاب والسنة ؛ ولكون الكتاب والسنة عربيين فلا بد من الرجوع إلى العربية في صميمها . إلا أن العربية نقلت إلينا لا على التواتر ؛ فمعاني ألفاظها ظنية في غالب الأحيان إلا ما أثبت الوحي معناه أو نقله إلى معنى آخر . واللفظ كثيرا ما يوضع لعدة معان أو ينقل إلى معنى غيره ، وليس لدينا ما يؤكد أنه وضع لهذا المعنى ثم نقل إلى الآخر ، أو أنه وضع لجميع معانيه وضعا واحدا لنعتبره مشتركا . لذلك لا بد من الجمع بين طريقة استخدام اللفظ في الكتاب والسنة وبين استقصاء أصوله اللغوية التي لا شك أنها تومئ إلى بعض معناه من قريب أو بعيد .

والمصطلح الأول الذي اتخذه الفقهاء والمتكلمون عنوانا لدراستهم هو "الأحكام السلطانية " . وهو مركب من لفظين ، نعت ومنعوت ، صفة وموصوف ، وهو   بشقيه اسم لعلم خاص . فلفظ "الأحكام" ليس اسما خالصا مطلقا قد انقطع عن نعته الذي يقيد معناه ؛ لذلك لا بد في تعريفه من تعريف جزءي المصطلح .

والأحكام جمع مفرده حكم من فعل "حكم" ، مضموم عين المضارع . والحاء والكاف والميم ـ كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس  [94] _ أصل واحد هو المنع  وتأويله المنع من الظلم ، وسُميت حكمة الدابة لأنها تمنعها . والحكمة هذا قياسها لأنها تمنع من الجهل ، ومنه حكمت اليتيم تحكيما إذا منعته من الفساد ، وأحكم الشيء إحكاما إذا أتقنه ، والحكم بالضم القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس كذا .

والحكم عند النحويين الأصل والقاعدة ، يقال الحكم في الفاعل الرفع .

وعند الأصوليين هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع .

وعند الفقهاء عبارة عن أثر خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين .

والحكم في علم القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام . قال القرافي: " حقيقة الحكم إلزام أو إطلاق " ، فالإلزام كما إذا حكم القاضي بإلزام الصداق والنفقة ، والإطلاق كحكمه بزوال المِلك في الأرض التي زال عنها الإحياء.

والحكم عند المناطقة هو النتيجة المستخلصة من مقدمتين بالقياس ، فهو موجود في إحدى المقدمتين بالقوة ومعلوم عن طريق القياس بالفعل ، وهو بذلك علم زائد بالفعل.

والحكم عند الفلاسفة ما كان نتيجة منطقية سلبا أو إيجابا لمحاكمات عقلية مبنية على مقدمات ، مثل قولك : الصنعة تدل على الصانع ، ولو تعددت الآلهة لفسد الكون .

وعلى هذا فالحكم من الألفاظ التي يتحد لفظها ويتكثر معناها لغة واصطلاحا، لذلك لا بد من استنطاق الاستعمال الشرعي لها ، على اعتبار أن بحثنا شرعي مبتدأ ومنتهى .

وإذا ما استعرضنا أوجه الاستعمال القرآني للفظ "الحكم" ومشتقاته ، نلاحظ أنه لم يستعمل قط بمعنى الحكم على الناس أو التحكم فيهم ، وإنما ورد بصيغ الحكم بينهم والفصل في أمورهم والبث في قضاياهم . ووقوعه دائما يكون على القضية موضوع الحوار أو البحث أو الخلاف أو التصرف ، لا على الشخص ذي العلاقة ، حقيقيا كان أو اعتباريا ؛ من أجل الوصول إلى حل أو منهج أو قضاء بإلزام أو إطلاق . وهذا يبعد ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون في فقه الأحكام السلطانية ، من أنه حكم على الناس من قبل حاكم ، رئيسا كان أو ملكا أو أميرا .

على هذا النحو سار الأصوليون ، فأجمعوا على أن الحاكم هو الله تعالى بأوامره في الكتاب والسنة ؛ وإنما يطلق على منفذي الأحكام بين الناس لفظ "حاكم" مجازا لا حقيقة . يقول الله تعالى :

ـ ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ( ـ النساء 58 ـ .

ـ ) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ( ـ النساء 65

ـ ) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ( ـ النساء 105 ـ .

ـ ) وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ـ المائدة 42 ـ .

ـ ) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ( ـ الأنبياء 78 ـ .   

هكذا وردت سائر الآيات بمعنى البث والفصل والقضاء ، لا بمعنى تحكم فرد أو جماعة في فرد أو جماعة ، ولم تقسم الأمة إلى حكام ومحكومين كما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون وعامة السياسيين .

ولئن كانت أحكام الكتاب والسنة طالت قسطا هاما من تصرفات الإنسان ، فإن الشارع الحكيم ترك مجالا واسعا يحكم فيه الناس بطريق الإنشاء وبكامل حريتهم ، تحت نظر الشريعة قواعد ومقاصد ومصالح ؛ هذا المجال جعله الله عز وجل ملكا لهم وتحت سيطرتهم وتسلطهم ، وهو المقصود بقوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى38.

والحكم بهذا المعنى القرآني يتخذ صورتين :

صورة القضايا التي بثت فيها الشريعة وحسمت بطريق الإلزام .

وصورة القضايا التي تحكم فيها الأمة شورويا بطريق الإنشاء .

وما يعنينا في هذا البحث هو الصورة الثانية ، أما الصورة الأولى فالناس فيها مجرد منفذين للأحكام الشرعية .

على هذا فالحكم الإنشائي يعني تسلط الناس على أمرهم الدنيوي بطريق الإنشاء، وقد حوى في هذا المجال بمضمونه وإيحاءاته ، كل المعاني اللغوية الحقيقية والمجازية والشرعية والاصطلاحية ؛ فهو منع لأمر الناس من الفساد ، وحَكَمَتُهُ التي تضبطه تبعا للمفهوم اللغوي الصرف ، وهو قضاء فيه بمعنى الحكم عليه والفصل فيه، وهو القاعدة التي وُضعت له والحكمة التي رشَّدت التصرف فيه .

أما صفة "السلطانية" في تعبير الفقهاء "الأحكام السلطانية" ، فقد أخرجت المصطلح عن جميع المعاني السابقة ، لأنها ربطت الحكم بالسلطة والتسلط والسلطان. يتضح هذا باستنطاق أصلها اللغوي واستعمالها الشرعي .

فالسين واللام والطاء كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس [95] ، أصل واحد هو القوة والقهر ، من التسلط وهو القهر ؛ ولذلك سُمي السلطان سلطانا .

وفي تاج العروس [96] : السَّلِط والسليط : الشديد ، يقال : حافر سَلِطٌ وسليط أي شديد . والسليط والسليطة من الرجال والنساء من بلسانه حدة أو طول. والسلطان : الحجة والبرهـان والمعجـزة ،  قـال تعالى : ) لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (ـ الرحمن 33 ـ ، ) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (- الذاريات 38 -. ورد اللفظ في هاتين الآيتين الكريمتين بصيغة الجمع ، مفرده سليط ، مثل قفيز قفزان وبعير بعران . والسلطان من كل شيء شدته وحدته وسطوته .

وفي الصحاح [97] : السلاطة القهر ، وقد سلطه الله فتسلطن عليهم ، والاسم : السلطة بالضم ، وسنابك سلِطات أي حداد .

قال أبو هلال العسكري  [98]: " السلطان قوة اليد في القهر للجمهور الأعظم وللجماعة اليسيرة أيضا ، ألا ترى أنه يقال للخليفة سلطان الدنيا وملك الدنيا وقيل : السلطان المانع المسَلَّط على غيره من أن يتصرف على مراده ، ولهذا يقال : ليس لك على فلان سلطان فتمنعه من كذا ".

     إن لفظ "الأحكام" إذ وُصف بـ"السلطانية" وقُيِّد بها أصبح معناه : الأحكام القاهرة والشديدة والحادة والتسلطية ، والمانعة من التصرف المتغلبة على كل حجة وقوة .

كل هذه الصفات تبين الزاوية التي انطلق منها الفقهاء والمتكلمون عندما استحدثوا هذا المصطلح ؛ وهو ما يتعارض تعارضا مطلقا مع جميع المبادئ والقيم والتشريعات التي أتى بها الإسلام . والرسول r وهو سيد ولد آدم يخاطبه ربه عز وجل بقوله :) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ( ـ الغاشية 22 ـ . كما أن مفهوم التسلط والقهر والسيطرة على العباد ينكره القرآن جملة وتفصيلا ، يقول الله تعالى :

ـ ) قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( الرعد 16 .

ـ ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( إبراهيم 15 .

ـ ) إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ ( القصص 19 .

ـ ) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ ( الحجر 42

وفي الحديث النبوي :

ـ " فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والجبارين " البخاري ومسلم .

ـ " بئس العبد عبد تجبر واعتدى " الترمذي .

وهذا ما يجعل مصطلح "الأحكام السلطانية" لا ينطبق على النظام السياسي للدولة الإسلامية ، ولا يمثل مطلقا العلاقة الحقيقية التي ينبغي أن تبنى بين الأمة وبين قيادتها في ظل تعاليم الإسلام .

أما مصطلح "الإمامة" فقد اتخذه المتكلمون والفقهاء مرادفا لمصطلحي "الخلافة" و"إمارة المؤمنين" . واللفظ مصدر الفعل " أمَّ " القوم وأمَّ بهم  إذا تقدمهم وصار لهم إماما ، سواء إلى صراط مستقيم أو إلى ضلالة . قال تعالى: ) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ( الأنبياء 73 ، ) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ( القصص 41 .

وفي تاج العروس [99]: أمَّه يؤمه أمّاً : قصده وتوجه إليه ، وفي حديث ابن عمر : ( من كانت فترته إلى سنة فلأم ما هو ) ، أي قصد الطريق المستقيم ، والإمام كل من ائتم به قوم من رئيس أو غيره .

وفي الصحاح : [100] رئيس القوم : أمهم ، والعَلَم الذي يتبعه الجيش الأم .

وفي الاستعمال الإسلامي "الإمام" من له مسؤولية دينية نبوة أو إرشادا أو صلاة. قال تعالى: )وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( البقرة 124 . وقال أيضا : ) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ( الإسراء 71 . وفي الحديث النبوي من رواية أنس: " لعن رسول الله r ثلاثة : رجل أمَّ قوما وهم له كارهون " .

إن أصل الاستعمال الديني لهذا المصطلح كان إمامة الصلاة ، ولكن التوسع في استعماله جعلهم يطلقونه فيما بعد على كل قدوة في علم أو فن أو صناعة . أما الاستعمال السياسي فقد ورد متأخرا ، وإنْ مهدت له إشارات بعد وفاة الرسول r إذ قال بعض الصحابة  عن أبي بكر : " اختاره النبي r لصلاتنا ، فكيف لا نرضاه لدنيانا " ،  وقال الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ : " حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة ، فإن فعل فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا".

ذلك أن المسلمين أول عهدهم بالدولة بعد وفاة النبي r استحدثوا مصطلح خليفة ، ثم في عهد عمر استحدثوا مصطلح "أمير المؤمنين" ، ثم في القرن الهجري الثاني عندما تبلور الفكر السياسي الشيعي ، الذي ربط الأمر بأصل الدين وحياً ووصيةً ومعصوميةً وامتداداً للنبوة ، ظهر مصطلح "الإمامة" متميزا بسماته وخصائصه ؛ فتبنته الدعوة العلوية أول الأمر ، ولُقب به إبراهيم بن محمد ، ثم تبنته الدعوة العباسية بعد أن التفت على الدعوة العلوية وصادرتها ؛ ثم انتقل في عهد التصنيف السياسي إلى أبحاث المتكلمين السنة ، فقسموا الإمامة إلى صغرى هي إمامة الصلاة وكبرى هي رئاسة الدولة . وكان الفلاسفة المسلمون من قبلهم قد استخدموا اللفظ ، مرادفا للفظ "الفيلسوف" و"النبي" و"الملك" الذي يتصل بالعقل الفعال ويستمد النور من الموجود الأول ، ويقدر وحده على تربية الأمة وتعليمها .

ولئن كان مدلول "الإمامة" لدى أهل السنة يختلف عن مدلوله لدى الشيعة وينقضه ، سواء من حيث طبيعة المنصب أو صفات الإمام ومهامه ، وكان مدلوله لدى الشيعة يختلف عما عند أهل السنة وينقضه ، فإن هذا المصطلح عند التحليل يُنقض بثلاث ملاحظات :

أولها أن قياس أمر الحكم على إمامة الصلاة غير مُسَلَّم به ؛ لأن إمام الصلاة منضبط بأحكامها ؛ وهو إذ يصلي بالناس وللناس ، مقتدى به ومقتديا بالرسول r  مجرد منفذ لأحكام الصلاة . وكذلك إمام الحكم ـ إذا جاز القياس ـ ينبغي أن يكون مجرد منفذ لأحكام الشريعة في أمر الدين ولقرارات الأمة في أمر الدنيا ، فإن لم يفعل فسد القياس . كما أن إمامة الصلاة تتعدد بتعدد المساجد ، ولكل مسلم حق الاختيار بين المساجد والأئمة ، حسب علمه بمستوى الإمام وكفايته وعدالته ، وهو مأجور على اجتهاده في الاختيار لا موزور ؛ وعلى المأمومين واجب رد الإمام وإصلاح خطئه وتذكيره إن نسي ، كما لهم حق عزله عن الإمامة بالجهل أو التهاون أو الفسق والفجور .

أما الإمام الأعظم لدى الفقهاء والمتكلمين ، فإنه سائب يفعل ما يشاء ، شوراه غير واجبة أو ملزمة ، وتدبيره لأمر الأمة فردي ، وتصرفه في الدماء والأرواح والأبشار والأعراض والأموال لا حدود له ، والخروج عليه حرام ما دام يقوم "بمكائه وتصديته"،  فإن لم يقم بذلك فنظرية خوف الفتنة خير ضمان لبقائه في السلطة طول حياته ، وبعد مماته في من يرثه من ذريته وأقاربه .

والثانية أن ما رُوي عن بيعة أبي بكر وقياسها على نيابته عن الرسول r في إمامة الصلاة ، يجعل إمامة الصلاة هي الكبرى ؛ لأنها أمر ديني محض والصلاة عماد الدين ؛ ويجعل ولاية أمر المسلمين هي الصغرى ، لأنها مجرد أمر دنيوي. ولكن الفقهاء والمتكلمين عكسوا ما ذهب إليه الصحابة وجعلوا أمر الدنيا إمامة كبرى وأمر الدين إمامة صغرى .

والثالثة أن إمامة أبي بكر للصلاة كانت اختيارا من الرسول r وتزكية منه للصديق . أما "الأئمة الأعاظم" لدى الفقهاء والمتكلمين فأكثرهم لا يصلح لإمامة الصلاة ، لفسق معتقد أو فسق سلوك أو جهل وأمية .

أما مصطلح "أمير المؤمنين" فهو مركب إضافي يحصر الإمارة في المؤمنين ، أي المسلمين . وأصل استعماله أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ طلب من عامله بالعراق أن يبعث إليه برجلين عارفين يسألهما عما يريد ، فأنفذ إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم ، فلما وصلا المدينة دخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا له : " استأذن لنا على أمير المؤمنين " ، فقال لهما عمرو: " أنتما والله أصبتما اسمه " . ثم دخل على عمر فقال : " السلام عليك يا أمير المؤمنين " ، فقال عمر : " ما بدا لك يا ابن العاص ؟ لتخرجن من هذا القول " ، فقص عليه عمرو القصة فأقره على ذلك ، فكان أول تلقيبه بأمير المؤمنين .

أما الأصل اللغوي ، فإن لفظ أمير من فعل "أَمَرَ" بفتح الميم وضمها إذا ولِيَ ، وبكسر الميم إذا صار ذا أمر . والهمزة والميم والراء كما ذكر ابن فارس  [101]في معجمه أصول خمسة :

ـ الأمر من الأمور : الشأن ، كقولهم : هذا أمر رضيته .

ـ الأمر ضد النهي ، كقولهم : لي عليك إمرة مطاعة .

ـ والأَمَر بفتح الميم : النماء والبركة ، كقولهم : امرأة أمِرَة ، أي مباركة .

ـ والأمر : المَعْلَمُ ، أي العلامة ومنه أمار الطريق أي معالمه .

ـ والإِمر بكسر الهمزة : العجب ، ومنه قوله تعالى : ) قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ( ـ الكهف 71 ـ .

والإمارة والإمرة : الولاية ، والأمير : المُسلَّط والملك والمشاور وقائد الأعمى . ورجل إِمَّر وإمرة ، مثل إِمَّع وإمَّعَة : ضعيف لا رأي له يأتمر بكل آمر ، كقولهم أمير مسلط وشعبٌ إِمَّرةٌ  .

وقد كان لفظ "أمير" في عهد الرسول r يُطلق فقط على القائد العسكري الذي يعينه رسول الله r للكتيبة أو السرية أو الجيش ، في إطار الطاعة المطلقة التي يقتضيها انضباط الجندي أمام قائده ، والقائد أمام رمز الأمة الذي هو رسول الله r  ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني " . لذلك لا يستقيم قياس أمر رئاسة الدولة على إمارة الجيش التي تضبطها نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بحالة الحرب .

كما أن مفهوم التسلط والحكم والطاعة المطلقة الذي يومئ إليه لفظ "أمير" ، وتخصيصه بالمؤمنين الذي يخرج من مشموله أهل الذمة والمستأمنين والمعاهَدين ، وكافة المقيمين بأرض الإسلام من غير المسلمين ، يجعل استعمال مصطلح "أمير المؤمنين" لا يرسم المعالم الحقيقية للنظام السياسي الإسلامي .

أما مصطلح "خليفة" فجذره اللغوي مادة "خلف" ، والخاء واللام والفاء أصول ثلاثة :

الأول : خلاف قدام ، كقولك : هذا خلفي وهذا قدامي .

والثاني : التغير ، كقولهم : خلف فوه ، إذا تغير ، ومنه قوله r: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " .

والثالث : أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه ، ومن هذا الأصل قولهم : هو خلف صدق من أبيه وخلف سوء من أبيه ، فإن لم يذكروا صدقا ولا سوءاً قالوا للجيد: خلَف بفتح اللام وللرديء خلْف بسكون اللام .

والخليفة جمع خلائف ، جاؤوا به على الأصل مثل : كريمة جمع كرائم . وجمعوه أيضا على خلفاء من أجل أنه لا يقع إلا على مذكر ، وفيه الهاء ، فجمعوه على إسقاط الهاء مثل ظريف جمع ظرفاء .

ثم نُقل لفظ " الخليفة " إلى معنى رئاسة الدولة والولاية العامة على الأمة في عهد أبي بكر ، عندما خاطبه أحدهم بلقب " خليفة الله " ، فاعترض على ذلك ، لأن الخلافة لا تكون إلا عن غائب ، فأُطلق عليه لقب " خليفة رسول الله r ، ثم استعيض عنه في عهد عمر بلقب "أمير المؤمنين" الذي ارتاحت إليه فطرة المسلمين ، لأن النبوة لا يسد مسدها أحد ، وقد ختمت الرسالة ؛ وأبو بكر نفسه انتبه إلى هذا عندما خاطب المسلمين قائلا : " أيها الناس إنما أنا مثلكم ، وإني لعلكم تكلفوني ما كان رسول الله r يطيق . إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات ، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع ، فإن استقمت فأعينوني ، وإن زغت فقوموني " . كما أن الإمام علي عندما قيل له : " يدعوك خليفة رسول الله r " ، قال : " لسريع ما كذبتم على رسول الله r ".

أما التأصيل الفقهي للقب " خليفة " فقد ظهر عقب بزوغ عصر التدوين لدى المفسرين ، إذ ربطوه بقوله تعالى : ) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( البقرة 30. إلا أن هذا الربط غير سليم ، لأن هذه الآية القرآنية لا علاقة لها بما ذهبوا إليه ، فهي خاصة بخلق آدم عليه السلام في ضمير الغيب ، ولم يرد في شرحها نص من كتاب أو سنة، وأقوال المفسرين فيها مضطربة ؛ وذلك ما أشار إليه أبو منصور الماتريدي بقوله في "تأويلات أهل السنة" [102]:  " القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة ، والكشف عما قال فيها أهل التفسير ؛ من غير شهادة لأحد منا  لإصابة جميع ما فيه من الحكمة ، أو القطع على تحقيق شيء وجهوا إليه بالإحاطة )

على أساس هذا المصطلح بمفهومه لدى المفسرين قامت الدول أموية وعباسية وعثمانية ، وظلت الدعوة إليه قائمة حتى عصرنا الحديث .

ولئن كان مصطلح " خلافة " ـ لا خليفة ـ ورد عن النبي r ، فإنه ورد مقيدا بلفظ "منهاج النبوة" ، أي" خلافة على منهاج النبوة " ؛ وهذه إشارة منه r إلى شكل النظام السياسي الإسلامي وجوهره .

وشكله خلافة ـ لا خليفة ـ ، أي نظام تقوم فيه الأمة بتدبير أمرها بنفسها ، جيلا يخلف جيلا ، ورجال التنفيذ ـ السلطة التنفيذية ـ خلفاء عن الأمة وخدام لها في تنفيذ قراراتها .

     أما جوهره فمنهاج النبوة ، وهو ما كان يطبقه الرسول r والراشدون بعده ، إذ جُعل أمر الأمة الدنيوي ملكا لها تقرر فيه بالشورى العامة ما تشاء تحت عين الشرع وحاكميته .

ولعل الانحراف عن هذا النهج كانت له أسبابه التراثية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ، مما شرح فيما سبق من ثنايا هذا الكتاب بالفصل الأول من الباب الرابع تحت عنوان : " الانحراف عن النهج النبوي وآثاره " .

 

الفصل الــثــاني

تعريف الخلافة وخصائصها لدى الفقهاء والمتكلمين

    

كان مدى ما بلغناه في ما سبق ما رأيناه صوابا ، عنوانا للنظام السياسي الإسلامي، وهو مصطلح الخلافة ؛ على أن تكون بمنهاج النبوة كما عبر عن ذلك النبي r   ، وأشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38، وكما طُبق واقعا ملموسا في عصري البعثة والخلافة الراشدة .

إلا أن هذه المعاني التي دل عليها التعبير النبوي وأشار إليها القرآن الكريم وبنت نموذجها السنة العملية ، لم يستوعبها قط مصطلح الخلافة لدى الفقهاء والمتكلمين .

     ولكي تتضح الصورة ينبغي بحث تعريفهم لها ، وبيان الأسس الفقهية التي بنوا عليها تنظيرهم لنظمها وخصائصها وسماتها .

في مقدمة ما عرف به الفقهاء الخلافة ، يبرز ما أورده أحد أقطاب الرعيل الأول وهو الماوردي  [103]بقوله : " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسية الدنيا "، وقوله [104] :"  هي تفويض إلى إمرة سلطان مسترعى ينقاد الناس لطاعته ، ويتدبرون بسياسته ليكون بالطاعة قاهرا " .

كما عرفها التفتازاني  بأنها [105]: " رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي r  " .

وقال عبد الرحمن الإيجي [106] " قال قوم : الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ، ونُقض بالنبوة . والأولى أن يقال : هي خلافة الرسول r  في إقامة الدين  يجب اتباعه على كافة الأمة . وبهذا القيد يخرج من ينصبه الإمام في ناحية ، والمجتهد والآمر بالمعروف " .

أما ابن خلدون [107]، فيفرق بين الخلافة وبين الملك الطبيعي وبين الملك السياسي بقوله : " الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها ؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة . فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا  ".

وفي كتاب "الخراج" [108] عدها أبو يوسف خلافة عن الله ؛ إذ قال : " إن الله بمنه ورحمته جعل ولاة الأمور خلفاء في أرضه ، وجعل لهم نورا يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم " .

وعدها أبو الحسن الأشعري خلافة لرسول الله r  إذ قال عند حديثه عن خلافة أبي بكر [109]: " أطبقوا على البيعة له والانقياد لإمامته والركون تحت رايته ، واتباع أمره ، وقالوا له يا خليفة رسول الله r  ، ولا يجوز أن تجمع الأمة على خطأ .

وفي كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد" عقد الغزالي فصلا كلاميا قال فيه: [110]" نظام الدين مقصود لصاحب الشرع عليه السلام قطعا ، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النـزاع فيها . ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم ، وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء ، لو خُلُّوا وآراءهم ، ولم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم ، لهلكوا من عند آخرهم ؛ وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء . فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا ، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين ، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة ، وهو مقصود الأنبياء قطعا ." .

كذلك الفخر الرازي قال [111]: " إن العلم الضروري حاصل بأنه إذا حصل في البلد رئيس قاهر ضابط فإن حال البلد يكون أقرب إلى الصلاح مما إذا لم يوجد هذا الرئيس .. لا معنى للإمامة إلا التصرف في جميع الأمة".

وفي "حاشية رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين [112]: " الإمامة صغرى وكبرى ، فالكبرى استحقاق تصرف عام على الأنام أي الخلق " .

وفي "الرسائل الكلامية" يبين الجاحظ أن الحاجة ملحة إلى الإمام فيقول : [113]" لو ترك الناس وقوى عقولهم وجماح طبائعهم  ورغبة شهواتهم وكثرة جهلهم كان قد كلفهم شططا وأسلمهم إلى عدوهم . فلما كان ذلك كذلك علمنا أن الله تعالى حيث خلق العالم وسكانه ، لم يخلقه إلا لصلاحهم ، ولا يجوز صلاحهم إلا بتنقيتهم ، ولولا الأمر والنهي ما كان للتنقية وتعديل الفطرة معنى . ولما كان لابد للعباد من أن يكونوا مأمورين منهيين بين عدو عاص ومطيع ولي ، علمنا أن الناس لا يستطيعون مدافعة طبائعهم ومخالفة أهوائهم إلا بالزجر الشديد ، والتوعد بالعقاب الأليم في الآجل ، بعد التنكيل في العاجل ، فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم . ووجدنا الأئمة ثلاثة : رسول ونبي وإمام ، فالرسول نبي وإمام ، والنبي إمام وليس برسول ، والإمام ليس برسول ولا نبي " .

أما إمام الحرمين فيعرف الخلافة بأنها [114]:  " رئاسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا ، متضمنها حفظ الحوزة ـ أي البلاد ـ ، ورعاية الرعية ، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف ، وكف الجنف (أي الانحراف والميل)  والحيف (أي الظلم والجور) ، والانتصاف للمظلومين من الظالمين ، واستيفاء الحقوق من الممتنعين ، وإيفاؤها على المستحقين " .

هذا أهم ما عرف به الفقهاء والمتكلمون الخلافة ؛ وإنك لواجد غيره لدى كل من تصدى لهذا الموضوع بالبحث والدرس ، وإن لم يخرجوا جميعا عن مضمون ما تقدم ؛ لذلك لا فائدة من الاستقصاء ، ويكفي ما أوردنا لمعرفة خصائص الخلافة وسماتها ومميزاتها في نظرهم ، مما نوجزه فيما يلي :

1 - أن الخلافة رئاسة قاهرة تسلطية ، وإن اختلف التعبير عن ذلك من فقيه أو متكلم إلى غيره . فهي عند الماوردي" تفويض إلى سلطان ليكون بالطاعة قاهرا " ولدى الغزالي " داء الأمة لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع " . ولدى الرازي " لا بد للأمة من رئيس قاهر ضابط " . وعند ابن عابدين " استحقاق تصرف عام على الأنام " . وعند الجويني والتفتازاني " رئاسة تامة ".

2 - أن الخلافة تصرف عام في أمر الأمة الديني والدنيوي واحتكار له ؛ لأنها خلافة عن النبوة في أمر الدين والدنيا كما لدى الماوردي والتفتازاني والإيجي ، ولأنها في نظر ابن خلدون حمل الكافة على مقتضى الشرع في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، ولأن الخليفة عند أبي يوسف نائب عن الله تعالى ، وعند الجاحظ في الرتبة الثالثة مباشرة بعد الرسول والنبي ، ومتضمن الخلافة عند الجويني مهمات الدين والدنيا ، وعند الغزالي لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم والسلطان ضروري في نظام الدنيا ونظام الدين .

3 - أن الخلافة تصرف عام في الأمة نفسها خاصتها وعامتها ، كما قال الجويني. والتصرف العام في أي أمر شرعا وقانونا ، يوحي بمعنى الملكية له وعدم المساءلة عنه ، بحيث تُعد الأمة سائمة في يد مالكها ، عليها اتباعه والانقياد لإمامته وامتثال أمره كما قال الأشعري . ولولا الرأي المطاع لهلك الخلق كلهم كما ذكر الغزالي

4 - أن الخلافة تسلط فردي على الأمة لا يشترك فيه مع الخليفة أحد . وكل ما عرف به الفقهاء والمتكلمون هذا المنصب ، لم يشر إلى وجوب استعانته بأحد أو استشارته لغيره ؛ وهذا الموقف منهم نتيجة منطقية لوضعهم الإمامة في مقام النائب عن الله أو عن الرسول r  . بل إن منهم من قاس أمر الإمام في علاقته بالأمة على الزوج بالنسبة لزوجته عقدا وقيومية واستدامة .

5 - أن الخلافة مسؤولية فردية لا أمام الأمة مطلقا ، ولكن فقط بين يدي الله تعالى يوم القيامة . وما دام الإمام سيحاسب يوم القيامة على عمله في الدنيا وحده، فليس عليه أن يستشير أحدا ، لأن الأمر أمره والعمل عمله والمحاسبة الأخرويـة له وحده . لذلك فالشورى في حقه غير ملزمة ، وهي مجرد شعيرة تعبدية مندوب إليها بينه وبين خالقه .

6 - أن الخليفة مسؤول وحده عن تنفيذ أحكام الشريعة ؛ لأنه نائب عن النبي r أو  عن الله تعالى . مما يعطيه  حق احتكار التشريع الإسلامي وشرحه وتأويله وتوجيهه وتطبيقه .

7 - أن الأمة كلها قاصرة غير رشيدة ، لا تستطيع التمييز بين ما يضرها وبين ما ينفعها ، ولا تكبح طبائعها السائبة إلا بالزجر الشديد والعقاب والتنكيل ، الذي يقوم به الرئيس القاهر المطاع .

8 - أن الخليفة ضامن شخصيا لوحدة الأمة وتماسكها ، ولا يجوز تبعا لذلك تعدد الأئمة سدا لذريعة تمزق البلاد والعباد . إلا أن هذا المبدأ لم يكن له ما يحفظه إلا قوة جند الخليفة ، فلما تمزقت هذه القوة وضعفت واستبد بشراذمها الأمراء المتناحرون ، عجزت عن حماية الوحدة ، فقامت الدويلات المذهبية والعرقية في الشرق والغرب ، واضطر الفقهاء والمتكلمون بضروب من الاستنباط المتكلف إلى التشريع لجواز تعدد الأئمة .

9 - أكثر ما عرف به الفقهاء والمتكلمون طبيعة الخلافة ومميزاتها وخصائصها ـ إن لم نقل كله ـ ، لا يستند إلى الكتاب والسنة إلا بضرب من التكلف الشديد والتأويل البعيد ، الذي لا يمت بصلة وثيقة إلى طرق الاستنباط الشرعي الموثوق به ؛ وكان اعتمادهم في ذلك على ما ظنوه مدارك للعقول ومصالح مرسلة . وهو ما أشار إليه إمام الحرمين عند تعريفه للإمامة في كتابه "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في الاعتقاد" من أن الكلام في الإمامة [115] " يعتوره محظوران عند ذوي الحجاج ، أحدهما ميل كل فئة إلى التعصب وتعدي الحق ، والثاني من المجتهدات المحتملات التي لا مجال للقطع فيها " ، وما أكده أيضا في كتابه "غياث الأمم" إذ قال [116] :" لا مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة ، والخبر المتواتر معوز أيضا " ، وزاد [117] : " إن معظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة "  وأضاف [118]: " معظم مسالك الإمامة عرية عن مسالك القطع خلية عن مدارك اليقين " .

وكان مما عاق رؤية معظم الفقهاء والمتكلمين لطبيعة الخلافة الراشدة ومميزاتها ، عدم وضوح تصورها في أذهانهم ؛ وشعورهم بأنهم ينوبون عن الأمة في التفكير والتمييز بين المنافع والمضار ، وأنهم يساعدون الحكام على القيام بمهامهم ؛ لأن الولاية على الأمة في نظرهم ولايتان  إحداهما سياسية خاصة بالحكام ، والثانية فقهية خاصة بالعلماء ؛ واعتبارهم ذواتهم وأشخاصهم مقياسا وحيدا للمعرفة ، وإسقاطهم على الأمة حالاتهم النفسية رهبا ورغبا ، وعلاقاتهم بالملوك ولاء وعداوة.

هذه خلاصة تصور الفقهاء والمتكلمين لنظام الخلافة من خلال تعريفهم لها ؛ وهو كما رأينا نظام حكم فردي استبدادي مطلق ، بعيد كل البعد عن جوهر النظام السياسي الإسلامي وشكله .

وقد ساهم هذا التصور إلى حد بعيد في تعطيل نمو الفكر السياسي لدى المسلمين ، وعاق قيام المؤسسات الشوروية والتشريعية والتنفيذية والاقتصادية والمحاسبية ، الخاصة بتسيير دواليب الدولة وتطويرها وتنميتها وحمايتها ، وجعلها مسايرة لتطور الزمان والبيئة وحاجات الناس .

الفصل الثالث

دليل وجوب الخلافة لدى الفقهاء والمتكلمين

    

حاول الفقهاء والمتكلمون من كل مذهب ، البحث عن دليل شرعي لوجوب إقامة الخلافة ونصب الإمام ؛ وذهب الاستنباط بهم مذاهب شتى ، وكاد إجماعهم ينعقد على الوجوب ، لولا عبد الرحمن بن كيسان الأصم الذي رأى غير ذلك ، وبعض الخوارج الذين أجازوا الاستغناء عن الخليفة إذا انتظم أمر الأمة ، وكف الناس عن التظالم .

ولئن كان مستند الوجوب عند كثير من المعتزلة وبعض أهل السنة عقليا ، كما لدى الجاحظ وأبي الحسن البصري والإمام الرازي ؛  فإن كافة الشيعة وجمهور أهل السنة يرون الوجوب مستفادا من الشرع المنقول ، على اختلاف بين من يراه منهم أصلا من أصول الدين كالإمامية ، وبين من يراه فقها من الفروع كما لدى أهل السنة والزيدية.

ذلك أن الشيعة يرون الإمامة ليست من المصالح العامة التي تُفوض إلى نظر الأمة؛ وإنما هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ، ولا يجوز عقلا للنبي r  إغفاله ، بل عليه تعيين الإمام المعصوم من الكبائر والصغائر . وساقوا لذلك أدلة من القرآن والسنة أولوها لإثبات رأيهم ، وأوّلها أهل السنة لنقضه .

ولئن ذهب الشطط بالشيعة إلى أن أوجبوا على الله تعالى تعيين الإمام المعصوم، بدعوى اللطف بالخلق وضرورة تعليمهم معرفة الله وأسرار الدين وفعل الواجبات وترك القبائح ، حفظا للشريعة وتبيانا لها ؛ فإن أهل السنة قد جنح الشطط ببعض فقهائهم ومتكلميهم في تقدير أهمية الإمامة إلى حد ربطوا فيه بينها وبين بقاء الدين. من ذلك ما ذهب إليه الإمام الغزالي [119]، قال : (فليت شعري ، من لا يساعد على هذا ، ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها ، وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها ، بل هو فاقد للمتصف بشروطها ، فأي أحواله أحسن ؟ ، أن يقول : "القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة ، وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة ، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام " ، أو أن يقول : " الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار ؟ " ) .

وينبغي كما ذكر أيضا [120]: ( ألا نعتقد في عصرنا هذا وفي أعصار منقضية ، خليفة غير مستجمع لشرائط الإمامة متصف بصفاتها ؛ فتبقى الإمامة معطلة لا قائم بها ، ويبقى المتصدي لها متعديا عن شروط الإمامة ، غير مستحق لها ولا متصف بها . وهذا هجوم عظيم على الأحكام الشرعية وتصريح بتعطيلها وإهمالها ، ويتداعى إلى التصريح بفساد جميع الولايات وبطلان قضاء القضاة ، وضياع حقوق الله تعالى وحدوده ، وإهدار الدماء والفروج والأموال ، والحكم ببطلان الأنكحة الصادرة من القضاة في أقطار الأرض ، وبقاء حقوق الله في ذمم الخلق . فإن ذلك لا يتأدى على وفق الشرع إلا إذا صدر استيفاؤه من القضاة . ومصدر القضاة تولية الإمام . فإن بطلت الإمامة بطلت التولية وانحلت ولاية القضاة ، والتحقوا بآحاد الخلق ، وامتنعت التصرفات في النفوس والدماء والفروج والأموال ، وانطوى بساط الشرع بالكلية في هذه المهمات ) .

ولئن كان الشيعة إذ دخلوا مرحلة الانتظار وغيبة الإمام ، قد أبقوا على الشريعة بكل أحكامها قائمة في المجتمع ؛ فإن الغزالي قد جعل غياب الإمامة أو بطلانها مفضيا إلى انطواء بساط الشرع بالكلية، وهذا شطط منه كبـير يثـير التسـاؤل  والاستغراب .                  

ولئن كان دليل وجوب نصب الخليفة عند جمهور أهل السنة النقل لا العقل ؛ لأن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته ولا تحليل شيء أو تحريمه ، كما قال أبو يعلى[121]  ؛ فإن دليل النقل عندهم لم يكن سوى الإجماع . إلا أن الإجماع نفسه محتاج الى دليل من النصوص يثبت حجيته ، لاسيما في قضية حساسة وخطيرة ومثيرة للجدل ، متعلقة بالنظام السياسي للأمة ؛ ولذلك قوبل الإجماع بالطعن فيه من الخصوم ، بدعوى أن لا مطمع في إثبات حجيته دليلا  بنص صحيح ؛ وحديث ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) لم يُسلم لهم تواتره أو صحته، ويتطرق إليه التأويل بأن المقصود بالضلالة الردة والكفر والانسلاخ عن الإيمان . وإنْ سُلم بالإجماع حجة ، فإنه في قضية الإمامة أيضا محتاج إلى مستند من نص ، وليس بين أيدينا هذا النص .

غير أن  أهل السنة يثبتون مستند الإجماع على وجوب إقامة الخلافة ، بدليل العقل والمنطق ، القاضي بأن إجماع الصحابة على الوجوب ـ وهو قطع منهم في مسألة ظنية لا مجال للقطع فيها ـ ، يستحيل وقوعه منهم من غير سبب سمعي مقطوع به . كما لا يبعد أن ينعقد إجماعهم عن سبب مقطوع به ثم يقع الاكتفاء بالوفاق ، ويُضرب المجمعون عن نقل السبب لقلة الحاجة إليه . وقد وصلنا إجماعهم فصار حجة ، ولم يُنقل إلينا مستندهم فاكتفينا بذلك ، وهذا دليل إثبات وجوب الإمامة بالنقل عندهم .

ولكن هذا النهج في الاستدلال لا يثبت عند التثبت والنقد لسببين :

أولهما أنه لا يجوز أن نثبت حكما شرعيا بناء على تصرف لغير النبي r  ، مهما كان ورعه وتقواه ، على أساس الظن بأنه قد يكون اطلع على دليل لم يصل إلينا ؛ لأن هذا الأسلوب في الاستنباط يفتح ثغرة خطيرة في التشريع بالهوى والظن  )وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ( ـ النجم 28 ـ ، وليس لنا إلا نبي واحد وقرآن واحد منهما نتلقى أحكام الدين .

والثاني أن النصوص قرآنا وسنة ـ وضمنها ما ادُّعي عدم نقل الصحابة له ـ لا يجوز في حق أصحاب رسول الله r  إلا أن يكونوا أمناء على تبليغها ، وقد قال r  في الحديث الذي رواه الإمام الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود : " نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها وأداها ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . وعدم نقلهم لما استندوا إليه في إجماعهم على وجوب الخلافة ، إن كان منهم عمدا فهو كتمان وإثم ، وإن كان نسيانا من جميعهم فهو إهمال  وإن كان استغناء فتلك الطامة الكبرى . وكل ذلك ننـزه عنه أصحاب رسول الله r  .

ونحن إذا ما أعدنا النظر في هذا الأمر ألفينا أن مستند الإجماع على إقامة الخلافة ثابت بالأدلة النقلية كما هو ثابت بدليل الفطرة .

فمن النصوص القطعية التي استندوا إليها قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38 ، وقد تشاوروا في أمرهم وقرروا فيه ما رأوه مفيدا وصالحا ومرضيا لربهم .

     وقوله تعالى : ) وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ (  النور62 ، وليس هناك من أمر جامع عقب وفاة النبي r  مباشرة ، إلا إقامة هيكلية الدولة الجامعة ، وهو ما فوض الله إليهم البث فيه بواسطة الشورى الجماعية وما أرشد إليه قول الرسول r  : " إذا كنتم ثلاثة فأمروا " .

أما دليل الفطرة ، فإن نظام تجمع الكائنات الحية على الأرض قائم على أساس التكتل ؛ إلا أن القيادة بالنسبة للتكتل البشري ، تكون بالاختيار الحر وهو نظام الإسلام، أو بالتسلط كما في نظم الاستبداد . هذه هي الفطرة لدى الكائنات الحية )فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ( ـ الروم 30 ـ .

وعلى هذا ، فإن إقامة النظام السياسي الإسلامي ، خلافةً على منهاج النبوة ، واجب شرعي ، دليله من الكتاب والسنة والإجماع ، والفطرة السوية التي فُطر الخلق عليها .  

الفصل الرابع

الشروط الذاتية للخليفة لدى الفقهاء والمتكلمين

 

في غيبة النصوص القطعية والمستفيضة والصحيحة غير المنسوخة ، وتحت مظلة الانتقائية والتحايل الاستنباطي ، وفي غبش الظن والحدس ، وعلى غرار ما يفعل من يسلخ القدم لتصير على مقاس الحذاء ، عمل الفقهاء والمتكلمون على تحجيم الأمة بكل قدراتها ، والدولة بجميع مرافقها ومصالحها ، والشريعة بكل أحكامها ، إلى مستوى قابل لسيطرة رئاسة تامة عامة شاملة تسلطية استبدادية ، بيد حاكم فرد هو قيِّم الدنيا والآخرة في نظرهم ، إليه يرد الداخل أخبارا ومراسلات وجباية وخراجا وزكاة وثروة وعبيدا وإماء ، وعنه يصدر الخارج قرارات وأوامر وتوجيهات وأعطيات وبعوثا ، وأحكاما بالجلد والبتر والقطع والقتل ، وهو المتحكم في الأرواح والأعراض والأموال ، والضامن لوحدة البلاد وأمن الأمة وبقاء الشريعة . ثم وضعوا له صفات ينبغي أن يتحلى بها وشروطا رأوا أن تتوفر فيه ، في غير حالات الاستثناء فتنة أو شدة أو اضطرارا أو تغلبا . مما جعل هذه الصفات مجرد أردية يلبسها الأمير إنْ رضي ، ويستعيض عنها بالسيف إن سخط .

تختلف هذه الصفات والشروط من فقيه أو متكلم إلى آخر ، ولكنها ترجع في مجملها إلى صنفين : شروط ذاتية ، وشروط غير ذاتية ، أو شروط من الأمير وشروط من غيره .

فالذاتية ما تعلق بالنسب والصفات الجسمية والعقلية والسلوكية والعلمية .

     أما غير الذاتية فما تعلق منها بطريقة التنصيب ، تولية للعهد  أو تفويضا من أهل الحل والعقد ، أو أنصارا وجنودا يستطيع بهم السيطرة على السلطة والغلبة عليها واغتصابها . وهذا ما أوجزه أبو يعلى الحنبلي[122]-؛ إذ بيّن أن الأئمة الشرعيين ثلاثة : رجل اختاره أهل الحل والعقد على شروط ، ورجل عَهِدَ إليه بالولاية إمام قبله توفرت فيه الشروط أم لم تتوفر ، ورجل غلب على أمر المسلمين ونصَّب نفسه بالقهر والسيف ، ولو لم تتوفر فيه الشروط ، برا كان أو فاجرا .

ولئن كانت الشروط الذاتية متقاربة لدى الفقهاء والمتكلمين ، فإنها تتعدد وتتسع عند بعضهم إلى الحد الذي يجعل استجماعها في شخص واحد من قبيل المتعذر ، وتتقلص عند البعض إلى حد يُعد فيه الظالم والمعتدي والغاصب والفاسق عملا ومعتقدا أهلا للإمامة انعقادا واستدامة . وما ذلك إلا لأن لهم في اعتبارها شروطا مرجعين اثنين لا غير : أحدهما النص من صاحب الشرع ، ولم يرد النص في شيء من ذلك إلا في النسب ، إذ قال : " الأئمة من قريش " ؛ أما ما عدا ذلك فإنما أُخذ بالضرورة والحاجة الماسة لينتظم أمر الإمامة .

وهذه الشروط لدى الإمام الشافعي[123]هي : ( العقل والبلوغ والحرية والإسلام ، وكونه ذكرا، والعلم، بحيث يكون مفتيا من أهل الاجتهاد ، والتدبير والشجاعة والصلاح في الدين ، وأن يكون من قريش ).

وعند الماوردي [124] :( العدالة على شروطها الجامعة ، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يُدرك به ، وسلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة ، وسرعة النهوض ، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح ، والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو ، والنسب وهو أن يكون من قريش ) .

ولدى أبي يعلى الحنبلي[125]: أن يكون على صفة من يصلح أن يكون قاضيا ، من الحرية والبلوغ والعقل والبصيرة والعلم والعدالة ، وأن يكون بصيرا في أمور الحرب والسياسة وإقامة الحدود ، ولا تأخذه رأفة أو رقة في ضرب الرقاب والأبشار ، وأن يكون من أمثل الأمة في العلم والدين ، وأن يكون من قريش .

أما الغزالي في "فضائح الباطنية" [126] فيوجز هذه الشروط في صحة العقيدة وسلامة الدين ، والكفاية المبنية على الفكر والتدبر والفطنة والذكاء والاستضاءة بذوي البصائر ، والورع والعلم والنسب القرشي . ثم يفصل هذه الشروط فيحصرها في عشر صفات ، ست منها خَلْقِيَّةٌ لا تُكتسب ، هي البلوغ والعقل والحرية والذكورية والقرشية والسلامة من الصمم والعمى ، وسائر العيوب المنفرة كالبرص والجذام والزمانة وقطع الأطراف . وأربع صفات تُكتسب أو يفيد الاكتساب فيها مزيدا ، وهي النجدة والكفاية والعلم والورع .

وعند أبي منصور عبد القاهر البغدادي[127]" : العلم وأقله ما يكفيه منه أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين في الحلال والحرام والأحكام ، والعدالة والورع وأقل ما يكفيه أن يكون ممن تجوز شهادته تحملا وأداء ، والاهتداء إلى وجوه السياسة وحسن التدبير ، والنسب القرشي .

وعند القلقشندي في "مآثر الإنافة" [128]: الذكورة والبلوغ والعقل والبصر والسمع والنطق ، وسلامة الأعضاء ، والحرية والإسلام ، والعدالة والشجاعة والنجدة ، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد ، وصحة الرأي والتدين ، والنسب القرشي .

ولدى الباقلاني في "التمهيد" [129]: أن يكون قرشيا ، ذا بصيرة في الحرب ، لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ، من أمثل الأمة علما ، ولا يشترط العصمة ولا أن يكون الإمام من أفرس الأمة أو أشجع الناس ولا من بني هاشم .

أما عبد الرحمن الإيجي في "المواقف" [130] فيشترط الاجتهاد في الأصول والفروع ، والرأي ليقوم بأمور الملك ، والشجاعة ليقوى على الذب عن الحوزة ، والعدل لئلا يجور ، والعقل والبلوغ والذكورة والحرية ، والنسب القرشي .

والتفتازاني[131] يشترط الظهور ـ أي عدم الخفاء ـ ، والقرشية ، وأن يكون من أهل الإمامة المطلقة الكاملة ، أي مسلما حرا ذكرا بالغا سائسا ، قادرا بعلمه وعدله وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام ، ولا ينعزل بالفسق والجور .

وابن خلدون في "المقدمة" [132] يشترط العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل ، والنسب القرشي . إلا أنه وجه معنى "النسب" إلى مفهوم توفر العصبية والكفاية للغلبة ، وهو المقصد الشرعي من النسب في نظره.   

وفي "حاشية رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين [133] ، يُشترط الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والذكورة ، والقدرة على تنفيذ الأحكام وجر الجيوش ، والنسب القرشي والعلم والكفاية والشجاعة والاجتهاد والتغلب أو الاستخلاف . ولا تشترط العدالة، والفاسق يُوَلَّى على الكراهة .

أما إمام الحرمين [134] ، فيقسم الشروط إلى أربعة أصناف :

ـ ما تعلق منها بالحواس ، وهي السمع والبصر والنطق .

ـ وما تعلق بالأعضاء ، أي عدم فقدان ما يؤثر عدمه في الانتهاض إلى المآرب والأغراض .

ـ وما تعلق بالصفات اللازمة وهي النسب والذكورة والحرية والعقل والبلوغ والشجاعة والشهامة والرأي .

ـ وما تعلق بالصفات المكتسبة ، وهي العلم والتقوى والورع ، وتوقد الرأي في عظائم الأمور والنظر في مغبات العواقب ، وهي ثمرة العقل والتجربة والممارسة .

ثم يوجز هذه الشروط كلها في أن الإمام الصالح هو الرجل الحر القرشي المجتهد الورع ذو التجربة والكفاية . ثم يرد هذه الصفات كلها في النهاية إلى شرطين هما : الاستقلال والنسب . ويدخل تحت الاستقلال الكفاية والعلم والورع والحرية والذكورة .

هذا مجمل ما ورد لدى الفقهاء والمتكلمين من شروط ينبغي توفرها في الخليفة . ولئن اختلفت أهميتها لدى كل منهم تقديما وتأخيرا ؛ فإننا نجد النسب القرشي قد حاز إجماعهم ، لاستناده إلى حديث صحيح أخذ به مالك والشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة في رواية لزرقان عنه ، هو ( الأئمة من قريش) ؛ وإلى كون الخلفاء الراشدين وملوك بني أمية وبني العباس كلهم من هذا النسب نفسه .

إلا أنهم أقروا كذلك إمامة الغصب والاستيلاء والمتغلب غير القرشي للضرورة واتقاء للفتنة . وهو ما نص عليه التفتازاني في "تقريب المرام" [135] ، والكمال ابن أبي شريف في "المسامرة على المسايرة" [136] ، والإمام النووي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين" [137] ، ونجم الدين الطرسوسي في "تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك" [138].

إن حديث ( الأئمة من قريش) صحيح رواه الطبراني في الدعاء ،والبيهقي في السنن والنسائي في الإمارة ، ورُوي معناه عن نحو أربعين صحابيا . كما أخرج البخاري في صحيحه ـ كتاب الأحكام ـ عن الزهري قال : ( كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث ، أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش ، أن عبد الله ابن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان ، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال :  أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله ، وأولئك جهالكم ، فإياكم والأماني التي تضل أهلها ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين  " ) .

وعن أنس قال : ( كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادة الباب فقال : " الأئمة من قريش ولهم عليكم حق ولكم مثل ذلك ، ما إذا استرحموا رحموا ، وإذا حكموا عدلوا ، وإذا عاهدوا وفوا . فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ) .

ويستدل أبو يعلى الحنبلي في "المعتمد في أصول الدين" [139] على القرشية بما رواه أبو المثنى الحمصي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الخلافة في قريش ، يا قريش أنتم الولاة بعدي لهذا الأمر فلا تموتمن إلا وأنتم مسلمون " ، وما رواه عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قريش ولاة الناس في الخير والشر" .

واستشهد على ذلك أبو بكر الباقلاني المالكي في "التمهيد" [140]، قال : ( أما ما يدل على أنه لا يجوز إلا من قريش فأمور منها : قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الأئمة من قريش ما بقي منهم اثنان " . وقوله صلى الله عليه وسلم للعباس حيث وصى بالأنصار في الخطبة المشهورة وكانت آخر خطبة خطبها ، لما قال للرسول صلى الله عليه وسلم: "توصي لقريش" ، فقال له :" إنما أوصي قريشا بالناس وبهذا الأمر ، وإنما الناس تبع لقريش ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم " )  .

إلا أن العمل بهذا الحديث وُوجه بصعوبات جمة بعد أن اتسعت الإمبراطورية الإسلامية ، وتمزقت دويلات عرقية ومذهبية ، وتوزعت قريش في الأمصار ، واختلطت الأنساب وابتعدت الفروع عن الأصول أجيالا وأزمانا ، وكثر الادعاء والأدعياء ؛ فارتبك الاجتهاد الفقهي في أمر اشتراط القرشية وذهب مذاهب شتى .

مذهب من يرى عدم اشتراطها في حال تغلب الجورة ، أو عدم وجود مستجمع للشروط من ولد إسماعيل ، كما ذهب إليه النووي في "روضة الطالبين" .

     ومذهب ابن خلدون في "المقدمة" ، إذ حاول تأويل أحاديث القرشية بالتوفيق بينها وبين نظرية العصبية ؛ فرأى أن العصبية هي مقصد الشارع من القرشية في عهد الإسلام الأول ، لأن قريشا كانت لها الغلبة بين العرب والقدرة على الاستئثار بالسلطة والاحتفاظ بها ، وأن كل من توفرت له العصبية والغلبة بقبيلته أو أنصاره يحق له التولي ويستحق الإمامة . ولذلك ـ في نظره ـ قال عمر بن الخطاب : (لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته ) أو ( لما دخلتني فيه الظنة ) ، لأن ولاء سالم لقريش يوفر له شرط العصبية ولو لم تتوفر فيه صراحة النسب [141]

ومذهب من يرى عدم اشتراط القرشية مطلقا ، من غير أن يرد حديث (الأئمة من قريش ) صراحة ،  مثل ما هو حال متأخري الحنفية وعلى رأسهم نجم الدين الطرسوسي في "تحفة الترك" [142].

ومذهب من رد الحديث على صحته ، بدليل المصلحة المرسلة ، كما هو حال محمود شاكر في "الخلافة والإمارة" . ودليل المصلحة المرسلة لا تُرد به الأحاديث الصحيحة .

إلا أن إعادة دراسة الحديث ونقده سندا ومتنا ، تكشف أن الظنية تحيط به ، وتمسك بتلابيبه من كل جانب ، وتأخذ به من درجة الثبوت والصحة إلى درجة النسخ على أقل تقدير ؛ من ذلك :

ـ ظنية كونه من الآحاد ، وعدم بلوغه مرتبة التواتر .

ـ وكون ما ادعي من إجماع الصحابة على اشتراط القرشية واستشهادهم بحديثها يوم السقيفة غير صحيح ، وينقضه رفض سعد بن عبادة وشيعته إقرار قريش على الأمر  وإباؤه مبايعة أبي بكر وعمر من بعده ، وإصراره على ذلك إلى أن توفي وليس في عنقه بيعة لقرشي .

ـ كما أن غضب معاوية من حديث الزهري الذي أخرجه البخاري ، عندما ذُكر له أن ملكا سيكون في قحطان،  وتهديده من يردد ذلك بقوله :  " وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها " ؛ يُعد شبهة توظيف سياسي لهوى قرشي أموي .

ـ ولعل مما يضعف أحاديث القرشية أيضا ويضفي عليها شبهة الهوى السياسي لجوء البعض إلى أحاديث بيّنة الوضع ، مثل ما نُسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عامر بن شهر : " انظروا قريشا فخذوا من قولهم وذروا فعلهم " ، مما اتُّخذ ذريعة ومستندا لبدعة رفع التكليف عند ضُلال الباطنية.

ـ كما أن للحديث مطعنا آخر من حيث مدلوله ؛ ذلك أن الإمامة إن كانت في قريش ، فإنها في بني هاشم من قريش من باب أولى ، وفي آل البيت من بني هاشم من باب أولى الأولى ، اعتمادا على أحاديث صحيحة أخرى ، منها ما أخرجه مسلم في  كتاب الفضائل ـ باب فضائل نسب الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " .  ومنها ما أخرجه الترمذي وحسَّنه ، وصححه الألباني في تحقيقه "مشكاة المصابيح" للخطيب التبريزي ، عن العباس أنه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم،  فكأنه سمع شيئا ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنبر ، فقال : " من أنا ؟ " ، فقالوا : " أنت رسول الله " ، فقال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا " . وهذا قول الشيعة في إطار الاطراد العقلي المنطقي الذي تؤيده النصوص الآحادية الصحيحة وفضل آل البيت المنصوص عليه بالأدلة قطعية الثبوت والدلالة .

ـ ويضعف حديث القرشية أيضا مخالفته للـقرآن الكـريم في قولـه تعـالى:  ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ( -الحجرات 10- و  ) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (    -الحجرات 13 - ، ومخالفته لأحاديث آحاد صحيحة مثله ، ترفعها عن درجته موافقتها للقرآن الكريم ، تتعلق بمساواة المسلمين ذمما ودماء ، كالتي أخرجها أحمد في مسنده ، وأبو داود والنسائي في سننهما ، والزيلعي في "نصب الراية" الخ .

ـ كما أن نصوصا نبوية أخرى صحيحة ، تعارض حديث القرشية وردت متأخرة عليه في حجة الوداع . منها ما أخرجه ابن ماجة وأحمد بن حنبل والنسائي    عن عرباض بن سارية قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب،  قلنا ـ أو قالوا ـ: " يا رسول الله كانت هذه موعظة مودع فأوصنا " ، قال : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي يرى اختلافا كثيرا ؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجد  وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة "  . ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن يحيى بن حصين عن أمه قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول : " يا أيها الناس اتقوا الله ، واسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدع ، ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل "  ، وعن يزيد بن حميد أنه سمع أنس بن مالك يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : " اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة " . ولئن حاول بعض الفقهاء توجيه أحاديث ( الطاعة ولو لحبشي ) بأن ادعوا أن مقصد الشرع منها ، التشديد على وجوب الطاعة ولو لحبشي وهو ما لا يكون ، أو أن ولاية العبد الحبشي يُقصد بها من يعيِّنهم الإمام ولاة للأقاليم أو قوادا للجيش أو جباة للخراج والزكاة ؛ فإن هذا التأويل منهم بعيد جدا عن سياق هذه الأحاديث ومناسبتها وما ترمي إليه .

ـ كما أن منهج التشريع الإسلامي يتعارض مع اشتراط قرشية الإمامة ،  لأن الشرع لا يربط أحكامه الدائمة بظواهر عارضة لا تدوم ؛ لا سيما إذا كان الأمر متعلقا بنظام سياسي عام تحتاج إليه الأمة في كل زمان ومكان ، كما لا يربط أحكامه بالأفراد ، سدا لذريعة تحول أمر الأمة إلى كهنوتية ، وهو ما كادت هيمنة قريش تؤول إليه ، بتحولها إلى سدنة للإمامة ومعدن لها .     

أما شرط العلم والاجتهاد ، فقد كاد الإجماع ينعقد على ضرورة بلوغ الخليفة مرتبة الاجتهاد في الأصول والفروع ، لكون الغرض الأساسي من تنصيبه  هو صيانة العقيدة وتنفيذ أحكام الشريعة . إلا أنهم لم يبينوا درجة الاجتهاد المشترط، مطلقا أو مقيدا ، ومن أي طبقات المجتهدين يكون الإمام . وذهب بعض المتأخرين من الفقهاء إلى أن الاجتهاد مطلقا أو مقيدا ليس ضروريا ، ويغني الخليفةَ معرفةٌ كافيةٌ بالشرع تؤهله لأن يستعين بمجتهدي رعيته ويفهم عنهم ، أما في فترات الفتن وتغلب الجورة والجهلة فيجوز أن يكون الخليفة أميّاً .

ولئن اشتُرط الاجتهاد الفقهي لما بيَّنا ، فإن الخليفة طبقا للاختصاصات التي جعلها له الفقهاء ، من مهامه أيضا القضايا الدنيوية المتعلقة بتنفيذ قرارات الأمة ، في مجال الإدارة والبيئة والصناعة والاقتصاد والعلاقات الدولية وشؤون الجيش وغير ذلك ، مما تقتضي المصلحة أن يكون ملما به وقادرا على فهمه والتعامل معه . وهذه الموسوعية العلمية  تعجز عنها القيادة الفردية ، وتوجب أن تكون الدولة مرتكزة على مؤسسات متخصصة قادرة على تسيير الموجود ، وتطوير الحاضر ، واستحداث المفتقد واستشراف الآتي ، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية .

أما العدالة ، فصغراها تجنب فسق الأعمال بالكذب والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش ، وكبراها تجنب فسق المعتقد ، أي فساد العقيدة . وهذا شرط ينبغي توفره في كل متصد لعمل عام ، لا في الخليفة وحده . إذ الالتزام بعقيدة الأمة وأخلاقها شرط منطقي ومعقول وضروري لحفظ كيان الدولة ـ أي دولة ـ واحترام مقوماتها .

إلا أن خلافا ورد على هذا الشرط أيضا ، لعدة أسباب ، أهمها متعلق بحقيقة الإيمان والموقف العقدي من العدالة . وإذ يرى الحنفية أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه متعلق بالقلب ، والأعمال شرائع الإيمان لا من نفسه ؛ يذهبون إلى أن الفسق لا ينقص من الإيمان ، ولا يخرج الفاسق من أن يكون أهلا للشهادة أو للقضاء أو للإمامة العظمى، وهو ما شرحه السرخسي في المبسوط[143] .

وإذ يرى غيرهم أن الأعمال من نفس الإيمان ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي ، يذهبون إلى أن الفسق يُخرج صاحبه عن أهلية الشهادة والقضاء والإمامة .

إلا أنهم في حالة الضرورة وخوف الفتنة ، يجمعون على التساهل في أمر العدالة صغراها وكبراها ، ويجيزون إمامة الفاسق المتغلب للمصلحة المرسلة ؛ وفي ذلك يقول النووي [144] : "الإمام لا ينعزل بالفسق على الصحيح" ؛ ويقـول الـزركشي[145] : " لا تبطل ولاية الإمام الأعظم بالفسق لتعلق المصالح الكلية بولايته ، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليها ضرورة ".

أما شرط الحرية ، فإن الفقهاء والمتكلمين لم يجيزوا إمامة العبد المسلم ولو أُعتق والمولى وإِنْ تفقه وبلغ مرتبة الاجتهاد ، مع ما في موقفهم هذا من معارضة لأحاديث السمع والطاعة ولو لعبد حبشي . وهذا الشطط منهم لعله من رواسب عادات العرب وأعرافهم في الجاهلية . وهو في كل الأحوال مخالف لمقاييس المساواة بين المسلمين التي وضعها القرآن بقوله تعالى : ) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات13، والرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) مما اتُّخذ دليلا على جواز أمان العبد والمرأة . وهو ما فهمه عمر ـ رضي الله عنه ـ عندما قال: " لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته " .

أما شرط الذكورة فدليلهم فيه قوله تعالى : ) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ( ـ النساء 34 ـ ، وهو خاص بالزوجية ، وما رواه البخاري من حديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: ( نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم . قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا بنت كسرى ، قال : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ، وزاد الترمذي والنسائي :  فلما قدمت عائشة ـ رضي الله عنها ـ البصرة ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى به ) .

إلا أن شرط الذكورة انخرم الإجماع على اعتباره ، بإجازة الخوارج إمامة المرأة استنادا منهم إلى قوله تعالى : ) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات13.

أما شروط الحكمة والشجاعة والإقدام ، فلا يوجد مقياس واضح لمعرفة توفرها قبل التولية ، ولا مجال للقطع فيها ، واشتراطها تحكمي محض .

ولا نطيل بالتعليق على شروط كمال الأجسام وقسوة الطباع ، والمقدرة على قطع الرقاب وبتر الأطراف وجلد الأبشار ؛ لأننا بصدد شروط لاختيار خليفة ، لا شروط لاختيار جزار أو جلاد أو سجان أو رجل عصابة .

هذا مجمل شروط الإمامة عند الفقهاء والمتكلمين ، وهي كما نلاحظ :

1 - تحكمية ، أي أنها موضوعة بمحض إرادة الفقهاء والمتكلمين وفهمهم ومقاصدهم ، لم يرد في كونها شروطا أي نص شرعي واضح الدلالة ثابتها . وإن كان بعضها معقول المعنى فإنه لا شيء يمنع تعديلها أو استبدالها أو إضافة غيرها ، ما دام المرجع الوحيد فيها هو العقل والمنطق والرأي .

2 - إنشائية وصفية نظرية ، لم يلتزم بها الأمراء والملوك والأئمة ، ولم تُطبق في واقع الأنظمة السياسية التي قامت ، وبقيت مجرد رفاهية ثقافية في المجالس والمناظرات الفقهية.

3 - على رغم عدم توفر هذه الشروط كلها أو جلها ، في الإمامة التي عاصرها هؤلاء الفقهاء ، فإنهم أفتوا بشرعية هذه الإمامة ووجوب طاعتها ، مبررين ذلك بضروب من التحايل الفقهي تأويلا وقياسا واستحسانا واستصحابا ، وسدا للذرائع وتحقيقا للمقاصد والمصالح المرسلة ، مما أوهن النصوص وحول علم أصول الفقه وطرق الاستدلال والاستنباط أداة لخدمة الاستبداد والتسلط .

4 - ظروف كثير من هؤلاء الفقهاء والمتكلمين الذين صنفوا في الفقه السياسي، لم توفر لهم الاستقلال في الرأي والموضوعية في البحث والاستنباط ، لعلاقتهم الوثيقة بحكام عصرهم ، وولائهم للأنظمة القائمة في عهدهم . فالإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ يعترف في الباب التاسع من كتاب "فضائح الباطنية" ، بأن غايته من التصنيف البرهنة على شرعية إمامة "المستظهر العباسي" ، ويقول : "المقصود من هذا الباب بيان إمامته على وفق الشرع ، وأنه يجب على كافة علماء الدهر الفتوى على البت والقطع بوجوب طاعته على الخلق " .

وأبو يوسف يقدم كتاب "الخراج" إلى الخليفة بقوله : "يا أمير المؤمنين ، إن الله ـ وله الحمد ـ قد قلدك أمرا عظيما " .

والماوردي يصنف "الأحكام السلطانية" بأمر الخليفة ولخدمته فيقول : " أفردت لها كتابا امتثلت فيه أمر من لزمت طاعته " .

وابن أبي الربيع في "سلوك المالك في تدبير الممالك" يعد نفسه عبدا مملوكا لمن أمره بتصنيف هذا الكتاب فيقول : " وبعد فإن الذي بعث المملوك على تأليف هذا الكتاب أمران : أما الأول ، والثاني أن بعض مَنْ أوامره مطاعة مجابة ، أمر أن يُمضى ذلك الرأي في إنشاء الكتاب " .

وعبد الرحمن الإيجي يقدم كتابه "المواقف في علم الكلام" لمن ( هو غني عن أن يباهي وأجل من أن يُباهى ، وهو أعظم من ملك البلاد وساس العباد ، وأعلاهم منـزلا ومكانا جمال الدنيا والدين أبو إسحاق لا زالت الأفلاك متابعة لهواه ) .   

والقلقشندي يقدم كتابه "مآثرالإنافة" ( للخليفة الذي إن كان في الزمان متأخرا، فهو في الحقيقة مقدم ، والسيد الذي هو من آبائه الخلفاء الراشدين خير خلف ، الإمام المعتضد بالله ) .

وإمام الحرمين يصنف كتابيه "العقيدة النظامية" و"غياث الأمم" لنظام الملك ، ويقدمهما إليه بقصيدة منها :

يدين لك الشم الأنوف تخضعا      ولو أن زهر الأفق أبدت تمــردا

لجاءتك أقطار السماء تجرهـا        إليك لتعفو أو لتوردها الــردى

لذلك نرى أن البحث في القضايا السياسية ، لا سيما إذا كان في إطار الشرع كتابا وسنة ، يقتضي أن يتصدى له من اتصف بالاستقلال ، وتجرد عن الهوى والغرض والإكراه رغبة ورهبة . ولا يعني هذا أن تُعادى الأنظمة السياسة وتُفتح المواجهات ضدها ، وإنما يعني أن يكون التعلق بالعلم وحده والولاء للشرع في نصوصه الصحيحة الثابتة وما يُستنبط منها بكل تجرد ، حفاظا على مصلحة الأمة في عاجلها وآجلها ، وخدمة للإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ، حقا لا ادعاء.

الفصل الخامس

شروط الخليفة من غيره

1  - أهل الحل والعقد والاختيار

تحدثنا في الفصل السابق عن الشروط الذاتية للخليفة ، ونخصص هذا الفصل لشروط أخرى غير ذاتية خاصة بطريقة التنصيب والتولية ، وهي عدا أسلوبي الاستخلاف والوراثة أو الغلبة والأمر الواقع ، اختيار أهل الحل والعقد أو أهل الرأي.

وقد اختلف الفقهاء والمتكلمون حول تعريفهم لهذه الفئة ؛ هل هم الأمراء ؟  أو هم العلماء ؟ ، أو العلماء والأمراء ؟ ، أو الحكماء والعلماء والأعيان والأفاضل وشيوخ القبائل وأهل الديوان ؟ ، أو كل من كان متبوعا وذا شوكة في المجتمع ؟ .

ثم اختلفوا حول الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها أعضاء هذه الفئة ؛ فقسموها إلى ما هو قطعي وما هو ظني .

ومن الصفات القطعية لديهم الذكورة ، لأن النساء كما قال الجويني[146] : ( ما روجعن قط ، ولو استُشير في هذا الأمر امرأة لكان أحرى النساء وأجدرهن بهذا الأمر فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ، ثم نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لم يكن لهن في هذا الأمر مخاض في منقرض العصور وكر الدهور ) . ولكن هذا الرأي مُعَارَض بمشورة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ في صلح الحديبية ، فقد روى ابن كثير في تاريخه قال [147] : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " ، قال : " والله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ، فذكر ما لقي من قريش ، فقالت أم سلمة: " يا نبي الله أتحب ذلك ؟ ، أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك " . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض ) .

وفي حادثة الإفك استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم  الجارية بريرة . كما أجاز أمان المرأة للكافر إذ قال  لأم هانئ : " أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ؛ وهو أمر أخطر من المشورة ، لأنه متعلق بالأمن السياسي والعسكري والاجتماعي للأمة .

أما ما ذكر الجويني من أن النساء ليس لهن مخاض في هذا الأمر في مختلف العصور، فمدفوع بأن العرب في الجاهلية خضعت لحكم النساء عدة مرات ، منهن بلقيس ملكة سبأ ، والزبّاء ملكة تدمر . كما أن فرقة من فرق أهل السنة هي جماعة الخوارج تجيز إمامة المرأة .

ومن المقطوع به لديهم أيضا أن العبيد والموالي ولو تفقهوا ، والعوام الذين لا يُعدون من العلماء وذوي الأحلام لا أهلية لهم ولا مدخل لهم في هذا الأمر [148] .

وهذا أيضا مدفوع بالسنة النبوية التي كادت تبلغ درجة التواتر وبعمل الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  .

ففي شورى "أحد" شارك المسلمون كلهم لا فرق بين عبد وحر ومولى ، وشارك المنافقون أيضا . وفي شورى "سواد العراق" زمن خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ كان بلال على رأس المعارضين لرأي الخليفة ، واستمر على معارضته ثلاثة أيام عرقل خلالها عملية اتخاذ القرار حتى قال عمر : " اللهم اكفني بلالا وصحبه ". ولم يستطع أن يثنيه عن رأيه إلا بعد أن استشهد بالحجة من القرآن الكريم .

وفي بيعة أبي بكر كان سالم مولى حذيفة من الخمسة الذين عقدوا الإمامة ، وعلى هؤلاء الخمسة يقيس من يشترط عدد خمسة في أهل الحل والعقد .

كما أن قول الله تعالى : )ِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات13، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " ، يتعارض مع ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون من استبعاد العبيد والموالي عن هذا الأمر ولو تفقهوا .

ولعل هذا الموقف من رواسب ثقافة ما قبل الإسلام وتقاليده وأعرافه التي عادت للظهور ، بضعف العقيدة في النفوس ، واشتداد الصراع العرقي والحضاري باختلاط الأقوام والأجناس في المجتمع الجديد .

أما العوام فاستبعادهم أيضا مُعارَض بكونهم من أصحاب الأمر الذين قال فيهم الله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38، وبالسنة النبوية الصحيحة إذ أشركهم الرسول صلى الله عليه وسلم  في جميع القضايا العامة ، مثل حادثة الإفك وغزوتـي بدر وأحد .

ولعل استبعاد العامة ناشئ عما عرفه المجتمع المسلم بعد الراشدين ، من تطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية أخلت بميزان المساواة الذي وضعه الإسلام ، وأنشأت نخبا من العلماء والفقهاء والأغنياء والتجار وكبار موظفي البلاط ، شكلوا كهنوتية متضامنة ومستعلية على العامة متحكمة فيها .

أما الصفات الظنية لأهل الحل والعقد التي اختلف حولها ، فمنها بلوغ مرتبة الاجتهاد في الفقه والفتوى ، وقد اشترطه الشافعي في الفقه الأكبر ، وعارضه من المالكية الباقلاني ، وبعض متأخري الحنفية ، مكتفين بأن يكون لعضو هيئة الحل والعقد إلمام يفهم به ما ينبغي أن يكون عليه  إمام المسلمين .

واكتفى الجويني في "غياث الأمم" [149] بأن يكون أهل الاختيار من ( الأفاضل الذين حنكتهم التجارب وهذبتهم المذاهب ، وعرفوا الصفات المرعية في من يُناط به أمر الرعية ) .

كذلك شروط العدالة والعلم والرأي ،كان الخلاف حولها واسعا بين متشدد ومتساهل . وهي على العموم صفات نسبية حسب العصور ومقاييس الاختيار وظروفه. وإن كانت العدالة لا مجال للخلاف حولها ، لأنها مشترطة في جميع المسلمين، والأصل في المسلم العدالة .

أما عدد أهل الحل والعقد ، فمجال الاختلاف فيه أيضا واسع ، وشتات الرأي حوله متشعب .

     وعلى رغم ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من اشتراط إجماع أهل الحل والعقد في أمر الخلافة ؛ فإن جمهور الفقهاء والمتكلمين على مذهبين :

الأول أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة ، وفي ذلك قال الجويني في "غياث الأمم" [150] : (مما نقطع به أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع.. فاستبان من وضع الإمامة استحالة اشتراط الإجماع في عقدها  فهذا هو المقطوع به)  واستدل على ذلك بما جرى في خلافة أبي بكر الذي صحت بيعته قبل الإجماع عليها ، فقضى وحكم وأبرم وأمضى وجهز الجيوش وعقد الألوية وجر العسكر إلى مانعي الزكاة ، وجبى الأموال وفرق منها ، ولم ينتظر في تنفيذ الأمور انتشار الأخبار في أقطار الإسلام وتقرير البيعة من الذين لم يكونوا في عاصمة الدولة . وكذلك جرى الأمر في خلافة عمر وعثمان وعلي .

والمذهب الثاني أنه لم يثبت توقيف في عدد مخصوص تنعقد به الإمامة ، ولا وجه لإثبات ذلك من كتاب أو سنة أو أثر . وإذ لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد بانعدام الدليل . وإذ انتفى الإجماع وبطل الدليل فُتح باب الاجتهاد والخلاف والظنون ؛ وعلى هذا النهج الخالي من القطع لانعدام الدليل ، سار الفقهاء والمتكلمون ، كل يحاول تحديد عدد مخصوص ، والاستدلال عليه بشبهة قياس أو خاطرة استحسان ، إذ لا مطمع لهم في كتاب أو سنة أو إجماع .

ذهب أبو يعلى في " المعتمد في أصول الدين" [151] إلى أن ظاهر كلام أحمد أن الإمامة لا تنعقد إلا بجماعة أهل الحل والعقد ، ودليله ما رُوي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : " من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد " . قال أبو يعلى : ( فمنه دليلان أحدهما أنه ندب إلى لزوم الجماعة ، فاقتضى ذلك أنه غير مندوب إلى لزوم غير الجماعة . وهذا المعنى لا يوجد عند الواحد . والثاني قوله : " إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد " وهذا موجود في عقد الواحد ، ولأن الإمام يجب الرجوع إليه ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع . ثم ثبت أن الإجماع يُعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، وكذلك عقد الإمامة له . ولأنه ليس قول من قال : "تنعقد باثنين " بأولى من قول من قال : " تنعقد بالجماعة" ) .

ولئن كان رأي كثير من المالكية على رأي الحنابلة ، فإن الشافعية خالفوهم في ذلك ، فرأى الماوردي [152] أن الإمامة تنعقد بمن حضر مجلس عقدها ، مستشهدا ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم يُنتظر قدوم غائب . كما ذهب بعض الشافعية أيضا إلى أنها لا تنعقد بأقل من أربعين ، لأنها أشد خطرا من صلاة الجمعة التي لا تنعقد بأقل من أربعين .

وقال أهل البصرة وبعض آخر من الشافعية إن أقل ما تنعقد به خمسة ، يجمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضى الباقين ، قياسا على بيعة أبي بكر التي كانت بخمسة ، هم عمر وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن الحضير وبشير بن سعد وسالم مولى حذيفة ؛ وعلى ما فعله عمر إذ جعل الشورى في ستة لتُعقد لأحدهم برضى خمسة .

ومنهم من جعل العدد أربعا اعتبارا لعدد البينات الشرعية ، ولأن أهمية الإمامة لا تقل عن غيرها مما تجب فيه البينة .

وقال علماء الكوفة : تنعقد بثلاثة يعقدها أحدهم برضى اثنين ، ليكونوا حاكما وشاهدين ، قياسا على عقد النكاح الذي يصح بولي وشاهدين .

ومنهم من ذهب إلى أنها تصح باثنين فقط ، على اعتبار أن "الاثنين" هو أقل الجمع ولا بد من اجتماع جمع على البيعة .

كما ظهر من بين الفقهاء والمتكلمين من اكتفى بواحد يعقد الإمامة على شخص صالح لها ، استنادا إلى قول العباس للإمام علي : " مدَّ يدك أبايعك ، فيقولون : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم  بايع ابن عمه ، فلا يختلف عليك اثنان " ، وعلى أن القضية حكم ، وحكم الواحد نافذ ، ولا دليل على تحديد عدد مخصوص . وعلى رأس القائلين بهذا الرأي الغزالي والجويني الشافعيان والباقلاني المالكي .

يقول الغزالي في "فضائح الباطنية" [153]، بعد أن رد على مشترطي إجماع أهل الحل والعقد ، وعلى القائلين بضرورة النص على الإمام : " إذا لم نعين عددا ، بل اكتفينا بشخص واحد يبايع ، وحكمنا بانعقاد الإمامة عند بيعته ، لا لتفرده في عينه ، ولكن لكون النفوس محمولة على متابعته ومبايعة من أذعن لطاعته ، وكان في متابعته قيام قوة الإمام وشوكته . وانصراف الخلائق إلى شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة على ما تقضيه الحال في كل عصر " .

ويقول الجويني في "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" [154] : " اعلموا أنه لا يُشترط في عقد الإمامة الإجماع ؛ بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها . والدليل عليه أن الإمامة لما عُقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ، ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى مَنْ نأى من الصحابة في الأقطار . ولم ينكر عليه منكر ولم يحمله على التريث حامل. فإذا لم يُشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حد محدود . فالوجه الحكم بأن الإمامة تنعقد بعدد واحد من أهل الحل والعقد " .

ويقول الباقلاني في "التمهيد"[155] : " تنعقد وتتم برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها لرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة . فإن قالوا : وما الدليل على ذلك ؟ ، قيل لهم : الدليل عليه أنه إذا صح أن فضلاء الأمة هم ولاة عقدها ، ولم يقم دليل على أنه يجب أن يعقدها سائرهم ، ولا عدد مخصوص لا تجوز الزيادة عليه والنقصان منه ، ثبت بفقد الدليل على تعيين العدد ، والعلم بأنه ليس بموجود في الشريعة ولا في أدلة العقول ، أنها تنعقد بالواحد فما فوقه " .

ثم اختلفوا في جواز عقد الإمامة بواحد سرا ، فاشترط بعضهم حضور شاهدين قياسا على عقد النكاح ، واشترط الباقلاني حضور أقوام لأن النكاح لا بد فيه من إعلان وإشهار ، وأجاز غيرهم ـ ومنهم الجويني ـ  أن يعقدها رجل واحد لمن هو صالح لها سرا وعلى استخلاء . يقول الجويني [156] : " فأما لو فُرض رجل عظيم القدر رفيع المنصب ، ثم صدرت منه بيعة لصالح لها سرا ، وتأكدت الإمامة بهذا السبب بالشوكة العظمى ، فلست أرى إبطال الإمامة والحالة هذه قطعا " ، ثم يعقب بأن المسألة مظنونة مجتهَد فيها ، وأن معظم مسائل الإمامة عرية عن القطع خلية عن مدارك اليقين .

زبدة القول أن هذه المسالك التي قيست عليها شروط أهل الحل والعقد ، من أضعف المسالك الشرعية وأشدها وهناً ، إذْ مبناها على الظن والحدس والتخمين ٍ. كما أن الصفات والأعداد التي ذُكرت في الأمر لا تثبت عند النقد الفقهي ، لأنّها ترتكز على قاعدة هشة من التمييز بين المسلمين في أمرهم الجامع .

ولعل مما حمل الفقهاء والمتكلمين على هذا النهج في الاستدلال والاستنباط ،  هواجس متعلقة بضرورة تبرير قيام السلطة في عصورهم ، حفاظا على ما ظنوه من أن أمر الإسلام لا يقوم إلا بإمام مطاع يُعترف له بالشرعية التامة . وليس لهم من سبيل إلى ذلك إلا بتأييد ما هو قائم ، والتماس ما ينهض بسلطته وأحكامه ؛ فانصرفوا بذلك عن أصل الحكم الشرعي في القضية ، وتراكموا في موقع واحد هو الموقع التبريري لما هو موجود ، مهما اشتط بهم المسار وبَعُدَ بهم المذهب .

ذلك أن مصطلح " أهل الحل والعقد " أو " أهل الاختيار " ، نفسه ، ليس له أصل في الشريعة الإسلامية ، لا لفظا ولا معنى ؛ وهو من رواسب ما كان سائدا في جاهلية العرب الأولى ، ومن مبتدعات بني أمية وبني العباس .

وإذ تبين أن أصل المصطلح مهدوم ، انهدم ما بُني عليه من أحكام متعلقة بالشروط والصفات والأعداد .

وما التعلل بمشقة جمع آراء الأمة كلها عند الاختيار ، بمجد في هذا الأمر . إذ لو فكروا في أساليب لتنظيم الشورى الجماعية لاهتدوا إلى الطريقة المثلى ؛ لا سيما وقد كانت أمم معاصرة لهم تختار قيادتها بالشورى وإجماع الأمة ، منهم المغول الذين أسقطوا الخلافة العباسية وأذلوا الأمة الإسلامية . وإذا لساهموا في تطوير الفقه السياسي الإسلامي تطويرا حقيقيا يخدم الشريعة ويحافظ على كرامة الأمة ومصالحها.

الفصل السادس

شروط الخليفة من غيره

2 - الاستخلاف وولاية العهد

شرع الفقهاء والمتكلمون لعملتي الاستخلاف وتولية العهد ، وقاسوا أمرها على فعل أبي بكر إذ استخلف ، وعمر إذ تركها شورى في ستة يختارون أحدهم.كما عدوا جواز التولية أصلا قطعيا بالإجماع ، فقال الماوردي [157]   : " وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله ، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته " . وقال الجويني [158] : " ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه المولى . ولم ينف أحد أصلها أصلا " ، وزاد : " أما أصل العهد فثابت باتفاق أهل الحل والعقد" ، وزاد أيضا : " فأما من يوليه الإمام العهد بعد وفاته فهذا إمام المسلمين ووزر الإسلام والدين وكهف العالمين " .

ثم قسموا أحكام ولاية العهد إلى ما هو مقطوع به وما هو مظنون .

والمقطوع به لديهم هو :

1 - اشتراط توفر صفات الأئمة في المعهود إليه ابتداءً ، فإن طرأ عليه ما يخل بها لم يخرج من العهد . مع أنهم لم يقطعوا باشتراطها في الإمام العاهد نفسه .

2 - اشتراط قبول المعهود إليه العهد . ولا مستند لهذا الشرط إلا القياس على أحكام العقود التي ليس هذا مجالها .

3 - ولي العهد لا يلي شيئا في حياة العاهد ، وإن كان الفقهاء لا يستطيعون منعه إن ولي شيئا . ولا مستند لهم في هذا الشرط مظنونا كان أو مقطوعا .

4 - تولية الأخ والقريب دون الوالد والولد حكمها حكم تولية الأجنبي . وهذا مخالف لما قاسوا عليه من أمر الشهادة ، إذ الأقارب من أمثال الأخ والعم والخال تنالهم الظنة.

          5 - إن جعل العاهد الإمامة شورى بين محصورين صالحين للزعامة فذلك جائز، ومستندهم القطعي في ذلك فعل عمر إذ حصرها في ستة ، إلا أن عمر لم يرشح أحدا من أقاربه للخلافة ، وكان فعله لضرورة حقيقية فتحت له باب الرخصة ، بعد أن بيَّن للأمة وهو على فراش الموت أن السنة هي عدم الاستخلاف، اقتداء بالنبي r  . كما أن فعله هذا لم يعمل به أحد من الصحابة بعده .

          6 - لو رتب الإمام العاهد التولية في عدة ولاة للعهد على التتابع ، فذلك له قطعيا . ومستندهم القياس على إمارة جيش مؤتة ، إذ قال r  : " صاحب الراية زيد بن حارثة ، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا منهم " . كما قاسوا على فعل سليمان بن عبد الملك ، إذ جعل العهد لعمر بن عبد العزيز ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده ، وعلى فعل السفاح إذ جعل عهده إلى المنصور ثم لعيسى بن موسى ، وعلى فعل الرشيد إذ جعل عهده لأولاده الثلاثة على التتابع، الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن .

أما استشهادهم بغزوة "مؤتة" فمردود ، لأن فعل الرسول r  فيها تشريع لحالة حرب وليس للإمامة ، كما أنه معجزة نبوية لا يقاس عليها ؛ وقد أخبره الله تعالى بمآل القيادة الحربية في المعركة واستشهادها . وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس قال : ( خطب النبي r  فقال : " أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها خالد من غير إمرة ففُتح له " ) .

وأما فعل سليمان الأموي والسفاح والرشيد العباسيين ، فأبعد من أن يستشهد به في الشريعة الإسلامية .

     أما أحكام الظنون لدى الفقهاء والمتكلمين ، وما اختلفوا فيه من هذا الأمر ، فمنها:

1 - إذا عهد الخليفة لولد أو والد ، فقد صحح بعضهم العقد بناء على أن العاهد إمام للمسلمين وبعيد عن التهم ، وجانب المنصب في الحكم متغلب على جانب النسب . ولا مستند لهم في هذا كله .

ومنهم من صحح تولية الوالد وأبطل تولية الولد ، لأن الطبع يبعث على ممايلة الولد أكثر مما يبعث على ممايلة الوالد . ولا مستند لهم في ذلك أيضا .

ومنهم من اشترط بدون دليل لتولية الوالد والولد موافقة أهل الحل والعقد.

ومنهم من لم يصحح العقد للوالد والولد ، قياسا على أن الشهادة لا تصح من والد ولا ولد لوالد أو ولد .

2 - موافقة أهل الحل والعقد ، منهم من اشترط موافقتهم جميعا أو واحدا منهم على الأقل ، ومنهم من لم يشترط ذلك قياسا على أن أبا بكر استأثر بتولية عمر دون مشورة من المسلمين . وهذا غير صحيح تاريخيا ؛ لأن أبا بكر استخلف بطلب غالبية المسلمين وإلحاحهم عليه في ذلك ، وعند استشارته لهم عارض تولية عمر قليل من الصحابة على رأسهم طلحة . كما أن التأسي برسول الله r  الذي لم يستخلف أولى من التأسي بأبي بكر على فضله ومنـزلته .

3 - وقت قبول ولي العهد التولية ، وهل هو في حياة العاهد أو بعد مماته ؟، وبنوا على هذا الخلاف أمر جواز خلع المعهود إليه . فمن أخر القبول ملَّك الإمام العاهد حق التراجع عن عهده وصرف المعهود إليه ، ومن نجز القبول منع خلع المعهود إليه من قبل العاهد بدون سبب ؛ إلا أن تأخير القبول إلى ما بعد وفاة العاهد يُعد إخلالا بالقواعد العامة للعقود التي قاسوا عليها ، لأن القبول بعد وفاة الإمام يُعد باطلا بافتقاد أحد طرفي العقد .

أما إن كان القبول ناجزا وقبل الوفاة ، فإن الإمام العاهد طبقا لقواعد العقود يكون قد فوت ما لا يملك إلى من لا يحق له أن يملك ، والعقد باطل في الحالتين .

4 - واختلفوا فيما إذا عهد الإمام إلى من ليس على شرائط الخلافة ، ولم يكن حال التولية على استجماع لها ؛ فذهب بعضهم إلى بطلان العهد وآخرون إلى إجازته . وينبني على هذا أمر تولية الفاسق والصبي .

5 - واختلفوا فيما إذا مات العاهد ، وكان قد عين عدة ولاة للعهد على التتابع ، هل إذا تولى أول المعهود إليهم له أن يغير ترتيب الولاة من بعده تقديما وتأخيرا ، أو أن يصرفهم ويعين ولي عهد جديد ؟ . وليس لهم في هذا الأمر دليل من كتاب أو سنة أو أثر أو قياس إلا ما فعله بعض خلفاء بني العباس ، وأفعالهم لا يقاس عليها .

هذا مجمل ما عده الفقهاء والمتكلمون قطعيا وظنيا من أحكام الاستخلاف وتولية العهد ؛ وهي كلها محفوفة بالتحكم المبني على الحدس والإنشاء بدون دليل . ولئن حاولوا فيما ذهبوا إليه الاستناد إلى قواعد العقود المدنية ، فإنهم قد خرجوا أيضا على هذه القواعد .

فقاعدة الشهادة التي تمنع من أن يحكم القاضي بعلمه ، خرجوا عليها ؛ إذ أجازوا للإمام أن يختار ولي العهد بعلمه ، وقاعدة عدم جواز حكم القاضي لأصوله وفروعه ، ومن         له مصلحة عندهم كالأجير والمرتهن والشريك ، أخلوا بها عندما أباحوا تولية الفروع والأصول والإخوة والأخوال والأعمام .

وقاعدة الولي والشاهدين في عقد النكاح التي قاسوا عليها عقد التولية ، لا تنطبق على هذه الحالة . فلا الأمة الإسلامية أنثى ، ولا ولي العهد خاطبا ولا الإمام القائم وليا لهذه الأنثى . وما بُني على باطل باطلٌ .

وفي حال القياس على عقود البيع ، يكون الإمام وأهل الحل والعقد قد باعوا ما لا يملكون ، وولي العهد قد اشترى ما لا حق له في تملكه ممن لا يملك . والعقد باطل أيضا.

وفي حالة القياس على العقود بين طرفين تعلقت بها مصلحة طرف ثالث هو الأمة ، كما في قاعدة الاشتراط لمصلحة الغير في العقود المدنية ، فإن قواعد هذه العقود تشترط موافقة الغير ، أي الطرف الثالث الذي هو أولى بتقدير مصلحته . وهذه الموافقة مفتقدة في عقد التولية وهو بذلك باطل أيضا .

كما أنهم جعلوا الإعفاء والاستعفاء من هذا العقد الذي تعلقت به مصلحة الغير، بيد الإمام وولي عهده فقط . وهذا أيضا خروج عن قواعد العقود المدنية والأمة ليست قاصرة أو سفيهة لينوب عنها غيرها . بل هي معصومة من الخطأ كما قرر ذلك الرسول r  إذ قال : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " .

    أما القول الفصل في الموضوع فلا بد فيه من استناد إلى نص من كتاب أو سنة  أو إجماع ، أو قياس صحيح ، وهو ما لم يتوفر مطلقا في ما ذهبوا إليه .

ذلك أن النص إن ثبت فلا بعده قول لبشر ، صحابيا كان أو تابعيا ، مجتهدا أو مقلدا . وقد وجدنا أن الرسول r  لم يستخلف ، وأجمع الصحابة على ذلك ، واقتدى به في الأمر كل من عثمان وعلي ، وعلمنا أن ما فعل أبو بكر وعمر كان لرأي رأياه مما ذكره علي رضي الله عنه ، ونقله ابن كثير في تاريخه[159] ، وكان داعيهما إلى ذلك الضرورة وإلحاح المسلمين إشفاقا من الفتنة . كما أنهما لم يترخصا ويستخلفا إلا بعد أن بيّنا حكم العزيمة في الأمر وهو عدم الاستخلاف .

ورأينا كيف أن فعل أبي بكر إذ استخلف واحدا ، لم يعمل به عمر الذي جعلها شورى في ستة ، وأن فعل الشيخين لم يعمل به عثمان وعلي ، إذ لزما العزيمة في أمر الاستخلاف . بل إن عبد الرحمن بن عوف عندما عرض البيعة على الإمام علي مشترطا عليه العمل بالكتاب والسنة وفعل الشيخين قبله ، أبى أن يشرك مع الكتاب والسنة فعل الشيخين [160] .

كما أن الإجماع لم ينعقد على فعل أبي بكر أو عمر ، فقد اعترض على تولية عمر بعض الصحابة ؛ إذ دخلوا على أبي بكر في مرض موته وقالوا له : "استخلفت علينا عمر وقد علمت بوائقه " ، فقال لهم : " والله إني لشديد الوجع ، ولما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي . إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له " . وكان من الذين عارضوا بيعة عمر طلحة من المهاجرين ، ومن الذين لم يبايعوه مطلقا سعد بن عبادة من الأنصار . أما بيعة عثمان فلم يرض بها بنو هاشم ، وقال عبد الله بن عباس للإمام علي : " قد خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان " .

كما أنه عندما اشتد المرض برسول الله r  وقال : " ائتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا " ، كان عمر نفسه على رأس من قال : "إن رسول الله قد اشتد به الوجع وعندكم القرآن " . وقد استخلف كل من أبي بكر وعمر في حالة اشتداد وجع الموت بهما ، وهما غير معصومين . وحكم الوصايا والعهود والتصرفات عند اشتداد مرض الموت ينالهما . أما الرسول r  فهو المعصوم في كل حالاته ، يقول الله تعالى في سورة الحاقة (40-46) : ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( .

من جهة أخرى أصولية ، لا يُلجأ إلى قول الصحابي أو فعله إلا إذا انعدم النص، والنص بين أيدينا ، فعل الرسول r  إذ لم يستخلف، وقوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38

          وقول الصحابي عند انعدام النص على أحوال ، تقتضي أحيانا الأخذ به إذا صحبته قرينة تدل على أن له أصلا من كتاب أو سنة ، وتقتضي أحيانا أخرى عدم الأخذ به إذا لم تتوفر هذه القرينة. يقول الشوكاني[161]: "اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر . وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم على أقوال : الأول أنه ليس بحجة مطلقا وإليه ذهب الجمهور ، والثاني أنه حجة شرعية مقدمة على القياس ، وبه قال أكثر الحنفية ، ونُقل عن مالك وقديم قولي الشافعي ، والثالث أنه حجة إذا انضم إليه القياس " .

إلا أننا في أمر التولية لسنا أمام قياس يؤكد قول الصحابي أو فعله ، ولكننا أمام سنة نبوية مستفيضة هي عدم الاستخلاف ، ونص قطعي الثبوت والدلالة من القرآن الكريم ، فسرته السنة النبوية الصحيحة القولية والفعلية ، هو قوله تعـالى: ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38

 

كما أن الصحابي ليس له أن يؤول السنة النبوية الظاهرة في معنى معين إلى غير معناها ، لأننا نتعبد برواية الصحابي لا برأيه . وفي هذا يقول الشوكاني أيضا[162] :" أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الراوي من الصحابة على غير ظاهره ، إما بصرف اللفظ عن حقيقته ، أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب ، أو عن التحريم إلى الكراهة ، ولم يأت بما يفيد صرفه عن الظاهر ؛ فذهب الجمهور من أهل الأصول إلى أنه يُعمل بالظاهر ولا يُصار إلى خلافه لمجرد قول الصحابي أو فعله . وهذا هو الحق لأننا متعبدون بروايته لا برأيه . والحمل على خلاف الظاهر فيما ليس من مسارح الاجتهاد قد يكون وهما ، فلا يجوز اتباعه على الغلط . بخلاف العمل بما يقتضيه الظاهر ، فإنه عمل بما يقتضيه كلام الشارع فكان العمل به أرجح " .

كما أن الإجماع في فنون العلم كما يقول الشوكاني [163]هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون غيرهم ، فالمعتبر في إجماع المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين ، وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين . لذلك فالمعتبر في قضايا الإمامة وهي من قضايا الناس جميعا هو قول جميع الأمة ، ولذلك اختصها الله بجميعهم في قوله عز وجل) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38.

أما القياس على فعل غير المعصوم ، فليس إلا توظيفا ساذجا وإساءة استعمال لأحداث التاريخ ، من أجل تبرير احتكار السلطة ومصادرة أمر الأمة ؛ إذ من بدهيات الشريعة أن السنة النبوية إن صحت ـ وقد صح أن الرسول r  لم يستخلف ـ فلا مهرب منها إلى قول قائل أو فعل فاعل . وهو ما شرحه بوضوح الشوكاني إذ قال عن رأي الصحابي[164] :" والحق أنه ليس بحجة ، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيا محمدا r  ، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد ، وجميع الأمة مأمورة باتباع كلامه وسنة نبيه ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك ، فكلهم مكلَّفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة . فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة نبيه وما يرجع إليهما ، فقد قال في دين الله بما لا يثبت ، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به  وهذا أمر عظيم وتقول بالغ ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو قولهم حجة على المسلمين ، يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا مقررا تعم به البلوى ؛ مما لا يدان الله عز وجل به ولا يحل لمسلم الركون إليه ولا العمل به . فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده ، لا لغيرهم ، وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ . ولا شك أن مقام الصحابة مقام عظيم  ولكن ذلك في الفضيلة وارتفاع المنـزلة وعظم الشأن ؛ ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنـزلة رسول الله r  في حجة قوله وإلزام الناس باتباعه .  فإن ذلك مـما لم يأذن به الله ، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد ".              

نخرج من هذا العرض الموجز بحكم نعتقد صوابه ـ بإذن الله تعالى ـ ، هو أن ولاية العهد لا أصل لها من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح أو قول صحابي . وليست أحكام الفقهاء والمتكلمين فيها بالجواز إلا قولا بغير ما أنزل الله عز وجل . ولئن حاول بعض المفكرين المحدثين تأويل ما ذهب إليه الفقهاء بأن تولية العهد مجرد ترشيح من الإمام محتاج إلى موافقة الأمة ، ليوائموا ذلك بمنهج الترشيح الحديث في نظم استبداد ديموقراطية الحزب الواحد ، كما في الدول الشيوعية وجمهوريات العالم الثالث ، فإن هذا التخريج منهم بعيد جدا ، لا تقره القرائن أو مدارك العقول أو نصوص الشريعة .

 


 [1] -  مستد أحمد 5 / 341  ، وسنن الترمذي  الحديث رقم 2225

[2]  - مناهج الألباب للطهطاوي ص 232 ، 233 ، 238

[3]  - المصدر السابق ص 236

[4]  - الأعمال الكاملة للأفغاني ص 473 وما بعدها

[5]  - يقول الشيخ محمد عبده كما ورد في "تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده " للشيخ محمد رشيد رضا (2/207 ) : " غير أننا إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس  وهو ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ) ندب لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر ، الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلا عنا ، وأنشأت له نظاما مخصوصا "  . انظر أيضا : " الأعمال الكاملة " للإمام محمد عبده ، ج 1 ص 307  ، وكذلك ص 350 وما بعدها .

[6]  - طبائع الاستبداد للكواكبي  ص 21

[7]  - المصدر السابق ص 153

[8]  - تفسير المنار : الجزء 1 ص 11 ، 27 ، 457 _ الجزء 2 ص 476 ، 492 _ الجزء 3 ص 11 ، 270 _ الجزء 4 ص 149 ، 171 ، 189 ، 194 _ الجزء 5 ص 188 . انظر كذلك مجلة المنار المجلد 10 ص 279 ، 284 بتاريخ 11/6 /1906 .

[9]  - فقه الخلافة لعبد الرزاق السنهوري ص 207

[10]  - فقه الخلافة ص307

[11]  - فقه الخلافة للسنهوري ص 311 وما بعدها

[12]  - نظرات في الفقه السياسي للدكتور حسن الترابي ص 71 ، 72

[13] - المصدر السابق ص 72

[14] - المصدر السابق ص 70 ، 72

[15]  - المصدر السابق ص 82 ،86 ،89 ، 90 ، 99

- [16]  الشورى وممارستها الإيمانية للدكتور عدنان النحوي ص 566 وما بعدها

[17]  - المصدر السابق ص 70

[18]  - المصدر السابق ص 177 وما بعدها

[19]  - جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 245

[20]  - عبد القادر البغدادي  في كتابه خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب  ج 3 ص 9

[21]  - 1 / 255

[22]  - 10 / 261

[23]  - ص 321

[24]  - الطبري 2 / 620  .

[25]  - الطبري 2 / 619  .

[26] - تاريخ  ابن كثير  6 / 301  .

[27] - الطبري 2 / 446  .

[28]  - تاريخ ابن كثير  5 / 250  .

[29] - الإمامة والسياسة  1 / 43  ، الطبري 2 / 264 .

[30] - المرجعان السابقان    .

[31] - الطبري 2 / 264 

[32] - الإمامة والسياسة  1 / 42  .

[33] - المرجع السابق  1 / 49  .

[34] - تاريخ الطبري 2 / 236 ، تاريخ ابن كثير  5 / 251 ، السيرة الحلبية 3 / 457 .

[35] - الإمامة والسياسة 1/21

[36] - تاريخ ابن كثير  5 / 250  .

[37] - تاريخ ابن خلدون 2 / 150 .

[38] - تاريخ ابن كثير  5 / 251  .

[39] - مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ( 2 / 242 ) .

[40] - مسند أحمد ( 5 / 341 ) ، الترمذي الحديث رقم 2225  .

[41] -الكامل في التاريخ 2/215 ،تاريخ الطبري 2/429

[42] - الكامل في التاريخ 2/215 ،تاريخ الطبري 2/439

[43] - البخاري ،جنائز 48-62-72

[44] - الكامل في التاريخ 2 / 216  ، ابن كثير 5 / 231 ، الطبري 2 / 191 .

[45] - مسند أحمد 3/ 283 -4/235-5/45 ، الكامل 2/217

[46] -تاريخ ابن كثير 5/251  .

[47] - الكامل لابن الأثير 2/218  ،  السيرة ا لحلبية3/466  .

[48] - السيرة الحلبية 3 / 468 .

[49] - الكامل 2 / 217  ، تاريخ الطبري 2 / 436 .

[50] - السيرة الحلبية 3/470 .

[51] - السيرة الحلبية 3 / 457 .

[52] - تاريخ الطبري 2 / 449 .

[53] - تاريخ ابن كثير 6 / 319 .

[54] - الكامل 2 / 220 .

[55] - الطبري 2 / 430 .

[56] - الفتوح 1 / 42 .

[57] -الكامل لابن الأثير 2/232

[58] - الكامل لابن الأثير 2 / 220 ،تاريخ الطبري 2 / 449 .

[59] - مسلم كتاب الفضائل ( باب فضل نسب الرسول r  ) .

[60] -أخرجه ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وصححه الحاكم ، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، انظر أيضا المستدرك على الصحيحين 3/ 137-138

[61] - الكامل 2 / 242 .

[62] - الفتوح 1 / 12  .

[63] -تاريخ ابن كثير 6/312  .

[64] -الكامل لابن الأثير 3/98  .

[65] - الفتوح 1 / 6  .

[66] - الفتوح 1 / 11  .

[67] -صحيح مسلم بشرح النووي ، فضائل الصحابة ( الحديث  22 ) 15/174  .

[68] -الكامل في التاريخ 3/24 .

[69] - الإصابة 2 / 408 .

[70] - تاج العروس 8 / 216  .

[71] - الإمامة والسياسة 1 / 36  .

[72] - ابن كثير 6 / 305 .

[73] - السيرة الحلبية 3 / 383  ، ابن كثير 5 / 246  .

[74] - ابن كثير 5 / 250  .

[75] - جمهرة أنساب العرب  15  .

[76] - ابن كثير 8 / 21  .

[77] - ابن كثير 7 / 151 .

[78] - ابن كثير 7 / 95  .

[79] - ابن كثير  7 / 151  .

[80] - الإمامة والسياسة 1 / 49  .

[81] - كتاب الأوائل 191  .

[82] - ابن كثير 8 / 20  .

[83] - حياة الصحابة 1 / 651  .

[84]  - 3 / 572

[85]  - الإمامة والسياسة 1/58

 [86]  - نفس المرجع 1/53

 [87]  -- الإمامة والسياسة 1 / 46  .

[88]  - - تاريخ ابن كثير 8 / 193  .

[89]  - - المصدر السابق  .

[90]   - التفسير الكبير 1 / 198

[91]  - الوزراء والكتاب ص 15

[92]  - خزانة الأدب 1 / 461

[93]  - محاورة لأفلاطون ، ترجمة محمد كمال الدين علي يوسف ، سلسلة مذاهب وشخصيات ص 55 وما بعدها .

 [94]  -  2 / 91

 [95]  - 3 / 95

[96]   - 5 / 158

[97] - 3 / 1133

 [98]  - الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص 182

[99]   - 8 / 189

[100]  - 5 / 1863

[101]  - 1 / 137

[1002]  - ص 85

[103] - الأحكام السلطانية للماوردي ص 5

[104] - تسهيل النظر للماوردي ص 4

[105] - تقريب المرام للتفتازاني ص 321

[106] - المواقف للإيجي ص 395

[107]  - مقدمة ابن خلدون ص 191

[108]  - الصفحة 11

[109] - اللمع لأبي الحسن الأشعري ص 20

[110]  - الصفحة 147

[111]   - أصول الدين للرازي ص 134

[112]   - ج 1 ص 548

[113]   - الصفحة 184

[114]   - غياث الأمم في التياث الظلم لإمام الحرمين ص 15

[115]    - الصفحة 345

[116]    - الصفحة 47

[117]    - الصفحة 48

[118]    - الصفحة 59

 -[119]     الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص 151

[120]   فضائح الباطنية للغزالي ص 105

[121]  - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 19

[122]- الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 20

[123]- الفقه الأكبر للشافعي ص 31

[124] - الأحكام السلطانية للماوردي ص 6

[125]  - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 19

[126]  - الصفحة 111 ، 112

[127]  - أصول الدين لأبي منصور عبد القاهر البغدادي ص 277

[128]  - مآثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ج 1 ص 32

[129]  -  نصوص الفكر السياسي الإسلامي ( الإمامة عند أهل السنة ) ليوسف أيبش ص 52

[130]  - المواقف في علم الكلام للإيجي ص 398

[131]  شرح العقيدة النسفية ص 243

[132]  - مقدمة ابن خلدون ص193

[133]   - حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين المجلد 1 ص 548

[134]  - غياث الأمم للجويني ص 46 وما بعدها

[135]   - الصفحة 323

[136]   - الصفحة 290

[137]   - ج 10 ص 42

[138]   - الصفحة 115

[139]   -نصوص الفكر السياسي الإسلامي ليوسف أيبش  ص 195 ،214

[140]   - نفس المصدر ص 53

[141]   - مقدمة ابن خلدون ص 194

[142]   - تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك لإبراهيم الطرسوسي ص 115

[143]   - المبسوط للسرخسي ج 5 ص 22

[144]   - روضة الطالبين للنووي ج 10 ص 48

[145]   - خبايا الزوايا للزركشي ص 415

[146]    - غيلث الأمم للجويني ص 48

[147]   - ج 4 ص 176

[148]    غياث الأمم للجويني ص 50

[149]   - الصفحة 50

[150]   - الصفحة 52 ،53

[151] - نصوص الفكر السياسي الإسلامي ليوسف أيبش ص 212

[152]   - الأحكام السلطانية للماوردي ص 7

[153]    الصفحة 110

[154]   - الصفحة 257 

[155]   - نصوص الفكر السياسي الإسلامي ليوسف أيبش ص 48

[156]    - غياث الأمم للجويني ص 59

[157]    - الأحكام السلطانية للماوردي ص 11

[158]     - غياث الأمم للجويني ص 100

[159]    - ج 5 ص 250

[160]   - تاريخ ابن كثير ج 7 ص 146

[161]   - إرشاد الفحول للشوكاني ص 243

v[162]   - إرشاد الفحول للشوكاني ص 59

[163]   - المصدر السابق ص 88

[164]   -  إرشاد الفحول للشوكاني ص 24

 

 

الرجوع إلى أعلى الصفحة

| الصفحة الرئيسية | العقيدة | الأخلاق من القرآن | الأخلاق من السنة  | حوار مع داعية إسلامي | دراسات قرآنية وشرعية |
| كتاب إسلامي |
 منتدى الفكر  | محاضرة | المرأة المسلمة | هذا بيان للناس | متفرقات | سير وصور
|
 

Copyright © 2005 All rights reserved. www.achabibah.com E-Mail : achabibah@achabibah.com