تاريخ التحديث فاتح رمضان  1426هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 
الصفحة الرئيسية
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور
 




 
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 


حوار مع داعية إسلامي

 في حوار صحفي

 مع فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 المرشد العام للحركة الإسلامية المغربية

أجرى اللقاء الأخ د. محسن بناصر

1 – هل لكم أن تلخصوا للقراء منهج منظمة الحركة الإسلامية المغربية تلخيصا جامعا؟

الجواب: حركتنا لها مقصد وأداة وطريقة ومنهج:

مقصدنا واحد هو إظهار الدين كله وإقامة أمره الجامع في دولة شاهدة كما أراد رب العزة تبارك وتعالى.

وأداتنا هي بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة عقيدة وسلوكا وفكرا وحركة.

وطريقتنا في بناء هذه الشخصية هي الفضاءات الدعوية انتشارا وتنظيما.

ومنهجنا لبناء الأمة الشاهدة هو الفضاءات الشوروية تقريرا وتنفيذا ومحاسبة ومراقبة وبناء لدولة العدالة والكفاية الاقتصادية والمساواة في الحقوق والواجبات وحرية الاقتناع والإقناع والرأي والتعبير.

2 – يروج بعض الخصوم السياسيين أن كتابكم الأخير " الدولة الإسلامية شرعية الوجود وآلية التأسيس والتشريع والتسيير" هو دعوة لتقويض بعض الأنظمة السياسية القائمة في العالم الإسلامي، فهل هو حقا كذلك؟

هذا الكتاب يتناول بكل موضوعية نظام الإسلام السياسي كما يفهم من الكتاب والسنة، ومحتواه كخطوة متقدمة لتطوير الفقه السياسي لدى المسلمين، وبلورة جديدة لعلم يجب أن يخضع لإرادة ربه، وينبغي أن يبقى في إطار الدراسات الأكاديمية المحايدة، وألا يقحم في مجال التوظيف السياسي المعاند، وقد لوحظ أنه ووجه بأسلوبين أسلوب التجاهل أو ما يطلق عليه مؤامرة الصمت لعل ريحه تندثر فلا يدري به أحد، وأسلوب التشويه والتقولات الجاهلة الحاقدة، وكلا الموقفين ممن يعدون أنفسهم خصوما، إيجابي، لأنهما دليل على عجز عن مقارعة الحجة بالحجة والبينة بالبينة.

إن الكتاب مجرد دعوة صريحة لتطوير الفقه السياسي لدى المسلمين بما يوافق عقيدتهم ويواكب عصرهم، وليس موقفا سياسيا يخوض غمار المهاترات الحزبية. أو يثير الحساسيات الثقافية المتحيزة. أو يهدد المصالح الشخصية والأنظمة القائمة في مجال المنافسات السياسية. لذلك هو محايد في ميدان الصراع السياسي بين الموالاة والمعارضة. إنه مجرد فقه سياسي إسلامي قابل للنقد والتخطئة والتصويب والاختلاف والتأييد، في إطار الأبحاث الأكاديمية وليس هدفه خوض الصراع السياسي لتقويض أي نظام.

3 - لكن ما موقف السياسيين والحزبيين في بلادنا من هذا المشروع السياسي؟

هذا المشروع فكري أولا وأخيرا، وأجدر أن يخاطب به المشتغلون بالفكر من الدارسين والأكاديميين المحايدين، أما السياسيون فمن أبرز تقاليدهم وسلوكياتهم أن يلووا للفكر عنقه لاستبعاده أو لتوظيفه في معارك انتخابية، أو لتمهيد سبل القفز إلى المناصب، لذلك نحن لا ننتظر منهم حوارا جادا وموضوعيا، كما أنهم بدون استثناء، برغم رميهم الإسلاميين بمنقصة افتقاد المشروع،  ليس لهم أي بديل سياسي لتسيير الشأن العام وحل مشاكل المواطنين، سوى ما ينادون به من تكالب على شراء أصوات الناخبين، أو الحصول على تزكية سلطوية تزور الانتخابات لصالحهم كما هو الِشأن منذ حصولنا على الاستقلال، مما حول كافة المجالس البرلمانية التي عرفها المغرب إلى ساحات للسمسرة والاستغلال ومعارك طواحين الهواء لتلهية المواطنين عن مشاكلهم المستعصية.

4 – تروج بين كثير من الشباب بتأثير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة دعوات للعنف واستخدام السلاح لحل مشاكل حقيقية أو متوهمة، فما رأيكم في الموضوع؟

الجواب: أولا هذه الدعوات في كثير منها صادرة بطرق غير مباشرة عن جهات أمنية تستفيد من المناخ المتوتر وتكرس به هيمنتها وأهميتها وضرورة إطلاق يدها في أموال الأمة ودمائها وأعراضها، وتستغل لهذه الغاية شبابا يتميز بقلة التجربة، ونحن في كل الأحوال نعارض كل هذه التوجهات العنيفة، سواء كانت بدوافع ذاتية أو بدوافع من أجهزة أمنية مغرضة.

بهذه المناسبة أوجه نداء ملحا إلى كافة الدعاة بكل مشاربهم من حركتنا أو من غيرها بأن يجتنبوا العنف بكل مظاهره وأساليبه ومغرياته وأدواته، عدوانا باليد أو بالسلاح أو بالهجر من القول والتصرف. لأن ذلك كله مدعاة للفتن، ولا تجني الأمة منه إلا الشر.

إن للدعاة غنى في مقارعة الحجة بالحجة ، وإن المرء السوي مجبول على قبول الحق لذات الحق، فإن كان ما يدعون إليه هو الحق فلا بد أن يكون له أنصار ومؤيدون.

 5 – ما رأيكم الشرعي في عقيدة اليسار المغربي؟ هل تكفرونه؟

الجواب: ينبغي أن أبين أن التكفير ينصب شرعا على محتوى العقائد أولا وأخيرا، لذلك فنحن لم نشق على قلوب اليساريين لنعرف حقيقة عقائدهم، هم كمنظمات سياسية يعلنون إسلامهم وهذا كاف لدى أهل السنة، ما لم ينكروا معلوما من الدين بالضرورة. لكن ألا تلاحظ أن اليسار ملل ونحل ، منهم من يطلق عليه الوصف لمجرد كونه معارضا، ومنهم من يعتنق الماركسية التي تنكر الغيب. فإذا كنا منصفين ينبغي أن نعلن أن العقيدة الماركسية كفر. أما اليساريون غير المعتنقين للعقيدة الماركسية عموما فمسلمون ما تشبثوا بعقيدة الإسلام وأعلنوها، وليس لأحد الحق في التشكيك بدينهم، أما الماركسية فليس لنا طريقة لنقض مقولاتها إلا مواجهة الحجة بالحجة والمجادلة بالتي هي أحسن، إن إثارة الفتن والزوابع ليست من الحكمة والأناة والتعقل في شيء. إن في بلدنا من المنكرات الكثير مما سوى الماركسية، وثقوا بأن قيام أمر الإسلام بعدله ومساواته وحرية الرأي فيه كفيل بإقناع من يصر على المعارضة والمعاندة، إن حملة جميع العقائد المنحرفة في وطننا هم في حقيقة الأمر إخوتنا في المواطنة والإنسانية والسفينة الواحدة المشتركة التي ننجو فيها جميع أو نهلك فيها جميعا، وعلينا أن نتصف بالحكمة والروية والسلوك الحضاري السوي السليم والمحافظة على سلامة المجتمع وأمنه ووحدته.

 6 – ما مآل الاتصالات والمفاوضات التي جرت مع النظام المغربي حول عودة المنفيين وخروج المعتقلين من السجن؟

هذه الحوارات أو قل إن شئت المفاوضات لم تسفر عن شيء ذي بال، سوى عن وعود لم يوف بها، ثم انقطعت الاتصالات بين إخوتنا المكلفين بالاتصال وبين ممثل الأسرة المالكة منذ أكثر من سنة، وهي رسالة واضحة من المؤسسة الملكية أن لا تنتظروا شيئا. وعلى العموم فالمماطلات  طالت أكثر من اللازم والمنفيون الذين هاجروا شبابا قد تجاوزوا الأربعين من أعمارهم، وليس من المنطقي أن يهدروا ما تبقى من أعمارهم في انتظار الأوهام، عليهم أن ينصرفوا لما هو مفيد لهم في حل مشاكلهم وتجاوز محنتهم وتطوير حركتهم.

7 - وماذا عن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة؟

هيئة الإنصاف والمصالحة عنوان كبير ومشروع ضخم كان يمكن أن يشكل خطوة حقيقية في طريق طي صفحات الماضي المرعبة من تاريخ الدولة العلوية المغربية، لكن يبدو أن هذا المشروع ظل حبيس التوظيف الإعلامي والحسابات الفئوية والحزبية الضيقة التي تصر على إقصاء الآخر، مما انتهى بالمشروع إلى خدمة فئة واحدة، في حين ظلت عشرات الآلاف من ملفات المنفيين والمعتقلين ومجهولي المصير معلقة دون حل بالرغم من إنهاء الهيئة عملها. إن الإنصاف الحق والمصالحة الحقيقية يفترضان إشراكا فعليا لكافة المتضررين من أبناء المجتمع المغربي ومساهمة جدية من كل الأطراف حتى تضمن أسباب النجاح إن كانت هناك رغبة حقيقية للتصالح والتعافي.

 8 – نشرت الصحف العالمية أخبارا عن رفع الشقيقة الجزائر في شخص رئيسها لشعار المصالحة الوطنية والاستفتاء الشعبي حولها، وعن رحلة أعلن عنها رسميا لوزير خارجيتها إلى لندن من أجل الاتصال بالمعارضة الإسلامية وإقناعها بالمبادرة التصالحية، فلماذا لم يخط المغرب مثل هذه الخطوة؟ ولم يصالح أبناءه مع أنهم أفصحوا مبادأة عن هذه الرغبة؟

الجواب:السبب الأول ذكرته في سؤالك، وهو أن مبادرة المصالحة كانت مبادأة من الحركة الإسلامية المغربية، وهو ما جعل البعض يعتقد أنها تشحذ المصالحة وتقبل الأرض من أجلها، اضطرارا وضعفا، واستخذاء ومسكنة.

 السبب الثاني يكمن في الفرق بين النظامين المغربي والجزائري، فالنظام المغربي السيادة فيه للملك والملك بيده مقاليد القرار، أما النظام الجزائري فجمهوري والسيادة فيه مبدئيا للشعب برغم الشوائب الملاحظة، لذلك اختار بوتفليقة التحاكم إلى الاستفتاء الشعبي.

هناك سبب جانبي آخر في المغرب هو أن تقسيط العفو على فترات الأفراح والمناسبات يعد أداة سياسية للمساومة والضغط، كما أنه وسيلة للابتزاز والرشوة بيد لجان اقتراحات العفو المكونة من الحاشية والأجهزة  الأمنية وما تقدمه من معلومات مفبركة أو مكيفة مع أهدافها، وكم سمعنا عن أسر باعت ممتلكاتها لتخرج أحد أبنائها من السجن، هذا الوضع يجعل خروج المعتقلين من السجن رهينا بالأمزجة والمصالح الشخصية، ولا علاقة لـه بالمصلحة العامة مطلقا. لذلك أعتقد أنه لا أمل للمنفيين في العودة إلى وطنهم، ما لم تتغير مقاييس التعامل.

9 - والقضية الصحراوية؟

القضية الصحراوية هي إفراز طبيعي لحالة الفساد السياسي في مغرب الاستقلال، ولو استطاع المغاربة بلورة نظام للتآخي والمساواة والحرية والعدالة في مغرب الاستقلال لما نشأت أي حركة انفصالية، وأعتقد أن إخوتنا الصحراويين سواء منهم في أرض الوطن أو في المهجر لا يفرطون في وحدة الوطن لو توفرت لهم الكرامة وشروط المواطنة السليمة، لاسيما ونحن نعرف طبيعة إبائهم وشهامة فطرتهم وتعشقهم للحرية.

كما أن السياسة الحالية التي تقود النهج المغربي لحل هذه القضية كمن يتيه في الغرف المظلمة، لا يعرف يمينه من يساره، وما ذلك إلا لأن المستشارين المعتمد عليهم في التحليل والتخطيط مجموعة من المنشئين في الحلية، الذين لا يعرفون مطلقا طبيعة الصحراوي المتمرس على الشدة وشظف العيش، والذين لا يجرؤون على قول الحقيقة لرأس السلطة، حرصا منهم على تنمية الفرح لديه، ومحافظة على مصالحهم الشخصية والحزبية.

إن القضية الصحراوية بكل أبعادها الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تشكل الإسفين الذي يوسع شرخ الوحدة في المنطقة المغاربية، لاسيما وقد أصبحت أداة في يد الأجنبي يبتز به بترول الجزائر وسيادة المغرب، ومادام الاقتصاد المغربي في تدهور مستمر، وآفة الفقر والانحلال الأخلاقي والمتاجرة السياحية بأعراض المغاربة في تزايد، والعلاقة بين عامة الشعب وبين الفاعلين السياسيين في تباعد وانقطاع، فلا أرى لهذه القضية من حل إلا مزيد الفتن.

صحيح أن الصحراء لم تكن في يوم من الأيام دولة منفصلة عن المغرب، ولكن من يستطيع أن يرغم أحدا على العيش في الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي؟ علينا أن نطهر مجتمعنا إذا أردنا أن يقبل إخوتنا الصحراويون عليه.

 

أقرأ أيضا:

حـوار مع الدكتور عدنان علي رضا النحوي

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

كتب الأخ أبو الوفاء عبيد:

     كلفني الأخ عمر وجاج بإجراء حوار مع فضيلة الأستاذ الدكتور عدنان علي رضا النحوي، رجل الدعوة الإسلامية ورائد الفكر الإسلامي المعاصر وشيخ التربية السلفية المتنورة الواعية الرشيدة بلا منازع، فتفضل جزاه الله تعالى بكل خير في تواضعه المعهود ودماثة خلقه الرصينة الوقورة وعلمه الغزير وحرصه على النصح للمسلمين بالإجابة على الأسئلة التالية:  

 س1  : ما هو تقويمكم لأوضاع المسلمين الحالية ؟!

       لقد سبق أن قدَّمتُ عدة دراسات عن واقع المسلمين اليوم ، ولكن أُوجز ذلك قدر الإمكان .

       هنالك خلل واضح في التصوَّر الإيماني والتوحيد ، حيث نُسِي العهد مع الله، واضطربت معاني الولاء والموالاة وحدودها ، وغلب الجهل بالكتاب والسنّة على الملايين من المسلمين ، فساء فهمهم للواقع من خلال المصالح الدنيوية والأهواء لا من خلال ردِّه إلى منهاج الله ـ قرآناً وسنة ولغة عربية ـ . وبسبب هذه العوامل الثلاثة برز الخلل الرابع في الممارسة في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والتربوية والاجتماعية والأدبيَّة .

       ونتج عن ذلك كلّه خلّو النشاط من نهج وخطة لتقابل ما يتطلبه الواقع من مواجهات مناهج مرسومة ومكر مبيَّت وأعداء متربّصين . فحلَّت بنا الفواجع التي نراها بما كسبت أيدينا ، لأنها كلّها قدر حقٌّ من الله ، والله لا يظلم ، والله يقضي بالحقِّ .

س2 : ما هو تقويمكم لأوضاع الحركات الإسلامية المعاصرة ؟!

       آخر كتاب أصدرته : " تمزّق العمل الإسلامي بين ضجيج الشعارات واضطراب الخطوات " ، وقبله كتيّب : " المسلمون بين الواقع والأمل " كان نصيحة أقدِّمها للحركات الإسلامية والمسلمين بعامة.

       أعتبر أنَّ تمزَّق العمل الإسلامي على صورته الراهنة إثم كبير ومعصية لله، في مخالفة صريحة لنصوص محكمة من الكتاب والسنَّة . لقد تقطَّعت أهمَّ رابطة بين المسلمين ، الرابطة الربَّانيَّة ، رابطة أُخَّوّة الإيمان ، من خلال العصبيات الجاهلية المتنوعة : العائلية والإقليمية والقوميّة والحزبيّة ، العصبيات التي حرَّمها الإسلام وتمسَّك بها كثير من المسلمين . وبسبب ذلك اضطربت الأفكار والخطوات ، وتسلّل بين المسلمين شعارات ومبادئ مخالفة للإسلام ، أخذ المسلمون يحاولون تزيينها وإخفاء سوءاتها بطلاء وأصباغ من الإسلام ، يحرَّفون بها آيات وأحاديث.

س3 : ما هي الثوابت والمتغيَّرات التي ينبغي مراعاتها من الحركات الإسلامية المعاصرة عند ترتيبها لأولويات العمل الفعَّال المنتج ؟!

       الثوابت هي التي ثبَّتها الله في محكم كتابه ، والمتغيَّرات هي الاجتهادات أو بعضها مما هو جهد بشريّ يَثْبُتُ بمقدار ثبات الحجة والبيِّنة التي قام عليها الاجتهاد من الكتاب والسنة وثبات ارتباطها بالواقع ، وتتغيَّر بتغيُّر الواقع وتوافر الحجة الجديدة للواقع الجديد من الكتاب والسنة أيضاً مع وعي الواقع ، دون فساد تأويل أو انحراف بالآيات والأحاديث . ولذلك أضع من البداية القاعدة التالية بدلاً من القاعدة السابقة التي انتشرت بين المسلمين :

" يجب أن نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما أذن الله لنا الاختلاف فيه " .

       فالتعاون أو الاختلاف مرهون بأمر الله بنصوص الكتاب والسنة ، وليس متفلِّتاً مع الرغبات والأهواء ، ولا متروكاً لاجتهاداتها .

       إننا نجابه اليوم أخطر لحظة مرَّت على المسلمين في تاريخهم كلّه ، والخطر آخذ بالازدياد والاتساع ، والفتنة آخذة بالامتداد ، والعقاب والعذاب بين يدي الله محكم في منهاج الله . ولذلك أدعو إلى ما أُسمّيه : " لقاء المؤمنين " ليس لقاءً إداريّاً شكليَّاً ، ولكنُّه لقاء نهج وخطة وأهداف مسيرة ، حتى تقوم الأمة المسلمة الواحدة في الأرض .

       ومن أجل ذلك لا بدَّ من قاعدة يلتقي عليها المؤمنون ، وهذه القاعدة هي النهج المفصل والنظرية العامة ، والمناهج والنماذج ، والأهداف المحدّدة ، والوسائل والأساليب التي يمكن أن تتطور من خلال الممارسة الإيمانية في الواقع، على أن يكون ذلك كله نابعاً من منهاج الله ملبيَّاً لحاجة الواقع .

       ومن أجل ذلك أُقدِّم النهج والنظرية والأهداف وغير ذلك في دراسات مفصَّلة ، لتكون حجة علينا يوم القيامة أو لنا .

       إذا لم يلتق المؤمنون المتقون الصادقون الذين يريدون الدار الآخرة على نهج محدد نابع من منهاج الله ملبٍّ لحاجة الواقع ، فلن نستطيع الإفلات مما يكاد لنا .

       الثوابت من أجل ذلك : صفاء الإيمان والتوحيد وصدقهما عن وعي وعلم، الكتاب والسنة وتدبرهما تدبراً منهجيَّاً مستمرَّاً مع الحياة ، وإتقان اللغة العربية معهما ، ليُبنى على ذلك فهم الواقع وإقامة النهج والنظرية العامة والأهداف .

       وأهم الثوابت اليوم على ضوء ما سبق :  لقاء المؤمنين المتقين على النهج المحدد والقاعدة المتينة لتمضي المسيرة على صراط مستقيم ، وليقوم الثابت الآخر وهو وجوب التعاون ، فيما أمر الله التعاون فيه .

س4 : العلمانيون ( الحداثيون ) في ظاهر الأمر تياران أحدهما استئصالي يجاهر بالدعوة إلى نبذ الإسلام ، والآخر يدعو ظاهريا إلى احترام الإسلام وإبعاده عن السياسة وشؤون الدولة… فما مآل هذين التيارين فيما يتعلق بالموقف من الإسلام؟! هل يتحدان حول الدعوة لاستئصال الدين من حياة الأمة أم يتحدان حول العمل لفصل الدين عن الدولة والشأن السياسي?
       لا أرى العلمانيين والحداثيين تيارين . هما تيار واحد ، فملّة الكفر واحدة ، وقد تختلف الأساليب لبلوغ أهداف ثابتة . مَنْ يُعْلن احترام الدين ويدعو إلى فصله عن السياسة كاذب في إعلانه أو مخادع ، وكافر في دعوته إلى فصل الدين عن السياسة .

       أما مدى نجاح العلمانية والحداثة في محاولة استئصال الدين مع اختلاف الأساليب يعتمد أولاً على المؤمنين أنفسهم . فلن يستطيعوا أن يبلغوا شيئاً مادام المؤمنون صفَّاً واحداً كالبنيان المرصوص ، وأمة واحدة ، كما أمرهم الله أن يكونوا .

       فمن خلال الفرقة والتمزَّق يتسلل هؤلاء بأساليب مكرهم التي تتبدَّل بين لين حيناً ، وخداع حيناً آخر ، وبين حرب وإهلاك وإفساد .

       إن مجاملة هؤلاء بما يخالف منهاج الله محاولة تسبّب لنا خسارتين كبيرتين:

       الأولى : خسارة عون الله ورضاه ومدده ، والثانية : نزع مهابتنا من صدورهم حين يرون أننا نتنازل عن حقٍّ ورسالة .

       لا يملك المسلمون اليوم ، إذا أرادوا النجاة إلا أن يجهروا بدينهم كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم وتبليغه للناس كافة وتعّهدهم عليه ، بدلاً من الانشغال هنا وهناك في قضايا يقصد بها الإلهاء ، وقد استهلكت طاقة المسلمين وأوقاتهم .

       إنَّ تبليغ دعوة الله أمر فرضه الله على الأمة المسلمة كلّها بعد النبوّة الخاتمة. وهو من أهمِّ الثوابت في الإسلام ، إلا أنَّ التبليغ يجب أن يتمَّ عن نهج وخطة ومراحل ، ومتابعة مستمرّة ، وبذل كبير .

       لقاء الصادقين المتقين ، على قاعدة ونهج متكامل ، وبناء الجيل المؤمن ، والمضيّ على صراط مستقيم ، إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنّة .

س5 : ما هي في رأيكم سبل مواجهة الأمة المسلمة لموجة الاستضعاف التي تعيشها حاليا…؟!

       لا أعتقد أن هناك سُبُلاً أبداً . إنما هناك سبيل واحد بيّنه الله لنا وفصَّله ، ونهى عن السبل الأخرى .

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)                                                  [ يوسف : 108 ]

( اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربّكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون )

[ الأعراف : 3]

(وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لعلّكم تتقون)                                         [ الأنعام : 153 ]

       ولقد جعل الله صراطه مستقيماً حتى لا يضلَّ عنه ، وجعله واحداً حتى لا يُخْتَلف عليه ، وبذلك يجتمع المؤمنون كلهم صفاً واحداً . ولنذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم  حين تلا الآية الكريمة ورسم خطاً ليدلَّ على الصراط الواحد المستقيم وخطوطاً جانبية وقال : على رأس كل سبيل شيطان يدعو إليه .

       لا أرى سبيلاً آخر للنجاة غير ما بيّنه الله لنا وأمرنا باتباعه حتى ينزل النصر علينا إن نحن صدقنا .

       وحتى يتم ما ذكرته في الإجابة على هذه الأسئلة الخمسة أرى أنه لا بدّ من أن نغيّر ما بأنفسنا حتى نطمئنَّ أنها على طاعة ورضا واستقامة إنها مجاهدة النفس ! 


 

حوار مع الأخ الأستاذ عمر وجاج آيت موسى

الأمين العام للشبيبة الإسلامية المغربية

    كتب الأخ عبيد أبو الوفاء :

      زرت يوم عيد الفطر المبارك – الثلاثاء فاتح شوال 1424 هـ - الأخ الأستاذ عمر وجاج آيت موسى في بيته مهنئا بالعيد، فرحب بي وقدم لي على عادة الأسر المغربية مختلف الحلويات الوطنية، دون أن ينسى تقديم ما جرت به عادة مسقط رأسه: آملو وزيت الزيتون وأرجان واللوز والجوز والتمر؛ وانتهزت فرصة هذه الزيارة لأجري معه الحوار الذي كلفت به من قبل الإخوة أعضاء لجنة موقع الشبيبة، وما أن أبديت له رغبتي هذه حتى بادرني بقوله:

 - إن كنت تريد رأيي الشخصي فأنا على استعداد للإجابة على أسئلتك، وإن كنت تريد رأي الأمانة فهذا له مسلك خاص هو أن تسلمني الأسئلة وأعرضها على أعضاء الأمانة ليروا فيها رأيهم. وكان أن فضلت الحوار الشخصي معه تلافيا للتطويل، وقلت له:

- لنكتف حاليا برأيك الشخصي، وأبدأ على بركة الله تعالى:

     سؤال: كيف تقرأون العلاقة القائمة بين اليسار المغربي وبين المؤسسة الملكية؟

    الجواب: اليسار المغربي ( الاتحاد الاشتراكي بخاصة) والنخبة العلمانية المتحكمة في دواليب الدولة، والأقلية الدينية النافدة في مراكز القرار، يعتبرون أنفسهم قد تم لهم اختطاف المؤسسة الملكية والتحكم فيها، وهم لذلك يسارعون في إنجاز كل مشاريعهم المرحلية، سواء على مستوى الإجهاز على ما تبقى من تشريع إسلامي في ميدان الأسرة، أو على مستوى تصفية التيار الإسلامي والتخلص منه، أو مستوى التسلل إلى مفاتيح الدولة والتأثير فيها، ومعرفة دينامكية تحركها ومدى انضباطها، أو على مستوى النهب المنظم للمال العام من أجل تمويل مشاريعهم الحزبية، وتعزيز مكاسبهم الشخصية...وهم بذلك يسيئون إلى الوحدة الوطنية وأمن الوطن واستقراره، بل يسيئون أيضا إلى أنفسهم بحفرهم أخدودا عميقا بينهم وبين حملة الهم الإسلامي؛ ويبدو أن تقلص شعبيتهم وانحسار نفوذهم في دائرة الأقلية المغربية الفاسدة خلقيا وسياسيا وذمة مالية، وابتعادهم المطلق عن الشعب، مع ما طعموه من ( الكعكة) الحكومية منذ تدخل الرئيس الفرنسي لإيصالهم إلى رئاسة الوزارة، قد حولهم إلى "مخازنية" ومخبرين ( شبكوني)، بيد الأجهزة الأمنية ، كما حول الأجهزة الأمنية إلى مطرقة في أيديهم لضرب الإسلاميين...، هذا التحالف المباشر العلني الصريح، هل يتطور إلى مستوى التآمر على النظام؟، هل ينقلب السحر على الساحر؟، ذلك ما لا نستبعده، لأن من أصول اللعبة التي يمارسها الطرفان أن يخر السقف عليهم من فوقهم...، ولا يسعنا نحن إلا أن نكف أيدينا وألسنتنا ونتفرج عليهم يعبثون بمصالح البلاد وأمنها ومقدراتها واستقرار أهلها.

س: ما هو مصير مفاوضات الشبيبة الإسلامية مع الدولة حول المعتقلين والمنفيين؟ ولماذا لم ينفذ ما ذكرتم سابقا أنكم وعدتم به؟

جواب: في آخر لقاء للإخوة أعضاء وفد التفاوض - ولست منهم - مع المسؤول الرسمي للدولة قيل لهم إن عليهم انتظار صدور قرار بما وعدوا به، ومعنى هذا أن الاتصال بالشبيبة قد استنفد أغراضه ومبرراته في نظر المسؤولين. وقد لاحظ بعض إخوتنا - وأنا منهم - أن أعضاء وفد الشبيبة تفاءلوا أكثر مما ينبغي، والقرائن المتواردة لا تعزز تفاؤلهم، لاسيما وقد عوتبنا من قبل بعض كبار مسؤولي الأمن على ما نشرناه من شكر للملك على أمره بإعطاء جوازات السفر للبعض من أعضاء أسرة أخينا فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع، حيث قال لبعض إخوتنا هذا المســـؤول :" لقد أردتم بنشر الشكر في الصحافة أن تلووا لنا الذراع "، كما أن المراجعة العفوية لما تم في أمر رفع الظلم عن الإسلاميين المنفيين والمعتقلين طيلة العهد الملكي الجديد بل منذ تولى اليوسفي للوزارة الأولى، تبين أن كل اليساريين خرجوا من السجن، ولم يخرج أي معتقل إسلامي مطلقا، كما لم يعد من المنفى إلا الشيوعي إبراهام سرفاتي ذي الجنسية البرازيلية الأصلية، حيث استقبل في المطار من قبل كبار رجال الدولة وخصص له مسكن برجوازي وراتب مستشار، وأعطيت له الجنسية المغربية وسعى إليه والي الرباط بالبطاقة الوطنية وجواز السفر الدبلوماسي، أما الإسلاميون المنفيون فدار لقمان على حالها والقيد باق والطواشي أزولاي.

 س: ما هو موقفكم الحقيقي من العنف؟

جواب: إن إدانة العنف من قبلنا وشجبه واستنكاره والدعوة إلى اجتنابه ليس موقفا سياسيا لنا فحسب، ولكنه موقف عقدي وأخلاقي، إنه جزء من عقيدتنا الإسلامية، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن في زمن تقاتل المسلمين فيما بينهم أن يكون عبد الله المقتول وألا يكون عبد الله القاتل، كما نهى عن أن يصير المسلمون بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض.

 س: يلاحظ البعض أن موقفكم حدي من بعض الجماعات المحسوبة على التيار الديني، أليس في هذا نوع من التعسف والتشدد؟

ج: موقفنا حدي من الانحراف العقدي لا من أهله، وأقصد بالانحراف العقدي الشركيات الخفية كالشعوذة والخرافة والتألي على الله وادعاء الولاية والتظاهر بها وتوظيفها لاستدراج المغفلين وتسخيرهم، ونعد ذلك وما في حكمه شيطنة واستثمارا دنيويا انتهازيا لا علاقة له بالإسلام، نحن نبغض هذا الانحراف، أما أهله فلا نبغضهم وإنما نشفق عليهم وندعو لهم بالتوبة الصادقة والهداية، ولا مكان للتقارب معهم ما لم يتوبوا. أما ظاهرة الخيانة  فموقفنا منها حدي ولا رجعة فيه. ألا ترى معي أن موقفنا شرعي؟.

س: لماذا طردتم الثلاثي " حكيمي " من صفكم؟ أقصد محمد وعبد القادر وبلقاسم؟

جواب: نحن لم نطردهم، هم أعلنوا انفصالهم عنا، ووزعوا الأدوار فيما بينهم بدهاء، وفتحوا النار على الشبيبة الإسلامية من خلال الصحف الشيوعية والرسائل المفتوحة، وظنوا أن الهجوم علينا وشتمنا والتشهير بنا سيقربهم زلفى ويرضي عنهم أصحاب القرار، إنهم يعتقدون أن أقرب طريق لقلوب المسؤولين يمر عبر معاداتنا وإشاعة الأكاذيب عنا، نحن لم نؤاخذهم بما ارتكبوا، ولكننا أكدنا انفصالهم عنا واختلاف ولائهم عن ولائنا، هم ليسوا أول من استثمر معاداة الأجهزة الأمنية والأحزاب الشيوعية لنا، فقد سبقهم إلى ذلك غيرهم ممن استلم الثمن مناصب في البرلمان وأرصدة في المصارف وقصورا مشيدة ومراكب فارهة، بعد أن كانوا من سكان أحياء الصفيح وما في حكمها، لقد رفع منذ ربع قرن بين الخائفين والطامعين، أي في مستهل محنة الشبيبة الإسلامية شعار تحول وسيلة للتندر هو:( اشتم الشبيبة تخرج من السجن، اشتم الشبيبة تبن قصرا، اشتم الشبيبة تضحك لك الدنيا).

س: لماذا أعلنتم سابقا عن اسم المسؤول التنظيمي في الداخل، وبعد وفاته لم تعلنوا عن خلف له؟

جواب: لقد أعلنا سابقا عن مسؤول الداخل وهو فضيلة الشيخ عبد اللطيف عدنان رحمه الله تعالى، وقد كان يشغل هذه المسؤولية منذ بداية المحنة أواخر سنة 1975، وكان سبب إعلاننا ذلك هو ما أبلغه إلينا وفد الشبيبة المفاوض، عن النوايا الطيبة التي لمسها لدى المسؤولين، وكنا عازمين على الانفتاح أكثر متى سارت الأمور في وجهتها الطبيعية، إلا أننا لمسنا تغيرا مفاجئا في مواقف الدولة، فقررنا التريث وانتظار تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الفرج.

    السويد في 1 شوال 1424 موافق 25 – 11 - 2003 م

 أجرى الحوار: عبيد أبو الوفاء

 

لقاء وحوار
 مع فضيلة الشيخ محمد صادق محمد يوسف

رئيس الإدارة الدينية لآسيا الوسطى وقازاخستان ومفتي الجمهورية الإسلامية في أوزباكستان( انظر ترجمة حياة الشيخ في نهاية الحوار)

أجرت الشبيبة الإسلامية المغربية لقاء مع فضيلة الشيخ محمد صادق محمد يوسف مفتي أوزباكستان حاورته فيه حول قضايا الدعوة الإسلامية وأوضاع المسلمين في بلده ننشره فيما يلي لتعميم الفائدة:

 السؤال الأول : ماذا تمثل العقيدة السليمة في الدعوة الإسلامية المعاصر؟

     الجواب: كما كان في الدعوة الإسلامية سابقا تمثل العقيدة كل شيء؛ لأنه بدون العقيدة السليمة لا يمكن للدعوة أن تحقق شيئا ملحوظا. كل شيء يتعلق نجاحه بالعقيدة السليمة، وأرى أن الإخفاقات المتكررة في الدعوة المعاصرة ترجع إلى غياب التصور العقدي السليم والتام .

     السؤال الثاني: ما هي طبيعة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الدعوة الإسلامية في الواقع المعاصر ؟

     الجواب: أرى أن التحديات الداخلية أخطر من التحديات الخارجية. ومن بين التحديات الداخلية:الاختلافات بين المسلمين. نحن المسلمين نعيش في غابة من الاختلافات الفردية والجماعية بل حتى على مستوى الحكومات والعالم أجمع. ولم ينهزم المسلمون في تاريخهم بفعل قوة خارجية، ولكن بسبب خلافاتهم الداخلية. ومن بين التحديات الداخلية التخاذل بين المسلمين وهو أخطر بالنسبة للعالم الإسلامي. إن العالم الإسلامي عاش نكسات كثيرة، ولكن في النكسات السابقة لم يعرف التخاذل واليأس، كان المسلمون يرون أن النكسة ابتلاء ترجع أسبابه إلى ابتعادهم عن دينهم، غير أنهم لم يفقدوا العزة بالنفس ولم يخذل بعضهم بعضا، وكانوا سرعان ما يرجعون إلى رشدهم ويتغلبون على النكسات. كذلك كان الأمر بعد غزو المغول وبعد الحروب الصليبية، فقد شعر المسلمون أنهم أذنبوا غير أنهم كانوا يرون فيمن يجابههم الكفر والضعف، وكانوا يثقون أنهم يتغلبون عليهم إذا رجعوا إلى دينهم. أما في الوقت الحالي فقد فقدنا الاعتزاز بالنفس والثقة بأنفسنا، وهذا أخطر شيء يواجه العالم الإسلامي في يومنا هذا. علينا أن نسعى للرجوع إلى ديننا رجوعا خالصا ونعتز به ونرى النجاح فيه ونترك التخاذل.

     أما التحديات الخارجية فقوية جدا لم يسبق لها مثيل؛ لأن الأمم كلها تكالبت على الإسلام والمسلمين، وهم يستعملون كل الإمكانيات ضدنا ويحاولون القضاء علينا وعلى ديننا ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.

     السؤال الثالث: ما مكمن الداء في وضع المسلمين الحالي وما علاجه؟

     الجواب : مكمن الداء في وضع المسلمين الحالي هو ابتعادهم عن دينهم وانكسارهم أمام عدوهم، والعلاج هو الرجوع إلى الإسلام كاملا والثقة المطلقة في الله تعالى ثم في النفس.

     السؤال الرابع: ما مدى فعالية الدعوة والدعاة في بلدكم ؟

     الجواب: إن بلدي أوزباكستان أو ما يسمى سابقا ببلاد ما وراء النهر جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، واقع الدعوة والدعاة في لا يختلف عن واقع باقي أقطار العالم الإسلامي فمشاكلكم هي نفس مشاكلنا ...، التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي نحن أيضا نواجهها، الفرق الوحيد هو أن استقلالنا جاء متأخرا، وكل ما نقوم به نحن قد قام به أكثر الدول الإسلامية.

     السؤال الخامس: إذا طلب منكم توجيه نداء إلى الأمة الإسلامية بم تنصحونها وبم تنصحون شبابها على وجه الخصوص ؟

     الجواب: نصيحتي لإخواني في الدين الاهتمام بالتعليم الإسلامي؛ ذلك أنه إذا تعلم المسلم دينه تعليما صحيحا يكون خيرا ورحمة له وللبشرية كافة، هذا ما أثبته واقع الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، كما أنصح أن يقوم بعملية تعليم الشباب شأن دينهم علماء صالحون أتقياء، مع الحرص على عدم التسرع والاستعجال.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيرة ذاتية لفضيلة الشيخ محمد صادق محمد يوسف

      الشيخ محمد صادق محمد يوسف ولد في أوزباكستان سنة 1952 وتلقى العلوم الشرعية على يد والده في بخارى، ثم في المعهد الإسلامي بطشقند، وأكمل دراسته الجامعية بكلية الدعوة الإسلامية، ثم اشتغل بالإدارة الدينية لآسيا الوسطى وقازقستان والإشراف على المجلة الإسلامية، ثم المعهد الإسلامي مديرا له، ثم انتخب مفتيا لجمهورية أوزباكستان الإسلامية ونائبا في البرلمان. ثم تفرغ بعد ذلك للبحث العلمي وألف تفسيرا للقرآن باللغة الأوزبيكية في واحد وعشرين جزءا، وشرح كتاب ( التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم) في تسعة وثلاثين جزءا وألف كتابا في العقيدة ومؤلفات أخرى يفوق عددها عشرين مؤلفا في العلوم الشرعية، عدا نشاطه في الندوات والمؤتمرات وكتاباته الصحفية. في الوقت الحالي يعكف على تأليف كتاب في الفقه الحنفي.

 

حوار صحيفة الرأي العام الكويتية
 مع فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع

      ردا على ما تروج له بعض التيارات المعادية للدعوة الإسلامية،  وتأكيدا لتوجهنا الأصيل نحو الرفق والكلمة الطيبة منذ نشأة تيارنا المبارك ننشر هذا الحوار الذي أجراه الأخ الأستاذ محمد رشيد العويد مع فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع لصحيفة الرأي العام الكويتية ونشر فيها يوم الجمعة 13 ربيع الثاني 1398 هـ ( 24-03-1978م)

     1 – هل لكم أن تعرفوا قراء " الرأي العام " بحركة الشبيبة الإسلامية في المغرب وأهدافها ووسائلها؟

     الجواب: نشأت الشبيبة الإسلامية ردا على التحديات التي واجهها المجتمع المغربي في أوائل الاستقلال في عقيدته وأصالته، فقد هيمنت على شبابه موجات من الانحراف والإلحاد واللادينية، وذلك بسبب عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية ونفسية.

     وكان ميلاد الشبيبة الإسلامية رد فعل طبيعيا في مجتمع مسلم يجدد نفسه كل حين بالرجوع إلى أصالته وعقيدته النابعة من محكم الكتاب ونصوص السنة النبوية الكريمة.

     وقد بدأ التفكير في التأسيس منذ سنة1388 هـ ( 1968 )، ثم سارت الخطوات الأولى سنة 1390 هـ (1970م)، تم توجت الجهود سنة1392هـ ( 1972م) بالترخيص لها بالإعلان الرسمي واتخاذ المراكز ودعوة الشباب وتربيتهم. هكذا التف حولها الشباب المؤمن وراحت تربيه على أساس متين من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، متخذة لذلك كافة الوسائل المشروعة، من دروس ومحاضرات وندوات ورحلات ونشاط اجتماعي وثقافي وكشفي؛ مستخدمة لتحقيق غايتها الحديث من الأساليب والطرق العلمية في التربية وإعادة التربية؛ وقد حققت بفضل الله تعالى في هذا المجال نتائج طيبة، إذ تراجعت كثير من التيارات المنحرفة، والاتجاهات الهدامة، وخفت حدة هجومها على مقدسات الأمة وقيمها، وأخذت تبرز بين الفتيان والفتيات، بل من بين جميع طبقات الأمة دون استثناء، نماذج متدينة نظيفة القلب واليد واللسان والسلوك، لرفعة الأمة وعزة دينها.

      2 – كيف ظهر دور الإسلام في تحرير المغرب العربي؟

     الجواب: تحرير المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي والأسباني، كان بدون شك ثمرة من ثمار الإسلام في هذه المنطقة.

     لقد قاد الإسلام في العصر الحديث حركات تحرير المغرب ومدافعة أعدائه من الغزاة والمستعمرين، فلم تقصر العقيدة الإسلامية، وإنما وفت لأهلها حين وفوا...

     كما أن الإسلام حين دخل المنطقة لأول مرة، أعاد لأهلها عزتهم ومنعتهم ووحدتهم ودفعهم إلى آفاق الجهاد، يفتحون ويغزون، يتعلمون ويعلمون.

     ولما سقطت المنطقة في القرن التاسع عشر بيد الاستعمار، سرعان ما قام الإسلام بدوره في إيقاظ القلوب وبعث الهمم وإثارة الحمية، فتوالت الثورات الإسلامية المسلحة التي قادها العلماء والفقهاء وطلبة العلم وحفظة القرآن الكريم.

     فما إن وطأت أقدام الفرنسيين أرض الجزائر حتى هرع الناس إلى فقيه جليل هو المرابط الشيخ محيي الدين الحسني الجزائري، وكان زاهدا منقطعا لتدريس القرآن، فأجمعوا على مبايعته لجهاد الفرنسيين، لكنه اعتذر لشيخوخته، فبايعوا ابنه الأمير عبد القادر ؛ وهكذا تكونت أول حركة مقاومة إسلامية منظمة ضد الاستعمار الفرنسي في المنطقة، أنزلت بالفرنسيين أشنع الهزائم، وفقدوا آلاف القتلى، وكادت الدائرة تدور عليهم لولا الخيانة والغدر وقلة الناصر، مما فت في عضد الأمير عبد القادر وأسلمه للأسر.

     وما إن مضت ثماني سنوات على معاهدة الحماية الفرنسية بالمغرب الأقصى حتى كان الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، قاضي قضاة مليلية، يجمع حوله قبائل الريف وينظمهم ويعبئهم للجهاد.

     ففي يوم 20 سبتمبر ( أيلول)1920 تمكن الخطابي من دعوة زعماء القبائل إلى عقد مؤتمر ( أفرورن) وذكرهم فيه بالخطر الداهم الذي يهدد دينهم وأعراضهم وأموالهم ووطنهم بالاحتلال الإسباني... وانتهى المؤتمر بمبايعة زعماء القبائل على الجهاد، وكان نص العهد ( أعاهد الله أن أدافع عن ديني ووطني وشرفي حتى الموت، أعاهد الله أن ألتزم بتنفيذ الأحكام الشرعية التي يأمر بها القرآن والسنة النبوية، ولا تأخذني في ذلك لومة لائم، ولو كانت ضد أعز أقربائي).

     ثم انطلقوا بعد ذلك لمقاومة المستعمر الإسباني؛ فكانت الانتصارات تلو الانتصارات في أنوال وسيدي إبراهيم ومثلث الموت الذي أسر فيه عدد كبير من ضباط الإسبان وجنودهم.

     وعلى النهج نفسه سار علماء ليبيا في ثورة عمر المختار، وعلماء الجزائر في ثورة المليون شهيد وعلماء الزيتونة في ثورة الفلاغة وعلماء القرويين وابن يوسف في ثور التحرير المظفرة؛ ولو قيض لهذه الحركات الدينية الوطنية أن تحافظ على نهجها التربوي، بالإضافة إلى طابعها التحريري الجهادي لكانت النتائج والأوضاع في هذه المنطقة أفضل بكثير مما هي عليه الآن.

      3 – كيف يمكن للدعوة الإسلامية أن تحقق أهدافها بين الشباب المغربي؟

     الجواب: لتحقق الدعوة الإسلامية أهدافها بين الشباب المغربي وغيرهم، يجب – فيما أرى- أن تنطلق من برنامج عملي مدروس مبني على أربعة أسس هي :

     أولا: فهم العقيدة التي ينطلق منها العمل، وتصحيح التصورات الإيمانية التي توجه الجهود.

     ثانيا: فهم الواقع الذي ننطلق لتصحيحه وتقويمه، بدراسته وتحليله تحليلا وافيا.

     ثالثا: المنهج القادر على أن يرفع هذا الواقع إلى مستوى العقيدة ويصححه بتعاليمها.

     رابعا: توفر الطاقات البشرية القادرة على فهم العقيدة ومعرفة الواقع، والقيام بتنفيذ المنهج، والبذل والاستماتة في سبيله.

     فإذا توفر للدعوة الإسلامية التصور الصحيح والفهم الواضح للعقيدة كما أنزلها الله سبحانه كاملة متكاملة شاملة، ترد الألوهية إلى الله سبحانه، وتخصه بها دون غيره، وتفرده تعالى بالخلق والإبداع والتصريف والتدبير والعطاء والمنع والقوامة والسلطان والحاكمية...

     وإذا توفر الفهم الصحيح للواقع الذي يراد تغييره، والمعرفة الدقيقة لأوضاعه ومشاكله...

     وإذا توفر الرجال الذين يفهمون العقيدة ، ويؤمنون بها حاكمية خالصة تامة لله تعالى، وتصورا شاملا للكون بنظامه وعلاقاته وتوجهاته، موقنة بها قلوبهم مخلصة لها أفئدتهم،صادقة مطمئنة بها نفوسهم، منقادة إليها ضمائرهم، ظاهرا وباطنا، لا يجدون في أنفسهم منها حرجا ويسلمون تسليما...

     وإذا توفر الرجال الذين يستطيعون أن يعرفوا الواقع أيضا ويحللوا مشاكله وأوضاعه، وانحرافاته وسقطاته، وأن يعرفوا سبل المجرمين كما عرفوا سبيل المؤمنين، وأن يصدقوا في الطلب ويوفوا بالشروط...

     وإذا توفر المنهج التربوي والتنظيمي والحركي المضبوط، الذي يستطيع أن يضع الرجال في الطريق الذي يتحقق به هذا الدين في واقع الحياة...

     إذا توفرت هذه الأسس كلها كانت الدعوة الإسلامية أقرب إلى تحقيق آمالها وأهدافها... إذ بقدر ما تصدق المعرفة والفهم والتحليل، ويصدق الالتزام والعزيمة، ويخلص الرجال، تثمر الجهود.

     ونحن لا نعجب إذا ما رأينا أعداء الإسلام حين يحاربون هذا الدين، يجعلون من جملة تخطيطهم ضرب هذه الأسس الأربعة؛ فهم يحاولون طمس معالم العقيدة وقطع صلتنا بمنبعها في الكتاب والسنة، ثم يحاولون إخفاء الواقع عنا وإبعادنا عن فهمه ودراسته وتحليله، ثم هم يحاولون صرفنا عن المنهج المكافئ الذي يستطيع وضعنا على طريق تحقيق هذا الدين في الواقع، ثم هم يحاولون ضرب المواهب والقدرات البشرية التي تستطيع فهم العقيدة ومعرفة الواقع وتغييره على أسس العقيدة.

 

 

حوار مع الشيخ عبد اللطيف عدنان رحمه الله تعالى

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

 أجري هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ عبد اللطيف عدنان الحمداوي قبيل وفاته ، وكان آخر ما شهد به على هذه الحياة الدنيا - رحمه الله رحمة واسعة.

كتب الأخ عبيد ابو الوفاء:

 الشيخ عبد اللطيف عدنان حفظه الله تعالى وشفاه وبارك فيه، في السبعين من عمـره، عضو حركة المقاومة المغربية المسلحة للاستعمار الفرنسي ، ومن جيل التأسيس الأول للحركة الإسلامية المغربية المعاصرة التي كان من ثمار دعوتها تأسيس حركة الشبيبة الإسلامية المغربية، التنظيم الأم لسائر التيارات الإسلامية بالمغرب المعاصر. رأى أخونا أبو الوفاء عبيد أن يجري معه الحوار التالي:

      أخي فضيلة الشيخ، لا أريد أن أطيل عليك أو أثقل عليك في مرضك شفاك الله منه وبارك للمسلمين في عمرك، لذلك أرجو أن تجيبني بإيجاز وحسب استطاعتك على أسئلتي التالية:

 1-    لماذا نجحت دعوة الشبيبة الإسلامية المغربية في السنوات الخمس الأولى من حياتها ( ما بين سنتي1970 و1975) هذا النجاح الباهر، فعمت المغرب كله، ولم تفقد وحدتها وقوتها ؟

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين، وبعد، أمر معرفة أسباب النجاح بسيط جدا، كانت الساحة عطشى إلى دعوة الله، إذ لم تكن أي حركة أخرى تنشط في الساحة، وطبيعة المغاربة أقرب إلى الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، وهم مجبولون على قيم الإسلام في عواطفهم وعاداتهم وتقاليدهم، ثم إن الرعيل الأول من جيل التأسيس كان صادقا في دعوته، حكيما في تصرفاته، خبيرا بأصول العمل الإسلامي .

 2 – ما هي أسباب المحنة الأولى في نظركم ؟

الجواب: سببها الخوف والحسد، خوف جميع الجهات الرسمية والحزبية من تنامي الدعوة الإسلامية وقوتها وتماسكها، فكان الإجماع على ضربها. والحسد من بعض الجهات التي بدأت تحاول العمل في الساحة الإسلامية متأخرة، فعملت على الوشاية بقيادة حركتها وتلفيق الأخبار الكاذبة ضدها، مما ساهم في اتخاذ قرار ضربها بالتصفية أو السجن أو التهجير.

 3 - ما هي أسباب التمزق الذي حصل بعد أن ضربت الحركة وهاجرت القيادة؟

الجواب: الأسباب كثيرة، منها غياب القيادة، ومنع نشاط من بقي في الداخل من القياديين، وصغر سن الأعضاء وقلة تجربتهم، والإغراءات الكثيرة التي قدمت لبعض الفقراء ، ولأبناء الأعيان منهم، أبناء الفقراء وعدوا بالمساعدة على الخروج من الفقر، وأبناء الأعيان وعدوا بالمناصب الرفيعة،  وتألب الذين فسدت ذممهم على الحركة لأنهم رأوا أن بقاءها يعرقل تحقيق آمالهم في الثروة والمنصب والجاه.

  4- ما هي في نظركم وسائل علاج الحالة الراهنة في الصف الإسلامي المغربي ؟

الجواب: الصدق مع الله أولا، وهو يقتضي مرافقة الصادقين ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وإيثار ما عند الله على ما عند الناس، وإيثار الآخرة على الدنيا، والبعد عن الشبهات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية أو عقدية.

 5 - ما هي في نظركم الوضعية الحالية للدعوة الإسلامية المغربية ؟

الجواب: الدعوة الإسلامية تشهد حاليا تفاعلا إيجابيا جيدا تنفي به خبثها، وتميز به الصادقين من الكاذبين .

 6 - ما هو في نظركم خير أسلوب للدعوة في الوقت الراهن؟

الجواب: الحكمة والموعظة الحسنة والبعد عن المتاجرة السياسية بالإسلام ودعوته، وتجنب العنف تحريضا أو ممارسة.

 7 - ما هي وصيتكم للشباب الإسلامي المعاصر؟

الجواب: العقيدة السليمة منجاة بين يدي الله، الالتزام بالشرع وأحكامه وقاية من الزلل والزيغ، الابتعاد عن المشبوهين والشبهات حماية من مكر الماكرين وغدر الغادرين والمنافقين وعباد الدنيا، وحدة الصف والوفاء للصادقين عنوان الصدق والرجولة والمروءة، والاعتماد على الله تعالى وحده أولا وأخيرا.

أجرى الحوار: عبيد أبو الوفاء

 بتاريخ 22 محرم 1424 موافق25 مارس2003

حوار جريدة الحياة اللندنية مع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

أجراه الأستاذ كميل الطويل

 الســؤال الأول

     هل حركة الشبيبة الإسلامية تود العودة إلى المغرب للنشاط كحزب سياسي ؟ وهل هناك من شروط لهذه العودة ؟ (ملاحظة : أتوقع أن يكون بين مطالبكم  إسقاط أحكام صادرة على أعضاء الحركة ، لكنني لست متأكدا من ذلك ؛ لذلك أطرح عليكم هذا السؤال ) .

  الجــــواب :

     التيار الإسلامي الحديث في المغرب الذي أجرى الله على يدي وضع لبناته الأولى في بداية سنة 1970 ، ثم توج بتأسيس عدة جمعيات دعوية في مختلف المدن المغربية سنة 1972 ، وكان من ضمن هذه الجمعيات الشبيبة الإسلامية المغربية هذا التيار لم يكن في مبدأ أمره مشروع حزب سياسي ، وإنما كان منهج عمل تربوي لإعادة بناء العقل المغربي وهيكلته على أسس سليمة بعد أن استبد به ما كان سائدا من توجهات فكرية وعقدية وسلوكية اعتبرت حينئذ مهددة لخصائص البلاد والعباد .

     كان الانتشار السريع لهذا التيار ، مما أزعج السلطة الأمنية المغربية وبعض مستشاري القصر الملكي والملتفين حوله من المعادين للمعارضة . ولكن أشد ما أزعجهم أن يكون التأسيس على يد شخص له جذوره في الحركة الوطنية والمقاومة المغربية ضد الاستعمار وفي حركة المعارضة المغربية إبان الاستقلال ، وأن يحول هذا الشخص بينهم وبين آمالهم في توظيف العمل الإسلامي لأغراض حزبية أو أمنية ، ثم أن ينتخب هذا الشخص عضوا في المجلسين التأسيسيين والأمانتين الدائمتين للندوة العالمية للشباب الإسلامي والاتحاد العالمي للمدارس الدولية العربية الإسلامية بالمملكة العربية السعودية ، مما توهموا به أن تيار الشبيبة الإسلامية قد تكاملت لديه القوة البشرية التنظيمية في الداخل وقوة الدعم المالي من الخارج . حينئذ صدر قرار استئصال العقل المدبر للتيار وتوظيف شظاياه متعددة الألوان لحساب الأجهزة والسياسة الرسمية .

     هكذا كان إقحامنا مرغمين في المجال السياسي ؛ إذ اضطرت الشبيبة الإسلامية متخفية في الداخل ومهاجرة في الخارج إلى خوض غمار السياسة مؤقتا دفاعا عن نفسها ووجودها ومنهجها . فالعمل السياسي إذن لدينا طارئ وليس أصيلا . وتبعا لذلك ليس في برنامجنا مطلقا - إن رفعت الأحكام الظالمة - أن نمارس النشاط السياسي أو نؤسس حزبا .

     إن رفضنا العمل الحزبي في المجال الإسلامي قد يكون أهم ما نلتقي فيه مع النظام المغربي . وذلك لعدة اعتبارات من أهمها :

1 - الإسلام أكبر وأجل من أن يحجم في حزب سياسي وهو الدين الإنساني العالمي الخاتم .

2 - تحجيم الإسلام في حزب سياسي له قياداته والناطقون باسمه ذريعة إلى نشوء نظام للكهنوتية متعارض مع مبادئه وتعاليمه .

3 - قيام حزب سياسي إسلامي يوهم بأن المسلمين أقلية داخل المجتمع المغربي ، وهذا غير صحيح . كما يستفز تدين المسلمين غير المنضوين تحت لوائه ، ويجعل العلمانيين من أبناء المسلمين أكثر شراسة وعنادا وإعراضا عن العقيدة الإسلامية التي ينتسبون إليها أحبوا أم كرهوا .

4 - المغاربة كلهم مسلمون على تفاوت في الالتزام بالتعاليم الدينية ، وهذا التفاوت ينبغي أن يعالج بالحكمة والتواصي بالحق والصبر والتعاون على البر والإصلاح ضمن حوار حضاري يرشّد التفاعل والتواصل والتكامل بين المدارس الفكرية المختلفة . ومن الخطورة بمكان أن يعالج هذا التفاوت بالتناحر الحزبي والصراع السياسي .

5 - إن كانت الدولة حقا تمثل الإسلام ، فهي منبره الرسمي والشرعي الذي يحميه ويقوم بأمره ، ولا ينبغي أن يكون للإسلام منبران في بلد واحد ؛ لأن هذا مدعاة للفتنة.

     لكل هذا ، نحن نرتقب الخروج من هذه المحنة التي فرضت علينا وأقحمتنا مضطرين في المجال السياسي ، لنعود إلى الأصل الذي هو العمل التربوي غير الحزبي وغير السياسي .وليس لنا من شروط للعودة إلا إسقاط الأحكام الصادرة ضدنا جميعا، وخروج المعتقلين من السجن وعودة المنفيين إلى الوطن آمنين ، واسترجاعهم لحقوقهم المادية والمعنوية التي أهدرت .

 السـؤال الثانـي :

     حصلت في السنوات الماضية اتصالات مع الحركة للعودة إلى المغرب . هل يمكنكم تقديم صورة موجزة لهذه الاتصالات ، ونقاط الخلاف التي عرقلت عودتكم إلى المملكة؟ 

 الجـــــواب :

     اتصالاتنا مع السلطة المغربية كانت على أربعة مستويات ومراحل :

أ - مبادرات رسمية ما بين سنتي 1976 و 1980 ، للتوسط وإصلاح ذات البين ، قامت بها لدى الملك الراحل شخصيا عدة شخصيات سعودية وكويتية في مقدمتهم الشيخ ابن باز رئيس إدارة الدعوة والإفتاء ، والشيخ حسن بن عبد الله  آل الشيخ وزير التعليم العالي ورئيس الندوة العالمية للشباب الإسلامي في المملكة العربية السعودية ، وقدمت للجميع وعود لم تنجز لأسباب غير معروفة

ب - مبادرات مغربية رسمية في نفس الفترة ، قام بها كل من الأستاذ أحمد بن سودة مدير الديوان الملكي سابقا ، والأستاذ محمد الناصري سفير المغرب السابق في المملكة العربية السعودية ، والدكتور أحمد رمزي وزير الصحة ثم الأوقاف والشؤون الإسلامية سابقا وغيرهم ، وكلهم وعدوا خيرا ولم ينجزوا .

ج - اتصالات تمت بعد خروجي من السعودية سنة 1980 ، بمبادرة من إدريس البصري ، بعد أن  تطايرت شظايا الشبيبة الإسلامية ، بعضها في أحضان الأجهزة الأمنية ، وبعضها في أحضان الثورة الإسلامية في إيران ، وبعضها في أفغانستان ، وبرزت استنباتات للعنف  . العفوي منها بتأثير المناخ السياسي العالمي آنـئذ ، والإرادي منها بتخطيط من الأجهزة الأمنية المغربية التي رأت مصلحة في هذا الاستنبات .

     وقد أبلغني بعض مبعوثي إدريس البصري عندما تساءلت عن مصير الوعود السابقة ، أن أصحابها ليس لهم أي نفوذ ينجزون به وعودهم ، وأن البصري قد اطلع على تلك اللقاءات والوعود وأوقفها ؛ لأن الأمر بيده وحده وهو القادر على حل هذه القضية .

     أثناء هذه الاتصالات فشلت عدة عمليات لاختطافي واغتيالي ، وانكشف بما لا يدع مجالا للشك أن مبعوثي البصري لم يكن لهم من همّ إلا التقرب من الضحية المرتقبة ، والاستفادة المادية من هذه الاتصالات ، وإبقاء القضية بجملتها عالقة دون حل ؛ كي يتعيشوا منها .

د - الاتصالات الحديثة في العهد الجديد ، وضمنها رسالة الأمانة العامة للشبيبة الإسلامية إلى العاهل المغربي ، والحوار المباشر مع المسؤول الأول بالسفارة المغربية بدمشق ، وتأكيد حرصنا على وحدة المغرب وسلامته ومقدساته . ولم يكن لنا من مطلب فيها إلا إسقاط جميع الأحكام الصادرة في حقنا مهاجرين ومعتقلين ، وضمان حقوقنا المادية والمعنوية المهدرة ، بما فيها حق المشاركة الحرة في إطار دولة القانون والمؤسسات . ونحن ننتظر - بإذن الله - قرارا إيجابيا في الأمر ، خاصة بعد أن تخلص العهد الجديد من عدة عناصر أساءت إلى الوطن وشوّهت سمعته شعبا ونظاما .

  السـؤال الثالـث :

     تنفي الحركة ضلوعها في عملية اغتيال عمر بن جلون ، لكن السلطات تقول : إنها متورطة فيها ، وفي عمليات عنف أخرى ( مثلما حدث في سنة 1981 خلال مؤتمر القمة الإسلامية في الدار البيضاء ) . ما هو موقف الشبيبة الإسلامية من العنف ، وهل تقبل أن تعمل وفق القوانين المغربية وتتعهد عدم اللجوء إلى العنف وسيلة للتغيير السياسي ؟

 الجـــواب :    

     الشبيبة الإسلامية بصفتها الحركة الأم ، تمثل فعاليات سياسية وفكرية واجتماعية وعقدية كثيرة في مختلف ربوع الوطن ، وأعتقد أن أعضاءها قيادة وقاعدة يحبون بلدهم ويهتمون بشؤونه ، ويحرصون على أمنه ؛ لذلك لم نبشر بالعنف ولا دعونا إليه منذ النشأة الأولى ، بل إن اضطهادنا منذ سنة 1975 إلى الآن كـان بسبـب رفضنا أن نكون أداة للعنف السياسي الذي كانت الأجهزة الأمنية المغربية تحيكه في المجال الحزبي والفئوي .

     لقد ضربنا لكي تتمكن هذه الأجهزة من السيطرة على الشظايا وتسخيرها ، وقد تم ذلك ؛ إلا أن ما غاب عن هذه الأجهزة فهمه أنها لن تتمكن من السيطرة الكاملة عليها جميعا . وكما تساقطت بعض هذه الشظايا في أفنية وزارة الداخلية ، تساقطت أيضا في طهران وأفغانستان ، وفي ساحات ردود الفعل العفوية العنفوانية الارتجالية بحكم الظروف التي سادت آنـئذ ، ولم تكن لديّ القدرة للاطلاع أو السيطرة عليها.

      استنبات العنف إذن  في التيار الإسلامي المغربي ، هو مسؤولية الأجهزة الأمنية المغربية أولا وأخيرا . كما أن العنف الدموي الذي مورس منذ صدر الاستقلال ، منه ما هو مسؤولية بعض القيادات اليسارية الذين تخلصوا من قادة المقاومة وجيش التحرير ، ومنه ما هو مسؤولية الأجهزة الأمنية المغربية مباشرة كقتلهم بن جلون ، ومنه ما هو مسؤولية هذه الأجهزة نفسها بطريق غير مباشر هو سعيهم لتمزيق التيار الإسلامي واستنبات العنف فيه وتسخيره لأغراض أمنية . وليس لنا في ذلك كله يد أو رجل . كما أن اعتراف العهد الجديد بمسؤولية الدولة في ممارسات العنف السابقة خير دليل على سلامة موقفنا وبراءته .

     أما أحداث سنة 1981 ، خلال انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية بالدار البيضاء ، فقد صرح الملك الراحل نفسه - رحمه الله - في خطاب رسمي متلفز ، أنها من تدبير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بواسطة بعض الشظايا التي رصدنا لها علاقة مؤكدة ومباشرة مع إدريس البصري حينئذ . والكل يعلم أننا الحركة الإسلامية الوحيدة التي لم تقم أي علاقة مع إيران الثورة ، وقد رفضت لجوئي السياسي إليها سنة 1980 .

     أما قضية فندق أطلس أسني ، فغير خفي أنها رد فعل من الجماعات الإسلامية الجزائرية على تسليم المغرب عبد الحق العيايدة إلى السلطة الجزائرية .

     إن العنف الذي نتهم به ظلما قد مورس ضدنا رجالا ونساء وصبية وعجائز ، ومع ذلك سيبقى هدفنا العمل وفق القوانين ، آملين - في ظل تصور العهد الجديد لفلسفة السلطة - تطويرا جديا للقوانين والمؤسسات بما يناسب الاختيارات الجديدة التي نباركها