|
حد السرقة بين الفهم والتطبيق
لفضيلة الشيخ
عبد الكريم مطيع الحمداوي
قال الله تعالى:
)وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا
كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ،
فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ
يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(
المائدة:
38 – 39
توطـئـة
إن هاتين الآيتين تعدان في لفظهما لبنتين أساسيتين من سورة
المائدة، التي تضمنت أحكام العقود والمواثيق على اختلاف
أنواعها وأشكالها، سواء كانت عقودا بين الله وخلقه على الإيمان
به، وتحريم ما حرم، وإباحة ما أباح والقيام بما فرض، بوصفها
داخلة في العقد الأول بين الله والإنسان كما ذكر ذلك رب
العالمين في قوله عز وجل:
)
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
(
الأعراف: 172، أو داخلة في عقد الإسلام بين الله ورسوله
والمؤمنين بالله ورسله)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ
أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ
اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
(
المائدة
:
1
كما تعد هاتان الآيتان في مضمونيهما التشريعي لبنتين أساسيتين
في بناء المجتمع الإسلامي المتكامل عقديا وسياسيا واجتماعيا
واقتصاديا، بحيث يتعذر على المرء انتزاع هاتين الآيتين من سورة
المائدة لفظا، كما يتعذر إقامة نظام مجتمع إسلامي حق بدون
تطبيقهما، أو تطبيق مضمونها في مجتمع غير إسلامي اختلت عقيدته
وفسدت نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فمن حيث علاقة الآيتين بسورة المائدة وارتباطهما بها نلاحظ أن
هذه السورة قد استهلت بقوله تعالى :
)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ(
، وختمت بحوار بين الله تعالى وبين عبده
عيسى عليه السلام عن مدى توفيته بميثاقه:
)
وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ
اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا
لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ
إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ
مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي
وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
(
المائدة 116 / 117.
ويجيبه الله سبحانه وتعالى بعد أن بين وفاءه بالعقد والعهد في
نفس المشهد الحواري الرائع الرهيب بين الرب الرحيم العظيم
المهيمن والعبد المؤتمن الأمين:
)
قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(
المائدة:
119.
وبين دفتي السورة – الأمر القرآني بالوفاء بالعقود والموقف
الرباني لمساءلة المسيح في اليوم المشهود – تفصيل لما ينبغي
الوفاء به من أحكام ومواثيق وعهود، وأمثال تربوية من مواقف
الأمم والشعوب ومدى توفيتها أو خيانتها.
كل ذلك بالأسلوب القرآني الذي تلتقي فيه التربية الوجدانية
بالتشريع الاجتماعي، والتوجيه الأخلاقي بتفصيل الحلال والحرام
في المطعم والمنكح، وتصحيح العقائد والشعائر بتمتين العلاقات
بين الأفراد والأمم، ببيان الحدود والعقوبات المقررة للجرائم
والاعتداءات، التي يرتكبها الأفراد في حق الأفراد والجماعات
والعلاقات، ومن بينها حد السرقة التي هي إخلال بالأمانة وإضرار
بالمجتمع واعتداء على المال ونقض للعقود.
وبالتالي فإن سياق هذه السورة كله يدور حول الوفاء في شتى صوره
وأشكاله؛ كل ذلك خطابا للمسلمين وتعليما لهم وتذكيرا وتحذيرا
من عاقبة نقض العقود والمواثيق وخيانتها، سواء كانت مع الله أو
مع خلقه، صغيرة أو كبيرة؛ لأن الذي يخل بالمواثيق الصغيرة في
نظره، لا حرمة في نفسه ولا رعاية للمواثيق الغليظة.
ثم يذكر الله المؤمنين بميثاقهم معه يوم قالوا لنبيه سمعنا
وأطعنا في المنشط والمكره ونصرة الإسلام وتبليغه للناس
)
وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي
وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور(
المائدة:7.
ثم يضرب لهم المثل ببني إسرائيل وخيانتهم:
)
وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ
وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ
إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ
الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ
عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ، فَبِمَا نَقْضِهِم
مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا
مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ
خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(
المائدة
:
13 .
ثم يعقب سبحانه بمثل موقف النصارى من مواثيقهم:
)
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا
مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ
فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ
(
المائدة:
14.
ثم يرد الأمر الإلهي للرسول – صلى الله عليه وسلم – بأن يوفي
بعهده، ويبلغ الرسالة التي أؤتمن عليها بموجب العقد الذي التزم
به والميثاق الذي واثقه به ربه سبحانه
)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي
الْقَوْمَ الْكَافِرِين
(
َالمائدة:
67.
كما يرد التهديد للمسلمين إن هم نقضوا العهود وارتدوا عن
دينهم بأن الله سوف يأتي بقوم غيرهم يحبهم ويحبونه:
)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا
يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(
المائدة54.
وهكذا يتـضح لنا أن آيتي حد السرقة ( السارق والسارقة..) جزء
أساسي وضروري متمم للسورة يتعذر انتزاعه منها؛ لأنه متعلق بعقد
للإنسان مع الله ومع خلقه على حفظ الأموال والذمم والدماء وأمن
المجتمع. وليس من الطبيعي ولا المعقول ولا المنطقي أن ترد سورة
المائدة بدون آيتي حد السرقة ولا أن ترد هاتان الآيتان في
غيرها من السور. وهذا من الإعجاز القرآني الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه.
حد السرقة والمجتمع الإنساني
أما من حيث علاقة المضمون التشريعي للآيتين بالمجتمع الإسلامي
الرباني الحقيقي فلابد لتوضيح ذلك من التذكير بأن هذا القرآن
جاء لينشئ مجتمعا نموذجيا، وليقيم نظاما للحياة السياسية
والاجتماعية والاقتصادية مرتبطا بنسق كوني متكامل خاضع لله
الذي خلق الكون ويعلم ما يصلح له وما يصلحه وما يناسبه من نظم
وتشريعات، وعلمه سبحانه وتعالى مطلق غير محدود، لذلك يتعذر خلط
التشريع الإلهي المبني على حكمة وعلم مطلقين بالتشريع الوضعي
المؤسس على حكمة وعلم محدودين. ومن ثم فإن ترقيع المجتمع
الرأسمالي بالتشريع الإسلامي متعذر؛ لأن النظام الرأسمالي مبني
على الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا عين السرقة. كما أن
ترقيع المجتمع الماركسي بالتشريع الإسلامي متعذر؛ لأن ثروة
الناس سرقتها في هذا النظام فئة الحزب الحاكم، فكيف يستساغ
تطبيق حد السرقة على الذي أخذ حاجته من ثروته المسروقة.
أما المجتمعات الإسلامية التي اختلت فيها الأوضاع الإيمانية
والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولم يطبق فيها حكم الإسلام،
فهي أيضا غير صالحة لإقامة حد السرقة ما لم تستقم فيها هذه
الأوضاع على نهج الإسلام وشريعته. والمثال صارخ بين أيدينا في
دول تقيم الحدود على غير مستحقيها، وتستغل إقامتها لحماية
اللصوص من المرابين والمضاربين والمقاولين والمرتشين.
لذلك فإقامة حد السرقة بالشكل الصحيح – كغيره من الحدود –
مرتبطة ارتباطا وثيقا بإقامة الإسلام كله كاملا متكاملا في
جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فليس من المجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظامه السياسي غير
إسلامي، إذ لا بد أن يكون النظام فيه إسلاميا شورويا (وأمرهم
شورى بينهم )، والتشريع فيه لله، وراية التوحيد فيه خفاقة
عالية تتحدى الظلمة، وتستهزئ بالطواغيت والجبابرة؛ ولعل في
منطوق آيتي حد السرقة ما يؤدي هذا المعنى في قوله تعالى
(فاقطعوا أيديهما)، إذ الخطاب القرآني والأمر بالقطع موجه إلى
الأمة بصيغة الجمع، مما يفيد أن مسؤولية إقامة الحدود ملقاة
على عاتق الجميع وأن سلطة تنفيذها سلطة جماعية.
وليس من المجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظامه الاقتصادي غير
إسلامي، ثروة الشعب فيه دولة بين الأغنياء أو محتكرة بيد
السماسرة، وحاجات الأفراد فيه سجينة لدى المستغلين؛ إذ لابد
لإقامة حد السرقة من تحرير حاجات الناس وضمان ضروريات العيش
الكريم لهم، فإذا وجدت هذه الحاجات أو حررت كان الذي يتجرأ
على السرقة إما ظالما معتديا يقام عليه الحد، أو منحرفا نفسيا
وعصبيا يلحق بالمستشفى.
وكذلك لا يجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظام الاجتماع فيه غير
إسلامي علاقات الأفراد فيه فوضوية، وملابسهم ومآكلهم ومشاربهم
بهيمية، وعواطفهم نحو بعضهم حيوانية.
إذ لو كان المجتمع يعصر الخمر أو يشيعه بين أعضائه لما جاز
إقامة حد السرقة على من يتناول خمرا أو مخدرا ثم يتجرأ على
السرقة تحت تأثيرهما.
إن حماية الموطنين من مختلف الضغوط والانحرافات، وإشاعة جو من
النظافة الروحية والخلقية والاجتماعية، وتنمية روح الجدية
والشعور بالمسؤولية شروط ضرورية لإقامة حد السرقة.
السرقة لغة وشرعا:
وردت آيتا حد السرقة في سورة المائدة بعد آية
حد الحرابة والفساد في الأرض
)إِنَّمَا
جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ
خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ..الآية(المائدة
33، نظرا لما للحكمين من علاقة وترابط واتصال....
فالحرابة والإفساد يتضمنان أكل أموال الناس
ظلما بواسطة الخروج على الجماعة وقطع الطريق، والسرقة أيضا ضرب
من ضروب الفساد بأكل أموال الناس بالباطل خفية..
ولما بين الله تعالى عقاب أولئك المفسدين
المحاربين وأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة بين عقاب هؤلاء اللصوص
أيضا ليجمع في تربية الخلق بين الحافز الذاتي إلى الخير
والصلاح، وبين الوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب فقال تعالى:
)وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا
كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(
ومعناها قطع يد كل منهما ذكرا أو أنثى. فظاهر اللفظ من جمعه (
الأيدي ) من الاثنين يدل على أن المراد يد واحدة من كل منهما،
وقد جمع " اليد " ولم يقـل ( يديهما ) ، لأن الفصاحة العربية
تستثقل إضافة المثنى إلى ضمير التثنية، أي الجمع بين تثنيتين
مثل قوله تعالى:
) (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا(
التحريم 4.
وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ (
والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم )، كما روى عنه أيضا: (
والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما )، وهي قراءة شاذة وإن كان
الحكم بقطع اليمنى عند جميع الفقهاء موافقا لها.وتعرب ( السارق
والسارقة ) مرفوعين على الابتداء، والخبر: (فاقطعوا أيديهما )،
كما يمكن أن يكون الخبر محذوفا أي: حكم السارق والسارقة ثابت
فيما يتلى عليكم. وقوله تعالى ( فاقطعوا أيديهما ) بيان لذلك
الحكم المقدر.
والاختيار عند الكوفيين أيضا الرفع، لأنه لم
يرد به سارق بعينه ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان
وجه الكلام النصب. وقد قرأ عيسى ابن عمر ( والسارق والسارقة )
بالنصب، وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة ـ الرفع ـ، ولكن
ذلك طعن في قراءة واظب عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وترجيح للقراءة الشاذة.
أما من حيث البحث اللغوي فيقال: السرقة - بفتح
السين وكسر الراء-. كما يقال السرقة –بفتح السين وسكون الراء
أو بكسر السين وسكون الراء- ومعناها أخذ مال الغير خفية
وسرا.ولم تختلف الأمة في أن الآية خاصة بسرقة المال أو ما يقوم
بالمال.
كما ميز الله عز وجل في الحكم، بين السارق
وبين غيره من آكلي أموال الناس بالباطل. فجعل القطع للسارق،
وترك قطع المنتهب والمختلس والغاصب والمرتشي دون أن يعفيهم من
التعزير والتأديب. ذلك أن السارق لا يمكن الاحتراز منه لوقوع
الجريمة منه خفية، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا،
بخلاف المنتهب والمختلس والغاصب والمرتشي فإنهم يمكن الاحتراز
منهم ومقاومتهم وكف أذاهم لوقوع الفعل منهم جهارا.
اشتراط الحرز إضافة لا أصل لها:
أضاف الفقه الإسلامي منذ بداية نشوئه شرطا
لتحقق فعل السرقة استنبطه من معناها اللغوي، وهو ضرورة وقوع
السرقة في حرز. والحرز هو ما بني للسكن وحفظ الأموال كبيت أو
دكان أو خيمة أو نحو ذلك، ولو لم يكن له حارس أو حافظ، وسواء
سرق منه وهو مفتوح الباب أو لا باب له.
واعتمد في إضافة هذا الشرط على تأويل بعض
الآثار النبوية مثل:
- (عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ
الْمُعَلَّقِ فَقَالَ مَا أَصَابَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ
مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ
بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ
وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ
يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ
الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ
مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ )النسائي
- (
قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي كَمْ تُقْطَعُ الْيَدُ قَالَ لَا تُقْطَعُ
الْيَدُ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ
قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَلَا تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ
الْجَبَلِ فَإِذَا آوَى الْمُرَاحَ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ
الْمِجَنِّ ) النسائي
قال - صلى الله عليه وسلم –: (عَنْ جَابِرٍ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ
قَطْعٌ )الترمذي
وهي كلها روايات تحدث في سندها وردها بعض رجال
الحديث كما شرح ذلك ابن حزم بتفصيل في المحلى: (8/319)، ثم عقب
بقوله:( ومن طريق البخاري... قال رسول – الله صلى الله عليه
وسلم -: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ
فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ )
(قال أبو محمد – رحمه الله -: فقضى رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – بقطع السارق جملة ولم يخص عليه السلام
حرزا من غير حرز )وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(
النجم 3،4)وَمَا
كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً(
مريم 64، وقال تعالى:
)الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
(
المائدة 3، وقال تعالى:
)
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
(
النحل 44، ونحن نشهد بشهادة الله تعالى، أن الله عز وجل لو
أراد أن يقطع السارق حتى يسرق من حرز، ويخرجه من الدار، لما
أغفل ذلك و لا أهمله، و لا أعنتنا بأن يكلفنا علم شريعة لم
يطلعنا عليه، ولبينه على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم، إما
في الوحي وإما في النقل المنقول. فإذ لم يفعل الله تعالى ذلك
ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم، فنحن نشهد ونبت ونقطع بيقين
لا يمازجه شك أن الله تعالى لم يرد قط ولا رسوله – صلى الله
عليه وسلم - اشتراط الحرز في السرقة. وإذ لا شك في ذلك فاشتراط
الحرز فيها باطل بيقين لا شك فيه ) _ المحلى 8– 328 -.
وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق
والخوارج كلهم لا يشترطون الحرز لعدم ورود الدليل باشتراطه في
السنة، ولإطلاق الآية.
لذلك فإننا لا نأخذ باشتراط الحرز، لأنه ليس
لنا به نص من قرآن أو سنة؛ والآية عامة ومطلقة، والنبي – صلى
الله عليه وسلم – أمر بقطع السارق جملة دون أن يشترط في ذلك
حرزا. والسرقة لغة وعرفا وشرعا وواقعا، هي أن يأخذ الشخص سرا
واستخفاء، شيئا ليس له أخذه سواء من حرز أو من غير حرز. وهي
جريمة في كل الأحوال، والعقوبة الرادعة لها هي عقوبة مقررة
لجوهر فعل سرقة الأموال أو ما يقوم بمال، وليست لنوع معين منها
فقط، أو شكل خاص بها فقط أو ظروف تصاحبها فقط.
النصاب بين الشرع وواقع الأمة المرير:
كما أضاف أكثر فقهاء السلف والخلف شرطا آخر لتحقق السرقة، وهو
النصاب الذي يقام له الحد. وثار بينهم خلاف لم يحسم لحد الآن.
ذلك أن الآية الكريمة وردت مطلقة غير محددة لمقدار معين يقطع
فيه السارق. فذهب أكثر المحدثين إلى أن أحاديث – رسول الله صلى
الله عليه وسلم – حددته. ثم اختلفوا في تأويل هذه الأحاديث
واستخراج الأحكام منها. لكن كل ما ورد في هذا الموضوع مضطرب
ومختلف. فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة - رضي
الله عنها وعنهم- أحاديث يدفع بعضها بعضا. ورد عنهم مرسلا
ومرفوعا أن نصاب السرقة دينار، وأنه ربع دينار، وأنه ثلث دينار
أو نصف دينار، وأنه ثمن المجن – الترس – فما فوقه. وقدر
الصحابة والتابعون ثمن المجن تقديرات مختلفة: ثلاثة دراهم ،
وخمسة دراهم ، وعشرة دراهم ، وربع دينار ، ونصف دينار . وقدره
ابن قيم الجوزية بكفاية الرجل وأهله من الطعام ليوم واحد.
وكان هذا التضارب في الروايات والآثار سببا رئيسيا في اختلاف
الأحكام لدى المذاهب الإسلامية:
فالنصاب عند المالكية ثلاثة دراهم، وحجتهم ما ورد في الصحيحين
من أنه – صلى الله عليه وسلم – قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.(
قَالَ مَالِك أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ
ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَإِنِ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ
وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ
قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ
إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ( موطأ الإمام مال )
والنصاب عند الشافعية ربع دينار، وحجتهم ما رواه الشيخان عَنْ
عَائِشَةَ ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا )
والحنابلة يجمعون بين الحديثين فعندهم يقطع كل من سرق ما
قيمته ثلاثة دراهم، أو ربع دينار.
أما الحنفية، فالنصاب عندهم عشرة دراهم، وحجتهم ما ذهب إليه
ابن عباس وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وسفيان الثوري من
أن ثمن المجن كان على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
عشرة دراهم.
والنصاب عند الإمامية ربع دينار، بلغ الدينار ما بلغ. ولكنهم
يعتبرون هذا تخفيفا فقط على السارق، وإلا فسارق أقل من ذلك
عندهم يعد سارقا، واعتمادا منهم على رواية لأبي عبد الله – رضي
الله عنه – قال: (كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو
يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله سارق ولكن لا تقطع اليد إلا
في ربع دينار أو أكثر، ولو قطعت يد السارق فيما هو أقل من ربع
دينار لألفيت عامة الناس مقطوعين ).
ونحن إذا ما حاولنا استقراء الأحاديث الواردة في الموضوع وجدنا
أن الاضطراب ليس واردا فقط بين حديث صحابي وحديث صحابي آخر،
وإنما هو أيضا فيما روي عن الصحابي الواحد، كما يتضح لنا من
الأمثلة التالية:
فعن عائشة رضي الله عنها مثلا، روي عدد من الأحاديث يدفع بعضها
بعضا مثل:
1-
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي ثَمَنِ
الْمِجَنِّ ثُلُثِ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (
النسائي)
2-
قيل لعائشة: ما ثمن المجن ؟ قالت: ربع دينار (رواه سليمان بن
يسار عن عمرة ).
3-
وعَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ يُقْطَعُ
فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ( النسائي)
4-
إن يد السارق لم تكن تقطع في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم
– في أدنى من ثمن المجن. وكان المجن يومئذ له ثمن، وأنه لم يكن
عندها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – غير ذلك (رواه هشام عن
عروة عن أبيه عن عائشة ).
5-
روى مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا طَالَ عَلَيَّ
وَمَا نَسِيتُ الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (
الموطأ).
6-
كما
رويت أيضا أحاديث متدافعة في الموضوع عن عبد الله ابن عمر
منها:
1-
قطع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مجن قيمته خمسة
دراهم، وهو ما رواه حنظلة قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا قَالَ
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَطَعَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِجَنٍّ
قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (النسائي).
2-
قطع رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ َ فِي
مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ
بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ
قِيمَتُهُ (البخاري)
3-
وكذلك إذا ما استعرضنا الآثار المروية الأخرى وجدناها أشد
اضطرابا وتدافعا، كما يبدو في الأمثلة التالية:
1
– قطع ابن الزبير في درهم (ابن جرير الطبري )
2
– احذر من أن تقطع يدك في درهم (الحسن )، النصاب عند الحسن
والزمخشري درهم واحد.
3
– تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار وهو ما رواه أبو داود
عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَطَعَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ رَجُلٍ فِي
مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
4
– وَرُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا
قَالَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَالْعَمَلُ
عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَهُوَ
قَوْلُ مَالِكِ ابْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ
وَإِسْحَقَ رَأَوُا الْقَطْعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا(
الترمذي)
5
– لم يقطع النبي – صلى الله عليه وسلم – السارق إلا في ثمن مجن
وثمن المجن يومئذ دينار – النسائي -.
6
– قال عمرو بن شعيب، قلت لسعيد بن المسيب: إن عروة والزهري
وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم، فقال:
أما هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم
– عشرة دراهم، قاله ابن عباس، وأيمن الحبشي، وعبد الله بن عمر.
وقالوا: كان ثمن المجن عشرة دراهم.
7
– أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قطع في مجن قيمته ثلاثة
دراهم ( ابن عمر وأنس).
8
– قال – صلى الله عليه وسلم -: لا تقطع اليد إلا في دينار أو
عشرة دراهم (سنن ابن قانع عن ابن مسعود ).
9
– قال – صلى الله عليه وسلم: لا قطع فيما دون عشرة دراهم. (
عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن جده ).
10 - صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القطع في ربع
دينار ( ابن جرير الطبري ).
11 – قال ابن عباس: الآية على العموم أي: أنها لم تحدد نصابا
معينا للقطع.
12 – أتي عثمان – رضي الله عنه - بسارق سرق أترجه قومت بثلاثة
دراهم من حساب الدينار باثني عشر، فقطع ( أخرجه ابن المنذر ).
13 – إن عليا – رضي الله عنه – قطع في ربع دينار كانت قيمته
درهمين ونصف (أخرجه ابن المنذر).
14 – إبراهيم النخعي وغيره من التابعين، قالوا: كانوا يقطعون
في الشيء التافه، واحتجوا في ذلك، بأن الآية وردت مطلقة، وأن
(الرسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ
اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ
وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ قَالَ الْأَعْمَشُ
كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ
كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا) البخاري.
15 – قال القرطبي: " وقال آخرون بل عني بالآية سارق القليل
والكثير واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأن ليس لأحد أن
يخص منها شيئا إلا بحجة يجب التسليم لها.
16- وعَنْ عِرَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بِالْمَوْسِمِ
يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ وَالْبَعِيرُ أَفْضَلُ مِنَ
الْمِجَنِّ ( أحمد)
17 - لا تقطع الخمس إلا في خمس أي خمسة دنانير أو خمسين درهما
(مذهب سعيد بن جبير وبعض السلف )
18 - وقالوا، لم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خبر
بأن ذلك في خاص من السراق. قالوا: والأخبار فيما قطع فيه رسول
الله – صلى الله عليه وسلم – مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد
أنه أتي بسارق درهم فخلى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن
قيمته ثلاثة دراهم، قالوا: وممكن أن يكون لو أتي بسارق ما
قيمته دانق أن يقطع “.
ونحن إذا تتبعنا مسيرة الفقه الإسلامي منذ نشأته بعد الرسول –
صلى الله عليه وسلم – إلى الآن، نلاحظ أنه يتأرجح في موضوع
نصاب السرقة بين التشديد والتخفيف، تبعا لموقف الفقهاء من
المشكلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاصرونها،
ومدى تأثرهم سلبا أو إيجابا بها. لاسيما وكان قد اختل نظام
الحكم الإسلامي بتحول أمر المسلمين إلى ملوكية عاضة وجبرية،
احتكرت فيها السلطة والثروة بيد حفنة من السلاطين والأعوان،
فعطلت الحدود لدى البعض بدعوى عدم ملاءمتها للعصر، واتخذت لدى
غيرهم - على غير وجه شرع - درعا للاحتماء من غضب الشعوب،
ولحماية كبار اللصوص من النخب الفاسدة.
ونحن نرى أن فقهاء الأمة، قد ألزموا أنفسهم في قضية تحديد
النصاب ما لم يلزمهم. وما هو متعذر تحديده، وأن اختلافهم في
تحديد قيمة المجن طبيعي جدا من وجهة النظر الاقتصادية. فالمجن
قد يكون ثمنه في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – مقدارا
معينا في المدينة، ومقدارا غيره في مكة، وآخر مخالفا لهما في
فارس، وغير هذه المقادير كلها لدى الروم. وقد يكون ثمنه في عهد
النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي المدينة وحدها مقدارا معينا
عند مجيء قوافل التجار، ومقدارا آخر عند غيابها، نظرا لعاملي
الندرة والوفرة، وظروف العرض والطلب، وحالات الجودة والرداءة،
والحرب والسلم.
كما أن تحديد قيمة النقد تحديدا جامدا متعذر أيضا؛ لأن قيمة
العملة تتغير من زمان لزمان، ومكان لمكان، سواء كانت ذهبا، أو
فضة أو أوراقا نقدية، تبعا للمتغيرات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية وغيرها.
ثم إن العقوبة المقررة في القرآن هي عقوبة رادعة لمطلق فعل
السرقة، لأنه فعل في نفسه ذميم، ومرض خطير يخل بالأمن السياسي
والاجتماعي والاقتصادي للأمة، فإذا حددنا للسرقة نصابا معينا
كنا كمن يقول: " لا بأس بالخيانة، ما دامت صغيرة، ولا تساهل
معها إذا ما تضخمت“.
مع العلم بأن جميع أنواع الانحرافات تبدأ صغيرة، ثم تكبر وهذا
معروف في الشرع الإسلامي الذي ينص على أن يقام الحد على شارب
قليل الخمر، كما يقام على شارب كثيره، عملا بالقاعدة الفقهية:
(ما أسكر كثيره فقليله حرام )، فلماذا نشذ عن هذه القاعدة في
قضية السرقة فنميز بين سرقة القليل وسرقة الكثير بدون نص .
لكل
هذا
نرى
أن
الله عز وجل قد
انزل هذه
الآية( والسارق
والسارقة...)
مطلقة
غير
محددة
لنصاب
السرقة
قدرا
معينا
،وأن
كل
من
سرق
من
مسلم
شيئا
مهما
كان
تافها
يعتبر
سارقا
،
وهو
عند
الله
سارق
،
وداخل
ضمن
أحكام
الآية،
وأن
خيرا
من
الجدل
في
هذا
الموضوع
أن
تحل
المشكلة
السياسية والاقتصادية
والاجتماعية
التي
تؤدي
إلى
السرقة
بقيام
حكم
الإسلام
الكامل المتكامل
الذي
ليس
فيه
جائع
ولا
محروم
ولا
خائف
و
لا
مضطر،
ولا
فاقد
للعقل
بخمر أو
مخدر .
إقامة الحد بين القطع والبتر:
أما قوله تعالى: )
فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا
(
المائدة:
38 فقد وقع الاتفاق بين الفقهاء على أن المراد بذلك اليد
اليمنى، وإن لم ينص على ذلك ظاهر القرآن، وإنما قرروه اجتهادا
منهم واعتمادا على قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وهي
قراءة غير صحيحة كما ذكر ابن حزم.
أما الكتاب والسنة، فلم ينصا إلا على وجوب قطع اليد دون تمييز
لليمنى عن اليسرى، لذلك وجدنا عليا كرم الله وجهه قطع الشمال
واكتفى بها معتبرا أن قطع اليسرى مجزئ عن قطع اليمنى.
ثم اختلفوا في مقدار ما يقطع، فذهبوا مذاهب شتى، نظرا لورود
أمر القطع في القرآن بدون تحديد. مما فتح للاجتهاد مجالا
للاختلاف: رأى البعض أن يكون القطع من المرفق وحجتهم ما أولوه
من آية الوضوء)
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ(
المائدة 6، ولكن هذا التأويل مدفوع برأي من يقول: إن اليد هي
العضو إلى مفصل الكف محتجين بآية التيمم وسنته
)وَإِنْ
كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
(النساء43.
ورأى البعض أن يكون القطع من الإبط أو المنكب، وهو قول الزهري
وسعيد بن المسيب والخوارج، وحجتهم أن اسم اليد يطلق على العضو
إلى المنكب.
واختلفت الروايات عن علي كرم الله وجهه، فذكر الشافعي في كتاب
"اختلاف علي وابن مسعود" أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر
والبنصر والوسطى، ويقول "أستحيـي من الله أن أتركه بلا عمل"،
كما روي عنه أيضا أنه كان يقطع أصول الأصابع كلها دون الكف.
أما أغلب السلف والخلف، فيرون أن يكون القطع من مفصل الكف
(الرسغ)، محتجين بعدة أدلة هي:
1
– أنه أقل ما يسمى يدا، ولكن هذا غير صحيح لأن الكف دون أصابع
والأصابع دون كف، من أقل ما يسمى يدا.
2
– أنه هو اليد حقيقة، محتجين بما ورد في الكتاب والسنة في
التيمم. ولكن الكتاب والسنة أيضا يطلقان اسم اليد على العضو
إلى المرفق في الوضوء.
3
– ما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب: (أتي النبي – صلى
الله عليه وسلم – بسارق فقطع يده من مفصل الكف)، ولكن هذا
الحديث في إسناده مجهول.
4
– ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث رجاء بن حيوة أن النبي – صلى
الله عليه وسلم - . قطع من المفصل، ولكن هذا الحديث مرسل.
وقد انقسم الفقهاء في هذا الموضوع فرقاء، وجرت بينهم مناظرات
في مختلف الحقب الإسلامية، دون أن يحسم في الأمر بقول فصل. من
ذلك، ما روي عن زرقان صاحب أحمد بن أبي دؤاد قاضي المعتصم قال:
"رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فسألته،
فقال: وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة، فقلت لم ذاك ؟
فقال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى،
قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة، وسأل
الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء وأحضر
محمد بن علي، فسألنا عن القطع، في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت
من الكرسوع (وهو طرف الزند الناتئ مما يلي الخنصر) فقال: وما
الحجة في ذلك؟ فقلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع،
يقول الله تعالى في التيمم:
)فَامْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا
غَفُورًا
(النساء:43،
واتفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق
لأن الله تعالى لما قال:
)وَأَيْدِيَكُمْ
إِلَىالْمَرَافِقِ
(دل
على أن حد اليد هو المرفق. فالتفت إلي محمد بن علي بن موسى
فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال : تكلم القوم فيه يا
أمير المؤمنين، قال المعتصم: دعنـي مما تكلموا به، أي شيء
عندك؟ قال أبو جعفر: اعفني من هذا. قال : أقسمت عليك بالله لما
أخبرت بما عندك فيه، قال أبو جعفر: أما إذ أقسمت علي بالله،
فإني أقول: إنهم أخطأوا فيها السنة، فإن القطع يجب أن يكون من
مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال:
قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "السجود على سبعة أعضاء:
الوجه واليدين والركبتين والرجلين" فإذا قطعت يده من الكرسوع
أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها. وقال تعالى: (وَأَنَّ
الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)
الجن:18 يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وما كان
لله لم يقطع، فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل
الأصابع دون الكف".
وإذ تبين لنا أن جميع الفرقاء لم يقم لهم دليل قطعي على مكان
القطع ومقداره، تأكد لنا حاجة الموضوع إلى زيادة بحث وتأمل
وتدقيق، كي نهتدي إلى القول الفصل والحل الأمثل، لا سيما إذا
ما اعتبرنا أن أقوى دليل على عدم وجود نص صريح صحيح هو اختلاف
كرام الصحابة وعليتهم (الخلفاء الراشدين) في الموضوع، مثل أبي
بكر الذي قطع من المفصل، وعلي الذي قطع الخنصر والبنصر والوسطى.
ولعل من أسباب الاختلاف في موضوع القطع هو أن الفقهاء بحثوا
مفهوم كلمة "يد" لغويا، ولم يبحثوا معنى مادة "قطع" لغويا. ولو
فعلوا لتكامل لديهم معنى الكلمتين: "يد" و "قطع". فهم بعضهم أن
لفظة "يد" تطلق على العضو من رؤوس الأصابع إلى المنكب، وفهم
آخرون أنها إلى المرفق، وفهمها غيرهم أنها إلى الرسغ، وفهم علي
بن أبي طالب أن قطع جزء من اليد -الأصابع – يجزئ.
ولكن مادة "قطع" في اللغة العربية لا تعطينا هذا المعني فقط،
ففي تفسير قوله تعالى:
)أَرْسَلَتْ
إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
(يقول
القرطبي: قال مجاهد: " قطعنها حتى ألقينها" وقيل خدشنها. قال
النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد، إنما هو خدش
وحز.
ومن هذا الشرح اللغوي يبدو لنا واضحا أن القطع يفيد الجرح،
وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه: قطع
يده.
وقال الزمخشري في الكشاف : "قطعن أيديهن" جرحنها، كما تقول:
كنت أقطع اللحم، فقطعت يدي، تريد: جرحتها".
فالقطع يفيد الجرح والخدش، ويفيد قطع جزء من شيء، ولكنه لا
يفيد الاستئصال. أما الكلمة التي تفيد الاستئصال، فهي البتر،
وقد جاء في كتاب"ميزان اللغة": (قال: الليث: البتر: قطع الذنب
ونحوه إذا استأصله. وقوله تعالى:" إن شانئك هو الأبتر" نزلت في
العاص بن وائل الذي قال عن الرسول – صلى الله عليه وسلم -: هذا
الأبتر أي الذي لا عقب له. قال: البتر هو استئصال القطع).
ومن المعلوم أن التعبير القرآني المحكم لم يورد في بيان حد
السرقة كلمة تفيد البتر والاستئصال. وإنما لحكمة الله ورحمته
بعباده عبر بكلمة "القطع" : " فاقطعوا أيديهما"، وهي تفيد قطع
جزء من اليد، كما تفيد الخدش والجرح.
وقد يرد أحدهم بأن القطع يفيد البتر وقطع اليد من مفصل الكف أو
المرفق أو المنكب بدليل ما أخرجه البيهقي بسنده من حديث فضالة
بن عبيد: (أنه سئل: أرأيت تعليق يد السارق في عنقه من السنة؟
قال: نعم رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم -، قطع سارقا ثم أمر
بيده، فعلقت في عنقه). ولكن هذا الحديث ليس حجة في الموضوع،
لأنه لا دلالة فيه على المعنى الذي ذهبوا إليه. ولا يفيد أن
الجزء المقطوع هو الذي علق بالعنق. ولكن علق الجزء الذي لم
يقطع؛ أي ما بقي من اليد لاصقا بالجسد ولم يبتر. لأن هذا هو
الوضع الصحي الأسلم لليد المجروحة، والأكثر رفقا بالسارق. وما
زلنا لحد الآن، نرى الأطباء يعلقون الأيدي المجروحة أو
المكسورة أو المريضة بعنق المريض وعليها الضماد أو الجبيرة.
ولا نعتقد أن المقصود بالتعليق في العنق هو الجزء المبتور، لأن
لفظ الحديث لا يؤدي هذا المعنى، كما لا تقره مبادئ النظافة
التي هي من الإيمان والإسلام، ولأن اليد المبتورة قد تتعفن
ويتأذى حاملها برائحتها، ويؤذي غيره بها أثناء التعامل اليومي،
وأثناء تواجده بالمسجد لصلاة الجماعة التي ينص الشرع على ألا
يحضرها المرء برائحة كريهة كرائحة الثوم والبصل أو غيرهما، مما
قد يمنعه من القيام بشعيرتي صلاة الجماعة والجمعة، وهذا المنع
عقوبة أخرى لم ينص عليها القرآن و لا السنة. كما أنه يتنافى مع
ضرورة القدوم إلى المساجد بسمت حسن)
يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ
كُلِّ مَسْجِدٍ
(.
لذلك لا نرى حجة للقائلين بالبتر، من هذا الحديث و لا من سواه،
وتبعا لهذه الشروح والاستطرادات والتوضيحات تتوفر لدينا ثلاثة
مفاهيم للقطع:
·
إيقاع الألم بالسارق بجرح يده وخدشها اعتمادا على معنى قوله
تعالى : (وقطعن أيديهن).
·
قطع جزء من اليد كما فعل علي كرم الله وجهه.
·
قطع اليد من الرسغ كما فعل أبو بكر وعمر، مع تقييد هذا المفهوم
للقطع بضرورة اعتبار اليد هي العضو إلى المرفق أو المنكب. وأن
ما قطع هو جزء من اليد، وليس اليد كلها، وبغير ذلك يستبعد هذا
الوجه من القطع. لأنه يكون بترا واستئصالا، والنصوص لا تؤدي
هذا المعنى.
وهذه المفاهيم الثلاثة يرجح أحدهما على الآخر، أو يرتب
إيقاعها باللصوص حسب خطورة السرقة وما يصاحبها من ظروف التشديد
أو التخفيف.
التعدد والتناسب بين
السرقة والعقوبة
وهناك حالة خاصة للسرقة أثارت جدلا وخلافا شديدين بين الفقهاء،
هي حالة من قطع في سرقة ثم عاد لها مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر
..فرأى
البعض أن تقطع إحدى رجليه في الثانية، ثم يده اليسرى في
الثالثة، ثم رجله الأخرى في الرابعة فإن عاد قتل.
واحتجوا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر قال:
(جيء
بسارق إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال اقتلوه.
فقالوا إنما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه، فقطعوه. ثم جيء به
الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة، فذكر
مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة، فقال:
اقتلوه، فقال: جابر: فانطلقنا به فقتلناه). ولكن هذا الحديث
استنكره النسائي، وقال: (الحديث منكر). وقال: ابن عبد البر:
(حديث
القتل منكر). بل إن النسائي قال: (لا أعلم في هذا الباب
حديثا صحيحا).
ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة
مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق
فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده،
ثم إن سرق فاقطعوا رجله)، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي،
وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن
إسناده ضعيف.
وما أغرب ما رآه ابن قيم الجوزية في الموضوع حيث قال: (ثم تقطع
في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب،
ثم تقطع اليد الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة،
فيبقى لحما على وضم فيريح ويستريح) – أعلام الموقعين 2/126 –.
ولا ندري كيف تصور أصحاب هذه الآراء أن الذي تقطع يداه ورجلاه
مستريح في نفسه، ومريح لمجتمعه، ولا كيف تصوروا أنه يستطيع أن
يسرق للمرة الرابعة أوالخامسة...
وقد خالفهم في ذلك الحنفية فرأوا أن تقطع رجله في الثانية
ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه
عنه البيهقي أنه أتي إليه بسارق للمرة الثالثة بعد أن قطعت يده
ورجله، فقال: ( إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء
يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) وقد خالف علي في
ذلك أبا بكر، مع أنهما معا صاحبا النبي – صلى الله عليه وسلم-
وأخذا عنه.
أما نحن، فإننا نجزم ونبت ونثبت أنه لم يصلنا في قطع رجل
السارق عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيء، والآية
القرآنية لم تبين إلا قطع اليد، ولا حجة لنا إلا من كتاب الله،
وما ثبت من سنة صحيحة عن نبيه عليه السلام. وليس فيهما أمر أو
إباحة لقطع أي عضو من السارق غير يده، وبالطريقة التي تقدم
شرحها، أما ما سوى ذلك فلا نرى جوازه إلا بنص صحيح وليس بين
أيدينا هذا النص، ودم السارق حرام إلا بحقه، كدماء جميع
المسلمين الثابتة بالنصوص الصحيحة، وما ثبت بنص صحيح لا ينسخ
إلا بآخر صحيح.
ولعل أحدا يعترض علينا بأن فعل الخلفاء الراشدين ملزم لنا، لما
قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم _ : (عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي)، ولكن يرد عليه بأن الخلفاء
الراشدين ليسوا أنبياء ولا معصومين، وأن سنتهم التي ينبغي العض
عليها بالنواجذ، هي اتباعهم لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم-.
وهذه المعاني كانت واضحة للسلف الصالح، وضوحا لا لبس فيه ولا
غبش، كما يتضح لنا من الحديث المشهور الذي رواه مسلم والبخاري
وأصحاب السنن، بألفاظ متقاربة: (إن رجلا أتى عمر، فقال إني
أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير
المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت
فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي – صلى
الله عليه وسلم- :" إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم
تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، " فقال عمر:" اتق الله يا
عمار، قال: " إن شئت لم أحدث به ".
وقد علق ابن تيمية على نفس الحديث بقوله: "فهذه سنة شهدها
عمر–رضي الله عنه- ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار –
رضي الله عنه- فلم يذكر" - رفع الملام 32-.
ونحن نزيد على قول ابن تيمية: إن عمر لم يشهد ذلك سنة فقط،
ولكن تلاه قرآنا عربيا غير ذي عوج، قال تعالى:
)
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً(النساء:
43)،
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج
(المائدة:
6.
على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا
يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء
من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو
أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:
أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع
الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد
الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع
جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد
على السارق عدة مرات في اليد الواحدة ، إذا ما تكرر منه فعل
السرقة.
ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو
إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا
كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه،
كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير.
مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:
يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع
دينار
فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب
المالكي:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم
حكمة الباري
وهذا غير صحيح، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند
الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة
الكعبة.
ونحن نرى- وبالله التوفيق - أن هذا الإشكال قد أزيل بسبب وضوح
معنى "القطع"، بحيث يقدر الجرح أو القطع الموقع باليد طولا
وعرضا وغورا ومساحة، بما يتناسب ومقدار السرقة وخطورتها وما
يصاحبها من ظروف التشديد أو التخفيف. فعن سرقة الشيء التافه
يجرح السارق جرحا صغيرا في يده، ثم يكبر الجرح تبعا لمقدار
السرقة، ثم يتحول إلى قطع، ثم يتسع مدى القطع تبعا لمقدار
السرقة وظروفها.
هكذا يزول الإشكال الفقهي في التعدد والتناسب بين مقدار
العقوبة ومدى خطورة السرقة أو تعددها ببساطة ويسر، ودون أن
نعطل حدود الله، أو نقطع من السارق ما حرم من دمه ولحمه.
هل يسقط الحد
بالتوبة:
يقول تعالى:
) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ
(المائدة39.
أي من تاب من بعد السرقة ورد المسروق نادما عازما على عدم
العودة للظلم – أصلح- فإن توبته مقبولة. وهذا يقودنا إلى قضية
أخرى كثر الاختلاف فيها، وهي: هل يسقط الحد بالتوبة أم لا؟
لقد قيل بعدم سقوط الحد ولو تاب السارق وأصلح، وقيل يسقط الحد
بالتوبة، ولكل فريق حجته من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله
عليه وسلم- بتأويل خاص:
فالذين قالوا بعدم سقوط الحد بالتوبة اعتبروا أن الأصل هو
إقامة الحد، وأن سقوط الحد بالتوبة استثناء لا غير، وأن الله
تعالى لم يستثن من هذا الحكم إلا حد الحرابة بنص القرآن:
)إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(المائدة:34
.
كما استشهدوا بما ورد في سورة النور عن حدي فاحشتي الزنا، وقذف
المحصنات، عندما قال سبحانه وتعالى بعد أن أثبت إقامة الحد:
)إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(آل
عمران:89. كما قال ابن حزم: (لأن الله تعالى لم يسقط الحد
بالتوبة مطلقة، ولو أراد ذلك لقال:" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
" ولم يقل:" مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ "، فلما قال تعالى:
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " بين لنا أن هذه التوبة لا تكون إلا من
بعد الجلد ثمانين، واستحقاق اسم الفسوق ورد الشهادة، لا قبل
الحد بنص القرآن ...) إلى أن قال: (وصح أنه لا يسقط بالتوبة
شيء من الحدود حاشا حد الحرابة الذي ورد النص بسقوطه بالتوبة
قبل القدرة عليهم فقط)-المحلى 8/130-.
أما من قال بسقوط الحد بالتوبة فقد قال عنهم ابن حزم في كتابه
المحلى (8-126): (وقال قوم: إن الحدود كلها تسقط بالتوبة وهذه
رواية رواها أبو عبد الرحمن الأشعري عن الشافعي، قالها بالعراق
ورجع عنها بمصر، واحتج أصحاب هذه المقالة بقول رسول الله – صلى
الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم فخرج يشتد:"
ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ يا هذا لو سترته بثوبك
كان خيرا لك ".
ونحن تبعا لما فهمنا من كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه
وسلم - نذهب هذا المذهب، ونعتقد أن الحد يسقط بالتوبة، وأن عدم
سقوطه في فاحشتي الزنا والقذف هو الاستثناء، وأن التوبة تسقط
الحدود وتجب ما قبلها. وهذا كتاب الله ينطق بالحق بين أيدينا:
·
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ
بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
رَحِيمٌ( (لأعراف:153) .
·
)إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ
يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً( النساء17.
· )ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ
تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(
النحل119.
ثم إن السنة النبوية بينت لنا أن رحمة الله سبقت غضبه، كما ورد
في البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة قال الله تعالى فيما رواه عنه صلى الله عليه وسلم: "سبقت
رحمتي غضبي".
وإقامة الحدود تعتبر انتصارا لغضب الله، وسقوطها بالتوبة من
رحمة الله، ورحمة الله سبقت غضبه، قال تعالى:
)
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
(
الأنعام12 ، وقال تعالى:
)
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء(
الأعراف 156 .
ثم إن آية حد السرقة فصلت في الأمر، وليست محتاجة إلى كل هذه
الشروح، فقد نصت على أن التوبة مسقطة للحد بعد السرقة لا بعد
إقامة الحد، فقال تعالى: ( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه) أي من بعد
قيامه بالسرقة، ولم يقل : ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) كما ورد في
آية الزنا والقذف التي استشهد بها ابن حزم في الموضوع، مما
يدفع استنباط ابن حزم ومن على مذهبه دفعا كاملا.
على أن القول بسقوط الحد بالتوبة مطلقا يفتح بابا خطيرا أمام
دعاة تعطيل الحدود، سواء من جهلة المسلمين، أو من المدسوسين في
صفوفهم ، أو من أعداء الإسلام الظاهرين المتجاهرين، لذلك وجب –
سدا للذرائع وقياما بأمر الله- أن يفهم حكم سقوط الحد بالتوبة
جنبا إلى جنب مع ضرورة إقامة حدود الله فهما متكاملا لا يدفع
أحدهما الآخر، ولا يسقط أحدهما الآخر.
ولو تأملنا النصوص التي يعتمد عليها الفريقان (من يرى سقوط
الحد بالتوبة، ومن يرى عدم سقوطه) وجمعنا بينهما لتبين المخرج
من هذا الاشكال:
ذلك أنه ثبت بالقرآن والسنة وجوب إقامة الحدود:
· )وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( البقرة230.
· )وَالْحَافِظُونَ
لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( التوبة112).
· )تِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا
( البقرة 29.
· )وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ( النساء:14.
· وقال
– صلى الله عليه وسلم- لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ،
والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
·
وقال: (أما بعد، فإنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد).
· وقال
للمرأة التي قطعت يدها: (أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك).
·
وقال: (كل حد رفع إلي فقد وجب).
كما ثبت بالكتاب والسنة أيضا أن التوبة تسقط الحدود إلا ما
استثنـي بنص كما هو الحال في حدي الزنا والقذف. فقال تعالى:
-
)فَمَنْ
تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ
يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(
المائدة39 .
-
)وَإِذَا
جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ
مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(
الأنعام54) .
- وقال – صلى الله عليه وسلم- : (تعافوا الحدود فيما
بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب).
- وقال لصفوان الذي سرق رداؤه، وأراد ألا يقطع السارق: (هلا
كان ذلك قبل أن تأتيني به).
- وقال لمجموعة من الصحابة بايعوه: (أبايعكم على ألا
تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا...ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به
في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن
شاء عذبه وإن شاء غفر له).
- وقال – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة
الرجم، فخرج يشتد: (ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).
- وقال لهزال الذي أشار على ماعز بالاعتراف: (لو سترته
بثوبك كان خيرا لك).
- وقال – صلى الله عليه وسلم-: ( ادرؤوا الحدود عن
المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام
لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
- وقال: (لا تقطع الأيدي في الغزو).
هذه النصوص لا تتعارض مطلقا مع النصوص الموجبة لإقامة الحد،
لأنها متكاملة معها. لذلك إذا نظرنا في مجموعتي النصوص (مجموعة
إيجاب الحد، ومجموعة التعافي عنه) وفهمناهما فهما متكاملا
تبينت لنا الأحكام التالية:
1- الأصل
هو أن التوبة تسقط الحدود، إلا ما استثنـي بنص، ولكنها التوبة
المقرونة بالإصلاح الذي هو رد المظالم والعزم على الاستمرار في
الاستقامة.
2-
يجب – حفظا لحدود الله- التثبت من صدق التائبين، أو تلاعب
المتظاهرين بالتوبة خوفا من العقاب.
3-
للمتضرر – المسروق منه- أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطة
القضائية.
4- المجتمع
الإسلامي طرف في القضية، يتضرر بشيوع السرقة والخيانة، كما
يستفيد من شيوع خلق الأمانة، وينتفع بإقامة الحدود انتفاعه
بشيوع التراحم والتعافي بين أعضائه. والسارق من جملة هؤلاء
الأعضاء، لذلك يستحب للمجتمع الإسلامي أن يتعافى الحدود بما لا
يؤدي إلى تعطيلها، وهذا مفهوم من خطاب الرسول – صلى الله عليه
وسلم- لأمته: (تعافوا الحدود فيما بينكم)
لكن ذلك يجب أن يكون قبل رفع قضايا السرقة إلى المؤسسة
القضائية التي لا يجوز في حقها التعافي، وما رفع إليها من حد
فقد وجب، وهذا يقتضي من المجتمع الإسلامي أن يضع تقنينات تبين
ما يمكن التعافي عنه من الحالات، كما في المرض المزمن الذي معه
موت السارق إن قطع، وكحالة الحرب التي ينبغي ألا تعطل فيها
الأيدي عن تناول السلاح، وحالات المجاعة التي يختل فيها
الاقتصاد، ويندر فيها تواجد الحاجات. وكحالة بعض ذوي المروءة
والصدق الذين يغرر بهم أو يورطون غفلة منهم...وفي بعض الحالات
الأخرى التي تقدر بقدرها.
5- الشفاعة
في الحدود لا تجوز مطلقا، وذلك لأن الشفيع لا علاقة له
بالموضوع، وليس طرفا فيه. وإنما أطرافه هم السارق والمسروق
منه، والمجتمع الإسلامي، وقبلهم كلهم الله تعالى. والشفيع طرف
غير هؤلاء جميعا، وليس له حق التدخل إلا أن يكون نصيحة أو أمرا
بمعروف أو نهيا عن منكر. ولذلك منع الرسول – صلى الله عليه
وسلم- أسامة من الشفاعة في المخزومية التي سرقت، لكيلا يجترئ
الناس عليها فتتعطل الحدود.
6- إن
من الناس من ستره الله تعالى ولم يقم عليه الحد، فذلك إلى الله
إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن هدي للامتثال لقوله تعالى
) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(
النورلآية31، دخل بإذنه عز وجل في جملة المخاطبين بالآية
الكريمة:
)قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(
الزمر53. انتهى.
التعدد والتناسب بين
السرقة والعقوبة
وهناك حالة خاصة للسرقة أثارت جدلا وخلافا شديدين بين الفقهاء،
هي حالة من قطع في سرقة ثم عاد لها مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر
..فرأى
البعض أن تقطع إحدى رجليه في الثانية، ثم يده اليسرى في
الثالثة، ثم رجله الأخرى في الرابعة فإن عاد قتل.
واحتجوا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر قال:
(جيء
بسارق إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال اقتلوه.
فقالوا إنما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه، فقطعوه. ثم جيء به
الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة، فذكر
مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة، فقال:
اقتلوه، فقال: جابر: فانطلقنا به فقتلناه). ولكن هذا الحديث
استنكره النسائي، وقال: (الحديث منكر). وقال: ابن عبد البر:
(حديث
القتل منكر). بل إن النسائي قال: (لا أعلم في هذا الباب
حديثا صحيحا).
ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة
مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق
فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده،
ثم إن سرق فاقطعوا رجله)، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي،
وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن
إسناده ضعيف.
وما أغرب ما رآه ابن قيم الجوزية في الموضوع حيث قال: (ثم تقطع
في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب،
ثم تقطع اليد الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة،
فيبقى لحما على وضم فيريح ويستريح) – أعلام الموقعين 2/126 –.
ولا ندري كيف تصور أصحاب هذه الآراء أن الذي تقطع يداه ورجلاه
مستريح في نفسه، ومريح لمجتمعه، ولا كيف تصوروا أنه يستطيع أن
يسرق للمرة الرابعة أوالخامسة...
وقد خالفهم في ذلك الحنفية فرأوا أن تقطع رجله في الثانية
ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه
عنه البيهقي أنه أتي إليه بسارق للمرة الثالثة بعد أن قطعت يده
ورجله، فقال: ( إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء
يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) وقد خالف علي في
ذلك أبا بكر، مع أنهما معا صاحبا النبي – صلى الله عليه وسلم-
وأخذا عنه.
أما نحن، فإننا نجزم ونبت ونثبت أنه لم يصلنا في قطع رجل
السارق عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيء، والآية
القرآنية لم تبين إلا قطع اليد، ولا حجة لنا إلا من كتاب الله،
وما ثبت من سنة صحيحة عن نبيه عليه السلام. وليس فيهما أمر أو
إباحة لقطع أي عضو من السارق غير يده، وبالطريقة التي تقدم
شرحها، أما ما سوى ذلك فلا نرى جوازه إلا بنص صحيح وليس بين
أيدينا هذا النص، ودم السارق حرام إلا بحقه، كدماء جميع
المسلمين الثابتة بالنصوص الصحيحة، وما ثبت بنص صحيح لا ينسخ
إلا بآخر صحيح.
ولعل أحدا يعترض علينا بأن فعل الخلفاء الراشدين ملزم لنا، لما
قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم _ : (عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي)، ولكن يرد عليه بأن الخلفاء
الراشدين ليسوا أنبياء ولا معصومين، وأن سنتهم التي ينبغي العض
عليها بالنواجذ، هي اتباعهم لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم-.
وهذه المعاني كانت واضحة للسلف الصالح، وضوحا لا لبس فيه ولا
غبش، كما يتضح لنا من الحديث المشهور الذي رواه مسلم والبخاري
وأصحاب السنن، بألفاظ متقاربة: (إن رجلا أتى عمر، فقال إني
أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير
المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت
فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي – صلى
الله عليه وسلم- :" إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم
تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، " فقال عمر:" اتق الله يا
عمار، قال: " إن شئت لم أحدث به ".
وقد علق ابن تيمية على نفس الحديث بقوله: "فهذه سنة شهدها
عمر–رضي الله عنه- ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار –
رضي الله عنه- فلم يذكر" - رفع الملام 32-.
ونحن نزيد على قول ابن تيمية: إن عمر لم يشهد ذلك سنة فقط،
ولكن تلاه قرآنا عربيا غير ذي عوج، قال تعالى:
)
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً(النساء:
43)،
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج
(المائدة:
6.
على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا
يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء
من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو
أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:
أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع
الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد
الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع
جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد
على السارق عدة مرات في اليد الواحدة ، إذا ما تكرر منه فعل
السرقة.
ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو
إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا
كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه،
كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير.
مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:
يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع
دينار
فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب
المالكي:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم
حكمة الباري
وهذا غير صحيح، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند
الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة
الكعبة.
ونحن نرى- وبالله التوفيق - أن هذا الإشكال قد أزيل بسبب وضوح
معنى "القطع"، بحيث يقدر الجرح أو القطع الموقع باليد طولا
وعرضا وغورا ومساحة، بما يتناسب ومقدار السرقة وخطورتها وما
يصاحبها من ظروف التشديد أو التخفيف. فعن سرقة الشيء التافه
يجرح السارق جرحا صغيرا في يده، ثم يكبر الجرح تبعا لمقدار
السرقة، ثم يتحول إلى قطع، ثم يتسع مدى القطع تبعا لمقدار
السرقة وظروفها.
هكذا يزول الإشكال الفقهي في التعدد والتناسب بين مقدار
العقوبة ومدى خطورة السرقة أو تعددها ببساطة ويسر، ودون أن
نعطل حدود الله، أو نقطع من السارق ما حرم من دمه ولحمه.
هل يسقط الحد
بالتوبة:
يقول تعالى:
) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ
(المائدة39.
أي من تاب من بعد السرقة ورد المسروق نادما عازما على عدم
العودة للظلم – أصلح- فإن توبته مقبولة. وهذا يقودنا إلى قضية
أخرى كثر الاختلاف فيها، وهي: هل يسقط الحد بالتوبة أم لا؟
لقد قيل بعدم سقوط الحد ولو تاب السارق وأصلح، وقيل يسقط الحد
بالتوبة، ولكل فريق حجته من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله
عليه وسلم- بتأويل خاص:
فالذين قالوا بعدم سقوط الحد بالتوبة اعتبروا أن الأصل هو
إقامة الحد، وأن سقوط الحد بالتوبة استثناء لا غير، وأن الله
تعالى لم يستثن من هذا الحكم إلا حد الحرابة بنص القرآن:
)إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(المائدة:34
.
كما استشهدوا بما ورد في سورة النور عن حدي فاحشتي الزنا، وقذف
المحصنات، عندما قال سبحانه وتعالى بعد أن أثبت إقامة الحد:
)إِلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(آل
عمران:89. كما قال ابن حزم: (لأن الله تعالى لم يسقط الحد
بالتوبة مطلقة، ولو أراد ذلك لقال:" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
" ولم يقل:" مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ "، فلما قال تعالى:
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " بين لنا أن هذه التوبة لا تكون إلا من
بعد الجلد ثمانين، واستحقاق اسم الفسوق ورد الشهادة، لا قبل
الحد بنص القرآن ...) إلى أن قال: (وصح أنه لا يسقط بالتوبة
شيء من الحدود حاشا حد الحرابة الذي ورد النص بسقوطه بالتوبة
قبل القدرة عليهم فقط)-المحلى 8/130-.
أما من قال بسقوط الحد بالتوبة فقد قال عنهم ابن حزم في كتابه
المحلى (8-126): (وقال قوم: إن الحدود كلها تسقط بالتوبة وهذه
رواية رواها أبو عبد الرحمن الأشعري عن الشافعي، قالها بالعراق
ورجع عنها بمصر، واحتج أصحاب هذه المقالة بقول رسول الله – صلى
الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم فخرج يشتد:"
ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ يا هذا لو سترته بثوبك
كان خيرا لك ".
ونحن تبعا لما فهمنا من كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه
وسلم - نذهب هذا المذهب، ونعتقد أن الحد يسقط بالتوبة، وأن عدم
سقوطه في فاحشتي الزنا والقذف هو الاستثناء، وأن التوبة تسقط
الحدود وتجب ما قبلها. وهذا كتاب الله ينطق بالحق بين أيدينا:
·
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ
بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
رَحِيمٌ( (لأعراف:153) .
·
)إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ
يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً( النساء17.
· )ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ
تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(
النحل119.
ثم إن السنة النبوية بينت لنا أن رحمة الله سبقت غضبه، كما ورد
في البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة قال الله تعالى فيما رواه عنه صلى الله عليه وسلم: "سبقت
رحمتي غضبي".
وإقامة الحدود تعتبر انتصارا لغضب الله، وسقوطها بالتوبة من
رحمة الله، ورحمة الله سبقت غضبه، قال تعالى:
)
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
(
الأنعام12 ، وقال تعالى:
)
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء(
الأعراف 156 .
ثم إن آية حد السرقة فصلت في الأمر، وليست محتاجة إلى كل هذه
الشروح، فقد نصت على أن التوبة مسقطة للحد بعد السرقة لا بعد
إقامة الحد، فقال تعالى: ( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه) أي من بعد
قيامه بالسرقة، ولم يقل : ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) كما ورد في
آية الزنا والقذف التي استشهد بها ابن حزم في الموضوع، مما
يدفع استنباط ابن حزم ومن على مذهبه دفعا كاملا.
على أن القول بسقوط الحد بالتوبة مطلقا يفتح بابا خطيرا أمام
دعاة تعطيل الحدود، سواء من جهلة المسلمين، أو من المدسوسين في
صفوفهم ، أو من أعداء الإسلام الظاهرين المتجاهرين، لذلك وجب –
سدا للذرائع وقياما بأمر الله- أن يفهم حكم سقوط الحد بالتوبة
جنبا إلى جنب مع ضرورة إقامة حدود الله فهما متكاملا لا يدفع
أحدهما الآخر، ولا يسقط أحدهما الآخر.
ولو تأملنا النصوص التي يعتمد عليها الفريقان (من يرى سقوط
الحد بالتوبة، ومن يرى عدم سقوطه) وجمعنا بينهما لتبين المخرج
من هذا الاشكال:
ذلك أنه ثبت بالقرآن والسنة وجوب إقامة الحدود:
· )وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( البقرة230.
· )وَالْحَافِظُونَ
لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( التوبة112).
· )تِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا
( البقرة 29.
· )وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ( النساء:14.
· وقال
– صلى الله عليه وسلم- لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ،
والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
·
وقال: (أما بعد، فإنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم
الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد).
· وقال
للمرأة التي قطعت يدها: (أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك).
·
وقال: (كل حد رفع إلي فقد وجب).
كما ثبت بالكتاب والسنة أيضا أن التوبة تسقط الحدود إلا ما
استثنـي بنص كما هو الحال في حدي الزنا والقذف. فقال تعالى:
-
)فَمَنْ
تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ
يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(
المائدة39 .
-
)وَإِذَا
جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ
مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(
الأنعام54) .
- وقال – صلى الله عليه وسلم- : (تعافوا الحدود فيما
بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب).
- وقال لصفوان الذي سرق رداؤه، وأراد ألا يقطع السارق: (هلا
كان ذلك قبل أن تأتيني به).
- وقال لمجموعة من الصحابة بايعوه: (أبايعكم على ألا
تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا...ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به
في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن
شاء عذبه وإن شاء غفر له).
- وقال – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة
الرجم، فخرج يشتد: (ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).
- وقال لهزال الذي أشار على ماعز بالاعتراف: (لو سترته
بثوبك كان خيرا لك).
- وقال – صلى الله عليه وسلم-: ( ادرؤوا الحدود عن
المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام
لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
- وقال: (لا تقطع الأيدي في الغزو).
هذه النصوص لا تتعارض مطلقا مع النصوص الموجبة لإقامة الحد،
لأنها متكاملة معها. لذلك إذا نظرنا في مجموعتي النصوص (مجموعة
إيجاب الحد، ومجموعة التعافي عنه) وفهمناهما فهما متكاملا
تبينت لنا الأحكام التالية:
1- الأصل
هو أن التوبة تسقط الحدود، إلا ما استثنـي بنص، ولكنها التوبة
المقرونة بالإصلاح الذي هو رد المظالم والعزم على الاستمرار في
الاستقامة.
2-
يجب – حفظا لحدود الله- التثبت من صدق التائبين، أو تلاعب
المتظاهرين بالتوبة خوفا من العقاب.
3-
للمتضرر – المسروق منه- أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطة
القضائية.
4- المجتمع
الإسلامي طرف في القضية، يتضرر بشيوع السرقة والخيانة، كما
يستفيد من شيوع خلق الأمانة، وينتفع بإقامة الحدود انتفاعه
بشيوع التراحم والتعافي بين أعضائه. والسارق من جملة هؤلاء
الأعضاء، لذلك يستحب للمجتمع الإسلامي أن يتعافى الحدود بما لا
يؤدي إلى تعطيلها، وهذا مفهوم من خطاب الرسول – صلى الله عليه
وسلم- لأمته: (تعافوا الحدود فيما بينكم)
لكن ذلك يجب أن يكون قبل رفع قضايا السرقة إلى المؤسسة
القضائية التي لا يجوز في حقها التعافي، وما رفع إليها من حد
فقد وجب، وهذا يقتضي من المجتمع الإسلامي أن يضع تقنينات تبين
ما يمكن التعافي عنه من الحالات، كما في المرض المزمن الذي معه
موت السارق إن قطع، وكحالة الحرب التي ينبغي ألا تعطل فيها
الأيدي عن تناول السلاح، وحالات المجاعة التي يختل فيها
الاقتصاد، ويندر فيها تواجد الحاجات. وكحالة بعض ذوي المروءة
والصدق الذين يغرر بهم أو يورطون غفلة منهم...وفي بعض الحالات
الأخرى التي تقدر بقدرها.
5- الشفاعة
في الحدود لا تجوز مطلقا، وذلك لأن الشفيع لا علاقة له
بالموضوع، وليس طرفا فيه. وإنما أطرافه هم السارق والمسروق
منه، والمجتمع الإسلامي، وقبلهم كلهم الله تعالى. والشفيع طرف
غير هؤلاء جميعا، وليس له حق التدخل إلا أن يكون نصيحة أو أمرا
بمعروف أو نهيا عن منكر. ولذلك منع الرسول – صلى الله عليه
وسلم- أسامة من الشفاعة في المخزومية التي سرقت، لكيلا يجترئ
الناس عليها فتتعطل الحدود.
6- إن
من الناس من ستره الله تعالى ولم يقم عليه الحد، فذلك إلى الله
إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن هدي للامتثال لقوله تعالى
) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(
النورلآية31، دخل بإذنه عز وجل في جملة المخاطبين بالآية
الكريمة:
)قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(
الزمر53. انتهى.
ملكية
الأرض في الإسلام
لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
الأرض
معلم من معالم الإيمان
إن
منهجية البحث تفرض علينا أن نبين:
أن هناك أولا حكما موضوعيا شرعيا مجردا،
هو حكم ملكية الأرض في الإسلام، أي في صميم الشريعة الإسلامية
المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة
وأن هناك ثانيا فقها للسلف الصالح في
الموضوع ، هو ما استنبطوه وفهموه وأفتوا به، برغم ما واجههم من
مشاق متعلقة بصعوبات جمع النصوص حينا، وبضغوط الملوك والحكام
حينا آخر،مما جعل بعض أحكامهم تتعارض أو تتفاوت قربا وبعدا من
النصوص.
وأن هناك ثالثا محاولات معاصرة تتأرجح بين
النظام الماركسي والنظام الرأسمالي، وهي كلها محاولات تلفيقية
وردود فعل لأوضاع وقتية آنية، لذلك نجد في أحكامها كثيرا من
التناقض، فالإسلام في نظرها أحيانا يطلق ملكية الأرض إطلاقا
كاملا كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وأحيانا يحددها
بمقادير معينة كما هو في الأنظمة التوفيقية الترقيعية، وأحيانا
يؤمم الأرض ويجعلها ملكا للدولة كما هو في النظام الماركسي،
وكأن الإسلام في نظر أصحاب هذه المحاولات ترك الموضوع
لاجتهادهم المحض، ولم يضع له تشريعا محددا في الكتاب والسنة.
لذلك كان من اللائق والمفيد أن نركز في
هذا البحث على أحكام الإسلام المستمدة مباشرة من الكتاب
والسنة، فإذا ظهر الحكم الشرعي المجرد، وامتد أمام أعيننا الخط
المستقيم بدا لنا عوار من انحرف عنه ذات اليمين أوذات
الشمال..وهذا النهج يقودنا حتما إلى القرآن الكريم وحكمة الله
من خلق الأرض. فلمن خلقت الأرض ؟ ولماذا سخرت ؟
حكمة خلق الأرض وتسخيرها
إن الله سبحانه قد خلق الأرض مسخرة للبشر،
وقدر فيها أقواتها، رحمة بهم، وهداية لهم إلى سبل الرشاد، ثم
دلهم بها على قدرته وربوبيته
ورحمانيته وآلائه، كي يقوموا بما خلقوا له (
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات : 56 .
وآلاء الله الدالة عليه كثيرة لا تحصى،
إلا أن في مقدمتها خلق الأرض وتقدير أقواتها ومستقراتها
ومهادها وتسخيرها؛ بهذا يمن الله تعالى على الإنسان ويدعوه إلى
التأمل والتدبر والمعرفة والعبادة والشكر:
( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين
)َ فصلت: 9.
(
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا
تَشْكُرُونَ ) الأعراف: 10.
فالله الذي خلق، والله الذي رزق، هو الذي
يستحق العبادة وهو الذي يحق له أن يبصرنا بفضله علينا، وفي
مقدمة هذا الفضل تسخير الأرض وجعلها لنا بساطا ومهدا ومستقرا
ومصدرا للرزق الكريم:
(
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي
الأَرْضِ جَمِيعاً )ٌ البقرة : 29
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك : 15
( وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ،
فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ
ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ ) الرحمن: 10/11
(
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ
شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ) طه 53.
(
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ
فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ
تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة:
22 .
( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء
فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ
أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ
قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا
وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ
اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) النمل 60/61 .
هذه هي الأرض في المفهوم القرآني ، خلقت
معلما من معالم الطريق إلى معرفة الله سبحانه .
وضعت للأنام ، وذللت لهم، وسخرت لمنفعتهم
قرارا ، ومهدا ، وفراشا ، ومصدرا للرزق، لكل فرد منهم فيها حق
معلوم ، يكفي حاجته ، وليس لأي كان أن يمنع غيره من حاجته(...
أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) النمل :
62 .
ومن تجرأ على منع الناس من حقهم في الأرض
سكنا، أو استقرارا، أو استثمارا حسب حاجاتهم فقد منعهم من
معرفة ربهم، وحجب نور الإيمان عنهم ، وصادر دليلا من أدلة وجود
الله ورحمانيته وقيوميته على خلقه، وهو بذلك محارب لله ولرسوله
، مضل للخلق وهاديهم إلى نار جهنم فهو والشيطان سواء ...
على هذا دلت النصوص القرآنية، وإلى هذا وجهت
السنة النبوية، وارجعوا إلى قرآن ربكم العظيم وسيرة نبيكم
العطرة تتأكدوا...
والأمر لا يقتصر على الإنسان وحده، فلكل
دابة مما سوى الإنسان حاجتها من الأرض طعاما ومشربا ومستقرا:
(
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ
فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
) هود : 6 .
وقد
قص النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم على
أصحابه قصة الرجل الذي وجد في الصحراء كلبا
يلهث يأكل الثرى من العطش فذهب إلى البئر ونزع
خفه فملأها ماء حتى روي الكلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
فشكر الله له فغفر له، كما أخبر عن سبب دخول امرأة النار
فقال:( دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي
تركتها تأكل من خشاش الأرض ).
ويضرب الله لنا الأمثال في هذا .. (إِنَّ
اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً
فَمَا فَوْقَهَا ).. ناقة الله ، آية لقوم صالح ، يرمز بها إلى
حق الحيوان في الأرض مطعما ومشربا:
( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ
غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ
نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ
اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) الأعراف : 73 .
( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ
وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ، وَلَا تَمَسُّوهَا
بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، فَعَقَرُوهَا
فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ )
الشعراء : 155/158 .
هذا الرمز القرآني المبين، والإشارة
الربانية العظيمة والمثل الإلهي الواضح الموضح لحق كل الخلق في
الأرض، وتلك التصريحات الربانية المحكمة التي تبين ملكية الناس
لحاجاتهم ومنافعهم، تعززها السنة النبوية قولا وعملا
وإقرارا...
هل رعاها الناس حق رعايتها ؟ هل التزموا
بتطبيقها وممارستها ؟ هل نظموا شؤون حياتهم على هديها؟ .
إن الواقع البشري يجيب بالنفي على هذه
التساؤلات ...
( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً
غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
) البقرة : 59 .
فذاقوا وبال أمرهم شقاء وتعبا وجوعا، مسغبة
وتقاتلا؛ ومن أعرض عن ذكر الله ومنهجه فإن له معيشة ضنكا.
لقد انتقم الله من ثمود قوم صالح لاعتدائهم
على ناقة، فكيف بعقاب من اعتدى على الإنسان، بالتجويع والتشريد
والامتهان، وهو الذي كرمه ربه وتكفل برزقه وهدايته (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا
)
الإسراء 70.
يبحث الفرد العادي عن سكن وليس له مال فلا
يجد، يبني عشا من قش في حي للصفيح فيتهم بالإساءة إلى جمال
المباني أو بالاعتداء على أرض الغير أو بتأسيس محضن للإرهاب،
يحاول استنبات الأرض طلبا للطعام فيمنع لأن الأرض ليست له،
ويحاول النوم في الشارع فتطارده الشرطة بدعوى أنه مشرد ، ويتجه
إلى الغابة أو كهوف الجبال ليستقر فيها فيتهم بالتمرد والثورة
ويعتقل ... يرفع عينيه إلى السماء ويتساءل : أين الأرض التي
سخرت لنا أيها الرب الكريم؟ أين الرزق الذي يسرت لنا أيها الرب
الرحيم؟ أين الأرض التي جعلتها معلما من معالم الهداية إليك
أيها الإله العظيم؟.
هكذا يجد محتكرو الأرض أنفسهم في مواجهة مع
ربهم، فالله تعالى دل خلقه على ألوهيته ووحدانيته بتسخير الأرض
لهم، وهؤلاء المحتكرون استولوا على الأرض وادعوا ملكيتها
واستعبدوا بها الخلق وحولوا وجهتهم عن طريق الله ، فلا ينام
شخص إلا بإذنهم ، ولا يرزق إلا بموافقتهم ، ولا يطعم إلا
برضاهم ، وبذلك ادعوا صفة من صفات الله، وجعلوا من أنفسهم
أندادا له سبحانه وتعالى.
هذا عين ما فعله فرعون الظالم :
(
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ
يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ
تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الزخرف : 55 .
(
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا
الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص :
38 .
( فَحَشَرَ فَنَادَى ، فَقَالَ أَنَا
رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات : 24 .
فثمود قوم صالح قديما، وفراعنة مصر من
بعدهم، وقارون بني إسرائيل من بعد ذلك، ومحتكرو الأرض والثروة
والأرزاق في هذا العصر كلهم غيروا نظام الأرض، وأعلنوا أنفسهم
أندادا لله، وهو عين ما حذر منه ربنا سبحانه، في مجال حديثه عن
الأرض وتسخيرها ثم عقب على ذلك بقوله:
(فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة : 22 .
( وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا
لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) إبراهيم30.
فكان عاقبة تبديلهم قولا غير الذي قيل
لهم، ونظاما غير الذي وضع لهم الجوع والفقر ونقص من الأموال
والأنفس والثمرات.
(وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ
جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن
سِدْرٍ قَلِيلٍ ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ
نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) سبأ : 16/18.
ثم
جاءت رسالة الإسلام لتصحيح الأوضاع، وإعادة البشرية إلى نظام
فطرتها الأولى في عقيدتها وشعائرها وشرائعها، في الاجتماع
والاقتصاد والسياسة والحكم والقضاء ...
ولم يكن موضوع الأرض بالأمر الهين الذي يترك لاجتهاد
البشر ، أولم ينظمه الوحي أولم تنزل من أجله الآيات البينات ؛
لاسيما وهو متعلق بأمرين :
متعلق بالعقائد، لأنه معلم من معالم الإيمان.
ومتعلق بأرزاق الناس، لأن الله سبحانه تعهد بضمانها
وتوفيرها.
إن الإسلام الذي نظم أدق الأشياء في حياتنا وأصغرها
كإماطة الأذى عن الطريق، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، ما كان
ليترك موضوعا خطيرا كموضوع الأرض، متعلقا بدنيا الناس وآخرتهم
بدون تشريع أو تنظيم ، فكيف كان تشريعه في هذا المضمار؟، وكيف
أعاد البشرية إلى نظام الفطرة الأولى؟
إن التشريع الإسلامي عودنا أسلوبين في معالجة قضايا
الإنسان المادية والمعنوية...
في موضوع العقائد أمرنا بالتحول من الكفر إلى الإيمان،
ومن الشرك إلى التوحيد طفرة واحدة، بدون تدرج، لأن الأمر متعلق
بالقلوب والعقول والاقتناع؛ أما في ميدان الماديات، والإنسان
متعلق بها وقد زينت له (زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)
آل عمران : 14 فإن الله سبحانه وتعالى قد سلك بنا فيها سبل
التدرج ، من السهل إلى الصعب ، إلى الأصعب، من البسيط إلى
المركب، من السفح إلى النجد إلى العقبة، وما أدراك ما العقبة.
نفس الأسلوب اتبع عند تحريم الخمر والنفس متعلقة بها،
فثمرات النخيل والأعناب رزق حسن، ولكنه يستخدم أحيانا لغير ما
خلق له، سكرا وتغييبا للعقول :
(وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ
وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)
النحل : 67.
ثم إن الخمر إثمه أكبر من نفعه (يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن
نَّفْعِهِمَا) البقرة :219
والخمر بعد ذلك لا تجوز به الصلاة (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ
وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ)
النساء : 43 .
والخمر في نهاية المطاف حرام مطلقا (إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ) المائدة 90.
نفس الأسلوب اتبع عند تصفية الرق ونظامه، بإغلاق روافده،
وفتح أبواب تصفيته بالعتق والكفارة والتطوع والمكاتبة ...
كذلك الشأن في موضوع الأرض وهو أشد خطورة وأكبر شأنا من
قضيتي الخمر والرق.
إن التشريع الإسلامي سار متدرجا عند إعادته لعلاقة الناس
بالأرض إلى وضعها الطبيعي الفطري ...
دعاهم أولا إلى الإسلام، ثم عاملهم بما يناسب نوع
استجابتهم للدعوة، وقسمهم إلى فئات:
- فئة أسلمت على أرضها.
- فئة رضخت للصلح على شروط.
-
وفئة حاربت وانهزمت.
ثم بعد ذلك نزلت التشريعات الموحدة للحكم الشرعي
في موضوع الأرض، مبينة في وضوح تام لكل من تتبع مسيرة التشريع
الإسلامي وخط سيره في هذه القضية، أنه يهدف دائما إلى غاية
رئيسية أساسية هي أن تعود للأرض صبغتها الأولى، ومهمتها التي
خلقت من أجلها، أن تعود الأرض مهدا ومستقرا ومصدرا لرزق الجميع
سواسية، ومعلما من معالم الإيمان بالله ووحدانيته وقيوميته على
خلقه.
وقد ميز التشريع الإسلامي بادئ ذي بدء بين نوعين من الأرض
:
1 - نوع ضرب على أيدي محتكريه ووضع بيد المسلمين عامة،
مباشرة وبدون تدرج، وهو أرض العنوة، والأرض الصوافي والعادية.
2 - ونوع آخر أقر أصحابه على ملكيتهم له مرحليا ، ثم أعيد
بالتدريج إلى وضعه الطبيعي الفطري كالنوع الأول بواسطة
التشريعات النبوية المنظمة للاستغلال والاستثمار والتصرف، وهو
الأرض الموات إذا أحييت ، والأرض التي أسلم عليها أهلها، أو
صالحوا عليها ، أو عطلوها فأحياها غيرهم.
ونتناول كل واحد من هذين النوعين بالتفصيل والبيان :
أولا
: أرض للمسلمين عامة إلى يوم القيامة :
وهي الأرض التي وضعت مباشرة وبدون تدرج، بيد المسلمين
عامة جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، يأخذ منها كل واحد حاجته ،
وما فضل من ذلك ينفق في المصالح العامة للأمة، وهي أرض العنوة
وأرض الصوافي والأرض العادية:
أرض العنوة:
وتسمى أرض الفيء، من قوله تعالى : (
مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى
فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الحشر : 7، كما تسمى أرض
الخراج من قوله تعالى : ( أَمْ
تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ) المؤمنون : 72، وهي كل أرض فتحها
المسلمون عنوة بالسيف والغلبة.
وأكثر بلاد المسلمين عربا وعجما فتحت عنوة :
بلاد العرب من المحيط إلى الخليج باستثناءات قليلة جدا
فتحت عنوة : الشام بما فيه سورية ولبنان ، فلسطين والأردن
باستثناء بعض المدن ، والحجاز باستثناء المدينة المنورة ، ونجد
والعراق ومصر والمغرب العربي كله (موريتانيا، المغرب ، الجزائر
، تونس ، ليبيا ، والصحراء الكبرى) كلها فتحت عنوة .
بلاد العجم كذلك باستثناءات قليلة فتحت عنوة، فإيران
وباكستان والهند وأفغانستان وما جاورها كلها فتحت عنوة،
والسنغال ومالي والنيجر إلى بحيرة تشاد نالها الفتح المنطلق من
مراكش في العهدين المرابطي والموحدي.
كل هذه الأراضي وما في حكمها تعتبر ملكا لعموم المسلمين
جيلا بعد جيل، إلى يوم القيامة، بحيث يحرم تمليكها للأفراد أو
المؤسسات مهما كان نوع التملك وشخص المتملك، وهذا الحكم مأخوذ
من القرآن الكريم ، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمعت
عليه الأمة، وحكم به الخلفاء الراشدون.
أما حكم القرآن الكريم فمأخوذ من قوله تعالى في سورة
الحشر( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء
مِنكُمْ...) إلى قوله تعالى (لِلْفُقَرَاء
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ
هُمُ الصَّادِقُونَ ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ
وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ ..) إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ
جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ..)
.
أما سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه عندما خصه
القرآن بأرض بني النضير التي أجلي عنها أصحابها بدون قتال في
قوله تعالى (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن
يَشَاء..) كان يأخذ منها نفقة سنة له ولأهله ثم يجعل
الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، وفي نهاية الأمر
جعلت لابن السبيل صدقة، وقد أخرج البخاري في صحيح عن مالك بن
أوس بن الحدثان عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء
الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كانت
لرسول الله صلى الله
عليه وسلم خالصا ينفق على أهل بيته، قال ابن عبدة: ينفق على
أهله قوت سنة فما بقي جعل
في الكراع وعدة في سبيل الله عز وجل.
أما أرض خيبر فقد ورد في خراج أبي يوسف ـ ص 50 – 51 أن
الرسول صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أهل خيبر بالنصف فكانت في
أيديهم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة أبي بكر
وعامة ولاية عمر، كما نزل أهل فدك للنبي صلى الله عليه وسلم
على ما نزل عليه أهل خيبر، على أن يصونهم ويحقن دماءهم فأقرهم
صلى الله عليه وسلم على مثل معاملة أهل خيبر، فكانت فدك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لم يوجف عليها المسلمون
بخيل و لا ركاب. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما
سيكون من وضع المسلمين الخراج على أراضي العنوة وتركها وقفا
عليهم إلى يوم القيامة، وهذا من أعلام النبوة كما قال الشوكاني
في نيل الأوطار 8/17.
وقد قال القرطبي ـ 8/4 ـ عند شرحه للآية 41 من سورة
الأنفال (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ): (ومما يصحح هذا المذهب ما
رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: منعت العراق
قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مديها
ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها ثم عدتم من
حيث بدأتم، قالها زهير ثلاث مرات، شهد
على ذلك لحم أبي هريرة ودمه )
قال الطحاوي: " "منعت" بمعنى : ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا
تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا
درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء
والله تعالى يقول : ( وَالَّذِينَ
جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ) بالعطف على قوله : (
لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ).
ويقول الشوكاني: نيل الأوطار 8/17 : "قد علم عليه السلام
بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك
بل قرره لهم وحكاه لهم".
وأما إجماع الأمة فقد تم عندما جمع عمر بن الخطاب
المسلمين للمشورة في قسمة أرض العراق التي فتحت عنوة، ثم
خاطبهم قائلا: ( إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي، فيما
حملت من أموركم وإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق،
خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا
الذي هواي فيه، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت
نطقت بأمر أريده، ما أريد به إلا الحق ).
ولما قاطعه بعض الصحابة وأرادوا أن تقسم الأرض رد عليهم
قائلا: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت
وورثت عن الآباء وحيزت ؟ ما هذا برأي..
فيتساءل عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض إلا مما
أفاء الله عليهم. ..
ويطالب بلال وعمرو بن العاص والزبير بن العوام بالقسمة.
ويطالب علي بن أبي طالب وعثمان ومعاذ بن جبل وطلحة بن
عبيد الله وأبوعبيدة وعبد الله بن عمر بألا تقسم، وأن تبقى
للمسلمين جميعا، ويجمع الأنصار كلهم على ألا تقسم، ويحسم عمر
بن الخطاب الخلاف وقد هداه الله إلى الدليل من القرآن ـ كما
ورد في عدة مصادر بعدة صيغ ـ فيقول : قد بان لي الأمر وقد وجدت
حجة من كتاب الله :
قال تعالى : ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ
مِنْكُم ) الحشر 7ثم قال (
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ
هُمُ الصَّادِقُونَ )الحشر 8 ثم لم يرض حتى خلط بهم
غيرهم فقال : (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا
الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ
هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَة) الحشر 9 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم
فقال : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا)
الحشر 10 فكانت هذه لمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ؛ فقد صار
هذا الفيء بين هؤلاء جميعا ، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف
بعدهم بغير قسم ، استوعبت هذه الآيات الناس كلهم فلم يبق أحد
من المسلمين إلا وله فيها حق،قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء،
لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها
جبينه).
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ( وتركها وقفا تجري غلتها
على المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير
الوارثين )
وفي نهاية جلسة الشورى التي عقدها عمر وافق جميع المسلمين
الحاضرين على ألا تقسم الأرض، معتمدين في حكمهم على آيات الفيء
من سورة الحشر التي استدل بها عمر.
وأما حكم الخلفاء الراشدين فهو ما فعله عمر وأقره عثمان
بن عفان في زمن حكمه، وطبقه علي في خلافته وسار عليه كل
الملتزمين بالحق والعدل من بعدهم بما في ذلك عمر بن عبد العزيز
رحمه الله.
وهو عين ما فهمه المفسرون لكتاب الله والفقهاء من بعد
ذلك:
يقول الطبرسي في مجمع البيان:( يعني"
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ..
" من بعد المهاجرين والأنصار، وهم جميع التابعين لهم إلى يوم
القيامة ).
يقول البيضاوي في أنوار التنـزيل ص : 464 : (وَالَّذِينَ
جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا )
الحشر 10 هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل
إن الآية استوعبت جميع المؤمنين ).
ويقول صديق حسن خان في فتح البيان: ( والظاهر
شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم
في عصر النبوة ومن تبعهم بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة )
ويقول القاسمي "محاسن التأويل": ( روى ابن
جرير أن عمر قرأ : (إِنَّمَا
الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
عَلَيْهَا) التوبة60 حتى بلغ (وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ثم قال : هذه لهؤلاء ثم قرأ : (وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الأنفال 41، ثم
قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : (مَا
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى
فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) الحشر 7
إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا
مِنْ بَعْدِهِم ) الحشر 10، ثم قال: استوعبت هذه الآية
المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت
ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه).
هذه هي الآية الكريمة التي أفحم بها عمر
معارضيه، فامتثلوا وخضعوا لحكم الله دون أن يترضاهم عمر كما
زعم بعض الفقهاء.
وهي محكمة غير منسوخة، ومن ذهب إلى أنها
منسوخة بآية الأنفال فهو مخطئ، لأن الأنفال نزلت في غزوة بدر،
وهذه نزلت بعد بدر بستة شهور عقب فتح أرض بني النضير.
قال سليمان العجيلي في كتابه الفتوحات
الإلهية: ( قال البقاعي: ومن زعم أن شيئا من هذه السورة (سورة
الحشر) نسخ بشيء من سورة الأنفال فقد أخطأ لأن الأنفال نزلت في
بدر، وهي قبل هذه بمدة ).
وهكذا نرى أن أرض العنوة لم تترك قسمتها
اقتناعا بتبريرات عمر، ولا لأنه ترضى معارضيه وأقنعهم
باجتهاده، وإنما لأنه احتج عليهم بالآية من القرآن الكريم، وما
كانوا ليخالفوا آياته وهم يعلمون.
يقول الجصاص : ( وافق عمر كل الصحابة ،
واتفقوا جميعهم، ولم ينازعوه عندما احتج عليهم بالآية ، وسلم
له الجميع برأيه ، ثم لم يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من
الأئمة الصالحين بالفسخ..) .
يقول ابن القيم في نيل الأوطار: (جمهور
الصحابة على أن أرض العنوة لا تقسم وتكون وقفا على مصالح
المسلمين، وهو الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين ) .
يقول العسقلاني ـ فتح الباري في شرح البخاري
ج6/123 : (فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق
بأرضه ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه للمسلمين، لأن أهل
العنوة غلبوا على أموالهم ، بخلاف أهل الصلح في ذلك).
ونستعرض فيما يلي آراء المذاهب الإسلامية في
الموضوع:
المذهب
المالكي
يعتبر مالك وأصحابه أشد الفقهاء صرامة وحزما
في موضوع أرض العنوة كما ذكر أبو يعلى في كتابه الأحكام
السلطانية: ( يقول مالك: أرض العنوة تصير وقفا على المسلمين
حين الاستيلاء عليها، ولا تجوز قسمتها بين الغانمين ) وكما ذكر
ابن حزم في المحلى: ( ويقول مالك: توقف الأرض ولا تقسم ولا
تكون ملكا لأحد).
ويقول عبد الرحمن المجاصي في كتاب التيسير
والتسهيل في ذكر ما أغفله خليل: (إن من استغل أرض العنوة دون
خراج ، ملكا أو غلة فقد اغتصب حق المسلمين وأكل الحرام) .
وفي الموطأ ـ كتاب الجهاد ـ قال مالك: (وأما
أهل العنوة الذين أخذوا عنوة، فمن أسلم منهم فإن أرضه وماله
للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئا
للمسلمين).
وجاء في كتاب " كفاية الطالب الرباني لرسالة
ابن أبي زيد القيرواني :
(وأما الأرض فلا تخمس و لا تقسم على المشهور
بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ) .
ويقول العدوي في حاشيته على نفس الكتاب : (أي
أنها بمجرد الاستيلاء عليها تصير وقفا ولا تحتاج لحكم حاكم) .
المذهب
الحنفي
أما أبو حنيفة فيرى أن الإمام مخير بين الوقف
والقسمة، وإلى ذلك ذهب كثير من أتباعه، يقول علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" ـ 7/119ـ (أما الأراضي المغنومة
فللإمام فيها خياران: إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين الغانمين
لما بينا، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة). ثم
يعترف بأن ما فعله عمر أجمع عليه المسلمون فيقول: (ولنا إجماع
الصحابة رضي الله عنهم ، فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح
سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم وضرب على رؤوسهم الجزية
وعلى أراضيهم الخراج بمحضر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم
ينقل أنه أنكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم ).
وجاء في حاشية المختار لابن عابدين 4/138
(أن تخيير الإمام بين ما ذكر مخالف لإجماع الصحابة على ما فعله
عمر) .
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في كتابه
الخراج ص 27: (والذي رأى عمر من الامتناع من قسمة الأرضين بين
من افتتحها، عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك
توفيقا من الله كان له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع
المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين،
عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في
الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تقو الجيوش على السير
في الجهاد).
كما نجد اثنين آخرين من أهم فقهاء الأحناف،
هما الجصاص والطحاوي يريان رأي عمر في القسمة ويخالفان ما ذهب
إليه أبو حنيفة إمام مذهبهما.
ونحن نرى أن مبدأ تخيير الإمام بين الوقف
والقسمة مردود من ثلاثة أوجه:
أولها أن القضية ليست موضع اجتهاد ، لأن فيها
نصا من القرآن الكريم، ولا اجتهاد مع النص.
وثانيها أن أئمة المسلمين الذين لا شبهة على
شرعيتهم وهم الخلفاء الراشدون، قد قرروا في الأمر طبقا لأحكام
القرآن فلم يقسموا الأرض وتركوها وقفا على أجيال المسلمين إلى
يوم القيامة، وأجمع المسلمون على حكمهم ولم يتعقبه أحد بالنقض
وثالثها أن أمر الأرض لو ترك افتراضا
للاجتهاد فلن يكون أمرا للإمام ينوب فيه عن الأمة، وإنما سيكون
أمرا للأمة تبث فيه بما يوافق مصلحتها ولا يعارض شريعتها.
المذهب
الحنبلي
وقد اختلفت الروايات عن إمام هذا المذهب،
فتارة ينقلون عنه أنه يرى رأي المالكية وتارة ينقلون عنه أنه
يرى رأي الأحناف، وتبعا لتعدد الروايات فقد اختلف أصحابه في
الموضوع، والصواب أن يعودوا إلى كتاب الله وأحكام سورة الحشر.
المذهب
الشافعي
ورأيهم أن الأرض لا توقف، وإنما تجب قسمتها،
ويبررون ما فعله عمر بأنه ترضى في ذلك الفاتحين واستطاب قلوبهم
لعدم القسمة فوافقوه، ولكن هذا الرأي مردود، لأن عمر لم يترض
معارضيه ، ولكن واجههم بالحجة من القرآن وأيده أئمة الصحابة،
علي وعثمان وأمثالهما، فامتثلوا لحكم الله ولم يكن لهم إلا ذلك
.
المذهب
الشيعي
أئمة الشيعة كذلك يرون أن الأرض المفتوحة
عنوة وقف على جميع المسلمين، وقد ورد في كتاب "المبسوط في فقه الإمامية" للطوسي قوله: ( والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأرض
وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة، أن يكون خمسها لأهل الخمس،
وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة، الغانمين وغير الغانمين
في ذلك سواء ... وليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شيء، بل هم
والمسلمون فيه سواء، ولا يصح بيع شيء من هذه الأرض ولا هبته
ولا معاوضته ولا تمليكه، ولا إجارته ولا إرثه..ومتى فعل شيء من
ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الأصل)، ويقول أيضا: ( ظاهر
المذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بالسيف ثم
أمنهم بعد ذلك ، وإنما لم يقسم الأرض والدور لأنها لجميع
المسلمين ، كما نقول في كل ما يفتح عنوة ) .
ويقول المحقق الحلي جعفر الهذلي في (شرائع
الإسلام) ص: 152: (كل أرض فتحت عنوة وكانت محياة، فهي للمسلمين
قاطبة والغانمون في الجملة، والنظر فيها للإمام، ولا يملكها
المتصرف على الخصوص، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، ويصرف
الإمام حاصلها في المصالح، مثل الثغور ومعونة الغزاة وبناء
القناطر).
الحكم
الشرعي في أرض العنوة
بعد هذا العرض الموجز لمواقف المذاهب
الإسلامية من هذه القضية، نخلص إلى الحكم الشرعي المبني على
القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع، وهو أن أرض العنوة
مشتركة بين عموم المسلمين، لا تملك لفرد أو مؤسسة أو دولة أو
ملك أو رئيس، لا تباع ولا تشترى ولا ترهن ولا تورث وكل تصرف
فيها بهذا يعد باطلا.
وقد اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات
فقال له عمر بن الخطاب: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. فلما
اجتمع المسلمون عند عمر قال له: هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم
شيئا ؟ قال: لا، قال عمر: فارددها على من اشتريتها منه وخذ
مالك.
أرض الصوافي والأرض العادية:
أرض الصوافي هي الأرض التي أصفاها المسلمون
للجبابرة من الملوك والقياصرة والأكاسرة. ولمن هرب من سلطة
المسلمين ملتحقا بدار الحرب، ولأملاك العدو المنسحب عنها
التارك لها بدون قتال، مثل أراضي بني النضير التي قال الله
سبحانه وتعالى فيها: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ
مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا
رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ
يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) الحشر 6.
أما الأرض العادية فهي كل أرض كان لها أهل في
آباد الدهر فانقرضوا ولم يبق منهم أحد وسميت عادية نسبة إلى
قوم عاد لتقادم عهدهم، وقد روي في شأنها حديث أرسله طاووس عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (عادي الأرض لله وللرسول
ثم لكم من بعدي ) سنن البيهقي الكبرى.
وعلى هذا فأرض الصوافي والأرض العادية
للمسلمين عامة، لا يتملكها الأفراد أو المؤسسات أو الدولة
وإنما يتصرف فيها كما يتصرف في أرض العنوة.
أما ما عرف في الفقه الإسلامي بأرض الإقطاع،
فهو ما تقطعه الدولة من أرض الأمة للأفراد لتغطية حاجاتهم من
الرزق والسكن، ولا يملك من تسلمها إلا حق استغلالها، فلا
يبيعها ولا يكريها ولا تورث عنه، وللأمة حق انتزاعها منه كلها
أو بعضها، وقد ورد في "خراج يحيى" ص 93 أن الرسول صلى الله
عليه وسلم أقطع بلالا بن الحارث أرضا شاسعة، فلما ولي عمر قال
له:( يا بلال إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا
طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يكن يمنع شيئا يسأله، وأنت لا تطيق ما في يدك) فقال بلال: أجل،
قال عمر:( فانظر ما قويت عليه منها فامسكه وما لم تطق وما لم
تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين ) فقال بلال: لا
أفعل والله شيئا أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال
عمر:( والله لتفعلن ) وأخذ منه عمر ما عجز عن عمارته وقسمه بين
المسلمين.
ثانيا : أرض أقر عليها أصحابها مرحليا
أما الأرض التي أقر عليها أصحابها في إطار المرحلية والتدرج،
فثلاثة أصناف هي:
1 – أرض أسلم عليها أصحابها فأقرهم
الإسلام عليها تكريما لهم وتشجيعا على اعتناق الإسلام ، مثل
أرض المدينة المنورة دون ما حولها، واليمن والبحرين، وهو السنة
العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته من أسلم على
أرضه.
2 – أرض فتحها المسلمون صلحا، فهي على
شروط عقد الصلح مع الأعداء، إن صولحوا على أن أرضهم لهم وفي
لهم بعهدهم، أما إذا صولحوا على أن الأرض للمسلمين ولهم السكن
وعلى أعناقهم الجزية، كان حكمها حكم الأرض المغنومة.
3 – أرض موات، وهي التي لم تكن ملكا لأحد،
ولا حقا خاصا له، وليست في أرض عنوة أو من مرافق الأمة مرعى أو
محتطبا أو أرض ملح أو نفط أو معادن، أو ما لا غنى للمسلمين
عنه، كما يدخل في حكمها الأرض المعطلة المملوكة التي عطلها
مالكها لمدة تضر باقتصاد المسلمين حددها عمر بثلاث سنوات.
وحكم هذه الأرض أنها لمن أحياها تشجيعا من
الشرع على الزراعة والعمل والإنتاج، ويعتبر ذلك تطبيقا
لتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم المتعددة ومنها:
ما أخرجه أبو داود أحمد والترمذي ( حدثنا
محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن
وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: من أحيى أرضا ميتة فهي له ) قال أبو عيسى هذا حديث حسن
صحيح
وأخرج البخاري ( حدثنا يحيى بن بكير حدثنا
الليث عن عبيدالله بن أبي جعفر عن محمد بن عبدالرحمن عن عروة
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من
أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق، قال عروة قضى به عمر رضي الله
عنه في خلافته
ورأى ذلك علي رضي الله عنه في أرض
الخراب بالكوفة، وفي رواية للنسفي: ( في أرض بالكوفة موات )
وقال عمر: (من أحيا أرضا ميتة فهي له ) .
قال صاحب فتح الباري: ( فتصير بذلك ملكه
سواء كانت في ما قرب من العمران أم بعد سواء أذن الإمام له في
ذلك أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور ).
التقييدات الواردة على هذا الإقرار
لكن التشريع الإسلامي لم يكتف بهذه
الخطوة التي أراد بها تأليف القلوب وتحبيب الإسلام للناس،
وحثهم على العمل والإنتاج.
فما أن استقرت العقيدة في النفوس وارتبط
الناس بربهم، وتخلوا عن التعلق بالأموال والأولاد وقويت شوكة
الإسلام، حتى خطا بهم الشارع خطوات حاسمة نحو الوضع الطبيعي
الذي يريده الله للأرض، وهو أن تكون مهدا ومستقرا ومصدرا
للرزق، جميع الناس فيه سواء، وأن تكون لهم معلما ونبراسا ينير
طريق الهداية والتوحيد، ودليلا على وحدانية الله وألوهيته
وقيوميته.
وتصدر التقييدات النبوية على ملكية
هذه الأصناف الثلاثة تباعا وتدرجا:
1 – فهذه الأرض التي أقروا عليها لا يجوز
كراؤها، وليس لصاحبها إلا أن يزرعها أو يمنحها أخاه بدون مقابل
أو يمسكها.
وقد روى البخاري عن رسول الله – صلى الله
عليه وسلم - : (من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه
فإن أبى فليمسك أرضه، وفي رواية أخرى
فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها
أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه ) .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن
رافع ابن خديج قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما
تصنعون بمحاقلكم (
مزارعكم)؟ قالوا : نؤجرها على الربع وعلى
الأوسق من التمر والشعير قال : لا
تفعلوا.
وقد ترك عبد الله بن عمر كراء الأرض لهذا
الحديث، وكان لا يكريها.
والأحاديث النبوية في نفس الموضوع كثيرة
منها ما أخرجه البخاري ( حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا
الأوزاعي عن عطاء عن جابر رضي الله عنهم قال كانوا يزرعونها
بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم :من كانت
له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه، وقال
الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية عن يحيى عن أبي سلمة عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك
أرضه، وأخرج مسلم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال كنا
نخابر على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم فذكر أن بعض عمومته أتاه
فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله
أنفع لنا وأنفع، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض
فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا
يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى.
وفي هذا يقول ابن حزم في المحلى 5/190: (
ولا تجوز إجارة الأرض أصلا، لا للحرث فيها ولا للغرس فيها ولا
للبناء عليها ولا لشيء من الأشياء أصلا، لا لمدة مسماة قصيرة
ولا طويلة، ولا لغير مدة مسماة، لا بدنانير ولا بدراهم ولا
بشيء أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا ).
قال طاووس والحسن البصري – شرح النووي على
مسلم -: (كراء الأرض لا يجوز بكل حال، سواء أكراها بطعام أو
ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها، لإطلاق حديث النهي عن كراء
الأرض).
وعلى هذا فكل من أقر على أرضه بالإسلام أو
الإحياء أو بعقد الصلح، ليس له أن يؤاجر أرضه أو يكريها، وإنما
له فقط أن يزرعها فإن عجز منحها أخاه، فإن لم يفعل أمسك أرضه،
فإن أمسك أرضه طبق عليها أحد حكمين شرعيين:
أولهما: أن تدخل في حكم الأرض المعطلة
فإذا احتاج إليها غيره واستولى عليها فهي له، وبهذا حكم عمر
وعلي رضي الله عنهما.
جاء رجل إلى علي كرم الله وجهه فقال: (
أتيت أرضا قد خربت وعجز عنها أهلها فحفرت أنهارا وزرعتها، قال:
كل هنيئا وأنت مصلح غير مخرب ). وقال عمر: (من عطل أرضا ثلاث
سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له).
ثانيهما: إذا أمسك أرضه ولم يزرعها ولم
يمنحها أخاه ولم يحتج إليها أحد، تحولت مرعى عاما للمسلمين
كافة، لأن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار. وقد ورد في
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أخرجه أحمد قال: حدثنا
هارون حدثنا ابن وهب قال: سمعت حيوة يقول: حدثني حميد بن هانئ
الخولاني عن أبي سعيد مولى غفار قال: سمعت أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبيعوا فضل الماء
ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال؛ كما نهى الرسول
صلى الله عليه وسلم عن أن يحميها صاحبها أو يمنعها، بقوله: (لا
حمى إلا لله ولرسوله) البخاري وأبو داود وأحمد .
2 2
- وهذه الأرض لا يتاجر فيها طبقا لحديث نبوي
أخرجه مسلم قال: حدثني حجاج بن الشاعر حدثنا عبيد الله بن عبد
المجيد حدثنا سليم بن حيان حدثنا سعيد بن ميناء قال: سمعت جابر
بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من
كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا تبيعوها.
وأخرج البخاري وأحمد: حدثنا آدم حدثنا شعبة عن
إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب
نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا
ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت
به ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له فقال: إن المسلم
ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب
وروى أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد حدثنا
محمد بن أبي المليح الهذلي حدثني رجل من الحي أن يعلي بن سهيل
مر بعمران ابن حصين فقال: له يا يعلي ألم أنبأ أنك بعت دارك
بمائة ألف؟ قال: بلى قد بعتها بمائة ألف، قال: فإني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: من باع عقدة مال سلط الله عز
وجل عليها تالفا يتلفها.
وروى أحمد أيضا: حدثنا وكيع حدثني إسماعيل بن
إبراهيم يعني ابن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن سعيد بن حريث
أخ لعمرو بن حريث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من
باع دارا أو عقارا فلم يجعل ثمنها في مثله كان قمنا أن لا
يبارك له فيه.
وقد أنار الله بصيرة أبي عبدالله محمد بن
الحكم الترمذي فعقب على الحديث في كتابه نوادر الأصول ص 67
قائلا:
( وإنما نزعت البركة من ثمن العقار، لأنه
مخالف لتدبير الله تعالى، لأن الله خلق الأرض وجعلها مهادا
ومسكنا لا ليتجر فيها، وجعل الجبال أوتادا وبارك فيها وقدر
فيها أقواتها وجعل أثمان الأشياء في الذهب والفضة، فإذا اتجر
فيما خلق له بورك له فيه وإذا اتجر فيما خلق مهادا ومسكنا نزعت
عنه البركة، ولهذا سماه عقدة لأنه مهاد لك قد عقد مسكنا ).
3 – وهذه الأرض ليس لصاحبها منها ومن
إنتاجها إلا ما يكفي حاجته وحاجة أهله، وما فضل عن ذلك فهو
حاجة غيره من الناس، لا يجوز له أن يمنعه إياه، وإلى هذا يشير
القرآن الكريم : (خُذِ الْعَفْوَ
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
الأعراف 199، ( وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا
يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) البقرة 219.
قال الجوهري (
عفو المال : ما يفضل عن النفقة أي ما يفضل عن حاجة المرء وحاجة
عياله )
وعن ابن عباس : ( خذ العفو : انفق الفضل )
وقال أيضا :( العفو ما يفضل عن أهلك) .
وقد روى هذا التفسير أيضا ابن عمر ومجاهد
وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة
والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن انس وغيرهم.
وأخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل
عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا
يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك
وروى أحمد قال: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي
حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر قال: سمعت القاسم مولى يزيد
يقول حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم إن تعط الفضل فهو خير لك وإن
تمسكه فهو شر لك وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف
واليد العليا خير لك من اليد السفلى.
وروى أيضا: حدثنا يزيد أخبرنا أبو الأشهب عن
أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى
رجل يصرف راحلته في نواحي القوم فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: من كان عنده فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن
كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له حتى رأينا أن لا
حق لأحد منا في فضل، فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من أصناف
المال ما ذكر حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في الفضل.
وهكذا بالتدريج واليسر أفرغت ملكية هذه
الأرض من محتواها الاستغلالي الاحتكاري وسلبت أهم مميزات
الملكية الخاصة، بإلغاء حق المتاجرة والمؤاجرة و الاحتفاظ بما
هو أكثر من الحاجة. وعادت للأرض صبغتها التي فطرت عليها وفطرت
من أجلها في ظل التوجيهات القرآنية. وما تلاها من التقييدات
النبوية، وتلاشى وضع ظالم كان سائدا قبل الإسلام، فعالجه
التشريع بالحكمة، إلى أن أدرك الجميع أنه لاحق لأحد منا في
الفضل، وأن تملك مالم يخلق للتملك، والمتاجرة فيما لم يخلق
للمتاجرة، واحتكار ما هو مشترك بين الناس جميعا ظلم كبير.
في صحيح البخاري: حدثنا أبو اليمان أخبرنا
شعيب عن الزهري قال حدثني طلحة بن عبد الله أن عبد الرحمن بن
عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ظلم من الأرض شيئا طوقه من
سبع أرضين.
وأخرج البخاري قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم
حدثنا عبدالله بن المبارك حدثنا موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه
رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ من
الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
وأخرج أيضا : حدثنا أبو معمر حدثنا عبد
الوارث حدثنا حسين عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني محمد بن
إبراهيم أن أبا سلمة حدثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة فذكر
لعائشة رضي الله عنها فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه
من سبع أرضين.
إلا أن احتفاظ الفرد لنفسه بحاجته وحاجة
أهله فقط وتنازله عن الفضل لغيره، مقيد بوجود محتاجين وفقراء
إذ بقدر ميزانية برامج القضاء على الفقر والخصاصة، يكون قدر
التنازل عن الفضل. وكلما استغنى الناس وتقلصت حاجاتهم تضاءل
مقدار التنازل عن فضل الأموال، بشرط أن يروج هذا الفضل في
ميادين التنمية والنفع العام، وألا يكنز ويكون دولة بين
الأغنياء، وألا ينسى أصحابه أنه مجرد أمانة لديهم مادام غيرهم
في غنى عنه، وإلا فالأمر الإلهي القائم دوما هو:
(وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ
مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ) الحديد 7.
بهذا يكون للنظام الإسلامي في هذا الباب
من المرونة ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان ومجتمع، في حالة
الرخاء تتنامى الثروة بيد الجميع، على أنها مجرد أمانة لديهم.
وفي حالة الشدة تتناقص حسب مقدار حاجة الناس.
وبهذا تنتفي عن النظام الإسلامي صفة
الرأسمالية التي عجزت عن القضاء على الفقر، وصفة الشيوعية التي
عجزت عن فهم الفطرة الإنسانية فسعت إلى إتلافها وإلغائها.
عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي
|
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب
إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلَّم تسليماً كثيراً.
تقديم الدراسة - أهميتها وأهدافها:
لعل أهم ما يميز مجتمعاً ما عن غيره طبيعة منظومته
القانونية وآلياتها في التعامل مع ما يستجد من قضايا
وما يطرأ من تغيرات في الزمان والمكان والحال.
وقد أثبت الواقع التاريخي أن التشريع الإسلامي متميز
في أسسه وأهدافه عن كثير من المنظومات القانونية. ولا
غرابة في ذلك؛ لأن مقصد الشارع الحكيم من إلزام
الإنسان المسلم – ابتداءً وانتهاءً – بأحكامه وابتلائه
بها تعبيد المخلوق لخالقه عز وجل من خلال تنظيم
تصرفاته وعلاقاته وفق منهج رباني يراعي جزاءي الدنيا
والآخرة.
وإذا كانت الأمة الإسلامية تعيش حال ضعف وصغار وقد
تكالبت عليها الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها،
فليس سبب هذا نظام شريعتها بأي حال، ولكن مرجعه –
أساساً – إلى مدى صدق عزيمتها في الالتزام بأحكام
شريعتها وسعيها إلى تحقيق رضى ربها ليكون عنوان تميزها
وتفردها بالخيرية بين الأمم حتى يتحقق فيها قوله
تعالى:
)
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (()
.
غير أن صدق النية وتأكيد العزم على الالتزام بأحكام
الشارع الحكيم يظل مفتقراً إلى المعرفة الصحيحة بتلك
الأحكام كي يكون الالتزام مقبولاً ومثمراً؛ ذلك أن
الصواب شرط المقبولية في الإسلام.
ولا شك أن أول الخطى في طريق المعرفة الصحيحة الفهمُ
السليم؛ من هنا تتأكد أهمية الاجتهاد بصفته آليةً
للفهم السليم في دائرة النص والحمل عليه وأداةً
لاستنباط الحكم الشرعي عند عدم وجود النص.
ونظراً لوظيفة الاجتهاد الخطيرة فقد وُضعت أسسه أثناء
فترة الوحي المباركة وتولى الرسول الكريم
e
رسم منهجه وتوضيح معالمه قولاً وعملاً وتقريراً.
واستمرت مسيرة الفقه وحركة الاجتهاد تنمو وتتطور
يقودها علماء أفذاذ بذلوا غاية وسعهم في تأصيل هذه
الحركة حتى تُعصم من الانحراف ذات اليمين أو ذات
الشمال. فبلغوا بها مستوى علمياً راقياً يعبِّر عن نضج
فكري عميق ويبرهن على مدى الآفاق التي فتحتها الدراسات
التشريعية في الإسلام.
غير أن مجال الفقه – كما هو الحال في مجالات العقيدة
والفكر – لم يسلم من ظهور اتجاهات مضطربة تهدف – عن
قصد أحياناً وعن جهل أحياناً أخرى – إلى المساس بجوهر
الشريعة الغراء بدعوى ضرورة التطور والتجديد لاستيعاب
كل مستحدث وجديد زاعمين – تارةً - أنهم مستمسكون بروح
الشرع، ومدَّعين – تارةً – أنهم ملتزمون بمقاصد
الشريعة، وتارةً أخرى أنهم متبعون لقيم التسامح
والوسطية.
ولا شك أن ذلك كله دعاوى ظاهرها خدمة الدين وباطنها
محاولة أكيدة لمسخ حقيقته وهدم أركانه وأسسه.
إن الاجتهاد ليس عملية تبرير للواقع وسلبياته؛ فهو لا
يزكي الانحراف أو يشرعه كي يقال عن الإسلام أنه مساير
للعصر ومستجيب لحاجاته، كما أنه ليس عملاً فكرياً
مجرداً عن الواقع ليُصنف في نطاق الترف الفكري.
إنه – وقبل كل شيء – عمل تغييري يهدف إلى ربط الواقع
بشريعة الإسلام باعتبارها طريق الإنسان الآمن لممارسة
عبوديته الشاملة الكاملة لله تعالى.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع وخطورته للمسلم أفراداً
وجماعات تأكدَّ عزمي على تناوله بالبحث والدراسة. غير
أن سعته وتشعب قضاياه قد تجعل استقصاء كل جوانبه
وارتياد جميع آفاقه أمراً عسيراً إِنْ لم يكن متعذراً؛
فهذا عمل موسوعي يقتضي تضافر جهود فريق من الباحثين،
وحسبي أني حاولت - في بحثي هذا – معالجة أهم جوانب
الموضوع من خلال دراسة تأصيلية للاجتهاد وحركته عبر
التاريخ وما تثيره دعوات التجديد والتطوير من قضايا
وإشكاليات، ولعلي – بذلك – أحقق الأهداف التالية:
1 –
تأصيل حركة الاجتهاد منذ نشأتها
ووضع أسسها في عهد الرسول
e
إلى أن نمت وتطورت في العصور اللاحقة.
2 –
تحليل الأسباب والعوامل التي أثرت في حركة الاجتهاد
– عبر مسيرة الفقه الإسلامي – وبيان أبرز مظاهر هذا
التأثير.
3 –
رصد الجهود الكبيرة التي بُذلت لوضع الاجتهاد في إطاره
العلمي
وما أثمر ذلك من علوم ومعارف خادمة له كعلم أصول الفقه
والقواعد الفقهية والمقاصد.
4 –
تحليل الاتجاهات المعاصرة في الاجتهاد
ومحاولة تقويم منطلقاتها وأسسها.
5 –
محاولة إضافة لبنة إلى الدراسات الإسلامية في مجال
الفقه والفكر
على حد سواء من خلال الإسهام في التأريخ للفقه
الإسلامي ومسيرته.
منهج البحث:
سلك الباحث في إعداد هذه الدراسة المنهج الوصفي
التحليلي الذي يعتمد على عملية استرداد ما كان في
الماضي لمعرفة حقيقته وملابساته وتأثيره في صياغة
الاتجاهات المعاصرة في الاجتهاد، وذلك وفق المنهج
العلمي الموضوعي في التحليل والنقد والتقويم وبحسب ما
تقتضيه موضوعات الدراسة.
وأذكر فيما يأتي جملة من الملحوظات تتعلق بما جرى عليه
البحث واتبعه من قواعد في الدراسة والاقتباس والتوثيق،
وهي على نوعين:
أولاً – الملحوظات العامة:
1 – نظراً لتشعب الموضوع وتغطيته مدة زمنية طويلة هي
تاريخ الفقه الإسلامي كله، فقد ركزت الدراسة التاريخية
للاجتهاد على العوامل المؤثرة في حركته.
2 – نظراً لتعذر تقصي أفكار جميع مَنْ اتبعوا اتجاهاً
معيناً في الاجتهاد، فقد اقتصر على الإشارة إلى أبرز
ممثلي كل اتجاه.
3 – حرص البحث على إبراز الأسس والمنطلقات للاتجاهات
الفكرية في الاجتهاد أكثر من الحرص على تتبع الجزئيات
أو الأمثلة التطبيقية للقضايا المعاصرة؛ لكون هذه
التطبيقات قد أُفردت بالدراسة في كثير من البحوث
المعاصرة بما يغني عن إعادة ذكرها – هنا -، ولاقتناع
الباحث أن الأسس الفكرية لأي منهج اجتهادي تنعكس حتماً
على تطبيقاته.
ثانيا – الملحوظات الخاصة:
1 – اعتمد في تخريج الآيات القرآنية على رواية حفص.
2 – اتبع في تخريج الأحاديث طريقتان:
·
الأولى:
الرجوع إلى كتب السنة مباشرة.
·
الثانية:
الرجوع إلى جهاز الحاسوب. وفي هذه الحالة أكتفي بذكر
من أخرج الحديث مع الإشارة إلى رقم الحديث والجزء
والصفحة.
3 - اتُبع في البحث – غالباً – إيراد ترجمة للأعلام
التي وردت في موضوعات الدراسة.
4 - تذكر المعلومات المفصلة عن المصادر والمراجع في
بداية ورودها. ثم يُكتفى بعد ذلك بذكر عنوان الكتاب
واسم الكاتب، أو عنوان الكتاب فقط إذا كثر استعماله أو
اشتهرت معرفته. وتُذكر تلك المعلومات مفصلةً مرةً أخرى
في قائمة المصادر.
5 – ذُيلت الرسالة بفهرس للآيات وآخر للأحاديث وثالث
للمراجع ورابع للموضوعات.
ويلحظ في هذا المجال:
أ – جرى ترتيب مراجع البحث حسب أسماء الكتب والمقالات.
ب – اتبع في أسماء المؤلفين القدامى البدء باسم
الشهرة، والمؤلفين المحدثين أو المعاصرين ذكر الاسم
أولا ثم اللقب أو الشهرة.
ج – تم تقسيم فهرس المراجع إلى الكتب ثم الدوريات ثم
شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
د – يوضع خط تحت عنوان الدورية لتمييزها عن الكتب.
الدراسات السابقة:
جرت الاستفادة - في إعداد هذه الدراسة – من الدراسات
السابقة التي تناولت جانباً أو أكثر من جوانب الموضوع
سواء كانت ذات صلة قريبة به أو بعيدة. فما كُتب عن
الاجتهاد - قديماً وحديثاً - كثيرٌ غير أن ما أفدت منه
أكثر دراسات الإمام محمد أبي زهرة التي تناول فيها
تاريخ المذاهب الإسلامية الفقهية والعقدية، والدراسات
القيّمة التي أفردها لأشهر أئمة المدارس الفقهية. ولعل
أبرز ما شدَّني إليها – إضافةً إلى المعلومات الثرية
التي تضمنتها – أسلوب صاحبها العلمي ومنهجه الرصين
والهادئ والمتجرد في تحليل القضايا واستخلاص النتائج.
كما أفدت من الدراسة القيمة «البعد الزماني والمكاني
وأثرهما في التعامل مع النص الشرعي» لصاحبها: سعيد بن
محمد بوهراوة، فقد فتح لي الاطلاع عليها آفاقاً واسعة
للبحث ودلتني على كثير من المراجع المفيدة.
وهناك دراسات حديثة تناولت الاجتهاد، غير أني لم أجد
فيها ما يثري البحث مثل:
«الاجتهاد
في الأحكام الشرعية»
لمحمد سيد طنطاوي، و«أدوات
النظر الاجتهادي في ضوء الواقع المعاصر»
لقطب مصطفى سانو.
مصادر البحث:
تم في البحث استخدام ثلاثة أنواع من المصادر:
1 – الكتب والرسائل الجامعية.
2 – المقالات والبحوث في الدوريات.
3 – المقالات والبحوث في شبكة المعلومات الدولية
(الإنترنت).
الصعوبات التي واجهت الباحث:
لعل أهم الصعوبات التي تواجه الباحثين تتعلق بالمصادر
والمراجع وطبيعة الموضوع نفسه. فقد تعذر عليَّ الوصول
إلى بعض المصادر. كما أن الموضوع شاسع ومتشعب وتتطلب
الإحاطة بجميع جوانبه جهود فريق من الباحثين؛ لذلك
فقد استعنت بما توفر لدي من مصادر مكتوبة أو منشورة
على شبكة (الإنترنت) وحاولت تركيز البحث في أهم عناصره
التي قد تضيف جديداً أو تفتح أفقاً للدراسات
الإسلامية.
خطة البحث:
تشمل هذه الخطة:
·
مقدمة
– التي هي هذه – وفيها:
·
1 – تقديم الدراسة وأهميتها التي جعلتني أختارها موضوع
بحثي.
·
2 – منهج البحث.
·
3 – الدراسات السابقة فيه ومصادره.
·
4 – الصعوبات التي واجهت الباحث.
·
التمهيد:
وفيه تعريف بأهم مصطلحات البحث.
·
الباب الأول:
الاجتهاد نشأةً وتطوراً.
وفيه ستة فصول:
·
الفصل الأول:
الاجتهاد عبر تاريخ الفقه الإسلامي.
وفيه ثلاثة مباحث:
·
المبحث الأول: اجتهاد الرسول
e
.
·
المبحث الثاني: الاجتهاد في عصر الصحابة.
·
المبحث الثالث: الاجتهاد في عهد التابعين.
·
الفصل الثاني:
الاجتهاد في عهد المدارس الفقهية.
وفيه أربعة مباحث:
·
المبحث الأول: أهم العوامل المؤثرة في حركة الاجتهاد.
·
المبحث الثاني: من أعلام المدارس الفقهية.
·
المبحث الثالث: الاجتهاد بعد تكوين المدارس الفقهية.
·
المبحث الرابع: حركة الاجتهاد في القرون المتأخرة.
·
الفصل الثالث:
علم أصول الفقه وتطوره التاريخي.
وفيه ثلاثة مباحث:
·
المبحث الأول: أصول الفقه وجهود الإمام الشافعي.
·
المبحث الثاني: الأصول بعد الإمام الشافعي.
·
المبحث الثالث: مناهج الدراسة الأصولية بعد الإمام
الشافعي.
·
الفصل الرابع:
علم القواعد الفقهية.
وفيه ثلاثة مباحث:
·
المبحث الأول: القواعد الفقهية، تعريفها وأقسامها.
·
المبحث الثاني: لمحة تاريخية حول القواعد الفقهية.
·
المبحث الثالث: وظيفة القواعد الفقهية وأهميتها
للمجتهد.
·
الفصل الخامس:
علم مقاصد الشريعة.
وفيه أربعة مباحث:
·
المبحث الأول: في تعريفات المقاصد.
·
المبحث الثاني: المقاصد النشأة والتطور إلى عصر
الشاطبي.
·
المبحث الثالث: المقاصد بعد الإمام الشاطبي.
·
المبحث الرابع: الاتجاهات في دراسة المقاصد.
·
الفصل السادس:
الطوفي وتداعيات نظريته.
وفيه ثلاثة مباحث:
·
المبحث الأول: عرض نظرية الطوفي.
·
المبحث الثاني: تداعيات آراء الطوفي.
·
المبحث الثالث: تداعيات آراء الطوفي في العصور
الحديثة.
·
الباب الثاني:
اتجاهات التجديد: الأسس والمنطلقات.
وفيه أربعة فصول:
·
الفصل الأول:
الاتجاه العلماني.
وفيه أربعة مباحث:
·
المبحث الأول: في تعريفات العلمانية.
·
المبحث الثاني: موقف الاتجاه العلماني من مصادر
التشريع الإسلامي.
·
المبحث الثالث: الاتجاه العلماني ونماذج من أعلامه.
·
المبحث الرابع: حسن حنفي أنموذجاً معاصراً.
·
الفصل الثاني:
اتجاه
«إسلامية
المعرفة».
وفيه تمهيد وخمسة مباحث.
·
المبحث الأول: مصطلح
«أسلمة
المعرفة»
نشأته ودلالاته.
·
المبحث الثاني:
«المنهجية
الإسلامية»
كما يقدمها اتجاه
«أسلمة
المعرفة».
·
المبحث الثالث: منهجيته في التعامل مع القرآن الكريم.
·
المبحث الرابع: منهجيته في التعامل مع السنة النبوية.
·
المبحث الخامس: منهجيته في التعامل مع التراث.
·
الفصل الثالث:
الاتجاه السلفي المعاصر.
وفيه مبحثان:
·
المبحث الأول: السلفية تعريفها ونشأتها.
·
المبحث الثاني: منهج دراسة العقيدة وأثره في المنهج
الاجتهادي لدى الاتجاه السلفي.
·
الفصل الرابع:
الاتجاه التأصيلي الشوروي.
وفيه مبحثان:
·
المبحث الأول: النشأة والتطور.
·
المبحث الثاني:الاتجاه التأصيلي الشوروي: الأسس
والمنطلقات.
·
الخاتمة:
وفيها أبرز ما انتهى إليه البحث.
·
الفهارس:
·
1 – فهرس الآيات.
·
2 – فهرس الأحاديث.
·
3 – فهرس المراجع.
4 – فهرس الموضوعات.
|
|
جرت عادة الباحثين التمهيد للدراسة بتعريف أهم
المصطلحات التي يدور البحث عليها؛ من أجل تحديد
المفاهيم وضبطها حتى لا يحيد البحث عن سياقه المنهجي.
الفقــه:
الفقه – في
اللغة
-: فهم غرض المتكلم من كلامه().
وقيل هو العلم بالشيء والفهم له والفطنة.
وفَقِهَ – بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع –
كَعَلِمَ: فَهِمَ: قال تعالى:
)
مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ (
()
؛ وبفتحها فيهما معاً، كمَنَعَ: سبق غيره بالفهم.
وبضمها فيهما معاً – ككَرُمَ وشَرُفَ: صار الفقه له
سجيةً.()
وتكاد تتفق التعريفات اللغوية – للفقه – على أنه:
الفهم العميق النافذ الذي يتعرف غايات الأقوال
والأفعال الدقيقة.()
أمَّا في
الاصطلاح
الأصولي، فإنه:
«
العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها
التفصيلية
»()().
وقد أُطلق الفقه – قديماً – وأُريد به كل ما فُهِمَ من
كتاب أو سنة لا فرق في ذلك بين ما تعلق بالعقيدة أو
العمل، غير أنه نُقل إلى علم الفروع بغلبة الاستعمال.()
وتقييد
«الأحكام»
بالشرعية إخراجٌ للغويات والمحسوسات والعقليات()؛
فالفقه هو ما استنبط من طريق الاجتهاد الشرعي.
وتقييدها بالعملية مخرج للأحكام الاعتقادية.
أما تقييد العلم بالمكتسب، فقد خرج به علم الله تعالى
ووحيه إلى أنبيائه وملائكته.
وكونه من الأدلة التفصيلية: مخرج لاعتقاد المقلد؛ فإنه
مكتسب من دليل إجمالي.
مدلول الفقه بين الفقهاء والأصوليين:
إنَّ دائرة الفقه – لدى الفقهاء – أوسع منها لدى
الأصوليين؛ لأنهم [الفقهاء] استعملوا مصطلح الفقه
للدلالة على أحد معنيين:
1 – طائفة من الأحكام الشرعية العملية الواردة بالكتاب
والسنة وما استنبط منها- سواء أحفظت هذه الطائفة مع
أدلتها أم حفظت مجردةً عن هذه الدلائل. فيشمل اسم
الفقيه عندهم المجتهد المطلق، والمجتهد المنتسب "مجتهد
المذهب"، ومَنْ هو مِنْ أهل التخريج وأصحاب الوجوه،
ومَنْ كان مِنْ عامة المشتغلين بهذه المسائل.
2 – مجموعة من الأحكام والمسائل. وتشمل الأحكام
الشرعية التي نزل بها الوحي – قطعيةً كانت أو ظنيةً -،
وما استنبطه المجتهدون – على اختلاف طبقاتهم، وما
استنبطه غيرهم من الأحكام المقررة.
أما الأصوليون، فإنهم استخدموا هذا المصطلح للدلالة
على استنباط الأحكـام.
وهذا ما اختاره بعضهم()
حيث قال:
«
إن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح
»
مستشهداً بما رُوي عن الرسول
صلى
الله عليه وسلم:
«
رب حامل فقه غير فقيه
»().
أي: غير مستنبط. ومعناه: أنه يحمل الرواية من غير أن
يكون له استدلال واستنباط فيها. وقد ورد في ديباجة
كتابه:
«
وما أشبِّهُ الفقيه إلا بغواص في بحر در، كلما غاص في
بحر فطنته استخرج دراً وغيره مستخرج آجراً»().
لقد راعى
الأصوليون – في مصطلح الفقه – معنيين:
1 – العلم بالأحكام الشرعية العملية.
2 – العلم بالأدلة التفصيلية لكل قضية من القضايا.
فلبيان أن الربا حرام - قليلاً كان أو كثيراً – ينبغي
ذكر الدليل المناسب من القرآن الكريم:
)
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبا
(
()
.
فتعريف الفقه بأنه استنباط الأحكام، يعني أن ما دُوِّن
من مسائل الفقه ليس فقهاً –اصطلاحاً- وحافظها ليس
فقيهاً. لأن هذه المسائل هي نتائج الفقه، فالعارف بها
يسمى فروعياً لا فقيهاً. إذ الفقيه إنما هو المجتهد
الذي يستطيع استخلاص تلك الفروع من أدلة صحيحة، أما
دور الفروعي فيقتصر على التقليد والتدوين والحفظ، ولذا
قيل عنه بأنه ناقل فقه وليس فقيهاً.()
أصول الفقه:
مركب إضافي، وهو – في ذاته – اسم لعلم خاص. ولكن
تركيبه الإضافي يكوِّنُ جزءاً من حقيقته؛ لذا لزم
معرفة جزأي التركيب حتى يتيسر الوقوف على هذه الحقيقة،
وقد سبق بيان معنى المضاف إليه – وهو
«الفقه»
- فأقتصر على بيان معنى المضاف:
«أصول»
وهو جمع: أصل.
لغةً:
يطلق الأصل - في اللغة – على عدّة معان، منها:
1-
ما يُبتنى عليه غيره. سواء كان الابتناء عقلياً أو
حسياً.
2-
أساس الشيء الذي يقوم عليه.
3-
ما يتفرع عنه غيره.()
واصطلاحاً:
يطلق لفظ الأصل – في اصطلاح الفقهاء – ويراد به أحد
المعاني الآتية:
1-
الدليل: يقال: أصل هذه المسألة من الكتاب، أي: دليلها.
2-
الرجحان: يقال: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح
فيه.
3-
القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على
خلاف الأصل، أي: على خلاف القاعدة.
4-
الصورة المقيس عليها.()
تعريف أصول الفقه بمعناه اللقبي:
بما أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقيقه إليه، يمكن
القول بأن أصول الفقه هي:
«
معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال
المستفيد
»().
أصول الفقه بين التعريفين اللقبي والإضافي:
يمكن حصر الفروق بين التعريفين في نقطتين رئيستين:
1 – اللقبي هو العلم، والإضافي موصل إلى العلم.
2 – اللقبي لا بد فيه من ثلاثة أشياء:
أ – معرفة الدلائل.
ب – كيفية الاستفادة.
ج – حال المستفيد.
أما الإضافي فهو الدلائل خاصةً.()
الصلة بين الفقه وأصوله:
إن الفقه يُعنى بالأدلة التفصيلية لاستنباط الأحكام
العملية منها. أما أصول الفقه فموضوعه الأدلة
الإجمالية من حيث وجوه دلالتها على الأحكام الشرعية().
ومن هنا كان علم أصول الفقه – بالنسبة للفقه – مثل علم
المنطق لسائر العلوم الفلسفية. إذ إن علم المنطق ميزان
يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في التفكير، فكذلك علم
الأصول. فهو ميزان للفقيه وضابطٌ له يضبطه، ويحول دون
وقوعه في الخطأ عند الاستنباط.()
الشريعة:
تُطلق كلمة
«الشريعة»
- في اللغة – على:
1 – الطريقة المستقيمة. ومن ذلك قوله تعالى:
)
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
فَاتَّبِعْهَا
(()
. أي: على طريقة مستقيمة.
2 – مورد الناس للاستسقاء. وسُمي – بذلك – لوضوحه
وظهوره.()
الشرع:
الشرع - وجمعه شرائع – معناه –
لغةً
– البيان والإظهار. يقال: شرع الله كذا، أي: جعله
طريقاً ومذهباً().
ثم غلب استعماله في الدين وجميع أحكامه، قال تعالى:
)
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً
(()
.
قال صاحب التحرير والتنوير():
«
إن الشرعة والشريعة: الماء الكثير، وسُميت الديانة
شريعةً على التشبيه. لأن فيها شفاءً للنفوس وطهارتها،
والعرب تشبه بالماء وأحواله كثيراً
».
واصطلاحاً:
«
ما نزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم -
من الأحكام – في الكتاب أو السنة. مما يتعلق بالعقائد
والوجدانيات وأفعال المكلفين – قطعياً كان أو ظنياً»().
وقد كان لفظ الشرع مرادفاً للفظ الفقه في الصدر الأول.
هذا، وقد يُعبر عن الشريعة بألفاظ أخرى، مثل: الدين،
والملة، والإسلام.
فإن هذه الألفاظ – جميعها – تعبِّر عن مدلول واحد، هو
ما شرعه الله تعالى وكلفنا به، وبلَّغه لنا رسوله
الكريم صلى الله عليه وسلم من العقائد والأخلاق
والآداب والمعاملات. غير أن هذه الأحكام تسمى شريعةً
باعتبار وضعها وبيانها واستقامتها، وتسمى ديناً
باعتبار الانقياد والخضوع لها وعبادة الله – عز وجل –
وفق مقتضاها، وتُسمى ملةً باعتبار إملائها على الناس
وتلقينهم إياها.
دائرة الشريعة:
إن تحديد دائرة الشريعة – تحديداً دقيقاً – أمر مهمٌ
جداً. إذ به يتميز ما هو من الشريعة وما ليس منها. فما
دامت الشريعة هي:
«
الطريقة المخصوصة المشروعة ببيان النبي صلى الله عليه
وسلم
»()،
فإن الأحكام التي لم ترد في القرآن الكريم ولا في
السنة النبوية – القولية أو الفعلية أو التقريرية -،
وإنما كانت استنباطاً من لدن المجتهدين، لا تدخل في
دائرة الشريعة. وإن تسميتها شريعةً، ونسبتها إلى
الشرع، والتعبير عنها بأحكام شرعية – في تعريف الفقه
وغيره – من باب المجاز؛ لأنها مستنبطة من الشرع.
إن الفقه – كما مرَّ – قد نُقل – بغلبة الاستعمال – من
معناه العام إلى الدلالة على علم الفروع. والموازنة
بين الفقه – بمفهومه الأخير- وبين مفهوم الشريعة توضح
أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؛ فهما يجتمعان في
الأحكام التي وردت في الكتاب والسنة، وتنفرد الشريعة
في أحكام العقائد، وينفرد الفقه في الأحكام الاجتهادية
التي يرد فيها نص من الكتاب أو السنة ولم يجمع عليها
أهل الإجماع.
وقد شاع - في الوقت الحاضر – إطلاق اسم « الشريعة
الإسلامية» على الفقه وما يتصل به، حتى إنه لا يكاد
يُفهم من
«الشريعة»
- عند الإطلاق – إلا هذا المعنى، كما أصبح من المألوف
– في ميدان القضاء – استعمال عبارة
«المنصوص
عليه شرعاً»
مع أن هذا المنقول قد يكون مجرد رأي لأحد المشتغلين
بالفقه.
لذا، ينبغي تحديد ما يقع في دائرة الفقه وما يقع
خارجها؛ ليُعلم – بذلك – متى تُسمى آراء الفقهاء
واجتهاداتهم فقهاً، فيُعتد بها وتُدرج في باب
الاجتهاد، ومتى لا تُسمى كذلك، فلا يُعتد بها ولا تدخل
تحت هذا الباب.()
كما ينبغي – أيضاً – توضيح مسألة غاية في الأهمية، وهي
أن عصر تكوين الشرع الإسلامي هو عصر النبي صلى الله
عليه وسلم لا غير؛ ففي هذا العصر اكتمل الشرع، واستقر
الدين كما أخبر – بذلك – المولى – عز وجل– في كتابه
العزيز بقوله–جل شأنه-:
)
الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً
(().
وبانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى
انتهى زمن التشريع الحقيقي بعد أن أدى عليه الصلاة
والسلام الرسالة كاملةً غير منقوصةٍ. أمَّا ما تلا عصر
النبوة من بيان أحكام، فإنما هو مجرد تخريج على ما
تمَّ تأسيسه، واستنباط مما ورد في كتاب الله تعالى
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو
تقريراً. ()
الاجتهاد:
الاجتهاد – لغةً – مصدر مأخوذ من الجهد. وهو الطاقة
والمشقة. يقال: اجهد جهدك، أي: ابلغ غايتك()
في تحصيل ما فيه مشقة وكلفة.
واصطلاحاً: هو:
«
استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية
»().
فالمجتهد هو المستفرغ جهده في درك الأحكام الشرعية.
والمجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي.
وقد أضاف أبو إسحاق الشيرازي()
– في تعريفه()
– قيداً مهماً، فقـال:
«
الاجتهاد هو بذل الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم
الشرعي ممن هو من أهل الاجتهاد
».
أي: أن يكون المجتهد عارفاً بطرق الاجتهاد، فإن لم يكن
عارفاً بها، فلا يمكن عَدُّهُ مجتهداً وإِنْ أفرغ
الوسعَ والطاقةَ.
واشترط الغزالي للمجتهد شرطين:
1 – أن يكون محيطاً بمدارك الشرع، متمكناً من استثارة
الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب
تأخيره.
2 – أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في
العدالة. لكن هذا الشرط – كما قال الغزالي – هو لجواز
الفتوى والعمل بها لا لصحة الاجتهاد.()
الاستنباط:
الاستنباط –
لغةً
-: مصدر للفعل
«نبط»،
فالسين والتاء فيه للطلب.
ومعنى نبط: استخرج. يقال: استنبط الماء، إذا استخرجه.
والماء نفسه إذا استخرج يسمى: نبطاً.()
ويُطلق النبط – أيضاً – على أول ما يظهر من ماء البئر،
وعلى كل ما أظهر بعد خفاء، فإنه يقال عنه: أُنْبِطَ
واستُنبط.
وفي
الاصطلاح:
الاستنباط هو إخراج الشيء المُغَيَّب من شيء آخر كان
فيه. وهو – في الدين – إِنْ كان منصوصاً على جملة
معناه فهو حق، وإلا فهو باطل لا يحل القول به.()
ومعنى استنبط الفقيه: استخرج الباطن بفهمه واجتهاده.
فاستنباطه يعني: استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن
وقوة القريحة.()
ولعل سر العدول عن لفظ الاستخراج إلى لفظ الاستنباط
الإشارة إلى الكلفة في استخراج المعنى من النصوص التي
بها عظمت أقدار العلماء وسمت درجاتهم، فلولا المشقة
لساد كل الناس كما قيل.()
ولما كان الاستنباط – في الأصل – هو العملية التي يقوم
بها المجتهد أثناء اجتهاده، فإن كثيراً ما يُعبَّرُ به
عن الاجتهاد والعكس. فهما لفظان مترادفان.
المناهج:
المناهج: جمع مفرده منهج وهو الطريق الواضح. ورد في
القاموس المحيط()
أن النهج والمنهج والمنهاج: الطريق الواضح. وأَنْهَجَ
الطريقُ: وَضح وأوضح، ونهج فلان سبيل فلان: سلك مسلكه.
وعلى هذا تكون مناهج الاجتهاد أو الاستنباط: هي طرق
الاجتهاد أو المسالك التي يسلكها المجتهد لاستنباط
الأحكام للحوادث موضوع النظر.()
الاختلاف:
الاختلاف – لغةً – مصدر اختلف وهو نقيض الاتفاق.
جاء في الكليات()،
اختلف: ضد اتفق، والمخالفة ترك الموافقة.
ويُستعمل الاختلاف – عند الفقهاء – بمعناه اللغوي
وكذلك الخلاف. وقد ذُكر بأن الاختلاف هو أن يكون
الطريق مختلفاً والمقصود واحداً، كما ذُكر أن الاختلاف
ما يستند إلى دليل، والخلاف ما لا يستند إلى دليل.()
ولعل ابن خلدون()
ممن أجادوا في التعريف بالخلافيات، حيث قال - في
مقدمته()
-:
«
وأما الخلافيات، فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من
الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف
مداركهم وأنظارهم...واتسع ذلك – في الملة – اتساعاً
عظيماً، وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم، ثم
لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار
وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على
تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب
الاجتهاد...فأقيمت هذه المذاهب الأربعة على أصول الملة
وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها
مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية..
».
وعلم الخلاف مستمد من العلوم العربية والشرعية،
ومبادئه مستنبطة من علم الجدل، ولعل أول مَنْ أخرج علم
الخلاف أبو زيد الدبوسي.()
الجـدل:
لغة معناه الإحكام، يقال: درع مجدولة إذا كانت
مُحْكَمَةَ النسج، وحبل مجدول إذا كان محكم الفتل.
وهذا المصطلح قريب من سابقه، لكن هناك اختلافاً دقيقاً
بينهما؛ فالجدل – كما عُرِّف -: تردد الكلام بين
الخصمين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به
قول صاحبه، والجدال لا يصح إلا من اثنين.()
وقد عُرِّف – أيضاً – بأنه علم باحث عن الطرق التي
يقتدر بها على إبرام أي وضع أُريدَ ونقض أي وضع كان()،
فالغرض منه إلزام الخصم والتغلب عليه في مقام
الاستدلال.()
وهو من فروع علم النظر، وقد يقال عنه – أحياناً – علم
المناظرة، لكن علم المناظرة أعم من علم الجدل؛
فالمناظرة أو ما يُعرف بآداب البحث الأصل فيها العمل
للوقوف على أدلة كل من المتناظرين، ثم المصير إلى من
ثبت أن الحق معه.()
فالغرض من المناظرة الوصول إلى الصواب في الموضوع الذي
اختلفت أنظار المتناقشين فيه.
فإذا حاد المتناقشان عن طلب الوصول إلى الحق، أو تحولت
المناقشة إلى محاولة إلزام الخصم باللجاجة وقصد
الانتصار للنفس ولو على حساب طلب الحق، فإنها – حينئذ
– تصبح مكابرةً.()
القضـاء:
القضاء في اللغة:
للقضاء – في اللغة – عدة معان. منها: الحكم والفصل
والقطع، ويأتي على وجوه مرجعها انقضاء الشيء وتمامه.
من ذلك الخلق والصنع، كقوله تعالى:
)
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
(()،
والحتم والأمر والإبلاغ والعهد والوصية والإتمام وبلوغ
الشيء ونواله.()
وفي
الاصطلاح
عرَّفه
الأحناف
بأنه:
«
فصل الخصومات وقطع المنازعات على وجه خاص
»().
وعرَّفه
المالكية
بأنه:
«
الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام
»().
وعرَّفه
الشافعية
بأنه:
«
الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية، وهو إظهار حكم
الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه
»().
وعرَّفه
الحنابلة
بأنه:
«
تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات
»().
الفتوى:
الفتوى –
لغةً
– اسم مصدر بمعنى الإفتاء. يقال: أفتيت فلاناً رؤيا
إذا عبَّرتها له. وأفتيته في مسألته: إذا أجبته عنها.
والفتيا تبيين المشكل من الأحكام، وأفتى المفتي: إذا
أخبر عن حكم.()
والاستفتاء –
لغةً
– طلب الجواب عن الأمر المشكل. ومنه قوله تعالى:
)
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
(()
، وقد يكون مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى:
)
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ
خَلَقْنَا
(().
واصطلاحاً:
تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، وهذا يشمل
السؤال في الوقائع وغيرها.()
والمفتي: اسم فاعل. من أفتى، وهو مَنْ قام للناس بأمر
دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه،
وكذلك السنن والاستنباط.
الفرق بين القضاء والفتوى:
هناك فروق مهمة بين القضاء والفتوى. ويمكن إجمالها في
ما يلي:
1 – الفتوى إخبار عن الحكم الشرعي. والقضاء إنشاء
للحكم بين المتخاصمين.
2 – الفتوى لا تلزم المستفتي أو غيره؛ فله أن يأخذ بها
إِنْ رآها صواباً، وله أن يتركها ويأخذ بفتوى مفت آخر.
أما الحكم القضائي فهو ملزم.
وعليه، فلا إجبار ولا إلزام في دعوى أحد المتخاصمين
على فتاوى الفقهاء، أما إذا كانت الدعوى إلى القاضي
أُلزم بالإجابة؛ إِذْ القاضي منصوب لقطع الخصومات
وإنهائها.
3 – المفتي يفتي ديّانةً – أي على باطن الأمر -،
ويُديِّنُ المستفتي، أما القاضي فيقضي على الظاهر.
4 – حكم القاضي جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم
عليه وله، وفتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي
وغيره.
5 – القضاء لا يكون إلا بلفظ منطوق، أما الفتيا فتكون
كتابةً وفعلاً وإشارةً.()
الرأي:
من المهم جداً الوقوف عند هذا المصطلح لمعرفة دلالته
وتحديد معانيه التي كثر استعمالها في مواضع تبدو
متعارضةً تمام التعارض. إذ وردت نصوص وآثار تذم الرأي
والعمل به في قضايا الفقه والتشريع، في حين استشهد
فقهاء كثيرون بنصوص أخرى تستحسن الرأي وتنسب لأصحابه
فضلاً وميزةً.
فالرأي – في
اللغة
-: العقل والتدبير، وما ارتآه الإنسان واعتقده.()
أما في
الاصطلاح
فيطلق على معان ثلاثة:
1 – الحكم بغير دليل شرعي اتباعاً لهوى النفس. وفي هذا
المعنى ورد قوله تعالى:
)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ
مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(()
، وقوله صلى الله عليه وسلم :
«
إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد،
ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً
اتخذ الناس رءوساً جهـالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم
فضلوا وأضلوا
»().
وقول أبي بكر الصديق – رضي الله عنه -:
«أي
سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي
»().
2 – الاجتهاد في تفسير النصوص وبيان الدلالة منها. فهو
مرادف الاجتهاد.
3 – الأدلة الشرعية غير الكتاب والسنة، وهي القياس
والمصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع وغير ذلك من
كل ما لم يرد فيه نص خاص وقامت فيه الفتوى على المقاصد
العامة للتشريع وأسسه الكلية إِنْ لم يجمع بين الحادثة
المستفتى فيها والنص جامع قريب.()
التطــور:
أصل الكلمة: طور. والطور – في
اللغة
– التارة، وهي المرة من الأفعال أو من الزمان. تقول:
طوراً بعد طور، أي: تارةً بعد تارةٍ، والأطوار:
الحالات والتارات والحدود.()
وتُستخدم - هذه الكلمة – للدلالة على ما يحصل في
المرات والأزمان من أحوال مختلفة؛ لأنه لا يقصد من
تعدد المرات والأزمان إلا تعدد ما يحصل فيها. فهو تعدد
بالنوع لا بالتكرار().
كما هو الحال في قول النابغة الذبياني:
فإن أفاق لقد طالت عمايته
والمرء يخلق طوراً بعد أطوار.
وقوله تعالى:
)
مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ
خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً
(().
أي: ضروباً وحالات مختلفة، من طور النطفة إلى طور
الجنين إلى طور خروجه طفلاً إلى طور الصبا، إلى طور
بلوغ الأشد إلى طور الشيخوخة وطروّ الموت على الحياة
وطور البلى على الأجساد بعد الموت...كل ذلك والذات
واحدةٌ، وفي هذا – ولا شك – تعريض بالكافرين لكفرهم
نعمة الله عز وجل.()
أما
المقصود بالتطور
– في هذا البحث – فهو تغير أحكام الوقائع التي لم يرد
فيها نص إلى أحكام أخرى مباينة نظراً لتباين ظروف
الزمان والمكان. وليس المقصود به ما يدخل في دائرة
اختلاف الفقهاء الناتج إما عن اختلافهم في فهم النصوص
أو ثبوتها.()
إن ما ثبت بالنص ليس محل اجتهاد أو تطوير. إذ
«
لا اجتهاد في مورد النص
»؛
فالتطور إنما يقع في المتغيرات التي تبنى على أساس
الثوابت في ظل قواعد فقهية محكمة يُفترض في كل مشتغل
بقضايا الشريعة مراعاتها.
ودواعي التطور تبدو كثيرةً، لكن أساسها يتلخص في
العرف، وتغير الزمان والمكان والمصالح.
التأصيل:
مأخوذ من الأصل وهو أساس الشيء وما ينبني عليه غيره،
وأَصَلَ الشيءَ: قتله علماً فعرف أصله. وأَصَّلَهُ
تأصيلاً: جعل له أصلاً ثابتاً يبنى عليه غيره، وتأصيل
فكرة: تثبيتها أو ترسيخها. ()
وما يقصده الباحث بالتأصيل لا يبعد كثيراً عن المعاني
اللغوية الواردة؛ إذْ هو محاولة معرفة الأسس والقواعد
التي ينبغي أن تضبط الاجتهاد وحركته حتى لا ينحرف ذات
اليمين أو الشمال.
التجديـد:
إن معنى التجديد قريب من معنى التطور. لذا، ينبغي
التعريف به وبيان وجه استعماله.
التجديد – في اللغة -: مصدر للفعل
«
جدد
».
ومعنى التجديد: جعل الشيء جديداً أي غير معهود لدى
الشخص؛ ولذلك وُصف الموت بالجديد كما جاء في لسان
العرب.()
وهذا المصطلح [التجديد] – وإِنْ شاع استعماله في
العصور المتأخرة لكثرة المنادين به وسعة مجالاته – فإن
له جذوراً في التاريخ الإسلامي ترجع إلى مبدأ الرسالة،
حيث ورد في قولـه صلى الله عليه وسلم :
«
جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟
قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله
»()،
وقوله صلى الله عليه وسلم :
«
إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد
لها دينها
»().
فمهمة المجدد بيان السنة من البدعة، ونشر العلم ونصرة
أهله.
وقيل – في معنى التجديد -: إحياء ما اندرس من العمل
بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما.
والتجديد – بهذا المعنى – يبدو لازماً من لوازم
الإسلام مجتمعات وأفراداً؛ ذلك أن المسلم مطالب بتجديد
إيمانه بذكر « لا إله إلا الله » عن وعي كامل بمعانيها
وعمل صادق بمقتضياتها. والمجتمع المسلم مأمور بتجديد
إيمانه من كل ما علق به من أسباب الضعف والبلى والخضوع
والانحراف.
وفي قولـه تعالى:
)
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ
(
()
كل معاني التجديد، لما يحمله فعل التغيير من دلالات
عميقة تشير – بوضوح – إلى ضرورة الإصلاح والنهوض.
إن فهم شريعة الإسلام يستوجب فهم نصوص القرآن الكريم
والسنة النبوية فهماً صحيحاً، وتدبرها وإعمال العقل
فيها من خلال جهد منظم يكشف عن معانيها عندما تكون هذه
النصوص محكمةً ثابتةً، ومن خلال الاجتهاد في الفروع
وتطبيق الأصول على ما استجد من المسائل.
إن الاجتهاد – في الإسلام أصل مهم، وأساس لا غنى
للشريعة عنه، والتجديد لازم من لوازمه، والصحابة
الكرام هم أول من استوعب هذا الأصل فهماً وتطبيقاً،
وأرسوا قواعده وضوابطه. ثم جاء – بعدهم – أئمة
الاجتهاد الأعلام الذين ساروا على نهج أسلافهم فهماً
للمناهج وتنظيماً للقواعد والضوابط، وتطبيقاً للأصول
على الفروع، فأنتجوا علماً ثرياً كان ثمرة جودة فهمهم
وحسن تطبيقهم.
لقد تمثل التجديد – عبر مراحل تاريخه – خير تمثل في
قدرة الفقه على الاستجابة للتحديات التي فرضها الواقع
في المجتمع المسلم، عندما وظَّف أهل الاجتهاد كل
طاقاتهم في البيئة التي أنشأتها عقيدتهم وفي ظل
الثوابت التي أرستها شريعتهم.
لكن بعد عهود – من الجمود والتقليد – برزت - بين صفوف
المسلمين – اتجاهات مختلفة للتجديد، لكل منها مفهوم
خاص، يمكن إجمالها في ثلاثة اتجاهات:
1 –
اتجاه اتخذ التجديد عنواناً للتحلل من الإسلام
بدعوته الصريحة إلى تجاوز الثوابت، وهذا ما يعرف
بالتغريب.
2 –
اتجاه اتخذ التجديد شعاراً لاجتهاد سائب متحلل من كل
الضوابط
ومتجاوز لكل الثوابت باستخدامه لطرق التأويل المخلة
واصطدامه بالنصوص الصريحة. وهو وإِنْ اختلف عن سالفه –
بعدم استبعاده للإسلام كليةً – فإنه جعل للشرع دوراً
ثانوياً مقابل الواقع وحاجاته، حتى أضحت أحكام القرآن
والسنة قابلةً للتأويل والتعطيل بذريعة استلهام روح
الشريعة ومقاصدها.
3 –
اتجاه ينطلق من أسس الإسلام وثوابته متبعاً طرق
التأويل الصحيحة،
وغير معطل للأحكام المنزلة في محاولته بناء فقه جديد
يجيب عن تحديات العصر ومشكلاته التي لا عهد للسابقين
بها. والتجديد – بهذا المفهوم – إنما يبدأ بالتأصيل أي
العودة إلى الأصول الإسلامية.
|
|