تاريخ التحديث فاتح رمضان  1426هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 
الصفحة الرئيسية
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور
 




 
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 


دراسات قرآنية

حد السرقة بين الفهم والتطبيق
لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 

قال الله تعالى:  
)
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( المائدة: 38 – 39

 

الحلقة الرابعة
 

التعدد والتناسب بين السرقة والعقوبة

وهناك حالة خاصة للسرقة أثارت جدلا وخلافا شديدين بين الفقهاء، هي حالة من قطع في سرقة ثم عاد لها مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر ..

فرأى البعض أن تقطع إحدى رجليه في الثانية، ثم يده اليسرى في الثالثة، ثم رجله الأخرى في الرابعة فإن عاد قتل.

واحتجوا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن جابر قال: (جيء بسارق إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال اقتلوه. فقالوا إنما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه، فقطعوه. ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جيء به الثالثة، فذكر مثله، ثم جيء به الرابعة كذلك، ثم جيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، فقال: جابر: فانطلقنا به فقتلناه). ولكن هذا الحديث استنكره النسائي، وقال: (الحديث منكر). وقال: ابن عبد البر: (حديث القتل منكر). بل إن النسائي قال: (لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا).

ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله)، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي، وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن إسناده ضعيف.

وما أغرب ما رآه ابن قيم الجوزية في الموضوع حيث قال: (ثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع اليد الأخرى في الثالثة ورجله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحما على وضم فيريح ويستريح) – أعلام الموقعين 2/126 –. ولا ندري كيف تصور أصحاب هذه الآراء أن الذي تقطع يداه ورجلاه مستريح في نفسه، ومريح لمجتمعه، ولا كيف تصوروا أنه يستطيع أن يسرق للمرة الرابعة أوالخامسة...

وقد خالفهم في ذلك الحنفية فرأوا أن تقطع رجله في الثانية ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البيهقي أنه أتي إليه بسارق للمرة الثالثة بعد أن قطعت يده ورجله، فقال: ( إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) وقد خالف علي في  ذلك أبا بكر، مع أنهما معا صاحبا النبي – صلى الله عليه وسلم- وأخذا عنه.

أما نحن، فإننا نجزم ونبت ونثبت أنه لم يصلنا في قطع رجل السارق عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيء، والآية القرآنية لم تبين إلا قطع اليد، ولا حجة لنا إلا من كتاب الله، وما ثبت من سنة صحيحة عن نبيه عليه السلام. وليس فيهما أمر أو إباحة لقطع أي عضو من السارق غير يده، وبالطريقة التي تقدم شرحها، أما ما سوى ذلك فلا نرى جوازه إلا بنص صحيح وليس بين أيدينا هذا النص، ودم السارق حرام إلا بحقه، كدماء جميع المسلمين الثابتة بالنصوص الصحيحة، وما ثبت بنص صحيح لا ينسخ إلا بآخر صحيح.

ولعل أحدا يعترض علينا بأن فعل الخلفاء الراشدين ملزم لنا، لما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم _ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، ولكن يرد عليه بأن الخلفاء الراشدين ليسوا أنبياء ولا معصومين، وأن سنتهم التي ينبغي العض عليها بالنواجذ، هي اتباعهم لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم-.

وهذه المعاني كانت واضحة للسلف الصالح، وضوحا لا لبس فيه ولا غبش، كما يتضح لنا من الحديث المشهور الذي رواه مسلم والبخاري وأصحاب السنن، بألفاظ متقاربة: (إن رجلا أتى عمر، فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم- :" إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، " فقال عمر:" اتق الله يا عمار، قال: " إن شئت لم أحدث به ".

وقد علق ابن تيمية على نفس الحديث بقوله: "فهذه سنة شهدها عمر–رضي الله عنه- ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار – رضي الله عنه- فلم يذكر" - رفع الملام 32-.

ونحن نزيد على قول ابن تيمية: إن عمر لم يشهد ذلك سنة فقط، ولكن تلاه قرآنا عربيا غير ذي عوج، قال تعالى: ) فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً(النساء: 43)، فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج (المائدة: 6.

على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:

أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد على السارق عدة مرات في اليد الواحدة ، إذا ما تكرر منه فعل السرقة.

ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه، كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير. مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:

يد بخمس مئين عسجد وديت    مابالها قطعت في ربع دينار

فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب المالكي:

صيانة العضو أغلاها وأرخصها   صيانة المال فافهم حكمة الباري

وهذا غير صحيح، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة.

ونحن نرى- وبالله التوفيق - أن هذا الإشكال قد أزيل بسبب وضوح معنى "القطع"، بحيث يقدر الجرح أو القطع الموقع باليد طولا وعرضا وغورا ومساحة، بما يتناسب ومقدار السرقة وخطورتها وما يصاحبها من ظروف التشديد أو التخفيف. فعن سرقة الشيء التافه يجرح السارق جرحا صغيرا في يده، ثم يكبر الجرح تبعا لمقدار السرقة، ثم يتحول إلى قطع، ثم يتسع مدى القطع تبعا لمقدار السرقة وظروفها.

هكذا يزول الإشكال الفقهي في التعدد والتناسب بين مقدار العقوبة ومدى خطورة السرقة أو تعددها ببساطة ويسر، ودون أن نعطل حدود الله، أو نقطع من السارق ما حرم من دمه ولحمه.

هل يسقط الحد بالتوبة:

يقول تعالى: ) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة39.

أي من تاب من بعد السرقة ورد المسروق نادما عازما على عدم العودة للظلم – أصلح- فإن توبته مقبولة. وهذا يقودنا إلى قضية أخرى كثر الاختلاف فيها، وهي: هل يسقط الحد بالتوبة أم لا؟

لقد قيل بعدم سقوط الحد ولو تاب السارق وأصلح، وقيل يسقط الحد بالتوبة، ولكل فريق حجته من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- بتأويل خاص:

فالذين قالوا بعدم سقوط الحد بالتوبة اعتبروا أن الأصل هو إقامة الحد، وأن سقوط الحد بالتوبة استثناء لا غير، وأن الله تعالى لم يستثن من هذا الحكم إلا حد الحرابة بنص القرآن: )إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة:34 .

كما استشهدوا بما ورد في سورة النور عن حدي فاحشتي الزنا، وقذف المحصنات، عندما قال سبحانه وتعالى بعد أن أثبت إقامة الحد: )إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(آل عمران:89. كما قال ابن حزم: (لأن الله تعالى لم يسقط الحد بالتوبة مطلقة، ولو أراد ذلك لقال:" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " ولم يقل:" مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ "، فلما قال تعالى: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " بين لنا أن هذه التوبة لا تكون إلا من بعد الجلد ثمانين، واستحقاق اسم الفسوق ورد الشهادة، لا قبل الحد بنص القرآن ...) إلى أن قال: (وصح أنه لا يسقط بالتوبة شيء من الحدود حاشا حد الحرابة الذي ورد النص بسقوطه بالتوبة قبل القدرة عليهم فقط)-المحلى 8/130-.

أما من قال بسقوط الحد بالتوبة فقد قال عنهم ابن حزم في كتابه المحلى (8-126): (وقال قوم: إن الحدود كلها تسقط بالتوبة وهذه رواية رواها أبو عبد الرحمن الأشعري عن الشافعي، قالها بالعراق ورجع عنها بمصر، واحتج أصحاب هذه المقالة بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم فخرج يشتد:" ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟ يا هذا لو سترته بثوبك كان خيرا لك ".

ونحن تبعا لما فهمنا من كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم - نذهب هذا المذهب، ونعتقد أن الحد يسقط بالتوبة، وأن عدم سقوطه في فاحشتي الزنا والقذف هو الاستثناء، وأن التوبة تسقط الحدود وتجب ما قبلها. وهذا كتاب الله ينطق بالحق بين أيدينا:

·       (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ( (لأعراف:153) .

·   )إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً( النساء17.

·       )ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ( النحل119.

ثم إن السنة النبوية بينت لنا أن رحمة الله سبقت غضبه، كما ورد في البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال الله تعالى فيما رواه عنه صلى الله عليه وسلم: "سبقت رحمتي غضبي".

وإقامة الحدود تعتبر انتصارا لغضب الله، وسقوطها بالتوبة من رحمة الله، ورحمة الله سبقت غضبه، قال تعالى: ) كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ( الأنعام12 ، وقال تعالى: ) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء( الأعراف 156 .

ثم إن آية حد السرقة فصلت في الأمر، وليست محتاجة إلى كل هذه الشروح، فقد نصت على أن التوبة مسقطة للحد بعد السرقة لا بعد إقامة الحد، فقال تعالى: ( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه) أي من بعد قيامه بالسرقة، ولم يقل : ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) كما ورد في آية الزنا والقذف التي استشهد بها ابن حزم في الموضوع، مما يدفع استنباط ابن حزم ومن على مذهبه دفعا كاملا.

على أن القول بسقوط الحد بالتوبة مطلقا يفتح بابا خطيرا أمام دعاة تعطيل الحدود، سواء من جهلة المسلمين، أو من المدسوسين في صفوفهم ، أو من أعداء الإسلام الظاهرين المتجاهرين، لذلك وجب – سدا للذرائع وقياما بأمر الله- أن يفهم حكم سقوط الحد بالتوبة جنبا إلى جنب مع ضرورة إقامة حدود الله فهما متكاملا لا يدفع أحدهما الآخر، ولا يسقط أحدهما الآخر.

ولو تأملنا النصوص التي يعتمد عليها الفريقان (من يرى سقوط الحد بالتوبة، ومن يرى عدم سقوطه) وجمعنا بينهما لتبين المخرج من هذا الاشكال:

ذلك أنه ثبت بالقرآن والسنة وجوب إقامة الحدود:

·       )وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( البقرة230.

·       )وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( التوبة112).

·       )تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ( البقرة 29.

·       )وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ( النساء:14.

·   وقال – صلى الله عليه وسلم- لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

·   وقال: (أما بعد، فإنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد).

·       وقال للمرأة التي قطعت يدها: (أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك).

·       وقال: (كل حد رفع إلي فقد وجب).

كما ثبت بالكتاب والسنة أيضا أن التوبة تسقط الحدود إلا ما استثنـي بنص كما هو الحال في حدي الزنا والقذف. فقال تعالى:

      - )فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( المائدة39 .

      - )وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( الأنعام54) .

      - وقال – صلى الله عليه وسلم- : (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب).

- وقال لصفوان الذي سرق رداؤه، وأراد ألا يقطع السارق: (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به).

     - وقال لمجموعة من الصحابة بايعوه: (أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا...ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).

     - وقال – صلى الله عليه وسلم- عن ماعز عندما مسته حجارة الرجم، فخرج يشتد: (ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).

     - وقال لهزال الذي أشار على ماعز بالاعتراف: (لو سترته بثوبك كان خيرا لك).

    - وقال – صلى الله عليه وسلم-: ( ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).

    - وقال: (لا تقطع الأيدي في الغزو).

هذه النصوص لا تتعارض مطلقا مع النصوص الموجبة لإقامة الحد، لأنها متكاملة معها. لذلك إذا نظرنا في مجموعتي النصوص (مجموعة إيجاب الحد، ومجموعة التعافي عنه) وفهمناهما فهما متكاملا تبينت لنا الأحكام التالية:

1-  الأصل هو أن التوبة تسقط الحدود، إلا ما استثنـي بنص، ولكنها التوبة المقرونة بالإصلاح الذي هو رد المظالم والعزم على الاستمرار في الاستقامة.

2-  يجب – حفظا لحدود الله- التثبت من صدق التائبين، أو تلاعب المتظاهرين بالتوبة خوفا من العقاب.

3-  للمتضرر – المسروق منه- أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطة القضائية.

4- المجتمع الإسلامي طرف في القضية، يتضرر بشيوع السرقة والخيانة، كما يستفيد من شيوع خلق الأمانة، وينتفع بإقامة الحدود انتفاعه بشيوع التراحم والتعافي بين أعضائه. والسارق من جملة هؤلاء الأعضاء، لذلك يستحب للمجتمع الإسلامي أن يتعافى الحدود بما لا يؤدي إلى تعطيلها، وهذا مفهوم من خطاب الرسول – صلى الله عليه وسلم- لأمته: (تعافوا الحدود فيما بينكم)

لكن ذلك يجب أن يكون قبل رفع قضايا السرقة إلى المؤسسة القضائية التي لا يجوز في حقها التعافي، وما رفع إليها من حد فقد وجب، وهذا يقتضي من المجتمع الإسلامي أن يضع تقنينات تبين ما يمكن التعافي عنه من الحالات، كما في المرض المزمن الذي معه موت السارق إن قطع، وكحالة الحرب التي ينبغي ألا تعطل فيها الأيدي عن تناول السلاح، وحالات المجاعة التي يختل فيها الاقتصاد، ويندر فيها تواجد الحاجات. وكحالة بعض ذوي المروءة والصدق الذين يغرر بهم أو يورطون غفلة منهم...وفي بعض الحالات الأخرى التي تقدر بقدرها.

5- الشفاعة في الحدود لا تجوز مطلقا، وذلك لأن الشفيع لا علاقة له بالموضوع، وليس طرفا فيه. وإنما أطرافه هم السارق والمسروق منه، والمجتمع الإسلامي، وقبلهم كلهم الله تعالى. والشفيع طرف غير هؤلاء جميعا، وليس له حق التدخل إلا أن يكون نصيحة أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر. ولذلك منع الرسول – صلى الله عليه وسلم- أسامة من الشفاعة في المخزومية التي سرقت، لكيلا يجترئ الناس عليها فتتعطل الحدود.

6- إن من الناس من ستره الله تعالى ولم يقم عليه الحد، فذلك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن هدي للامتثال لقوله تعالى ) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( النورلآية31، دخل بإذنه عز وجل في جملة المخاطبين بالآية الكريمة: )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ( الزمر53.  انتهى.

 

أقرأ أيضا:

حد السرقة بين الفهم والتطبيق

لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

قال الله تعالى:  

)وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( المائدة: 38 – 39

 توطـئـة

 إن هاتين الآيتين تعدان في لفظهما لبنتين أساسيتين من سورة المائدة، التي تضمنت أحكام العقود والمواثيق على اختلاف أنواعها وأشكالها، سواء كانت عقودا بين الله وخلقه على الإيمان به، وتحريم ما حرم، وإباحة ما أباح والقيام بما فرض، بوصفها داخلة في العقد الأول بين الله والإنسان كما ذكر ذلك رب العالمين في قوله عز وجل:

) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( الأعراف: 172، أو داخلة في عقد الإسلام بين الله ورسوله والمؤمنين بالله ورسله) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ( المائدة : 1

كما تعد هاتان الآيتان في مضمونيهما التشريعي لبنتين أساسيتين في بناء المجتمع الإسلامي المتكامل عقديا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، بحيث يتعذر على المرء انتزاع هاتين الآيتين من سورة المائدة لفظا، كما يتعذر إقامة نظام مجتمع إسلامي حق بدون تطبيقهما، أو تطبيق مضمونها في مجتمع غير إسلامي اختلت عقيدته وفسدت نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فمن حيث علاقة الآيتين بسورة المائدة وارتباطهما بها نلاحظ أن هذه السورة قد استهلت بقوله تعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ( ، وختمت بحوار بين الله تعالى وبين عبده عيسى عليه السلام عن مدى توفيته بميثاقه: ) وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( المائدة 116 / 117.

ويجيبه الله سبحانه وتعالى بعد أن بين وفاءه بالعقد والعهد في نفس المشهد الحواري الرائع الرهيب بين الرب الرحيم العظيم المهيمن والعبد المؤتمن الأمين: ) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( المائدة: 119.

وبين دفتي السورة – الأمر القرآني بالوفاء بالعقود والموقف الرباني لمساءلة المسيح في اليوم المشهود – تفصيل لما ينبغي الوفاء به من أحكام ومواثيق وعهود، وأمثال تربوية من مواقف الأمم والشعوب ومدى توفيتها أو خيانتها.

كل ذلك بالأسلوب القرآني الذي تلتقي فيه التربية الوجدانية بالتشريع الاجتماعي، والتوجيه الأخلاقي بتفصيل الحلال والحرام في المطعم والمنكح، وتصحيح العقائد والشعائر بتمتين العلاقات بين الأفراد والأمم، ببيان الحدود والعقوبات المقررة للجرائم والاعتداءات، التي يرتكبها الأفراد في حق الأفراد والجماعات والعلاقات، ومن بينها حد السرقة التي هي إخلال بالأمانة وإضرار بالمجتمع واعتداء على المال ونقض للعقود.

وبالتالي فإن سياق هذه السورة كله يدور حول الوفاء في شتى صوره وأشكاله؛ كل ذلك خطابا للمسلمين وتعليما لهم وتذكيرا وتحذيرا من عاقبة نقض العقود والمواثيق وخيانتها، سواء كانت مع الله أو مع خلقه، صغيرة أو كبيرة؛ لأن الذي يخل بالمواثيق الصغيرة في نظره، لا حرمة في نفسه ولا رعاية للمواثيق الغليظة.

ثم يذكر الله المؤمنين بميثاقهم معه يوم قالوا لنبيه سمعنا وأطعنا في المنشط والمكره ونصرة الإسلام وتبليغه للناس ) وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور( المائدة:7.

 ثم يضرب لهم المثل ببني إسرائيل وخيانتهم: ) وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ، فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( المائدة : 13  .

ثم يعقب سبحانه بمثل موقف النصارى من مواثيقهم: ) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ( المائدة: 14.

ثم يرد الأمر الإلهي للرسول – صلى الله عليه وسلم – بأن يوفي بعهده، ويبلغ الرسالة التي أؤتمن عليها بموجب العقد الذي التزم به والميثاق الذي واثقه به ربه سبحانه ) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين ( َالمائدة: 67.

 كما يرد التهديد للمسلمين إن هم نقضوا العهود وارتدوا عن دينهم بأن الله سوف يأتي بقوم غيرهم يحبهم ويحبونه: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( المائدة54.

 وهكذا يتـضح لنا أن آيتي حد السرقة ( السارق والسارقة..) جزء أساسي وضروري متمم للسورة يتعذر انتزاعه منها؛ لأنه متعلق بعقد للإنسان مع الله ومع خلقه على حفظ الأموال والذمم والدماء وأمن المجتمع. وليس من الطبيعي ولا المعقول ولا المنطقي أن ترد سورة المائدة بدون آيتي حد السرقة ولا أن ترد هاتان الآيتان في غيرها من السور. وهذا من الإعجاز القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

حد السرقة والمجتمع الإنساني

أما من حيث علاقة المضمون التشريعي للآيتين بالمجتمع الإسلامي الرباني الحقيقي فلابد لتوضيح ذلك من التذكير بأن هذا القرآن جاء لينشئ مجتمعا نموذجيا، وليقيم نظاما للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مرتبطا بنسق كوني متكامل خاضع لله الذي خلق الكون ويعلم ما يصلح له وما يصلحه وما يناسبه من نظم وتشريعات، وعلمه سبحانه وتعالى مطلق غير محدود، لذلك يتعذر خلط التشريع الإلهي المبني على حكمة وعلم مطلقين بالتشريع الوضعي المؤسس على حكمة وعلم محدودين. ومن ثم فإن ترقيع المجتمع الرأسمالي بالتشريع الإسلامي متعذر؛ لأن النظام الرأسمالي مبني على الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا عين السرقة. كما أن ترقيع المجتمع الماركسي بالتشريع الإسلامي متعذر؛ لأن ثروة الناس سرقتها في هذا النظام فئة الحزب الحاكم، فكيف يستساغ تطبيق حد السرقة على الذي أخذ حاجته من ثروته المسروقة.

أما المجتمعات الإسلامية التي اختلت فيها الأوضاع الإيمانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولم يطبق فيها حكم الإسلام، فهي أيضا غير صالحة لإقامة حد السرقة ما لم تستقم فيها هذه الأوضاع على نهج الإسلام وشريعته. والمثال صارخ بين أيدينا في دول تقيم الحدود على غير مستحقيها، وتستغل إقامتها لحماية اللصوص من المرابين والمضاربين والمقاولين والمرتشين.

لذلك فإقامة حد السرقة بالشكل الصحيح – كغيره من الحدود – مرتبطة ارتباطا وثيقا بإقامة الإسلام كله كاملا متكاملا في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فليس من المجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظامه السياسي غير إسلامي، إذ لا بد أن يكون النظام فيه إسلاميا شورويا (وأمرهم شورى بينهم )، والتشريع فيه لله، وراية التوحيد فيه خفاقة عالية تتحدى الظلمة، وتستهزئ بالطواغيت والجبابرة؛ ولعل في منطوق آيتي حد السرقة ما يؤدي هذا المعنى في قوله تعالى (فاقطعوا أيديهما)، إذ الخطاب القرآني والأمر بالقطع موجه إلى الأمة بصيغة الجمع، مما يفيد أن مسؤولية إقامة الحدود ملقاة على عاتق الجميع وأن سلطة تنفيذها سلطة جماعية.

وليس من المجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظامه الاقتصادي غير إسلامي، ثروة الشعب فيه دولة بين الأغنياء أو محتكرة بيد السماسرة، وحاجات الأفراد فيه سجينة لدى المستغلين؛ إذ لابد لإقامة حد السرقة من تحرير حاجات الناس وضمان ضروريات العيش الكريم لهم،  فإذا وجدت هذه الحاجات أو حررت كان الذي يتجرأ على السرقة إما ظالما معتديا يقام عليه الحد، أو منحرفا نفسيا وعصبيا يلحق بالمستشفى.

وكذلك لا يجدي إقامة حد السرقة في مجتمع نظام الاجتماع فيه غير إسلامي علاقات الأفراد فيه فوضوية، وملابسهم ومآكلهم ومشاربهم بهيمية، وعواطفهم نحو بعضهم حيوانية.

إذ لو كان المجتمع يعصر الخمر أو يشيعه بين أعضائه لما جاز إقامة حد السرقة على من يتناول خمرا أو مخدرا ثم يتجرأ على السرقة تحت تأثيرهما.

     إن حماية الموطنين من مختلف الضغوط والانحرافات، وإشاعة جو من النظافة الروحية والخلقية والاجتماعية، وتنمية روح الجدية والشعور بالمسؤولية شروط ضرورية لإقامة حد السرقة.

السرقة لغة وشرعا:

وردت آيتا حد السرقة في سورة المائدة بعد آية حد الحرابة والفساد في الأرض )إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ..الآية(المائدة 33، نظرا لما للحكمين من علاقة وترابط واتصال....

فالحرابة والإفساد يتضمنان أكل أموال الناس ظلما بواسطة الخروج على الجماعة وقطع الطريق، والسرقة أيضا ضرب من ضروب الفساد بأكل أموال الناس بالباطل خفية..

ولما بين الله تعالى عقاب أولئك المفسدين المحاربين وأمر بالتقوى وابتغاء الوسيلة بين عقاب هؤلاء اللصوص أيضا ليجمع في تربية الخلق بين الحافز الذاتي إلى الخير والصلاح، وبين الوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب فقال تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( ومعناها قطع يد كل منهما ذكرا أو أنثى. فظاهر اللفظ من جمعه ( الأيدي ) من الاثنين يدل على أن المراد يد واحدة من كل منهما، وقد جمع " اليد " ولم يقـل ( يديهما ) ، لأن الفصاحة العربية تستثقل إضافة المثنى إلى ضمير التثنية، أي الجمع بين تثنيتين مثل قوله تعالى: ) (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا( التحريم 4.

 وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم )، كما روى عنه أيضا: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما )، وهي قراءة شاذة وإن كان الحكم بقطع اليمنى عند جميع الفقهاء موافقا لها.وتعرب ( السارق والسارقة ) مرفوعين على الابتداء، والخبر: (فاقطعوا أيديهما )، كما يمكن أن يكون الخبر محذوفا أي: حكم السارق والسارقة ثابت فيما يتلى عليكم. وقوله تعالى ( فاقطعوا أيديهما ) بيان لذلك الحكم المقدر.

والاختيار عند الكوفيين أيضا الرفع، لأنه لم يرد به سارق بعينه ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد قرأ عيسى ابن عمر ( والسارق والسارقة ) بالنصب، وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة ـ الرفع ـ، ولكن ذلك طعن في قراءة واظب عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترجيح للقراءة الشاذة.

أما من حيث البحث اللغوي فيقال: السرقة - بفتح السين وكسر الراء-. كما يقال السرقة –بفتح السين وسكون الراء أو بكسر السين وسكون الراء- ومعناها أخذ مال الغير خفية وسرا.ولم تختلف الأمة في أن الآية خاصة بسرقة المال أو ما يقوم بالمال.

 كما ميز الله عز وجل في الحكم، بين السارق وبين غيره من آكلي أموال الناس بالباطل. فجعل القطع للسارق، وترك قطع المنتهب والمختلس والغاصب والمرتشي دون أن يعفيهم من التعزير والتأديب. ذلك أن السارق لا يمكن الاحتراز منه لوقوع الجريمة منه خفية، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا، بخلاف المنتهب والمختلس والغاصب والمرتشي فإنهم يمكن الاحتراز منهم ومقاومتهم وكف أذاهم لوقوع الفعل منهم جهارا.

اشتراط الحرز إضافة لا أصل لها:

أضاف الفقه الإسلامي منذ بداية نشوئه شرطا لتحقق فعل السرقة استنبطه من معناها اللغوي، وهو ضرورة وقوع السرقة في حرز. والحرز هو ما بني للسكن وحفظ الأموال كبيت أو دكان أو خيمة أو نحو ذلك، ولو لم يكن له حارس أو حافظ، وسواء سرق منه وهو مفتوح الباب أو لا باب له.

واعتمد في إضافة هذا الشرط على تأويل بعض الآثار النبوية مثل:

- (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ مَا أَصَابَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ )النسائي

- ( قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَمْ تُقْطَعُ الْيَدُ قَالَ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَلَا تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ فَإِذَا آوَى الْمُرَاحَ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ ) النسائي

قال - صلى الله عليه وسلم –: (عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ )الترمذي

وهي كلها روايات تحدث في سندها وردها بعض رجال الحديث كما شرح ذلك ابن حزم بتفصيل في المحلى: (8/319)، ثم عقب بقوله:( ومن طريق البخاري... قال رسول – الله صلى الله عليه وسلم -: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ )

(قال أبو محمد – رحمه الله -: فقضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقطع السارق جملة ولم يخص عليه السلام حرزا من غير حرز  )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( النجم 3،4)وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً( مريم 64، وقال تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( المائدة 3، وقال تعالى: ) لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( النحل 44، ونحن نشهد بشهادة الله تعالى، أن الله عز وجل لو أراد أن يقطع السارق حتى يسرق من حرز، ويخرجه من الدار، لما أغفل ذلك و لا أهمله، و لا أعنتنا بأن يكلفنا علم شريعة لم يطلعنا عليه، ولبينه على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم، إما في الوحي وإما في النقل المنقول. فإذ لم يفعل الله تعالى ذلك ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم، فنحن نشهد ونبت ونقطع بيقين لا يمازجه شك أن الله تعالى لم يرد قط ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم - اشتراط الحرز في السرقة. وإذ لا شك في ذلك فاشتراط الحرز فيها باطل بيقين لا شك فيه ) _ المحلى 8– 328 -.

وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق والخوارج كلهم لا يشترطون الحرز لعدم ورود الدليل باشتراطه في السنة، ولإطلاق الآية.

لذلك فإننا لا نأخذ باشتراط الحرز، لأنه ليس لنا به نص من قرآن أو سنة؛ والآية عامة ومطلقة، والنبي – صلى الله عليه وسلم – أمر بقطع السارق جملة دون أن يشترط في ذلك حرزا. والسرقة لغة وعرفا وشرعا وواقعا، هي أن يأخذ الشخص سرا واستخفاء، شيئا ليس له أخذه سواء من حرز أو من غير حرز. وهي جريمة في كل الأحوال، والعقوبة الرادعة لها هي عقوبة مقررة لجوهر فعل سرقة الأموال أو ما يقوم بمال، وليست لنوع معين منها فقط، أو شكل خاص بها فقط أو ظروف تصاحبها فقط.

النصاب بين الشرع وواقع الأمة المرير:

كما أضاف أكثر فقهاء السلف والخلف شرطا آخر لتحقق السرقة، وهو النصاب الذي يقام له الحد. وثار بينهم خلاف لم يحسم لحد الآن. ذلك أن الآية الكريمة وردت مطلقة غير محددة لمقدار معين يقطع فيه السارق. فذهب أكثر المحدثين إلى أن أحاديث – رسول الله صلى الله عليه وسلم – حددته. ثم اختلفوا في تأويل هذه الأحاديث واستخراج الأحكام منها. لكن كل ما ورد في هذا الموضوع مضطرب ومختلف. فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة - رضي الله عنها وعنهم- أحاديث يدفع بعضها بعضا. ورد عنهم  مرسلا ومرفوعا أن نصاب السرقة دينار، وأنه ربع دينار، وأنه ثلث دينار أو نصف دينار، وأنه ثمن المجن – الترس – فما فوقه. وقدر الصحابة والتابعون ثمن المجن تقديرات مختلفة: ثلاثة دراهم ، وخمسة دراهم ، وعشرة دراهم ، وربع دينار ، ونصف دينار . وقدره ابن قيم الجوزية بكفاية الرجل وأهله من الطعام ليوم واحد.

وكان هذا التضارب في الروايات والآثار سببا رئيسيا في اختلاف الأحكام لدى المذاهب الإسلامية:

فالنصاب عند المالكية ثلاثة دراهم، وحجتهم ما ورد في الصحيحين من أنه – صلى الله عليه وسلم – قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.( قَالَ مَالِك أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَإِنِ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ( موطأ الإمام مال )  

والنصاب عند الشافعية ربع دينار، وحجتهم ما رواه الشيخان عَنْ عَائِشَةَ ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا )

والحنابلة يجمعون بين الحديثين  فعندهم يقطع كل من سرق ما قيمته ثلاثة دراهم، أو ربع دينار.

أما الحنفية، فالنصاب عندهم عشرة دراهم، وحجتهم ما ذهب إليه ابن عباس وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وسفيان الثوري من أن ثمن المجن كان على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشرة دراهم.

والنصاب عند الإمامية ربع دينار، بلغ الدينار ما بلغ. ولكنهم يعتبرون هذا تخفيفا فقط على السارق، وإلا فسارق أقل من ذلك عندهم يعد سارقا، واعتمادا منهم على رواية لأبي عبد الله – رضي الله عنه – قال: (كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله سارق ولكن لا تقطع اليد إلا في ربع دينار أو أكثر، ولو قطعت يد السارق فيما هو أقل من ربع دينار لألفيت عامة الناس مقطوعين ).

ونحن إذا ما حاولنا استقراء الأحاديث الواردة في الموضوع وجدنا أن الاضطراب ليس واردا فقط بين حديث صحابي وحديث صحابي آخر، وإنما هو أيضا فيما روي عن الصحابي الواحد، كما يتضح لنا من الأمثلة التالية:

فعن عائشة رضي الله عنها مثلا، روي عدد من الأحاديث يدفع بعضها بعضا مثل:

1-     عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ ثُلُثِ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ( النسائي)

2-           قيل لعائشة: ما ثمن المجن ؟ قالت: ربع دينار (رواه سليمان بن يسار عن عمرة ).

3-           وعَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ يُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ( النسائي)

4-     إن يد السارق لم تكن تقطع في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – في أدنى من ثمن المجن. وكان المجن يومئذ له ثمن، وأنه لم يكن عندها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – غير ذلك (رواه هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة ).

5-     روى مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيتُ الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ( الموطأ).

6-            كما رويت أيضا أحاديث متدافعة في الموضوع عن عبد الله ابن عمر منها:

1-      قطع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مجن قيمته خمسة دراهم، وهو ما رواه حنظلة قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (النسائي).

2-      قطع رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ َ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قِيمَتُهُ  (البخاري)

3-              وكذلك إذا ما استعرضنا الآثار المروية الأخرى وجدناها أشد اضطرابا وتدافعا، كما يبدو في الأمثلة التالية:

1 – قطع ابن الزبير في درهم (ابن جرير الطبري )

2 – احذر من أن تقطع يدك في درهم (الحسن )، النصاب عند الحسن والزمخشري درهم واحد.

3 – تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار وهو ما رواه أبو داود عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.

4 – وَرُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا قَالَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ ابْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ رَأَوُا الْقَطْعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا( الترمذي)

5 – لم يقطع النبي – صلى الله عليه وسلم – السارق إلا في ثمن مجن وثمن المجن يومئذ دينار – النسائي -.

6 – قال عمرو بن شعيب، قلت لسعيد بن المسيب: إن عروة والزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم، فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشرة دراهم، قاله ابن عباس، وأيمن الحبشي، وعبد الله بن عمر. وقالوا: كان ثمن المجن عشرة دراهم.

7 – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم ( ابن عمر وأنس). 

8 – قال – صلى الله عليه وسلم -: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم (سنن ابن قانع عن ابن مسعود ).

9 – قال – صلى الله عليه وسلم: لا قطع فيما دون عشرة دراهم. ( عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن جده ).

10 - صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القطع في ربع دينار ( ابن جرير الطبري ).

11 – قال ابن عباس: الآية على العموم أي: أنها لم تحدد نصابا معينا للقطع.

12 – أتي عثمان – رضي الله عنه - بسارق سرق أترجه قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر، فقطع ( أخرجه ابن المنذر ).

13 – إن عليا – رضي الله عنه – قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصف (أخرجه ابن المنذر).

14 – إبراهيم النخعي وغيره من التابعين، قالوا: كانوا يقطعون في الشيء التافه، واحتجوا في ذلك، بأن الآية وردت مطلقة، وأن (الرسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ قَالَ الْأَعْمَشُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا)  البخاري.

15 – قال القرطبي: " وقال آخرون بل عني بالآية سارق القليل والكثير واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأن ليس لأحد أن يخص منها شيئا إلا بحجة يجب التسليم لها.

16- وعَنْ عِرَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بِالْمَوْسِمِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ وَالْبَعِيرُ أَفْضَلُ مِنَ الْمِجَنِّ ( أحمد)

17 - لا تقطع الخمس إلا في خمس أي خمسة دنانير أو خمسين درهما (مذهب سعيد بن جبير وبعض السلف )

18 - وقالوا، لم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خبر بأن ذلك في خاص من السراق. قالوا: والأخبار فيما قطع فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أتي بسارق درهم فخلى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، قالوا: وممكن أن يكون لو أتي بسارق ما قيمته دانق أن يقطع “.

ونحن إذا تتبعنا مسيرة الفقه الإسلامي منذ نشأته بعد الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى الآن، نلاحظ أنه يتأرجح في موضوع نصاب السرقة بين التشديد والتخفيف، تبعا لموقف الفقهاء من المشكلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاصرونها، ومدى تأثرهم سلبا أو إيجابا بها. لاسيما وكان قد اختل نظام الحكم الإسلامي بتحول أمر المسلمين إلى ملوكية عاضة وجبرية، احتكرت فيها السلطة والثروة بيد حفنة من السلاطين والأعوان، فعطلت الحدود لدى البعض بدعوى عدم ملاءمتها للعصر، واتخذت لدى غيرهم - على غير وجه شرع - درعا للاحتماء من غضب الشعوب، ولحماية كبار اللصوص من النخب الفاسدة.

ونحن نرى أن فقهاء الأمة، قد ألزموا أنفسهم في قضية تحديد النصاب ما لم يلزمهم. وما هو متعذر تحديده، وأن اختلافهم في تحديد قيمة المجن طبيعي جدا من وجهة النظر الاقتصادية. فالمجن قد يكون ثمنه في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – مقدارا معينا في المدينة، ومقدارا غيره في مكة، وآخر مخالفا لهما في فارس، وغير هذه المقادير كلها لدى الروم. وقد يكون ثمنه في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي المدينة وحدها مقدارا معينا عند مجيء قوافل التجار، ومقدارا آخر عند غيابها، نظرا لعاملي الندرة والوفرة، وظروف العرض والطلب، وحالات الجودة والرداءة، والحرب والسلم.

كما أن تحديد قيمة النقد تحديدا جامدا متعذر أيضا؛ لأن قيمة العملة تتغير من زمان لزمان، ومكان لمكان، سواء كانت ذهبا، أو فضة أو أوراقا نقدية، تبعا للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

ثم إن العقوبة المقررة في القرآن هي عقوبة رادعة لمطلق فعل السرقة، لأنه فعل في نفسه ذميم، ومرض خطير يخل بالأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للأمة، فإذا حددنا للسرقة نصابا معينا كنا كمن يقول: " لا بأس بالخيانة، ما دامت صغيرة، ولا تساهل معها إذا ما تضخمت“.

مع العلم بأن جميع أنواع الانحرافات تبدأ صغيرة، ثم تكبر وهذا معروف في الشرع الإسلامي الذي ينص على أن يقام الحد على شارب قليل الخمر، كما يقام على شارب كثيره، عملا بالقاعدة الفقهية: (ما أسكر كثيره فقليله حرام )، فلماذا نشذ عن هذه القاعدة في قضية السرقة فنميز بين سرقة القليل وسرقة الكثير بدون نص .

لكل هذا نرى أن الله عز وجل قد انزل هذه الآية( والسارق والسارقة...) مطلقة غير محددة لنصاب السرقة قدرا معينا ،وأن كل من سرق من مسلم شيئا مهما كان تافها يعتبر سارقا ، وهو عند الله سارق ، وداخل ضمن أحكام الآية، وأن خيرا من الجدل في هذا الموضوع  أن تحل المشكلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى السرقة  بقيام حكم الإسلام الكامل المتكامل الذي ليس فيه جائع ولا محروم ولا خائف و لا مضطر، ولا فاقد للعقل بخمر أو مخدر .

إقامة الحد بين القطع والبتر:

أما قوله تعالى:  ) فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ( المائدة: 38 فقد وقع الاتفاق بين الفقهاء على أن المراد بذلك اليد اليمنى، وإن لم ينص على ذلك ظاهر القرآن، وإنما قرروه اجتهادا منهم واعتمادا على قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وهي قراءة غير صحيحة كما ذكر ابن حزم.

أما الكتاب والسنة، فلم ينصا إلا على وجوب قطع اليد دون تمييز لليمنى عن اليسرى، لذلك وجدنا عليا كرم الله وجهه قطع الشمال واكتفى بها معتبرا أن قطع اليسرى مجزئ عن قطع اليمنى.

ثم اختلفوا في مقدار ما يقطع، فذهبوا مذاهب شتى، نظرا لورود أمر القطع في القرآن بدون تحديد. مما فتح للاجتهاد مجالا للاختلاف: رأى البعض أن يكون القطع من المرفق وحجتهم ما أولوه من آية الوضوء) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ( المائدة 6، ولكن هذا التأويل مدفوع برأي من يقول: إن اليد هي العضو إلى مفصل الكف محتجين بآية التيمم وسنته )وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (النساء43.

ورأى البعض أن يكون القطع من الإبط أو المنكب، وهو قول الزهري وسعيد بن المسيب والخوارج، وحجتهم أن اسم اليد يطلق على العضو إلى المنكب.

واختلفت الروايات عن علي كرم الله وجهه، فذكر الشافعي في كتاب "اختلاف علي وابن مسعود" أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى، ويقول "أستحيـي من الله أن أتركه بلا عمل"، كما روي عنه أيضا أنه كان يقطع أصول الأصابع كلها دون الكف.

أما أغلب السلف والخلف، فيرون أن يكون القطع من مفصل الكف (الرسغ)، محتجين بعدة أدلة هي:

1 – أنه أقل ما يسمى يدا، ولكن هذا غير صحيح لأن الكف دون أصابع والأصابع دون كف، من أقل ما يسمى يدا.

2 – أنه هو اليد حقيقة، محتجين بما ورد في الكتاب والسنة في التيمم. ولكن الكتاب والسنة أيضا يطلقان اسم اليد على العضو إلى المرفق في الوضوء.

3 – ما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب: (أتي النبي – صلى الله عليه وسلم – بسارق فقطع يده من مفصل الكف)، ولكن هذا الحديث في إسناده مجهول.

4 – ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث رجاء بن حيوة أن النبي – صلى الله عليه وسلم - . قطع من المفصل، ولكن هذا الحديث مرسل.

وقد انقسم الفقهاء في هذا الموضوع فرقاء، وجرت بينهم مناظرات في مختلف الحقب الإسلامية، دون أن يحسم في الأمر بقول فصل. من ذلك، ما روي عن زرقان صاحب أحمد بن أبي دؤاد قاضي المعتصم قال: "رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فسألته، فقال: وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة، فقلت لم ذاك ؟ فقال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى، قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء وأحضر محمد بن علي، فسألنا عن القطع، في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت من الكرسوع (وهو طرف الزند الناتئ مما يلي الخنصر) فقال: وما الحجة في ذلك؟ فقلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع، يقول الله تعالى في التيمم: )فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (النساء:43، واتفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق لأن الله تعالى لما قال: )وَأَيْدِيَكُمْ إِلَىالْمَرَافِقِ (دل على أن حد اليد هو المرفق. فالتفت إلي محمد بن علي بن موسى فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال : تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال المعتصم: دعنـي مما تكلموا به، أي شيء عندك؟ قال أبو جعفر: اعفني من هذا. قال : أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه، قال أبو جعفر: أما إذ أقسمت علي بالله، فإني أقول: إنهم أخطأوا فيها السنة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين" فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها. وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) الجن:18  يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وما كان لله لم يقطع، فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف".

وإذ تبين لنا أن جميع الفرقاء لم يقم لهم دليل قطعي على مكان القطع ومقداره، تأكد لنا حاجة الموضوع إلى زيادة بحث وتأمل وتدقيق، كي نهتدي إلى القول الفصل والحل الأمثل، لا سيما إذا ما اعتبرنا أن أقوى دليل على عدم وجود نص صريح صحيح هو اختلاف كرام الصحابة وعليتهم (الخلفاء الراشدين) في الموضوع، مثل أبي بكر الذي قطع من المفصل، وعلي الذي قطع الخنصر والبنصر والوسطى.

ولعل من أسباب الاختلاف في موضوع القطع هو أن الفقهاء بحثوا مفهوم كلمة "يد" لغويا، ولم يبحثوا معنى مادة "قطع" لغويا. ولو فعلوا لتكامل لديهم معنى الكلمتين: "يد" و "قطع". فهم بعضهم أن لفظة "يد" تطلق على العضو من رؤوس الأصابع إلى المنكب، وفهم آخرون أنها إلى المرفق، وفهمها غيرهم أنها إلى الرسغ، وفهم علي بن أبي طالب أن قطع جزء من اليد -الأصابع – يجزئ.

ولكن مادة "قطع" في اللغة العربية لا تعطينا هذا المعني فقط، ففي تفسير قوله تعالى: )أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ (يقول القرطبي: قال مجاهد: " قطعنها حتى ألقينها" وقيل خدشنها. قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد، إنما هو خدش وحز.

ومن هذا الشرح اللغوي يبدو لنا واضحا أن القطع يفيد الجرح، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه: قطع يده.

وقال الزمخشري في الكشاف : "قطعن أيديهن" جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم، فقطعت يدي، تريد: جرحتها".

فالقطع يفيد الجرح والخدش، ويفيد قطع جزء من شيء، ولكنه لا يفيد الاستئصال. أما الكلمة التي تفيد الاستئصال، فهي البتر، وقد جاء في كتاب"ميزان اللغة": (قال: الليث: البتر: قطع الذنب ونحوه إذا استأصله. وقوله تعالى:" إن شانئك هو الأبتر" نزلت في العاص بن وائل الذي قال عن الرسول – صلى الله عليه وسلم -: هذا الأبتر أي الذي لا عقب له. قال: البتر هو استئصال القطع).

ومن المعلوم أن التعبير القرآني المحكم لم يورد في بيان حد السرقة كلمة تفيد البتر والاستئصال. وإنما لحكمة الله ورحمته بعباده عبر بكلمة "القطع" : " فاقطعوا أيديهما"، وهي تفيد قطع جزء من اليد، كما تفيد الخدش والجرح.

وقد يرد أحدهم بأن القطع يفيد البتر وقطع اليد من مفصل الكف أو المرفق أو المنكب بدليل ما أخرجه البيهقي بسنده من حديث فضالة بن عبيد: (أنه سئل: أرأيت تعليق يد السارق في عنقه من السنة؟ قال: نعم رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم -، قطع سارقا ثم أمر بيده، فعلقت في عنقه). ولكن هذا الحديث ليس حجة في الموضوع، لأنه لا دلالة فيه على المعنى الذي ذهبوا إليه. ولا يفيد أن الجزء المقطوع هو الذي علق بالعنق. ولكن علق الجزء الذي لم يقطع؛ أي ما بقي من اليد لاصقا بالجسد ولم يبتر. لأن هذا هو الوضع الصحي الأسلم لليد المجروحة، والأكثر رفقا بالسارق. وما زلنا لحد الآن، نرى الأطباء يعلقون الأيدي المجروحة أو المكسورة أو المريضة بعنق المريض وعليها الضماد أو الجبيرة.

ولا نعتقد أن المقصود بالتعليق في العنق هو الجزء المبتور، لأن لفظ الحديث لا يؤدي هذا المعنى، كما لا تقره مبادئ النظافة التي هي من الإيمان والإسلام، ولأن اليد المبتورة قد تتعفن ويتأذى حاملها برائحتها، ويؤذي غيره بها أثناء التعامل اليومي، وأثناء تواجده بالمسجد لصلاة الجماعة التي ينص الشرع على ألا يحضرها المرء برائحة كريهة كرائحة الثوم والبصل أو غيرهما، مما قد يمنعه من القيام بشعيرتي صلاة الجماعة والجمعة، وهذا المنع عقوبة أخرى لم ينص عليها القرآن و لا السنة. كما أنه يتنافى مع ضرورة القدوم إلى المساجد بسمت حسن) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (.

لذلك لا نرى حجة للقائلين بالبتر، من هذا الحديث و لا من سواه، وتبعا لهذه الشروح والاستطرادات والتوضيحات تتوفر لدينا ثلاثة مفاهيم للقطع:

·       إيقاع الألم بالسارق بجرح يده وخدشها اعتمادا على معنى قوله تعالى : (وقطعن أيديهن).

·       قطع جزء من اليد كما فعل علي كرم الله وجهه.

·   قطع اليد من الرسغ كما فعل أبو بكر وعمر، مع تقييد هذا المفهوم للقطع بضرورة اعتبار اليد هي العضو إلى المرفق أو المنكب. وأن ما قطع هو جزء من اليد، وليس اليد كلها، وبغير ذلك يستبعد هذا الوجه من القطع. لأنه يكون بترا واستئصالا، والنصوص لا تؤدي هذا المعنى.

     وهذه المفاهيم الثلاثة يرجح أحدهما على الآخر، أو يرتب إيقاعها باللصوص حسب خطورة السرقة وما يصاحبها من ظروف التشديد أو التخفيف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملكية الأرض في الإسلام

لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

الأرض معلم من معالم الإيمان

      إن منهجية البحث تفرض علينا أن نبين:

     أن هناك أولا حكما موضوعيا شرعيا مجردا، هو حكم ملكية الأرض في الإسلام، أي في صميم الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة

     وأن هناك ثانيا فقها للسلف الصالح في الموضوع ، هو ما استنبطوه وفهموه وأفتوا به، برغم ما واجههم من مشاق متعلقة بصعوبات جمع النصوص حينا، وبضغوط الملوك والحكام حينا آخر،مما جعل بعض أحكامهم تتعارض أو تتفاوت قربا وبعدا من النصوص.

     وأن هناك ثالثا محاولات معاصرة تتأرجح بين النظام الماركسي والنظام الرأسمالي، وهي كلها محاولات تلفيقية وردود فعل لأوضاع وقتية آنية، لذلك نجد في أحكامها كثيرا من التناقض، فالإسلام في نظرها أحيانا يطلق ملكية الأرض إطلاقا كاملا كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وأحيانا يحددها بمقادير معينة كما هو في الأنظمة التوفيقية الترقيعية، وأحيانا يؤمم الأرض ويجعلها ملكا للدولة كما هو في النظام الماركسي، وكأن الإسلام في نظر أصحاب هذه المحاولات ترك الموضوع لاجتهادهم المحض، ولم يضع له تشريعا محددا في الكتاب والسنة.

     لذلك كان من اللائق والمفيد أن نركز في هذا البحث على أحكام الإسلام المستمدة مباشرة من الكتاب والسنة، فإذا ظهر الحكم الشرعي المجرد، وامتد أمام أعيننا الخط المستقيم بدا لنا عوار من انحرف عنه ذات اليمين أوذات الشمال..وهذا النهج يقودنا حتما إلى القرآن الكريم وحكمة الله من خلق الأرض. فلمن خلقت الأرض ؟ ولماذا سخرت ؟

حكمة خلق الأرض وتسخيرها

     إن الله سبحانه قد خلق الأرض مسخرة للبشر، وقدر فيها أقواتها، رحمة بهم، وهداية لهم إلى سبل الرشاد، ثم دلهم بها على قدرته وربوبيته ورحمانيته وآلائه، كي يقوموا بما خلقوا له ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات : 56 .

      وآلاء الله الدالة عليه كثيرة لا تحصى، إلا أن في مقدمتها خلق الأرض وتقدير أقواتها ومستقراتها ومهادها وتسخيرها؛ بهذا يمن الله تعالى على الإنسان ويدعوه إلى التأمل والتدبر والمعرفة والعبادة والشكر:

     ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين )َ فصلت: 9.

     ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ )  الأعراف: 10.

   فالله الذي خلق، والله الذي رزق، هو الذي يستحق العبادة وهو الذي يحق له أن يبصرنا بفضله علينا، وفي مقدمة هذا الفضل تسخير الأرض وجعلها لنا بساطا ومهدا ومستقرا ومصدرا للرزق الكريم:

     ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )ٌ البقرة : 29

     ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ  ) الملك : 15

     ( وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) الرحمن: 10/11

     ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ) طه 53.

     ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة: 22 .

     ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) النمل 60/61 .

     هذه هي الأرض في المفهوم القرآني ، خلقت معلما من معالم الطريق إلى معرفة الله سبحانه .

 وضعت للأنام ، وذللت لهم، وسخرت لمنفعتهم قرارا ، ومهدا ، وفراشا ، ومصدرا للرزق، لكل فرد منهم فيها حق معلوم ، يكفي حاجته ، وليس لأي كان أن يمنع غيره من حاجته(... أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) النمل : 62 .

    ومن تجرأ على منع الناس من حقهم في الأرض سكنا، أو استقرارا، أو استثمارا حسب حاجاتهم فقد منعهم من معرفة ربهم، وحجب نور الإيمان عنهم ، وصادر دليلا من أدلة وجود الله ورحمانيته وقيوميته على خلقه، وهو بذلك محارب لله ولرسوله ، مضل للخلق وهاديهم إلى نار جهنم فهو والشيطان سواء ...

على هذا دلت النصوص القرآنية، وإلى هذا وجهت السنة النبوية، وارجعوا إلى قرآن ربكم العظيم وسيرة نبيكم العطرة تتأكدوا...

    والأمر لا يقتصر على الإنسان وحده، فلكل دابة مما سوى الإنسان حاجتها من الأرض طعاما ومشربا ومستقرا:

    ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) هود : 6 .

     وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم على أصحابه قصة الرجل الذي وجد في الصحراء كلبا يلهث يأكل الثرى من العطش فذهب إلى البئر ونزع خفه فملأها ماء حتى روي الكلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:  فشكر الله له فغفر له، كما أخبر عن سبب دخول امرأة النار فقال:( دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ).

      ويضرب الله لنا الأمثال في هذا .. (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ).. ناقة الله ، آية لقوم صالح ، يرمز بها إلى حق الحيوان في الأرض مطعما ومشربا:

    ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الأعراف : 73 .

    ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) الشعراء : 155/158 .

      هذا الرمز القرآني المبين، والإشارة الربانية العظيمة والمثل الإلهي الواضح الموضح لحق كل الخلق في الأرض، وتلك التصريحات الربانية المحكمة التي تبين ملكية الناس لحاجاتهم ومنافعهم، تعززها السنة النبوية قولا وعملا وإقرارا...

    هل رعاها الناس حق رعايتها ؟  هل التزموا بتطبيقها وممارستها ؟ هل نظموا شؤون حياتهم على هديها؟ . 

    إن الواقع البشري يجيب بالنفي على هذه التساؤلات ...

    ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) البقرة : 59 .

    فذاقوا وبال أمرهم شقاء وتعبا وجوعا، مسغبة وتقاتلا؛ ومن أعرض عن ذكر الله ومنهجه فإن له معيشة ضنكا.

    لقد انتقم الله من ثمود قوم صالح لاعتدائهم على ناقة، فكيف بعقاب من اعتدى على الإنسان، بالتجويع والتشريد والامتهان، وهو الذي كرمه ربه وتكفل برزقه وهدايته (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ) الإسراء 70.

    يبحث الفرد العادي عن سكن وليس له مال فلا يجد، يبني عشا من قش في حي للصفيح فيتهم بالإساءة إلى جمال المباني أو بالاعتداء على أرض الغير أو بتأسيس محضن للإرهاب، يحاول استنبات الأرض طلبا للطعام فيمنع لأن الأرض ليست له، ويحاول النوم في الشارع فتطارده الشرطة بدعوى أنه مشرد ، ويتجه إلى الغابة أو كهوف الجبال ليستقر فيها فيتهم بالتمرد والثورة ويعتقل ... يرفع عينيه إلى السماء ويتساءل : أين الأرض التي سخرت لنا أيها الرب الكريم؟ أين الرزق الذي يسرت لنا أيها الرب الرحيم؟ أين الأرض التي جعلتها معلما من معالم الهداية إليك أيها الإله العظيم؟.

    هكذا يجد محتكرو الأرض أنفسهم في مواجهة مع ربهم، فالله تعالى دل خلقه على ألوهيته ووحدانيته بتسخير الأرض لهم، وهؤلاء المحتكرون استولوا على الأرض وادعوا ملكيتها واستعبدوا بها الخلق وحولوا وجهتهم عن طريق الله ، فلا ينام شخص إلا بإذنهم ، ولا يرزق إلا بموافقتهم ، ولا يطعم إلا برضاهم ، وبذلك ادعوا صفة من صفات الله، وجعلوا من أنفسهم أندادا له سبحانه وتعالى.

     هذا عين ما فعله فرعون الظالم :

     ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الزخرف : 55 .

     ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص : 38 .

     ( فَحَشَرَ فَنَادَى ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) النازعات : 24 .

     فثمود قوم صالح قديما، وفراعنة مصر من بعدهم، وقارون بني إسرائيل من بعد ذلك، ومحتكرو الأرض والثروة والأرزاق في هذا العصر كلهم غيروا نظام الأرض، وأعلنوا أنفسهم أندادا لله، وهو عين ما حذر منه ربنا سبحانه، في مجال حديثه عن الأرض وتسخيرها ثم عقب على ذلك بقوله:

    (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة : 22 .

    ( وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) إبراهيم30.

     فكان عاقبة تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم، ونظاما غير الذي وضع لهم الجوع والفقر ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.

   (وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) سبأ : 16/18.

     ثم جاءت رسالة الإسلام لتصحيح الأوضاع، وإعادة البشرية إلى نظام فطرتها الأولى في عقيدتها وشعائرها وشرائعها، في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والحكم والقضاء ...

     ولم يكن موضوع الأرض بالأمر الهين الذي يترك لاجتهاد البشر ، أولم ينظمه الوحي أولم تنزل من أجله الآيات البينات ؛ لاسيما وهو متعلق بأمرين :

     متعلق بالعقائد، لأنه معلم من معالم الإيمان.

     ومتعلق بأرزاق الناس، لأن الله سبحانه تعهد بضمانها وتوفيرها.

     إن الإسلام الذي نظم أدق الأشياء في حياتنا وأصغرها كإماطة الأذى عن الطريق، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، ما كان ليترك موضوعا خطيرا كموضوع الأرض، متعلقا بدنيا الناس وآخرتهم بدون تشريع أو تنظيم ، فكيف كان تشريعه في هذا المضمار؟، وكيف أعاد البشرية إلى نظام الفطرة الأولى؟

     إن التشريع الإسلامي عودنا أسلوبين في معالجة قضايا الإنسان المادية والمعنوية...

     في موضوع العقائد أمرنا بالتحول من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد طفرة واحدة، بدون تدرج، لأن الأمر متعلق بالقلوب والعقول والاقتناع؛ أما في ميدان الماديات، والإنسان متعلق بها وقد زينت له (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) آل عمران : 14 فإن الله سبحانه وتعالى قد سلك بنا فيها سبل التدرج ، من السهل إلى الصعب ، إلى الأصعب، من البسيط  إلى المركب، من السفح إلى النجد إلى العقبة، وما أدراك ما العقبة.

      نفس الأسلوب اتبع عند تحريم الخمر والنفس متعلقة بها، فثمرات النخيل والأعناب رزق حسن، ولكنه يستخدم أحيانا لغير ما خلق له، سكرا وتغييبا للعقول :

     (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) النحل : 67.
    ثم إن الخمر إثمه أكبر من نفعه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) البقرة :219

     والخمر بعد ذلك لا تجوز به الصلاة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) النساء : 43 .

     والخمر في نهاية المطاف حرام مطلقا (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة 90.

     نفس الأسلوب اتبع عند تصفية الرق ونظامه، بإغلاق روافده، وفتح أبواب تصفيته بالعتق والكفارة والتطوع والمكاتبة ...

     كذلك الشأن في موضوع الأرض وهو أشد خطورة وأكبر شأنا من قضيتي الخمر والرق.

     إن التشريع الإسلامي سار متدرجا عند إعادته لعلاقة الناس بالأرض إلى وضعها الطبيعي الفطري ...

     دعاهم أولا إلى الإسلام، ثم عاملهم بما يناسب نوع استجابتهم للدعوة، وقسمهم إلى فئات:

    - فئة أسلمت على أرضها.

    - فئة رضخت للصلح على شروط.

-  وفئة حاربت وانهزمت.

ثم بعد ذلك نزلت التشريعات الموحدة للحكم الشرعي في موضوع الأرض، مبينة في وضوح تام لكل من تتبع مسيرة التشريع الإسلامي وخط سيره في هذه القضية،  أنه يهدف دائما إلى غاية رئيسية أساسية هي أن تعود للأرض صبغتها الأولى، ومهمتها التي خلقت من أجلها، أن تعود الأرض مهدا ومستقرا ومصدرا لرزق الجميع سواسية، ومعلما من معالم الإيمان بالله ووحدانيته وقيوميته على خلقه.

     وقد ميز التشريع الإسلامي بادئ ذي بدء بين نوعين من الأرض :

    1 - نوع ضرب على أيدي محتكريه ووضع بيد المسلمين عامة، مباشرة وبدون تدرج، وهو أرض العنوة، والأرض الصوافي والعادية.

    2 - ونوع آخر أقر أصحابه على ملكيتهم له مرحليا ، ثم أعيد بالتدريج إلى وضعه الطبيعي الفطري كالنوع الأول بواسطة التشريعات النبوية المنظمة للاستغلال والاستثمار والتصرف، وهو الأرض الموات إذا أحييت ، والأرض التي أسلم عليها أهلها، أو صالحوا عليها ، أو عطلوها فأحياها غيرهم.

     ونتناول كل واحد من هذين النوعين بالتفصيل والبيان :

 أولا : أرض للمسلمين عامة إلى يوم القيامة :

     وهي الأرض التي وضعت مباشرة وبدون تدرج، بيد المسلمين عامة جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، يأخذ منها كل واحد حاجته ، وما فضل من ذلك ينفق في المصالح العامة للأمة، وهي أرض العنوة وأرض الصوافي والأرض العادية:

  أرض العنوة: وتسمى أرض الفيء، من قوله تعالى : ( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الحشر : 7، كما تسمى أرض الخراج من قوله تعالى : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) المؤمنون : 72، وهي كل أرض فتحها المسلمون عنوة بالسيف والغلبة.

     وأكثر بلاد المسلمين عربا وعجما فتحت عنوة :

     بلاد العرب من المحيط إلى الخليج باستثناءات قليلة جدا فتحت عنوة : الشام بما فيه سورية ولبنان ، فلسطين والأردن باستثناء بعض المدن ، والحجاز باستثناء المدينة المنورة ، ونجد والعراق ومصر والمغرب العربي كله (موريتانيا، المغرب ، الجزائر ، تونس ، ليبيا ، والصحراء الكبرى) كلها فتحت عنوة .

     بلاد العجم كذلك باستثناءات قليلة فتحت عنوة، فإيران وباكستان والهند وأفغانستان وما جاورها كلها فتحت عنوة، والسنغال ومالي والنيجر إلى بحيرة تشاد نالها الفتح المنطلق من مراكش في العهدين المرابطي والموحدي.

     كل هذه الأراضي وما في حكمها تعتبر ملكا لعموم المسلمين جيلا بعد جيل، إلى يوم القيامة، بحيث يحرم تمليكها للأفراد أو المؤسسات مهما كان نوع التملك وشخص المتملك، وهذا الحكم مأخوذ من القرآن الكريم ، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم،  وأجمعت عليه الأمة، وحكم به الخلفاء الراشدون.

     أما حكم القرآن الكريم فمأخوذ من قوله تعالى في سورة الحشر( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ...) إلى قوله تعالى (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ..) إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ..) .

     أما سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه عندما خصه القرآن بأرض بني النضير التي أجلي عنها أصحابها بدون قتال في قوله تعالى (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء..) كان يأخذ منها نفقة سنة له ولأهله ثم يجعل الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، وفي نهاية الأمر جعلت لابن السبيل صدقة، وقد أخرج البخاري في صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا ينفق على أهل بيته، قال ابن عبدة: ينفق على أهله قوت سنة فما بقي جعل في الكراع وعدة في سبيل الله عز وجل.

     أما أرض خيبر فقد ورد في خراج أبي يوسف ـ ص 50 – 51 أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أهل خيبر بالنصف فكانت في أيديهم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة أبي بكر وعامة ولاية عمر، كما نزل أهل فدك للنبي صلى الله عليه وسلم على ما نزل عليه أهل خيبر، على أن يصونهم ويحقن دماءهم فأقرهم صلى الله عليه وسلم على مثل معاملة أهل خيبر، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل و لا ركاب. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما سيكون من وضع المسلمين الخراج على أراضي العنوة وتركها وقفا عليهم إلى يوم القيامة، وهذا من أعلام النبوة كما قال الشوكاني في نيل الأوطار 8/17.

     وقد قال القرطبي ـ 8/4 ـ عند شرحه للآية 41 من سورة الأنفال (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ): (ومما يصحح هذا المذهب ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها ثم عدتم من حيث بدأتم، قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه )   قال الطحاوي: " "منعت" بمعنى : ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء  والله تعالى يقول : ( وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ) بالعطف على قوله : ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ).

     ويقول الشوكاني: نيل الأوطار 8/17 : "قد علم عليه السلام بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرره لهم وحكاه لهم".

     وأما إجماع الأمة فقد تم عندما جمع عمر بن الخطاب المسلمين للمشورة في قسمة أرض العراق التي فتحت عنوة، ثم خاطبهم قائلا: ( إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي، فيما حملت من أموركم وإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي فيه، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده، ما أريد به إلا الحق ).

     ولما قاطعه بعض الصحابة وأرادوا أن تقسم الأرض رد عليهم قائلا: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ؟ ما هذا برأي..

     فيتساءل عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض إلا مما أفاء الله عليهم. ..

     ويطالب بلال وعمرو بن العاص والزبير بن العوام بالقسمة.

     ويطالب علي بن أبي طالب وعثمان ومعاذ بن جبل وطلحة بن عبيد الله وأبوعبيدة وعبد الله بن عمر بألا تقسم، وأن تبقى للمسلمين جميعا، ويجمع الأنصار كلهم على ألا تقسم، ويحسم عمر بن الخطاب الخلاف وقد هداه الله إلى الدليل من القرآن ـ كما ورد في عدة مصادر بعدة صيغ ـ فيقول : قد بان لي الأمر وقد وجدت حجة من كتاب الله :

     قال تعالى : ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم ) الحشر 7ثم قال ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )الحشر 8 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال : (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة) الحشر 9 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا) الحشر 10 فكانت هذه لمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ؛ فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا ، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم ، استوعبت هذه الآيات الناس كلهم فلم يبق أحد من المسلمين إلا وله فيها حق،قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء، لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه).

     قال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ( وتركها وقفا تجري غلتها على المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين )

     وفي نهاية جلسة الشورى التي عقدها عمر وافق جميع المسلمين الحاضرين على ألا تقسم الأرض، معتمدين في حكمهم على آيات الفيء من سورة الحشر التي استدل بها عمر.

     وأما حكم الخلفاء الراشدين فهو ما فعله عمر وأقره عثمان بن عفان في زمن حكمه، وطبقه علي في خلافته وسار عليه كل الملتزمين بالحق والعدل من بعدهم بما في ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

     وهو عين ما فهمه المفسرون لكتاب الله والفقهاء من بعد ذلك:

يقول الطبرسي في مجمع البيان:( يعني" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ.. " من بعد المهاجرين والأنصار، وهم جميع التابعين لهم إلى يوم القيامة ).

     يقول البيضاوي في أنوار التنـزيل ص : 464 : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا ) الحشر 10 هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل إن الآية استوعبت جميع المؤمنين ).

     ويقول صديق حسن خان في فتح البيان: ( والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة ومن تبعهم بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة )

     ويقول القاسمي "محاسن التأويل": ( روى ابن جرير أن عمر قرأ : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) التوبة60 حتى بلغ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ثم قال : هذه لهؤلاء ثم قرأ : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الأنفال 41، ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) الحشر 7 إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم ) الحشر 10، ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه).

     هذه هي الآية الكريمة التي أفحم بها عمر معارضيه، فامتثلوا وخضعوا لحكم الله دون أن يترضاهم عمر كما زعم بعض الفقهاء.

     وهي محكمة غير منسوخة، ومن ذهب إلى أنها منسوخة بآية الأنفال فهو مخطئ، لأن الأنفال نزلت في غزوة بدر، وهذه نزلت بعد بدر بستة شهور عقب فتح أرض بني النضير.

     قال سليمان العجيلي في كتابه الفتوحات الإلهية: ( قال البقاعي: ومن زعم أن شيئا من هذه السورة (سورة الحشر) نسخ بشيء من سورة الأنفال فقد أخطأ لأن الأنفال نزلت في بدر، وهي قبل هذه بمدة ).

     وهكذا نرى أن أرض العنوة لم تترك قسمتها اقتناعا بتبريرات عمر، ولا لأنه ترضى معارضيه وأقنعهم باجتهاده، وإنما لأنه احتج عليهم بالآية من القرآن الكريم، وما كانوا ليخالفوا آياته وهم يعلمون.

     يقول الجصاص : ( وافق عمر كل الصحابة ، واتفقوا جميعهم، ولم ينازعوه عندما احتج عليهم بالآية ، وسلم له الجميع برأيه ، ثم لم يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة الصالحين بالفسخ..) .

     يقول ابن القيم في نيل الأوطار: (جمهور الصحابة على أن أرض العنوة لا تقسم وتكون وقفا على مصالح المسلمين، وهو الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين ) .

     يقول العسقلاني ـ فتح الباري في شرح البخاري ج6/123 : (فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على أموالهم ، بخلاف أهل الصلح في ذلك).

     ونستعرض فيما يلي آراء المذاهب الإسلامية في الموضوع:

     المذهب المالكي

     يعتبر مالك وأصحابه أشد الفقهاء صرامة وحزما في موضوع أرض العنوة كما ذكر أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية: ( يقول مالك: أرض العنوة تصير وقفا على المسلمين حين الاستيلاء عليها، ولا تجوز قسمتها بين الغانمين ) وكما ذكر ابن حزم في المحلى: ( ويقول مالك: توقف الأرض ولا تقسم ولا تكون ملكا لأحد).

     ويقول عبد الرحمن المجاصي في كتاب التيسير والتسهيل في ذكر ما أغفله خليل: (إن من استغل أرض العنوة دون خراج ، ملكا أو غلة فقد اغتصب حق المسلمين وأكل الحرام) .

     وفي الموطأ ـ كتاب الجهاد ـ قال مالك: (وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة، فمن أسلم منهم فإن أرضه وماله للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين).

     وجاء في كتاب " كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني :

     (وأما الأرض فلا تخمس و لا تقسم على المشهور بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ) .

     ويقول العدوي في حاشيته على نفس الكتاب : (أي أنها بمجرد الاستيلاء عليها تصير وقفا ولا تحتاج لحكم حاكم) .

 المذهب الحنفي

     أما أبو حنيفة فيرى أن الإمام مخير بين الوقف والقسمة، وإلى ذلك ذهب كثير من أتباعه، يقول علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" ـ 7/119ـ (أما الأراضي المغنومة فللإمام فيها خياران: إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين الغانمين لما بينا، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة). ثم يعترف بأن ما فعله عمر أجمع عليه المسلمون فيقول: (ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج بمحضر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر  فكان ذلك إجماعا منهم ).

     وجاء في حاشية المختار لابن عابدين  4/138 (أن تخيير الإمام بين ما ذكر مخالف لإجماع الصحابة على ما فعله عمر) .

     وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في كتابه الخراج ص 27: (والذي رأى عمر من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها، عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين، عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد).

     كما نجد اثنين آخرين من أهم فقهاء الأحناف، هما الجصاص والطحاوي يريان رأي عمر في القسمة ويخالفان ما ذهب إليه أبو حنيفة إمام مذهبهما.

     ونحن نرى أن مبدأ تخيير الإمام بين الوقف والقسمة مردود من ثلاثة أوجه:

     أولها أن القضية ليست موضع اجتهاد ، لأن فيها نصا من القرآن الكريم، ولا اجتهاد مع النص.

     وثانيها أن أئمة المسلمين الذين لا شبهة على شرعيتهم وهم الخلفاء الراشدون، قد قرروا في الأمر طبقا لأحكام القرآن فلم يقسموا الأرض وتركوها وقفا على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، وأجمع المسلمون على حكمهم ولم يتعقبه أحد بالنقض

     وثالثها أن أمر الأرض لو ترك افتراضا للاجتهاد فلن يكون أمرا للإمام ينوب فيه عن الأمة، وإنما سيكون أمرا للأمة تبث فيه بما يوافق مصلحتها ولا يعارض شريعتها.

 المذهب الحنبلي

    وقد اختلفت الروايات عن إمام هذا المذهب، فتارة ينقلون عنه أنه يرى رأي المالكية وتارة ينقلون عنه أنه يرى رأي الأحناف، وتبعا لتعدد الروايات فقد اختلف أصحابه في الموضوع، والصواب أن يعودوا إلى كتاب الله وأحكام سورة الحشر.

 المذهب الشافعي

   ورأيهم أن الأرض لا توقف، وإنما تجب قسمتها، ويبررون ما فعله عمر بأنه ترضى في ذلك الفاتحين واستطاب قلوبهم لعدم القسمة فوافقوه، ولكن هذا الرأي مردود، لأن عمر لم يترض معارضيه ، ولكن واجههم بالحجة من القرآن وأيده أئمة الصحابة، علي وعثمان وأمثالهما، فامتثلوا لحكم الله ولم يكن لهم إلا ذلك .

 المذهب الشيعي

     أئمة الشيعة كذلك يرون أن الأرض المفتوحة عنوة وقف على جميع المسلمين، وقد ورد في كتاب "المبسوط في فقه الإمامية" للطوسي قوله: ( والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأرض وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة، أن يكون خمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة، الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء ... وليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شيء، بل هم والمسلمون فيه سواء، ولا يصح بيع شيء من هذه الأرض ولا هبته ولا معاوضته ولا تمليكه، ولا إجارته ولا إرثه..ومتى فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلا وهو باق على الأصل)، ويقول أيضا: ( ظاهر المذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك ، وإنما لم يقسم الأرض والدور لأنها لجميع المسلمين ، كما نقول في كل ما يفتح عنوة ) .

     ويقول المحقق الحلي جعفر الهذلي في (شرائع الإسلام) ص: 152: (كل أرض فتحت عنوة وكانت محياة، فهي للمسلمين قاطبة والغانمون في الجملة، والنظر فيها للإمام، ولا يملكها المتصرف على الخصوص، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، ويصرف الإمام حاصلها في المصالح، مثل الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر).

 الحكم الشرعي في أرض العنوة

      بعد هذا العرض الموجز لمواقف المذاهب الإسلامية من هذه القضية، نخلص إلى الحكم الشرعي المبني على القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع، وهو أن أرض العنوة مشتركة بين عموم المسلمين، لا تملك لفرد أو مؤسسة أو دولة أو ملك أو رئيس، لا تباع ولا تشترى ولا ترهن ولا تورث وكل تصرف فيها بهذا يعد باطلا.

     وقد اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات فقال له عمر بن الخطاب: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. فلما اجتمع المسلمون عند عمر قال له: هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا ؟ قال: لا، قال عمر: فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك.

 أرض الصوافي والأرض العادية:

     أرض الصوافي هي الأرض التي أصفاها المسلمون للجبابرة من الملوك والقياصرة والأكاسرة. ولمن هرب من سلطة المسلمين ملتحقا بدار الحرب، ولأملاك العدو المنسحب عنها التارك لها بدون قتال، مثل أراضي بني النضير التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) الحشر 6.

     أما الأرض العادية فهي كل أرض كان لها أهل في آباد الدهر فانقرضوا ولم يبق منهم أحد وسميت عادية نسبة إلى قوم عاد لتقادم عهدهم، وقد روي في شأنها حديث أرسله طاووس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (عادي الأرض لله وللرسول ثم لكم من بعدي ) سنن البيهقي الكبرى.

     وعلى هذا فأرض الصوافي والأرض العادية للمسلمين عامة، لا يتملكها الأفراد أو المؤسسات أو الدولة وإنما يتصرف فيها كما يتصرف في أرض العنوة.

     أما ما عرف في الفقه الإسلامي بأرض الإقطاع، فهو ما تقطعه الدولة من أرض الأمة للأفراد لتغطية حاجاتهم من الرزق والسكن، ولا يملك من تسلمها إلا حق استغلالها، فلا يبيعها ولا يكريها ولا تورث عنه، وللأمة حق انتزاعها منه كلها أو بعضها، وقد ورد في "خراج يحيى" ص 93 أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقطع بلالا بن الحارث أرضا شاسعة، فلما ولي عمر قال له:( يا بلال إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنع شيئا يسأله، وأنت لا تطيق ما في يدك) فقال بلال: أجل، قال عمر:( فانظر ما قويت عليه منها فامسكه وما لم تطق وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين ) فقال بلال: لا أفعل والله شيئا أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عمر:( والله لتفعلن ) وأخذ منه عمر ما عجز عن عمارته وقسمه بين المسلمين.

ثانيا : أرض أقر عليها أصحابها مرحليا

 

     أما الأرض التي أقر عليها أصحابها في إطار المرحلية والتدرج، فثلاثة أصناف هي:

     1 – أرض أسلم عليها أصحابها فأقرهم الإسلام عليها تكريما لهم وتشجيعا على اعتناق الإسلام ، مثل أرض المدينة المنورة دون ما حولها، واليمن والبحرين، وهو السنة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته من أسلم على أرضه.

     2 – أرض فتحها المسلمون صلحا، فهي على شروط عقد الصلح مع الأعداء، إن صولحوا على أن أرضهم لهم وفي لهم بعهدهم، أما إذا صولحوا على أن الأرض للمسلمين ولهم السكن وعلى أعناقهم الجزية، كان حكمها حكم الأرض المغنومة.

     3 – أرض موات، وهي التي لم تكن ملكا لأحد، ولا حقا خاصا له، وليست في أرض عنوة أو من مرافق الأمة مرعى أو محتطبا أو أرض ملح أو نفط أو معادن، أو ما لا غنى للمسلمين عنه، كما يدخل في حكمها الأرض المعطلة المملوكة التي عطلها مالكها لمدة تضر باقتصاد المسلمين حددها عمر بثلاث سنوات.

     وحكم هذه الأرض أنها لمن أحياها تشجيعا من الشرع على الزراعة والعمل والإنتاج، ويعتبر ذلك تطبيقا لتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم المتعددة ومنها:

    ما أخرجه أبو داود أحمد والترمذي ( حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحيى أرضا ميتة فهي له ) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح  

 وأخرج البخاري ( حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عبيدالله بن أبي جعفر عن محمد بن عبدالرحمن عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق، قال عروة قضى به عمر رضي الله عنه في خلافته

         ورأى ذلك علي رضي الله عنه في أرض الخراب بالكوفة، وفي رواية للنسفي: ( في أرض بالكوفة موات )

     وقال عمر: (من أحيا أرضا ميتة فهي له ) .

     قال صاحب فتح الباري: ( فتصير بذلك ملكه سواء كانت في ما قرب من العمران أم بعد سواء أذن الإمام له في ذلك أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور ).

التقييدات الواردة على هذا الإقرار

          لكن التشريع الإسلامي لم يكتف بهذه الخطوة التي أراد بها تأليف القلوب وتحبيب الإسلام للناس، وحثهم على العمل والإنتاج.

     فما أن استقرت العقيدة في النفوس وارتبط الناس بربهم، وتخلوا عن التعلق بالأموال والأولاد وقويت شوكة الإسلام، حتى خطا بهم الشارع خطوات حاسمة نحو الوضع الطبيعي الذي يريده الله للأرض، وهو أن تكون مهدا ومستقرا ومصدرا للرزق، جميع الناس فيه سواء، وأن تكون لهم معلما ونبراسا ينير طريق الهداية والتوحيد، ودليلا على وحدانية الله وألوهيته وقيوميته.

          وتصدر التقييدات النبوية على ملكية هذه الأصناف الثلاثة تباعا وتدرجا:

     1 – فهذه الأرض التي أقروا عليها لا يجوز كراؤها، وليس لصاحبها إلا أن يزرعها أو يمنحها أخاه بدون مقابل أو يمسكها.

     وقد روى البخاري عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه، وفي رواية أخرى فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه ) .

    وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن رافع ابن خديج قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تصنعون بمحاقلكم ( مزارعكم)؟ قالوا : نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير قال : لا تفعلوا.

     وقد ترك عبد الله بن عمر كراء الأرض لهذا الحديث، وكان لا يكريها.

     والأحاديث النبوية في نفس الموضوع كثيرة منها ما أخرجه البخاري ( حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا الأوزاعي عن عطاء عن جابر رضي الله عنهم قال كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم :من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه، وقال الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه، وأخرج مسلم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى.

     وفي هذا يقول ابن حزم في المحلى 5/190: ( ولا تجوز إجارة الأرض أصلا، لا للحرث فيها ولا للغرس فيها ولا للبناء عليها ولا لشيء من الأشياء أصلا، لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة، ولا لغير مدة مسماة، لا بدنانير ولا بدراهم ولا بشيء أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا ).

     قال طاووس والحسن البصري – شرح النووي على مسلم -: (كراء الأرض لا يجوز بكل حال، سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها، لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض).

وعلى هذا فكل من أقر على أرضه بالإسلام أو الإحياء أو بعقد الصلح، ليس له أن يؤاجر أرضه أو يكريها، وإنما له فقط أن يزرعها فإن عجز منحها أخاه، فإن لم يفعل أمسك أرضه، فإن أمسك أرضه طبق عليها أحد حكمين شرعيين:

     أولهما: أن تدخل في حكم الأرض المعطلة فإذا احتاج إليها غيره واستولى عليها فهي له، وبهذا حكم عمر وعلي رضي الله عنهما.

     جاء رجل إلى علي كرم الله وجهه فقال: ( أتيت أرضا قد خربت وعجز عنها أهلها فحفرت أنهارا وزرعتها، قال: كل هنيئا وأنت مصلح غير مخرب ). وقال عمر: (من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له).

     ثانيهما: إذا أمسك أرضه ولم يزرعها ولم يمنحها أخاه ولم يحتج إليها أحد، تحولت مرعى عاما للمسلمين كافة، لأن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار. وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أخرجه أحمد قال: حدثنا هارون حدثنا ابن وهب قال: سمعت حيوة يقول: حدثني حميد بن هانئ الخولاني عن أبي سعيد مولى غفار قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبيعوا فضل الماء ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال؛ كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يحميها صاحبها أو يمنعها، بقوله: (لا حمى إلا لله ولرسوله) البخاري وأبو داود وأحمد .

2                   2 - وهذه الأرض لا يتاجر فيها طبقا لحديث نبوي أخرجه مسلم قال: حدثني حجاج بن الشاعر حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا سليم بن حيان حدثنا سعيد بن ميناء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا تبيعوها.

وأخرج البخاري وأحمد: حدثنا آدم حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب

وروى أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد حدثنا محمد بن أبي المليح الهذلي حدثني رجل من الحي أن يعلي بن سهيل مر بعمران ابن حصين فقال: له يا يعلي ألم أنبأ أنك بعت دارك بمائة ألف؟ قال: بلى قد بعتها بمائة ألف، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من باع عقدة مال سلط الله عز وجل عليها تالفا يتلفها.

 وروى أحمد أيضا: حدثنا وكيع حدثني إسماعيل بن إبراهيم يعني ابن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن سعيد بن حريث أخ لعمرو بن حريث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من باع دارا أو عقارا فلم يجعل ثمنها في مثله كان قمنا أن لا يبارك له فيه.

     وقد أنار الله بصيرة أبي عبدالله محمد بن الحكم الترمذي فعقب على الحديث في كتابه نوادر الأصول ص 67 قائلا:

     ( وإنما نزعت البركة من ثمن العقار، لأنه مخالف لتدبير الله تعالى، لأن الله خلق الأرض وجعلها مهادا ومسكنا لا ليتجر فيها، وجعل الجبال أوتادا وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وجعل أثمان الأشياء في الذهب والفضة، فإذا اتجر فيما خلق له بورك له فيه وإذا اتجر فيما خلق مهادا ومسكنا نزعت عنه البركة، ولهذا سماه عقدة لأنه مهاد لك قد عقد مسكنا ).

     3 – وهذه الأرض ليس لصاحبها منها ومن إنتاجها إلا ما يكفي حاجته وحاجة أهله، وما فضل عن ذلك فهو حاجة غيره من الناس، لا يجوز له أن يمنعه إياه، وإلى هذا يشير القرآن الكريم : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف 199، ( وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) البقرة 219.

     قال الجوهري ( عفو المال : ما يفضل عن النفقة أي ما يفضل عن حاجة المرء وحاجة عياله )

     وعن ابن عباس : ( خذ العفو : انفق الفضل ) وقال أيضا :( العفو ما يفضل عن أهلك) .

     وقد روى هذا التفسير أيضا ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن انس وغيرهم.

     وأخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك

     وروى أحمد قال: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر قال: سمعت القاسم مولى يزيد يقول حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم إن تعط الفضل فهو خير لك وإن تمسكه فهو شر لك وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف واليد العليا خير لك من اليد السفلى.

   وروى أيضا: حدثنا يزيد أخبرنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يصرف راحلته في نواحي القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عنده فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل، فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في الفضل.

     وهكذا بالتدريج واليسر أفرغت ملكية هذه الأرض من محتواها الاستغلالي الاحتكاري وسلبت أهم مميزات الملكية الخاصة، بإلغاء حق المتاجرة والمؤاجرة و الاحتفاظ بما هو أكثر من الحاجة. وعادت للأرض صبغتها التي فطرت عليها وفطرت من أجلها في ظل التوجيهات القرآنية. وما تلاها من التقييدات النبوية، وتلاشى وضع ظالم كان سائدا قبل الإسلام، فعالجه التشريع بالحكمة، إلى أن أدرك الجميع أنه لاحق لأحد منا في الفضل، وأن تملك مالم يخلق للتملك، والمتاجرة فيما لم يخلق للمتاجرة، واحتكار ما هو مشترك بين الناس جميعا ظلم كبير.

     في صحيح البخاري: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني طلحة بن عبد الله أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع أرضين.          

     وأخرج البخاري قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبدالله بن المبارك حدثنا موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين.

     وأخرج أيضا : حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا حسين عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني محمد بن إبراهيم أن أبا سلمة حدثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة فذكر لعائشة رضي الله عنها فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين.     

     إلا أن احتفاظ الفرد لنفسه بحاجته وحاجة أهله فقط وتنازله عن الفضل لغيره، مقيد بوجود محتاجين وفقراء إذ بقدر ميزانية برامج القضاء على الفقر والخصاصة، يكون قدر التنازل عن الفضل. وكلما استغنى الناس وتقلصت حاجاتهم تضاءل مقدار التنازل عن فضل الأموال، بشرط أن يروج هذا الفضل في ميادين التنمية والنفع العام، وألا يكنز ويكون دولة بين الأغنياء، وألا ينسى أصحابه أنه مجرد أمانة لديهم مادام غيرهم في غنى عنه، وإلا فالأمر الإلهي القائم دوما هو:  (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ) الحديد 7.

     بهذا يكون للنظام الإسلامي في هذا الباب من المرونة ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان ومجتمع، في حالة الرخاء تتنامى الثروة بيد الجميع، على أنها مجرد أمانة لديهم. وفي حالة الشدة تتناقص حسب مقدار حاجة الناس.

     وبهذا تنتفي عن النظام الإسلامي صفة الرأسمالية التي عجزت عن القضاء على الفقر، وصفة الشيوعية التي عجزت عن فهم الفطرة الإنسانية فسعت إلى إتلافها وإلغائها.

 

 

 

 

الصحراء المغربية

بين واقع الانتماء

وبين صراعات التوظيف السياسي

تأليف

عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي
 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

تصدير

 

لئلا تضيع حقيقة انتماء الصحراء إلى الوطن المغربي ، تراباً وشعباً ، وإلى العربية لغة وثقافة ، وإلى الوطن العربي الكبير والإسلامي الأكبر ، نُقدم هذه الدراسة الموجزة تذكيراً وتحذيراً وإيقاظاً لضمائر الغافلين الهائمين وراء سراب الانفصال .

والله من وراء القصد .

 

قال الله تعالى:

 

)واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا(

آل عمران 103
 

الصحراء المغربية أرضاً وشعباً وانتماء

 

     إذا أردت أن تضيّع الحقيقة فاجعلها موضوع صراع بين دولتين من دول العالم النامي هذا يتضح لمن يتصدى للبحث في قضية الصحراء المغربية ـ الساقية ووادي الذهب ـ وصراع المغرب والجزائر وموريطانيا حولها .

ذلك أن البدهيات التاريخية والجغرافية والطوبوغرافية والاجتماعية والسياسية كلها تلوى لها أعناقها وتحرف ويعاد تشكيلها لمصلحة هذه الدولة أو تلك . والشيء الواحد يأخذ لوناً معيناً هنا ، ولوناً آخر هناك . والمواقف تتغير في مواجهة كل حالة بين اللحظة والأخرى .

والباحث يقف حائراً متردداً ، لا يدري ما يقدم وما يؤخر ، ولا يميز بين الألوان الحقيقية والألوان المزيفة المنتحلة . هذا حالي عندما عقدت العزم على الكتابة في موضوع الصحراء المغربية لاستجلاء جوهره وتحديد أبعاده ومؤشراته ، ودفع شبهات المغرضين حوله .

ذلك أن هذه القضية لها من الخصوصية ما يجعلها من أطرف القضايا التي لم تتخذ إزاءها أي دولة لها صلة بها ، موقفاً واحداً ثابتاً .

وكذلك الأحزاب الوطنية في المغرب والجزائر وفرنسا وإسبانيا والمنظمات الدولية والإقليمية (هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية) . مما يجعل الاستنتاجات المستخلصة من أدبيات هذه الدول والأحزاب والمنظمات ـ كتباً ومنشورات وبيانات الخ - غير ثابتة ، ويجعل الأحكام المستقرأة منها غير دقيقة  .

والحقيقة المطلقة الكامنة وراء هذا الصراع ضائعة خلف التصريحات اليومية المفعمة بتعابير الوحدة ، والمصير المشترك ، وحقوق الإنسان والتعاون والتفاهم والعدل والسلام مما يجعل أدوات البحث التي يمكن أن يعتمدها الباحث مجرد أقنعة سميكة تغطي عداء عنيفاً ، وتطرفاً شديداً وتوظيفاً انتهازياً مغرضاً لكل مظاهر الحقيقة ، من أجل اغتيال جوهرها وتصفيتها .

لذلك كان على الباحث أن يسلك منهجاً يطارد فيه الحقيقة ، ويمزق به الأقنعة المتعددة التي كستها إيّاها مطامع الدول المورطة في هذا الصراع وأهدافها وأغراضها .

وهذا يقتضي العودة إلى الجذور جذور الجغرافية والتاريخ والإنسان ، والمواقف والصراعات والمعتقدات كي نستطيع أن نقف على ربوة نستشرف منها جوهر الحقيقة بوضوح وشفافية وموضوعية ، حقيقة انتساب الصحراء إلى مغربها أرضاً ، وشعباً ، وانتماءً .

 اسـمهــا ورسـمهــــا

اسمها ورسمها سواء دائما التغير والتبدل والتلون  تماماً كما هو حال مواقف الدول والحكومات والمنظمات والأحزاب المرتبطة بعلاقة مّا معها  .

وكما تجدها أحياناً معشوشبة خضراء ، وأحيانا قاحلة جرداء . تعلوها الصخور السوداء الصماء ، وأحياناً كثباناً رملية متشابهة تسفيها الرياح ، وتعيث فيها العقارب والثعابين والأفاعي  .

كذلك تجد اسمها الذي يطلق عليها عبر التاريخ ـ مع ما حولها من بلاد شمال أفريقيا - ، اسمها الذي كان يوماً مّا : بلاد البربر ، (( The Coast Of Barbaric أو( La Berbric - Barbary) ، ويوماً مّا كان عند الجغرافيين العرب "بلاد المغرب" ، و "جزيرة المغرب" ، وقبل ذلك كان الاسم : ليبيا ـ أفريقيا الصغرى ـ السلسلة الأطلنطية ـ بلاد الليبو "Lebu" ، والمشوشيين "Mashuasha" ، وتماحو "Tamahu" ، وتحنو "Tehnu" ، وكهاكا "Kahaka " ، وظهرت كثير من هذه الأسماء في النقوش الفرعونية التي ترجع إلى ما بين 1700 ق .م ، 1300 ق .م .

كما أطلق الرومان على أهلها اسم : الجيتوليين ، والنوميديين ، والموريين ، أي : المغاربة ولعل هناك صلة بين كلمة "مور" "MAURI" - المغاربة - التي أطلقها عليهم الرومان في العصر الكلاسيكي وبين الكلمة العبرية "MAHUR"- بمعنى الغرب التي عممت على جميع قبائل ومناطق شمال أفريقيا . ومنها اشتق اسم "موريطانيا" ـ أي : بلاد المغاربة ـ في عهد الملك البربري "يوغورطا" في حروبه مع الرومان (110 ق .م ـ 106 ق .م) .

ومن هذه الكلمة اشتق العرب الفاتحون اسم " المغرب " الذي كان يشمل : - ليبيا ، تونس ، الجزائر ، مراكش . ثم صار مغرباً أدنى : "تونس " ومغرباً أوسط "الجزائر" ، ومغرباً أقصى ـ أي أبعد ـ هو مراكش ثم خصص اسم المغرب لمراكش بعد أن برز تعبير القطر الجزائري ، والقطر التونسي .

ويضم المغرب بهذا المدلول : المغرب الأقصى ، أي : المناطق التي كانت أول جزء ينشق عن الخلافة العباسية ، ويؤسس دولة مستقلة على رأسها المولى إدريس الأول ويحتفظ باستقلاله طيلة التاريخ الإسلامي عن سلطة الخلافة الإسلامية بما فيها الدولة العثمانية . ويشمل المناطق الشاسعة ما بين الأبيض المتوسط ونهر السنغال جنوباً ، وما بين المحيط الأطلسي غرباً ، وحدود الخلافة التركية ـ غرب الجزائر ـ شرقاً .

ولئن كان مصطلح ـ الصحراء الغربية ـ يناسب الموقع الجغرافي للمنطقة ، ويناسب التعبير الدبلوماسي الذي يبحث عن الحيادية والموضوعية . فإنه تاريخياً كان أصلح منه الآن لأنه أطلق اعتباراً لموقع المنطقة من مركز السلطة العالمية التي كانت مهيمنة حينئذ . أي الإمبراطورية الرومانية ، ثم الإمبراطورية الإسلامية ، وهذه الصحراء في غربها .

أما بعد أن انتقلت السلطة العالمية إلى أوربا الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين فإن الصحراء صارت بالنسبة لها جنوبية . وبعد حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة ، وتفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي الجديد فإنها بالنسبة لواشنطن تعد"الصحراء الشرقية" .

وعموماً فإن موقعها على الطبيعة يبتدئ عندما تغادر مدينة أكادير وتتجه جنوباً بمحاذاة المحيط الأطلسي : هناك تدخل الصحراء ، والمنطقة الأولى منها يطلق عليها "طرفاية" وعاصمتها "طانطان" ومساحتها 25600 كلم2 . والمنطقة التي تليها معروفة باسم الساقية الحمراء التي تمتد إلى الجنوب من وادي درعة ، ومساحتها 82000 كلم2 ، ثم تليها على امتداد الساحل منطقة وادي الذهب التي يعتبر جزؤها الشرقي امتداداً لمنطقة "تيرس" الموريطانية ، ومساحتها 19000 كلم2 .

أما امتداد الصحراء الغربية شرقاً فمنطقة تندوف والساورة وتوات إلى حدود مالي جنوباً ، وهي المناطق التي اقتطعتها فرنسا من المغرب وضمتها إلى الجزائر ، وما زالت موضوع نزاع هادئ بين الجارتين " المغرب والجزائر " .

فإن واصلنا الاتجاه جنوباً بلغنا حدود موريطانيا التي كانت في يوم ما جزءاً من الصحراء ، وامتداداً طبيعيا لبلاد موريطانيا الغربية ، أو الطنجية في عهد الرومان ، أو المغرب الأقصى في العهد الإسلامي .

وعلى هذا فالحدود الطبيعية لهذه المنطقة التي شغلت الأمم المتحدة ، ومنظمة الوحدة الأفريقية ودول شمال أفريقيا ، والدول الأوربية ذات العلاقة الاستعمارية بأفريقيا هي من الشمال : المغرب الشمالي ، ومن الجنوب رأس كانسادور ـ لكويرة ـ ومن الغرب المحيط الأطلنطي ، ومن الشرق صحراء تندوف في القطر الجزائري . أما مساحتها فحسب المسح الإسباني 272000 كلم2 ، داخل منطقة عرضها 460 كلم وطولها 1200 كلم .

وبالنسبة للموقع الجغرافي الدولي ، يمكن تحديد المنطقة بخطي الطول 8 و 20 وبخطي العرض  28 و20 ، ويمر خط الطول 16 على مدينة الداخلة ، في حين يشكل خط الطول 12 الجزء الأوسط من حدود الصحراء مع موريطانيا .

أما عن التسمية ، فإن إطلاق "الساقية الحمراء" سببه نهر كان في المنطقة يمتد على طول 450 كلم ، وتتلون مياهه بالأتربة الحمراء التي تحملها من المرتفعات ، كما أن اسم وادي الذهب )_ORO RIO DE (أطلقه البرتغاليون عندما احتلوا المنطقة في منتصف القرن الخامس عشر بسبب ما كان مزعوما من وجود معدن الذهب في تربته ، وهو زعم لم يثبت لحد الآن .

        وعموماً فإن المغاربة كانوا يعتبرون المنطقة حدود العمران ويطلقون عليها"     الساقية الحمراء " ويعدونها جزءاً من بلاد سوس (الاستقصاء 3/58) .

أما المظهر الخارجي و الشكل الصحراوي ، وما احتوى عليه من تشكيلات صخرية مشاهدة في الوقت الراهن فهو نتيجة ما عرفته القشرة الأرضية في العصر الجيولوجي الثالث . أي في الوقت الذي تحولت فيه منطقة شمال أفريقيا من بحار إلى جبال .

وقد كانت درجة الحرارة في المنطقة أكبر بكثير مما هو عليه الحال في الوقت الحاضر ، حيث الطقس رطب بالقرب من الشاطئ ، بسبب الرياح المعتدلة التي تأتي من المحيط الأطلسي .

أما الأمطار فقليلة : 40 مم في الكويرة ـ 43 مم في العيون . والمياه الجوفية كبيرة وقريبة من سطح الأرض يسهل استثمارها ، بل إن من الطوبوغرافيين من يذهب إلى أن الصحراء المغربية تسبح فوق بحيرة من الماء .

وتمثل الصحراء المغربية موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية ، فهي تعتبر نقطة دفاع طبيعي ، ومراقبة دقيقة لجزر الكناري والطرق البحرية في المحيط ، كما تشكل المعبر الرئيسي براً وبحراً وجواً ـ ما بين أوربا وأفريقيا ، وجزءاً مهماً من الجناح الغربي للعالم الإسلامي والوطن العربي يجب حمايته وصيانته والدفاع عنه .

السكـــان

انطلاقاً من خاصية التحول والتغير التي تطبع القضية الصحراوية فإننا نتيه في غمرة البحث عن هوية سكان المنطقة وأصولهم وعددهم .

لذلك نفضل حل الإشكالية بطريقة عكسية استقرائية تبتدئ بالتعداد الحالي ، ثم نتبع الجذور .

وإذا ما بدأنا بتقديرات أطراف النـزاع نجد أن الإحصاء المغربي الرسمي المعلن في 20 مارس 1966 كالتالي :- .

طرفاية : 27976 من المهاجرين .

الساقية ووادي الذهب : 48000 من المقيمين .

موريطانيا : 9000 من المهاجرين .

تيندوف : 1200 .

أما حزب التقدم والاشتراكية في كتابه : الصحراء العربية المغربية ص 66 : فعنده أن عدد السكان كان قبل الاحتلال الإسباني يبلغ 200000 والآن لا يتجاوز 60000 .

واليسار المتطرف في مجلة أنفاس ، (مقال : فلسطين جديدة بالصحراء) قدروهم بـ 250000 .

وبالنسبة للبوليزاريو عددهم 375 ألف عدا ما في المغرب وموريطانيا والجزائر والدول المجاورة .

ثم في مرحلة متأخرة من النـزاع نفاجأ بأن الطرفين قد قبلا الاحتكام إلى الإحصاء الإسباني الذي أقرته الأمم المتحدة ، ونشر سنة 1974 ، وحدد العدد بـ (73497) .

ثم فاجأ المغرب المجتمع الدولي عندما ألقى في الساحة السياسية بمطلبه بضرورة إشراك الصحراويين المقيمين بالمغرب في الاستفتاء . وعددهم 120000 ، وهو عين ما أشار إليه المرحوم علال الفاسي في ندوة الشبيبة الاستقلالية (العلم 15 ، مارس 1972) .

وتقبل الأمم المتحدة طلب المغرب وتؤجل الاستفتاء وتتردد بولزاريو بين الرفض والقبول ، ثم يتم الاتفاق على أن يجتمع زعماء قبائل الصحراء يوم 15 يوليو 1993 للنظر في قوائم الذين يسمح لهم بالمشاركة في الاستفتاء طبقاً لإحصاء إسبانيا , وقوائم المغرب الجديدة  .

أما عن أصول السكان فإن الاختلاف في ذلك أكبر من أن يحد ، فمن قائل بأنهم من الجنس الآري ، ومن قائل بأنهم من الغاليين والرومان والوندال النازحين من الشمال ومن قائل بأنهم نزحوا عقب انفجار سد مأرب في اليمن وعقب هزيمة الكنعانيين في معركة طالوت وجالوت بفلسطين .

إلا أن مارمول كربجال في كتاب أفريقيا ”L’Afrique” De Marmol يقول مؤكداً : (لكن أشهر المؤلفين الأفريقيين يؤكدون أن أول سكان بلاد البربر ونوميديا كانوا خمس جاليات أو قبائل من السبئيين جاءوا مع مالك الأفريقي ـ أفريقش ـ ملك اليمن ، وما زالوا يحملون أسماءهم ويسمون : صنهاجة ، ومصمودة وزناته وغمارة ، وهوارة ومنهم خرجت ستمائة سلالة من البرابرة) .

وهذا الرأي موافق لما ذكره ليون الأفريقي في كتابه (وصف أفريقيا) حيث يقول (1/36) : ينقسم الأفارقة البيض إلى خمسة شعوب : صنهاجة ومصمودة ، وزناتة ، وهوارة ، وغمارة .

وابتداء من القرن الثالث الميلادي استولت زناتة وصنهاجة على الصحراء الغربية إلى تخوم السنغال والسودان ، وفي زحفهم هذا أخذوا يشيدون بعض المراكز الحضارية . وقبل ذلك في القرن الثاني بعد الميلاد ارتحل عدد كبير من الصنهاجيين باتجاه الجنوب بحثاً عن مستقر آمن وانتهى حالهم بعودة قسم منهم ، واستقرار القسم الباقي الذي سوف يكون لاحقاً الذرية التي سينحدر منها مؤسسو الامبراطورية المرابطية .

ثم أثناء الفتح العربي في القرن التاسع الميلادي وصلت القبائل العربية الحسانية إلى الصحراء في مهمة أسلمة المنطقة بعد أن ارتد أهلها الذين أسلموا على يد عقبة بن نافع  .

وعلى كل حال فإننا لا ننكر أن المنطقة وفد إليها كثير من الأجناس الزنجية من الجنوب ، والأوربية من الشمال ، وإن كانوا قلة بالنسبة إلى السكان الأصليين زناتة وصنهاجة ومن هاجر من اليمن وفلسطين ، ومن جاء فاتحاً في العهد الإسلامي  .

وامتزاج هذه الشعوب هو ما يكون البنية الأساسية للإنسان الصحراوي الحالي خاصة والإنسان المغربي عامة  غير مغفلين أن التعريف الموضوعي يفرض أن نحكم بعروبتهم ، نظراً لتعاظم الإرث البيولوجي العربي فيهم ولهيمنة التراث العربي الإسلامي وتقاليده وطقوسه ونظمه عليهم وهذا يحتم علينا أن نركز على واقع الإنسان الصحراوي الحالي وتقسيماته القبلية والجغرافية

لذلك نستهل هذا التصنيف بما ذكره الأستاذ محمد بنعزوز حكيم في كتابه : - السيادة المغربية في الأقاليم الصحراوية من خلال الوثائق المخزنية ، ص 26 ـ إذ يسجل أنها خمس وعشرون قبيلة هي : تكنة _ آيت موسى وعلي ـ آيت لحسن _ آيت جمل ـ أزرقيين ـ أولاد تدرارين ـ العروسيين أولاد دليم ـ الركيبات ـ أولاد بوسبع ـ زمور ـ البويهات ـ أهل الشيخ ماء العينين ـ المويسات ـ فيلالة ـ يكوت ـ توبالت ـ كميار ـ مجاط ـ الفويكات ـ الكراع ـ المناصير ـ أولاد موسى _ أولاد علي ـ شتوكة  .

هذه هي القبائل التي أوردها الأستاذ محمد بن عزوز حكيم ، لكننا إذا ما رجعنا إلى كتاب الصحراء الغربية للدكتور علي الشامي (ص 78-79) نجده يضيف أسماء قبائل أخرى مثل أولاد عبد الواحد أهل عبد الحي ـ برابيش ـ سكاما ـ تجالانت ـ تارقا ، ويهمل ذكر قبائل أخرى ذكرها بنعزوز حكيم مثل المويسات ـ يكوت ـ زمور الخ .

ثم يقسم القبائل الصحراوية إلى ثلاث مجموعات حسب مميزاتها الاجتماعية ونشاطها :

فهناك مجموعات مقاتلة : (أولاد دليم ـ أولاد بوسبع ـ رقيبات الساحل ـ رقيبات القواسم ـ تكنة ـ العروسيين ـ برابيش ـ سكاما) .

وهناك قبائل مرابطية أصحاب زوايا دينية : (أهل الشيخ ماء العينينـ بارك الله ـ أهل عبد الحي ـ فيلالة ـ توبالت ـ تجالانت ـ تارقا) . والقسم الثالث لم يصنف مهمته ولا ميزته وهم حسب رأيه : أولاد عبد الواحد تيدرارين ـ ميارا ـ ايمرغوين ـ فويكات ـ المناصير .

وهذا الخلط في تسمية القبائل وتصنيفها الذي نجده عند هذين الكاتبين مرده إلى عدم الدقة في التمييز بين كل قبيلة وفروعها (أفخادها ـ شعبها) . وإلى عدم التمييز بين أسماء بعض الأماكن وأسماء القبيلة المنتسبة لها ، فمثلاً : الركيبات تنقسم إلى قسمين كبيرين : ركيبات الساحل وتضم فروعاً هي : أولاد موسى ـ السواعد ـ أولاد داود ـ المؤذنين ـ أولاد الشيخ ـ أولاد طالب .

وركيبات الشرق أو القواسم ، وتضم البيهات _ أهل إبراهيم وداود ـ الفقرة .

وقبيلة التكنة تضم اثني عشر فرعاً منهم أزرقيين ـ آيت حسن ـ أولاد تيدرارين ـ العروسيون .

أما أولاد دليم : فمن فروعها : الشتاكلة ـ وأيموراغن ـ المناصير .

أما زمور التي اعتبرها الأستاذ بنعزوز حكيم قبيلة فهي ليست إلا أرضاً تسمى " تيرس زمور " أو كلتة زمور . ويعتمد بوليزاريو للاستدلال على الشخصية السياسية للصحراء الغربية على اعتبار القبائل المذكورة ذات تركز تاريخي قديم بالمنطقة ونشاط تجاري ورعوي وسياسي وانفصال طبيعي عن قبائل الشمال ، إشارة منهم إلى أن المرابطين انطلقوا من الصحراء الغربية إلى الشمال .

كما ينطلق المغرب في محاولة استرجاعه للصحراء من اعتبار قبائلها امتداداً لقبائل مغربية موجودة في الشمال أو مهاجرة منه إلى الجنوب  .

فالركيبات مثلاً ينتسبون إلى الأدارسة في الشمال وجدهم الأول الذي انتقل من ضواحي تطوان ـ جبل العلم ـ إلى الصحراء هو أحمد الركيبي .

وأولاد تيدرارين جدهم أحمد بن غنبور هاجر إلى الصحراء من وزان بالشمال .

والعروسيون كذلك أدارسة هاجروا من جبل العلم قرب تطوان إلى الصحراء إلى آخر القائمة .

إلا أن الشيء المؤكد هو أن الاعتماد لإثبات الهوية الصحراوية السياسية أو الإلحاق المغربي للصحراء على أصول القبائل غير موضوعي ولا يؤيد وجهة أي من الطرفين لأن الامتداد القبلي لسكان الصحراء ليس قاصراً على المغرب فقط بل هو موزع بين أطراف المنطقة العربية كلها .

فأولاد دليم مثلا فرع منهم في العراق ـ وفرع في فزان في ليبيا وفرع في المغرب قرب سيدي قاسم .

والركيبات : يوجدون في تندوف ويوجدون في ترهونة بليبيا ، كما توجد قبيلة أولاد موسى الركيبات ، في موريطانيا (أطَّار والزويرات) .

وآيت لحسن : في موريطانيا باسم (إد ولحسن) وفي ليبيا باسم (الحساونة) .

والكراع : في موريطانيا ، وفي تشاد باسم الكرعان .

أولاد بو سبع : في مالي من الطوارق ـ في غرب ليبيا الجبل الغربي ـ وفي مصر ـ وفي سيدي المختار (شيشاوة ـ بعيداً عن مراكش بـ 70 كلم) .

والعروسيون : في ناحية سطات بالمغرب ـ وفي موريطانيا . وفي ليبيا .

ازرقيين : في تونس قرب منطقة تطاوين باسم الزرقان ، وفي يفرن بليبيا .

وهكذا نجد أن القبائل الصحراوية كلها تقريباً ذات امتدادات عربية يصعب معها اتخاذها دليلاً على صحراوية الصحراء أو مغربيتها  .

ويزداد أمر الاعتماد على أنساب القبائل للاحتجاج للمغرب أو البوليزاريو تعقيداً إذا ما علمنا أن العائلة المالكة نفسها من جزيرة العرب ـ ينبع ـ وأن قبيلة صحراوية كلها "فيلالة" تعتبر امتداداً لقبائل تافيلالت التي تنتسب إليها الأسرة العلوية . بل إن الصحراويين أخوال للملوك العلويين كما ذكر الناصري عن زواج الشريف بن علي بفتاة صحراوية عندما كان معتقلاً عند أبي حسون السملالي فانجب منها ولدين ، (الاستقصاء ج 7 ص 14) وبالتالي يتعذر ـ اعتماداً على الأنساب ـ التمييز بين مدلول أن المغرب صحراوي ، أو أن الصحراء مغربية .

الحياة الاجتماعية والاقتصادية

الوضع الاجتماعي في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب ـ الصحراء المغربية ـ متأثر جداً بطبيعة المنطقة الصحراوية ، وكونها جزءاً في قارة أفريقية متخلفة ، وكونها كانت إلى وقت قريب تحت استعمار إسباني فاشستي متخلف .

على أن النسق ـ النظام - الاجتماعي بها يعتمد على نظام قبلي حاد تنعزل فيه كل قبيلة عن الأخرى ، وتخضع كل منها لرئيس يختاره كبراؤها تستشيره وتتحاكم إليه لحل كل خلاف ، وترسله مع بطانته لمفاوضة القبائل الأخرى . أو لأداء البيعة للسلطة المركزية ، وتقدمه لقيادة الجهاد ضد الغزو الأجنبي .

ومعيشتهم تعتمد كثيراً على اللحوم والفواكه المجففة ، التي يستوردونها من الشمال ، ويعتبر خبز القمح والشعير والكسكسو أَهم طعام لديهم .

أما اللباس فيمتاز بكونه ذا لونين أبيض وأزرق ، الأبيض للشرفاء والأزرق لعامة الناس ، ومنه أطلق عليهم الأوربيون "الرجال الزرق" .

أما العمامة واللثام اللذين اشتهروا بهما وسموا بهما "الملثمين" فهما عادة عربية استقدمها المهاجرون الأوائل معهم من الجزيرة العربية ، ومن ذلك خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي حاكم العراق في عهد بني أمية الذي يقول :

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا       متى أضع العمامة تعرفوني

والزواج عندهم على الشريعة الإسلامية حسب المذهب المالكي ، كما هو الحال في الشمال المغربي إلا أنَّ التعدد عندهم نادر جداً التزاماً منهم بالآية القرآنيــــة : ) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة ( .

لكن كثيراً مما ذكرنا هنا عن الوضع الاجتماعي أخذ في الأُفول والتغير بعد استرجاعها عملياً إلى المغرب ، والجهود الجبارة التي بذلت لتطويرها ، والتسهيلات الكبيرة التي أعطيت للرساميل المغربية التي تنقل إليها . وسكان الشمال المغربي الذين يقبلون الاستقرار فيها ، مما أدى إلى نهضة عمرانية وثقافية ، وإلى تبدد كثير من العادات والتقاليد والأعراف القديمة ، وإلى إقحام المنطقة بقوة في أجواء العصر الحديث .

أما الحياة الاقتصادية فتعتمد على معادن الفوسفاط في بوكراع ، والحديد بناحية زميلات اكراسات ، والبوتاس في الساقية الحمراء ، والنحاس في جبل أنيال . وعلى المزروعات من الذرة والشعير وتربية المواشي من الإبل والغنم والماعز (حسب إحصاء 1972 : 39000 جمل ، 57800 ماعز ، و11230 رأس غنم) وعلى الصيد البحري الذي يعتبر الثروة الحقيقة الأولى للصحراء الغربية .

الفتح الإسلامي

تعاقب على المغرب الأقصى ـ بما فيه السوس الأقصى ، الصحراء - قبل الإسلام ، غزاة من ثلاثة أجناس .

الفينيقيون التجار الذين اكتفوا بالمعاملات التجارية في الموانئ التي لم يتجاوزوها في أغلب الأحيان .

ثم الرومان ، فالبيزنطيون فالوندال ، وكلهم جاءوا غزاة فاتحين ، ولكنهم لم يكونوا يتجاوزون الشواطئ ، وفي أحيان قليلة كانوا يؤسسون بعض المراكز العسكرية المحصنة في الدواخل ، مثل مدينة "هليوبوليس" أو "وليلي" قرب مدينة زرهون ، التي كانت مرتبطة بمدينة طنجة بواسطة طريق بري شبه معبد .

أما في الدواخل فإن السكان الأصليين كانوا يحتفظون بحريتهم الكاملة ، ويمنعون الغزاة بحد السلاح من التوغل وإتمام السيطرة على البلاد ، وكانت لهم طيلة هذه العهود ممالك صغيرة وإمارات أشبه ما تكون بتجمعات فدرالية للقبائل ، عليها رئيس يسمى "أكليد" وفيما كان بعض هؤلاء الـ "أكليد" ـ الأمراء ـ يؤدون الجباية لهرقل ملك الروم ولغيره من أباطرة الغزاة ، اتقاء لشرهم ، واستعانة بهم على منافسيهم من رؤساء البربر الآخرين . كان أمراء برابرة غيرهم يرفعون شعار طرد الاستعمار الأجنبي وتوحيد البلاد كما هو حال "يوغورطا" .

وظلت المنطقة على هذا الحال مراكز سلطوية أجنبية في السواحل وبعض المدن الداخلية ، وأراضي سائبة يحكمها أمراء محليون ، أو شيوخ قبائل . دون أن تقوم دولة كبرى متماسكة تؤسس نظاماً سيادياً على كامل التراب إلى أن جاء عقبة بن نافع الفهري ، القائد العربي المسلم فاتحاً في عهد يزيد بن معاوية الأموي (62 هـ) فوجد الأهالي ما بين مجوس على دين أجدادهم الأول ، أو يهود بتأثير نفوذ مملكة سليمان عليه السلام في فترة معينة ، أو مسيحيين على دين حكام السواحل من الروم والبزنطيين .

أما الجنوب المغربي ـ السوس الأقصى أو الصحراء الغربية ـ فقد كان سكانه كلهم مجوساً في هذه الفترة (الاستقصاء ، ج 1 ص 82/83) . ثم ظلت منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب تتردد بين الإسلام والردة ، وبين الانضباط لسلطة الخلافتين الأموية والعباسية وبين التمرد والثورة . إلى أن أسس إدريس الأول دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى وانفصل بها عن الخلافة المركزية .

وطيلة فترة الأدارسة التي امتدت ما بين 172 هـ إلى 375 هـ كانت الصحراء المغربية بين مد وجزر ، تحت نفوذهم المباشر تارة ، وغير المباشر تارة ، وفي حالة تسيب تارة أخرى ، وذلك بسبب الحروب التي كانت تشن عليهم من دولتين عربيتين مجاورتين هما دولة العبيديين في أفريقيا (الجزائر) والأمويين في الأندلس (الاستقصاء ج1 ،ص 205) .

ومنذ سقوط دولة الأدارسة إلى تمام قرن من الزمان هو عمر دولة زناتة وبني يفرن كانت المنطقة في شبه حرب أهلية بين الزناتيين وحكام الأندلس مرة وبين الزناتيين والخارجين عليهم تارة أخرى ، وتركزت الصراعات الحربية في شمال المغرب الأقصى والأوسط ، وحول المدن الرئيسية ذات الأهمية العمرانية والسياسية ، وأهملت المناطق النائية غير المـأهولة وفي مقدمتها الصحراء التي أخذ ينـزح إليها من خاف على نفسه أو يئس من إصلاح حال الأمة ، واستبعد حلول السلام ، أو استنكر التقاتل بين الإخوة .

وبذلك تكونت بعيداً عن السلطة المركزية أرضية اجتماعية وثقافية وسياسية من الرافضين ، أشرف على تكوينهم العقدي على النهج السلفي فقيه متمكن هو عبد الله بن ياسين الذي كون منهم في الصحراء جيشاً قوياً ، زحف به إلى الشمال بقيادته الروحية ، وقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني وابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني الحربية .

وبذلك قامت في المغارب (الأقصى والأوسط والأدني) وبرقة وطرابلس إلى الحدود المصرية (السلوم) شرقاً ، وإلى حدود بلاد الغال في أوربا شمالاً ، وإلى نهر السنغال وبحيرة تشاد جنوباً ، وعلى ضفاف المحيط الأطلسي غرباً ، دولة يقودها سكان الصحراء المغربية ، ثم وَرَثَ هذه الأمبراطورية عنهم أمراء الموحدين فيما بعد

هكذا تداولت القبائل المغربية السلطة المركزية ، فبعد أن كان الحكام يأتون من الشمال إلى الجنوب ، أخذ الجنوب يصدر إلى الشمال رجال السلطة ، وكلا الحكام - الجنوبيين والشماليين - يعترف بهم شعبياً وشرعياً حكاماً للمغرب الأقصى من طنجة إلى نهر السنغال .

إن التفاعل السياسي بين شمال المغرب وجنوبه ـ صحرائه ـ أخذ منذ عهد المرابطين شكل مشروع وحدوي بعيد الأثر في تاريخ المنطقة فالشمال الذي كان يهيمن على الجنوب في القرن التاسع أصبح جنوباً يهيمن على الشمال في القرن الحادي عشر ويصوغ روابط تاريخية عميقة عبر الجزائر وتونس وليبيا ويطرد من المنطقة كلها على امتداد التاريخ المرابطي والموحدي كل المذاهب غير السنية ـ خوارج وشيعة وغيرهما ـ ويوحد الشمال الأفريقي كله حول المذهب المالكي السني ، باستثناء إباضية قليلة جداً في الجزائر والجبل الغربي بليبيا .

وبقيت الصحراء بعد ذلك تحت نفوذ السلطة المركزية في عهد المرينيين والوطاسيين والسعديين حيث تمكنت السلطة المركزية من إحكام قبضتها على الصحراء الغربية في عهد السلطان "المنصور الذهبي" الذي امتد سلطانه إلى السنغال .

وظلت العلاقة بين الشمال والجنوب على حالها في عهد العلويين الذين كانوا يبعثون إليها بالقضاة والفقهاء والولاة ويشرفون على قمع الثورات التي تنشب فيها بين لحظة وأخرى كما ذكر ذلك الناصري في الاستقصاء (ج 9 ص 177) في مجال حديثه عن غزو الجنوب المغربي لتهدئته سنة 1299 هـ ووصول الجيش إلى قبيلة آيت باعمران وتولية عمال وفقهاء وعلماء في المنطقة للإرشاد والإدارة . هكذا استمر حال الصحراء الغربية مرتبطاً بالشمال ارتباطاً بشرياً ولغوياً ودينياً وسياسياً تارة ، أو ارتباطاً بشرياً ودينياً ولغوياً في فترات التسيب والفوضى .

الصحراء المغربية والعد التنازلي نحو الاستعمار

منذ انهارت امبراطورية الموحدين عام 1269 م دخلت المنطقة مرحلة الضعف وكانت أولى بوادره تعددية مراكز السلطة (بنومرين في المغرب الأقصى ، بَنُوزيَّان في الجزائر ، بنو الأحمر في الأندلس) .

وأخذ الوضع السياسي يأخذ شكل علاقات متناقضة وتحالفات متغيرة تدفع بني زيان إلى محاربة المرينيين أحياناً ، وتدفع بني الأحمر إلى التحالف مع المسيحيين ضد بني مرين أحياناً أخرى .

وفي نفس الوقت كانت بوادر استراتيجية أوربية غربية مسيحية تتكون على أساس توحيد شبة جزيرة "إيبريا " وعزل بني الأحمر عن مراكز القوة الإسلامية في المنطقة تمهيداً لطرد العرب من أسبانيا ، ثم التقدم لاحتلال المناطق الساحلية لأفريقيا الشمالية تمهيداً للسيطرة عليها .

وقد بدأت الخطوات الأولى لتنفيذ هذه الاستراتيجية بإشراف الكنيسة الكاثوليكية ، وذلك بتوحيد الممالك الصغيرة في استورياس ، وأراغون ، وقشتالة ، وتوجت باتفاقية طور ديسياس سنة 1494م التي مهدت لقيام سياسة مشتركة لتقسيم أفريقيا عام 1509 م والتي أخذت شكلها الكامل بقيام وحدة شبه الجزيرة الإيبيرية تحت عرش فليب الثاني ملك أسبانيا عام 1580 م ، الأمر الذي انتج أسبانيا موحدة وقوية في وجه مغرب ضعيف ومفتت ، ثم تلتها الخطوات التالية بقيام الوحدة البرتغالية ـ الإسبانية على أسس استعمارية قوامها احتلال الشواطئ المغربية واتخاذها منطلقاً للدفاع عن الوحدة المسيحية في مواجهة إسلام دائم الاستنفار .

وفي نفس الفترة بدأت عمليات التدخل الإسباني في الصحراء الغربية مستغلة انكفاء السلطة المركزية على نفسها ، وانحسار نفوذها عن شواطئها الشمالية وانشغالها بمكافحة الأتراك في الشرق (الجزائر) والمسيحيين في الشمال والثورات الداخلية في السهول والجبال .

ففي عام 1504 م قام الإسبان بأول غزو للصحراء الغربية انطلاقاً من جزر الكناري حيث نهبوا قافلة لقبيلة "تكنة" في عملية بحثهم عن الذهب والعبيد .

وفي أواسط القرن الخامس عشر (1476 م) أنشأت أسبانيا برجاً في مصب وادي الشبيكة أطلقت عليه "Santa CRUZ De Mar PEQUENA " .

وفي سنة 1492 م استرجعه المغاربة ، ولكن الأسبان أعادوا بناءه سنة 1496 م ، فاسترجعه المغاربة مرة أخرى سنة 1517 م ، ثم أعاد الأسبان احتلاله في نفس السنة ، ولم يسترجعه المغاربة إلا في سنة 1527 م .

ومرت 240 سنة على تحطيم البرج بعد استرجاعه من طرف المغاربة ، حين حط بنفس المكان الإنجليزي "كلاص" سنة 1764 فطرده المغاربة .

وأثناء المفاوضات الإسبانية المغربية سنة 1766 م على يد السفير المغربي أحمد الغزال كان من بين المطالب التي قدمها الملك كارلوس الثالث الإذن بإعادة بناء البرج "SANTA CRUZ" . ونصت الاتفاقية بين الطرفين في نصها العربي على أن المغرب لا يوافق على طلب الأسبان ولكن محرر النص الإسباني أثبت أن البرج خارج حدود المملكة المغربية ومرت 93 سنة دون أن تتمكن أسبانيا من بناء البرج ـ رغم خديعتها للمغرب بالنص الأسباني ـ إلى أن أعلنت الحرب على المغرب سنة 1859 وهزم الجيش المغربي في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن فعرضت عليه السلطات الأسبانية ، صلحاً يقضي بأن يسلم إلى أسبانيا قطعة أرض لإنشاء مركز صيد في المكان الذي كان يوجد فيه برج سانتا كروز سنة 1478م ، ودون أن يعرف المفاوض المغربي ولا الإسباني المكان الذي كان فيه البرج ، وإنما نصت المعاهدة على أن تقوم لجنة مشتركة بتعيين موقعه .

وفي سنة 1879 نزل بطرفاية الإنجليزي Mackenzic ، مدعيا أن الأرض خلاء ، رغم احتجاجات المغرب المتوالية التي أيده فيها الأسبان لأبعاد تاكتيكية ، والتي قدمها نائب السلطان بطنجة إلى سفراء الدول المعتمدين هناك يوم 28/1/1879 .

وفي يوم 3 نوفمبر 1884 قررت أسبانيا أخذ ما نصت عليه المعاهدة قسراً ، فنـزل في منطقة الداخلة الأسباني RONELLI وأنشأ كوخاً من خشب جعله مركزاً للتجارة باسم شركة تجارية أسبانية ، وفي يوم 26 ديسمبر 1884 أعلنت الحكومة الأسبانية للدول الأوربية نزولها بالداخلة وبسط حمايتها عليها دون أن تخبر المغرب إلا أن المغاربة استطاعوا طرد الأسبان من المركز في 9 مارس 1885 م .فاحتجت أسبانيا يوم 16 إبريل على الاعتداء المغربي ، فأجابها المغرب بأنه كان قد حذر من عواقب نزول الأجانب بالشواطئ المغربية وإذاك قررت أسبانيا استخدام القوات العسكرية ، فأرسلت مع بونيلي كتيبة عسكرية تحت قيادة ضابط يوم 8 يونيو 1885 ومنذ ذلك الوقت ظل المركز يتعرض لمحاولات التحرير (سنة 1886 ـ 1887 ـ1888 ـ 1889 ـ 1890 ـ1892 ـ 1894) .

وفي يوم 13 مارس 1895 أبرمت بين المغرب وبريطانيا العظمى معاهدة مراكش التي استرجع المغرب بمقتضاها المنطقة التي كان الإنجليزي ماكينزي قد أنشأها بطرفاية .

وفي يوم 20 يوليوز سنة 1900 م أبرم بمراكش بروتوكول مغربي أسباني ينص على أن يعهد إلى لجنة مشتركة بالبحث عن مكان يقام فيه مركز للصيد المتفق عليه في معاهدة تطوان ، 26-4-1860 ، وأن ذلك سيكون بالشاطئ المغربي الممتد من راس جوبي ـ في طرفاية إلى راس بوجادور بالساقية الحمراء ، وهذا اعتراف ضمني بأن الصحراء مغربية يضاف إلى اعتراف بريطانيا في المعاهدة السابقة (معاهدة مراكش 13-3-1895) .

وفي نفس الوقت كانت أسبانيا تفاوض فرنسا من أجل اقتسام الأرض المغربية برمتها ووقع الطرفان يوم 27-6-1900 بباريس معاهدة جزئية خاصة بالصحراء تأخذ بمقتضاها أسبانيا وادي الذهب من الرأس الأبيض في الجنوب إلى رأس بوجادور في الشمال .

وفي يوم 11/11/1902 تم الاتفاق بين أسبانيا وفرنسا على اقتسام باقي الأراضي المغربية على أن تكون لأسبانيا منطقتان محميتان واحدة بشمال البلاد ، وأخرى بجنوبها ، والجنوبية تمتد من رأس "غير" قرب أكادير إلى راس بوجدور بالساقية الحمراء ، إلا أن البرلمان الأسباني لم يوافق على المعاهدة .

وفي 8 أكتوبر 1904 كانت بين فرنسا وأسبانيا معاهدة سرية لاقتسام المغرب على أن تكون لإسبانيا منطقة شمالية (سلسلة جبال الريف وشاطئ الأبيض المتوسط) ومنطقة جنوبية (من رأس بوجدور جنوباً إلى قرب أكادير شمالاً) ولكن هذه المعاهدة لم يتم تنفيذها إلا بعد عقد معاهدة مدريد 27/11/1912 التي تمت بعد صفقة مقايضة بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا ، تتنازل فيها فرنسا لبريطانيا وإيطاليا وألمانيا على حقها في احتلال طرابلس ومصر والكونغو ، على أن تتنازل هذه الدول لفرنسا عن حقها في احتلال الشمال الأفريقي . وكان على أسبانيا نتيجة هذه الصفقة أن تعوض لفرنسا بالتنازل لها عن بعض التراب المغربي الذي حصلت عليه بمقتضى معاهدة 8 أكتوبر 1908 . وبعد أن فرضت الحماية على المغرب في 30 مارس 1912 نفذ الاتفاق الفرنسي الأسباني على تقسيم المغرب بينهما ، فكان لأسبانيا منطقة بالشمال ـ الشريط الساحلي على الأبيض المتوسط وجبال الريف في امتداد جنوبي إلى سوق أربعاء الغرب - ومنطقة بالجنوب هي الساقية الحمراء ووادي الذهب ، وبقي لفرنسا ما دون ذلك (ما بين سوق الأربعاء شمالاً إلى قرب إيفنى جنوباً ، ومنطقة شنقيط (موريطانيا) .

وبمقتضى عقد الحماية وقع الاتفاق بين الأسبان والفرنسيين والمملكة المغربية على أن يكون للملك خليفة في مناطق النفوذ الأسباني ، وعين بمقتضى ذلك الأمير المهدي بن إسماعيل بظهير سلطاني يوم 14 مايو 1913 ، ثم أخذ الخليفة السلطاني يعين نوابا عنه في مناطق النفوذ الأسباني ، فعين في راس جوبي سالك بن عبد الله بظهير خليفي بتاريخ 22/12/1917 ، وعين محمد الأغضف بن الشيخ ماء العينين على أفني بظهير خليفي بتاريخ 1/10/1934 الخ .

وبذلك بقيت الصحراء المغربية تحت السيادة الإسمية للمغرب برغم معاهدة الحماية الفرنسية والأسبانية .

ثم بمقتضى التصريح المشترك المغربي الأسباني يوم 7/4/1956 الذي اعترفت فيه أسبانيا باستقلال المغرب والتزامها بوحدته الترابية ، كان على أسبانيا أن تغادر المنطقة -الصحراء الغربية ـ وتردها إلى المغرب ، لكنها بدل ذلك أعلنت عن ضم الصحراء كلها (افني ـ طرفاية ، الساقية الحمراء ، وادي الذهب) إلى التراب الأسباني بمرسوم فرانكو ليوم 10-1-1958 ، واحتاج المغرب إلى صراع سياسي دام عشر سنوات لينتزع من أسبانيا منطقتي أفني ، وطرفاية ، بمعاهدة فاس ليوم 4/1/1969 ، ومن ثم دخل عهد جديد هو عهد المطالبة بالصحراء الغربية ومحاولة تحريرها على ثلاثة خطوط :

خط وحدوي إسلامي شعبي مسلح .

خط وحدوي رسمي .

خط انفصالي ثوري .

مقاومة الاحتلال :

الخط الوحدوي الإسلامي الشعبي المسلح

سيكون مؤتمر الجغرافيين الأسبان سنة 1884 الذي قنَّن وضعية المناطق الصحراوية ، وكوَّن الشركة الأفريقية للتجارة ، وصدور قرار المجلس الوزاري الإسباني الذي نص على أن تصبح منطقة وادي الذهب وسانتاس تحت الحماية الإسبانية ، وتأسيس فيلا سنيوروس ، بمثابة الشرارة التي فجرت التحرك الجماهيري ضد الاحتلال الأجنبي ، فاندفعت الجماهير لمهاجمة مدينة الداخلة مركز الشركة التجارية ، ولحق الأسبان بهذا الهجوم خسائر فادحة وأرسلت جماهير الصحراء وفوداً كثيرة إلى السلطة المركزية المغربية لحثها على النهوض للدفاع عنهم أو لتزويدهم بوسائل الدفاع (السلاح والمال) ، ولكن السلطان نفسه كان منشغلاً بمواجهة مؤامرات الغرب ، وحروب " السيبة " التي استشرى أمرها ، وكل همه كان محاولة تهدئة الأوضاع والحرص على عدم فتح جبهات جديدة ، بجانب الجبهات المفتوحة فلم يملك إلا أن يجيبهم برسالة مورخة بـ 25 سبتمبر 1887 منها :

(أما الحكومة الفرنسية فلم تكن لها لحد الآن مع أسلافنا الكرام إلا علاقات المودة ، وقد أظهرت إخلاصها لاتفاقية السلام ، واحترامها لحقوق الجوار ، وأسلوب عملها منصف ، ونزيد أن بين حكومتنا وبين الحكومة الفرنسية سلام دائم وعلاقات ودية إنهم لا يعملون ضد أحد دون أن يبنى عملهم على سبب عادل ، ولا يحدثون ضرراً بجيرانهم إذا لم يجبرهم هذا عليه ، فإذا بقيتم في حدود حقوقكم مقتدين في ذلك بأسلافكم لن يصلكم منهم ضرر ولا خراب ولن يلحقكم منهم ظلم طول العمر بإذن الله) .

وهكذا وجدت الجماهير البعيدة عن السلطة المركزية نفسها عزلاء في صحراء شاسعة ، وفي مواجهة غزو أجنبي مجهز أحسن تجهيز . فعمدت إلى تنظيم نفسها تحت قيادات محلية ومبادرات فردية ، فكانت أول حركة منظمة جادة للنضال المسلح بقيادة الفقيه الديني الشيخ ماء العينين ، الذي حاول ـ أول الأمر ـ التنسيق مع السلطة المركزية ولكن الملك عبد العزيز لم يكن في وضع داخلي أو خارجي يمكنه من فعل أي شيء ضد الغزاة فاضطر الشيخ ماء العينين للاعتماد على الإمكانيات المحلية الذاتية بشراً ومالاً وعتاداً .

وفي هذه الأثناء ازداد التغلغل الفرنسي والإسباني من أجل الاحتلال المباشر الذي لم يقتصر على السواحل فقط . بل تعداها إلى العمق المغربي حيث اقتحمت فرنسا سنة 1903 جبل بشار وضمته إلى الجزائر ، ومنه دخلت إلى منطقة الساورة وضمتها أيضاً إلى الجزائر سنة 1904 .

وفي سنة 1906 انعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي كرس الاتفاقيات السرية والعلنية ، أي تقسيم المناطق المغربية إلى مناطق أسبانية وفرنسية ، وتأسيس بنك الدولة وتقنين نظام الجمارك لصالح الرأسمالية الأوربية .

وفي هذه الظروف فشلت - أيضا - زيارات الشيخ ماء العينين إلى السلطة المركزية بالشمال وفشلت جهوده أيضاً من أجل فك حصار التسليح الذي فرضه عليه الأسبان والفرنسيون .

وفي سنة 1907 اعترضت قوات الفرنسيين والأسبان قافلة محملة بالأسلحة موجهة من طرفاية إلى الشيخ ماء العينين وصادرتها ، وفي سنة 1910 فرض اتفاق على السلطة المركزية بمنع تهريب الأسلحة بشكل نهائي إلى المقاومة الصحراوية بقيادة الشيخ ماء العينين .

إن الشيخ ماء العينين الذي ينتمي إلى قبيلة أدرار المغربية الصنهاجية التي تنتسب إلى إدريس الأول والذي أسس أوّل مقاومة مسلحة للاحتلال الأجنبي تحت شعار الجهاد الإسلامي ، كان يرى نفسه وكافة الصحراويين أضعف من أن يواجهوا وحدهم الغزو الأسباني والفرنسي ، ولذلك كانت قناعته أكيدة بضرورة الاستعانة بالسلطة المركزية ولذلك أعلن بيعته سنة 1894 .

وبعد عدة رحلات قام بها الشيخ ماء العينين إلى السلطان ، وجهود مكثفة استطاع أن يحصل منه على تفويض بقيادة القبائل في اتجاه الحرب . وإذاك دعا ماء العينين إلى تحالف قبلي في مدينة السمارة من أجل المقاومة .

وفي خريف 1905 التقى في السمارة كل القبائل بحضور بعثة رسمية تمثل السلطان من فاس ، وتعاهد الجميع على المقاومة :

قبائل الداخلة ووادي الذهب (أولاد دليم ، العروسيون ، أولاد تيدرارين ، الرقيبات) .

وقبائل جنوب أدرار (أولاد أموني ، أولاد أكثر ، أولاد شيلان ، الطرشان ، سماديد ، أيد يشيلي ألخ) .

وقبائل شمانة (الترارزة ، أولاد بيري ، أهل بارك الله  الخ) .

وقبائل التكنة (ازرقيين ، آيت لحسن الخ) .

وابتداء من سنة 1908 بدأت المقاومة المسلحة التي حققت انتصارات متوالية على جيش نظامي عصري متطور التدريب والتسليح ، ليس له من نقطة ضعف سوى جهله بالمنطقة التي يقاتل فيها واستطاع الشيخ ماء العينين أن يحكم قبضته على الساقية والوادي ، ثم بدأ الزحف نحو الشمال إلى "تادلا" ليواجه قوات الجنرال موانيي عام 1910 في أكبر معركة واجهت الغرب منذ دخوله المنطقة ، ولكن الهزيمة كانت من نصيب الشيخ ماء العينين الذي كان برغم شجاعته وشجاعة جنوده واستماتتهم يقاتل ضـد تيار جارف لا يمكن رده نظراً لانهيار الجيش المغربي النظامي الرسمي واتفاق دول أوربا على تسليم المغرب إلى الغزاة الجدد .

ثم بعد وفاته عقب الهزيمة ، قام بعده ابنه أحمد الهيبة وأعاد تنظيم المقاومة وزحف مرة أخرى إلى الشمال واحتل مدينة مراكش وتمركز في مدينة بن جرير ، ولكنه تراجع أمام القوات الفرنسية الهائلة .

 واستمر الاحتلال الفرنسي والأسباني للمغرب شمالاً وجنوباً بعد أن خضعت آخر المناطق بقوة السلاح سنة 1934 ، ولكن المقاومة الشعبية أخذت أسلوباً آخراً سياسياً أسسه مجموعة من فقهاء جامعتي القرويين بفاس وابن يوسف في مراكش بقيادة الزعيم الإسلامي علال الفاسي ، ولكن هذه الحركة سرعان ما تحولت إلى عدة أحزاب سياسية مطالبة بالاستقلال على أساس وطني .

وما بين 1952 و 1956 صعدت درجة حرارة المقاومة السياسية ولجأت السلطات الفرنسية إلى إزاحة رموز السيادة الوطنية والكفاح التحريري من الساحة الوطنية ، فاسترجع الأهالي المبادرة التحريرية وتكونت المقاومة المسلحة التي تطورت إلى جيش تحرير خاض عمليات مسلحة ضد الاستعمار الفرنسي .

ثم بعد إعلان استقلال الجزء المغربي الأوسط سنة 1956 من الاستعمار الفرنسي ، اتجه جيش التحرير إلى الجنوب واستطاع أن يحرر منطقة طرفاية ، وآيت باعمران وايفني . وأن يقوم بعمليات مسلحة موفقة في موريطانيا . إلا أن ظروفاً سياسة وأمنية داخلية فرضت أن يصفى جيش التحرير ويلحق أكثر ضباطه بالجيش الملكي ، وتصفى بذلك المقاومة المسلحة في مقابل اعتراف أسبانيا بمغربية طرفاية وآيت باعمران وإيفني ـ التي كان جيش التحرير قد استرجعها بقوة السلاح .

ثم بعد ذلك أعلنت فرنسا منطقة موريطانيا دولة مستقلة برغم معارضة المغرب الذي ما لبث أن اعترف بالأمر الواقع ، وبقيت الساقية الحمراء ووادي الذهب تحت النفوذ الأسباني الذي أخذ بدوره يفكر في تكوين دولة استيطانية بهما ، ثم انتقل إلى التنفيذ باعلانهما ـ الساقية والوادي ـ مقاطعة إسبانية بمرسوم بتاريخ 10/1/1958 ، وبذلك عزلت الحركة الجماهيرية للمقاومة عن روافدها ومصادر دعمها في الشمال (ا لمغرب المستقل) وفي الجنوب (موريطانيا ـ الدولة الجديدة) ، مما اضطر الناشطين فيها إلى إعادة تنظيم أنفسهم طبقاً للظروف الجديدة .

وهكذا ظهر الشكل الأول للتنظيم على شكل "الجماعة الصحراوية" سنة 1967 يمثل نوعاً من السلطة المنبثقة عن القبائل والموحدة لها بعيداً عن النفوذ الإسباني .

وفي نفس الوقت كان شاب مغربي من الصحراء اسمه محمد إبراهيم البصيري المولود سنة 1944 قد أتم دراسته في سوريا ورجع إلى المغرب وأسس صحيفة "الشهاب" وأصيب بالإحباط بسبب سلبية الجهود المغربية الرسمية لتحرير الصحراء ، وفشل جهود الجماعة الصحراوية في الداخل ، فعمد إلى الرجوع إلى الصحراء سراً في دسمبر 1967 . وأسس منظمة للتحرير جديدة اسمها " المنظمة الإسلامية لتحرير الصحراء " أو الحزب المسلم كما أطلق عليها الأسبان . وأعلنت هذه المنظمة عن أهدافها المتمثلة في ثلاث نقط هي :

1- تحرير الصحراء من الوجود الأسباني .

2- الانضمام إلى المغرب .

3- طريق التحرير هي الحرب المسلحة المعتمدة على جيش وطني من السكان .

وفي 1970 قررت أسبانيا تنظيم تجمع شعبي للبرهنة على أن الصحراء جزء من (أسبانيا ـ الأم) ، فقررت المنظمة الإسلامية للتحرير معارضة المشروع وتحديه ، فكانت مجزرة العيون التي اسفرت عن مقتل المئات وسجن الآلاف وانتهى فيها محمد البصيري مقتولا تحت التعذيب بعد أن اعتقلته السلطات الإسبانية .

وكان رد الفعل المغربي والأحزاب الوطنية المغربية سلبياً أثار حفيظة سكان الصحراء ومهدت هذه السلبية بعد تفتت حركة البصيري إلى نشوء حركة انفصالية بقيادة الوالي الركيبي ، دعيت فيما بعد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية والوادي . أو "بولزاريو" .

الخـــط الانفصالــي

بعد تفتت حركة محمد البصيري ، كانت الرياح تجري في المنطقة ضد مصالح المغرب الرسمي ، لا سيما وجزائر بومدين أخذت تتخوف بجدية من إمكانية تحرك جدي مغربي لاسترداد أقاليم الساورة وتوات وتندوف التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر في حال استرداد الصحراء المغربية .

واليسار العالمي بلغ أوجه وأنشأ مناطق توتر في كثير من الأقطار والصحراويون مصابون بخيبة وإحباط ويأس بسبب ما ظنوه خذلاناً مغربياً لهم في معركة التحرير

وأسبانيا تخشى من أن نجاح المغرب في استرداد الصحراء سيحفزه للمطالبة بسبته ومليلية والجزر الجعفرية على شاطئ الأبيض المتوسط واستغل مجموعة من الشباب الصحراوي هذه الظروف أحسن استغلال وعملوا على تأسيس منظمة انفصالية للتحرير ـ بوليزاريو ـ محاولين إقناع أسبانيا بالتعاون معهم بدعوى أن الصحراء هي المنطقة الوحيدة في أفريقيا التي تحتفظ بالثقافة الإسبانية لغة وروابط اجتماعية وسياسية ، وإذا ما استقلت ستكون موطيء القدم الوحيد لإسبانيا في أفريقيا .

وإقناع اليساريين والقوميين العرب بأن بوليزاريو تمثل بؤرة ثورية للتحرير والتوحيد تزحف من الصحراء مكتسحة المغرب العربي نحو المشرق العربي .

وإقناع الجزائر بأن تكوين دولة منفصلة عن المغرب سيحمي مناطق تندوف والساورة وتوات من الأطماع المغربية ، ويكف المغرب عن أحلامه التوسعية .

وإقناع اليسار العالمي بأن المنطقة الصحراوية إن استقلت سوف تكون بؤرة ثورية للفكر الماركسي وتصدير الصراع ضد الغرب والإمبريالية والرجعية إلى كافة مناطق العالم الثالث ، وسوف تتحول إلى كوبا جديدة للقارة الأفريقية . ولعل هذا مما جعل قيادة البوليزاريو لا تقيم أي مسجد في المخيمات ، ولا تسمح بصلاة الجمعة أو بالصلوات الخمس الجماعية .

وبهذا التاكتيك استطاعت هذه المنظمة الوليدة أن تنمو بسرعة وأن تحشد حولها المساعدات من أغلب دول المنطقة والمعسكر الاشتراكي كله فقويت شوكتهم وأسسوا مراكز للتدريب في الجنوب الغربي للجزائر (تندوف) وتدفق عليهم الدعم المالي والعتادي ، واللوجستيكي ، وشنوا عمليات مسلحة ضد بعض المراكز الأسبانية . ثم ضد الجيش المغربي ، وحققوا انتصارات لا باس بها على الطرفين مما قوى فيهم النـزعة الانفصالية وأعلنوا فيما بعد انفصال الصحراء والقطيعة المطلقة مع الوطن الأم .

ومع هذا فللعدل والموضوعية ينبغي أن نبين أن الانفصال لم يكن الهدف الأول لمؤسس البوليزاريو " الولي الركيبي " ولكنه كان رد فعل للإحباط الذي قوبل به جهده الدائب لإقناع السلطة المغربية والأحزاب السياسية بدعمه ذلك أن الوالي الركيبي نفسه سبق أن اعترف بمغربية الصحراء في المذكرة التي قدمها للأحزاب الوطنية المغربية في شهر يناير 1973 ونشرتها صحيفة 23 مارس على حلقات في الأعداد 19و20و21و22و23و24و25 . هذه المذكرة المكتوبة بخط يده يقول فيها : (ويمكن القول إن المنطقة كانت إقليماً مغربياً كسائر الأقاليم المغربية) ، ولكن مواقف الحكومة المغربية - حسب نظره ـ والأحزاب الوطنية ، والصراع الدولي بين الشرق والغرب والصراع الإقليمي داخل المنطقة المغاربية والعربية أوصل الصحراويين إلى نقطة القطيعة مع الوطن الأم وإعلان جمهورية الصحراء في المنفى ، وفي بعض المناطق المحررة كما يقولون ، أو في تندوف كما هو واقع الحال . وذلك يوم 27 يبراير 1976 م .الخط الرسـمي الدبلوماسي

كان موقف الدولة والأحزاب السياسية المغربية مخيباً لآمال الصحراويين لا سيما عقب مجزرة العيون ، ولكنهم كانوا في وضع لا يسمح لهم بغير ذلك ، فقد كان الطرفان (الدولة والأحزاب) مشتبكين في صراع سياسي مرير . الأحزاب - لا سيما اليسارية ـ منشغلة بمقاومة الدولة بشتى الوسائل ، والدولة منشغلة بمحاولة الدفاع عن نفسها . ومع ذلك فقد ترك الطرفان هامشاً للاشتغال بقضية الصحراء كل بما يخدم مصالحه .

المعارضة تريد أن تحرج الدولة بدفعها إلى معارك خارجية ضد أسبانيا والمصالح الأجنبية ، لتتمكن من توسيع دائرة نفوذها الشعبي ، والدولة تريد أن توظف القضية الصحراوية لتدعيم الشرعية دون الدخول في معارك مع الدول المجاورة . ولجأ المغرب إلى الأمم المتحدة التي عالجت الموضوع في دورتها العشرين عام 1965 ، واتخذت قرارها رقم 2072 بتاريخ 16-12-1965 القاضي بدعوة أسبانيا إلى تصفية مستعمراتها في الصحراء معتبرة المغرب وموريطانيا طرفين معنيين ينبغي التشاور معهما في الموضوع .

وبعد ذلك قررت الأمم المتحدة استشارة محكمة العدل الدولية بالقرار رقم 3292-29 بتاريخ 13/12/1974 ، وطلبت منها الإجابة على السؤال :

هل كانت - الصحراء الغربية - الساقية الحمراء والوادي ـ بدون سلطة حاكمة فيها عند دخول الأسبان إليها ؟

       وإذا كان الجواب بالنفي فما هي العلاقة القانونية القائمة بين هذه المنطقة وبين كل من المملكة المغربية وموريطانيا بصفة عامة ؟

       وصدر الحكم عن محكمة العدل الدولية يؤكد ارتباط الصحراء بالمغرب بواسطة البيعة ـ وامتداد سلطة النظام المغربي إلى الصحراء قبل الاستعمار الإسباني .

وفي يوم 6 نوفمبر 1975 عقب ظهور بوادر انسحاب إسباني من الصحراء تمهيداً لقيام كيان مستقل ، اتجه المغاربة في مسيرة خضراء توجت بإعلان البرلمان الإسباني يوم 19/11/1975 الموافقة على اتفاقية مدريد والمرسوم الملكي الإسباني الذي أذن للحكومة الإسبانية بالتخلي عن إقليم الصحراء ، ونصّ على أن الصحراء لم تكن في يوم من الأيام جزءاً من التراب الوطني للمملكة الإسبانية .

       ثم دشنت المفاوضات الثلاثية بين أسبانيا والمغرب وموريطانيا وتوجت باتفاق ثلاثي يتضمن انسحاب اسبانيا وتقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا ، وأعلن عن الاتفاق في الرباط بلاغ مشترك أسباني مغربي موريطاني ، مباشرة عقب اجتماعات مدريد الثلاثية التي استمرت أيام 12/13/14 نوفمبر 1975 .

ثم بعد اشتداد معارك بوليزاريو ضد الجيش المغربي وعجز موريطانيا عن حماية الجزء الذي كان من نصيبها ـ وادي الذهب ـ وعن مواجهة الضغوط الممارسة ضدها من قبل المعسكر الاشتراكي تخلت عن وادي الذهب وسحبت نفسها من القضية نهائياً فضم المغرب الوادي إليه .

       وبذلك تمت الوحدة الترابية للمغرب مع أكبر أجزائه وبقيت سبتة ومليلة والجزر الجعفرية وحجرة بادس في الشمال بيد أسبانيا .

       وبذلك انتهت قضية الصحراء ميدانياً بسيطرة فعلية مغربية عليها ، على اعتبار أن تعبير ـ"الأرض المحررة" التي تتحدث عنه بوليزاريو ما هو إلا للدعاية والحرب النفسية ، وإلا فليس للبوزاريو فعلاً من موطيء قدم إلا في تندوف وبعض التسللات داخل الصحراء للقيام بأعمال حربية ثم العودة إلى تندوف .

انتهت القضية ميدانياً ، ولكن بقيت ذيولها السياسية المعقدة ، التي على رأسها معسكرات اللاجئين في تندوف ، وجيش بوليزاريو المجهز تجهيزاً قوياً ، والضغوط الأجنبية المعارضة للمطامح المغربية في ضم الصحراء ، والمستثمرة للقضية من أجل ابتزاز المغرب أو شغله لأهداف متعددة ، كما هو حال أسبانيا التي لا تريد أن يتفرغ المغرب للمطالبة بالمستعمرات في الشمال (سبتة ومليلية) . ثم بعد إقامة الجدران الوقائية على طول الحدود المغربية الموريطانية ، وقرب الحدود الجزائرية تمت السيطرة العسكرية المغربية على المنطقة ، وفقدت كتائب البوليزاريو مفعولها الذي لم يعُد يتجاوز عمليات شغب ، هجوم وهروب ، تليه بيانات تضخيم للخسائر المغربية والمكاسب الصحراوية ، وبيان من المغرب يقلل من قيمة الهجوم ومن الخسائر . ولكن المعركة الدبلوماسية بين المغرب وبين بولزاريو ومؤيديها في أروقة الأمم المتحدة ، ومنظمة الوحدة الأفريقية ودول عدم الانحياز بقيت قائمة

الصراع في منظمة الوحدة الأفريقية

       تحددت أطراف النـزاع نهائياً وهم : المغرب ، والبوليزاريو ، والجزائر ، كل من وجهة نظره ومصالحه .

       وحيث أن غالبية الدول العربية كانت مؤيدة للمغرب ، وحيث أن الأمم المتحدة كانت قراراتها مرتبكة تؤيد تقرير المصير للسكان الصحراويين من جهة ، وتثبت بطريقة غير مباشرة اتفاقية مدريد الخاصة بتسليم الصحراء إلى المغرب وموريطانيا من جهة أخرى ، فإن الجزائر وبوليزاريو حالتا دون دراسة القضية في الجامعة العربية ، وفتحتا خطا موازياً للأمم المتحدة من أجل مواصلة المعركة الديبلوماسية.

       هذا الخط هو منظمة الوحدة الأفريقية التي تتمتع فيها الجزائر بنفوذ أكبر من المغرب ، وظلت المعارك الدبلوماسية المغربية الجزائرية في منظمة الوحدة الأفريقية في شد وجذب إلى أن توجت باعتراف المنظمة بجمهورية بوليزاريو وقبلتها عضواً فيها .

فكان رد فعل المغرب تعليق عضويته في المنظمة الأفريقية ومقاطعتها .

       حدث اعتراف المنظمة بجمهورية بوليزاريو رغم إعلان المغرب قبوله إجراء الاستفتاء من أجل تقرير المصير وبذلك اقتصرت المبارزة المغربية الجزائرية المباشرة على أروقة منظمة الأمم المتحدة .

الصراع في منظمة الأمم المتحدة

       بعد حكم محكمة العدل الدولية المتناقض الذي يؤيد اتفاقية مدريد الثلاثية ـ أسبانيا ـ المغرب ـ موريطانيا - ، ويؤيد حق الاستفتاء أخذت الكفة تميل لصالح الجزائر وبوليزاريو في كل دورة للأمم المتحدة ، وكانت عمليات التصويت تعكس موازين القوى بين المغرب والجزائر على أرض الواقع .

       وإذا أخذنا مقياساً لذلك تصويت الأمم المتحدة على القرار 3458 في الدورة الثلاثين (1975) نجد أن التصويت المتعلق ببحث تقرير المصير لسكان الصحراء انتهى لصالح الجزائر بنسبة 88 صوتاً ضد 41 امتناع ، و15 غياب .

       أما التصويت المتعلق باتفاقية مدريد فقد انتهى لصالح المغرب بنسبة ضئيلة إذ صوت مع القرار 56 دولة ، وضده 42 ، وامتناع 24 دولة وتغيب 12 دولة .

وبالتالي فإن قرارات الأمم المتحدة لم تكن لها الفعالية الكافية وإنما كانت غطاء لتنافس سياسي ودبلوماسي بين المغرب والجزائر أما بوليزاريو فقد كانت تقبع ـ دائما ـ خلف الكواليس .

       إن قرارات الأمم المتحدة إلى ما قبل حرب الخليج ، وظهور بوادر النظام العالمي الجديد لم تكن بالنسبة للبوليزاريو إلا أضغاث أحلام ومحاولات ضغط ، وكسب جولات دبلوماسية لا تغني بالنسبة لسياسة الأمر الواقع التي نهجها المغرب بفرض سيطرته على الأرض الصحراوية وضمها إلى الوطن الأم . ذلك أن حسم الصراع السياسي على واقع الأرض يجعل من القرارات الدولية مجرد لغو ورفاهية دبلوماسية وجعجعة ليس بعدها طحن .

إلا أن قبول المغرب لمبدأ الاستفتاء من أجل تقرير المصير ، فتح الطريق أمام الأمم المتحدة التي سرعان ما أقرت المبدأ ، وعينت نائباً للأمين العام الأممي للإشراف على الاستفتاء ثم أرسلت جنود الأمم المتحدة للمراقبة بتاريخ 6/9/91 وعينت تاريخاً للاستفتاء هو أول سنة 1992 ثم تأجل الاستفتاء إلى متم 1993 ، وعين يوم 15-7-93 للقاء الطرفين في مدينة العيون لوضع مقاييس تجديد هوية المشاركين في الاستفتاء .

       وفي هذه الأثناء لاحظنا أن الأحزاب المغربية أبدت انزعاجاً من الاستفتاء وأخذت تطالب بعدم إجرائه لأن الظروف قد تجاوزته ، خاصة بعد اتفاقية المغرب العربي الذي التزمت فيه كل دول المنطقة بعدم مساعدة أي خصم لأنظمتها ، وبعد انهيار الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في الجزائر بشكل يجعلها غير قادرة مطلقاً على دعم البولزاريو . وبعد حسم الصراع ميدانياً بالسيطرة على أرض الصحراء ، وبداية العدّ التنازلي لتماسك المنظمة الصحراوية الانفصالية .

       أما الجزائر فإنها تحاول أن تخرج من المعركة بمكسب ما وهي تفضل أن يكون المكسب تنازل المغرب عن مطالبه الترابية في غرب الجزائر ، لذلك صرح ناطق باسم الخارجية الجزائرية بأن ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب ينبغي أن يجري قبل متم سنة 1993 ، وهو الموعد الذي كان ينتظر أن يتم فيه الاستفتاء حول الصحراء في عرض غير مباشر لصفقة مغربية جزائرية فحواها أن الجزائر مستعدة للتخلي نهائياً عن البوليزاريو إذا رسمت الحدود بين الطرفين . ولكن المغرب يعرف أن الجزائر مضطرة للتخلي عن البوليزاريو بدون مقابل نظراً لظروفها الداخلية ولذلك كان جوابه غير المباشر اعتقال عبد الحق عيادة أحد قياديي الجماعة الإسلامية اللاجئين في المغرب وكتبت بعض الصحف عن إمكانية مبادلته بقيادة البولزاريو  وهكذا ضمن المغرب شبه استفراد بمنظمة البوليزاريو .

مواقف الأحزاب السياسية المغربية

الأحزاب السياسية المغربية من حيث موقفها من النظام المغربي تنقسم إلى أحزاب موالية وإلى أحزاب معارضة .

       ومن حيث المعتقد السياسي تنقسم إلى أحزاب يمينية ذات توجهات لبرالية وأحزاب يسارية ذات توجهات ماركسية سافرة ومقنعة .

       ومن حيث حرية العمل السياسي تنقسم إلى أحزاب شرعية علنية ، وأحزاب غير شرعية وسرية .

وسنكتفي بذكر مواقف أهم الأحزاب المعارضة على اختلاف معتقدها السياسي ، ووضعها القانوني أما الأحزاب الموالية فرأيها دائماً قابل للتبدل والتغير تبعاً للموقف الرسمي .

وأهم الأحزاب اليمينية في المغرب حزب الاستقلال كحزب وطني لبرالي قاد حركة الاستقلال وأسسها ، ثم بعد الاستقلال انشقت عنه تقريباً كل الأحزاب اليسارية التي لم ترض عن توجهاته السياسية اللبرالية ولا عن توجهات قائده ـ علال الفاسي ـ الدينية ، أما الأحزاب اليسارية المعارضة فالشرعية منها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية . والسرية منها حركة "23 مارس" وحركة "إلى الأمام" الماركسيتان اللينينيتان .

حـزب الاسـتقلال

       شكل حزب الاستقلال منذ بدء النهضة الاستقلالية في الثلاثينات النواة المركزية لحركة التحرر الوطني في المغرب . لذلك كان الحاضن الأساسي لوحدة المغرب وأدى به موقفه هذا إلى رفع مشروع المغرب الكبير الذي يشمل موريطانيا والصحراء الغربية والصحراء الشرقية (تندوف والساورة وتوات) وسبتة ومليلية .

       وما زال الحزب رغم إنشاء دولة مستقلة في موريطانيا يتلكأ في الاعتراف بها ، وما زال أكثر الأحزاب تشدداً في قضية مغربية الصحراء الغربية ، ومطالبة باسترجاع الصحراء الشرقية وتحرير سبتة ومليلية .

       ففي 14 يبراير 1957 اجتمع ممثلو حزب الاستقلال في الصحراء المغربية وبعثوا ببرقية إلى الملك يطالبون فيها بالوحدة مع المغرب ثم كتب علال الفاسي عن الصحراء الشرقية مقالاً في "صحراء المغرب" العدد 24 ـ 4 ـ 1957 تناول فيه الحدود التاريخية للمغرب فقال :

       (وقد اعترفت فرنسا بهذه الحدود سنة 1830 عندما قنبلت الشواطئ المغربية وطلبت من جلالة مولاي عبد الرحمن أن يسترد خليفته من تلمسان ويسحب جنوده إلى غرب نهر تافنا ، وكان النهر المذكور حداً فاصلاً بين المغرب وولاة الأتراك منذ استيلائهم على المغرب الأوسط ولما برقت لفرنسا بارقة الغلبة سنة 1844 اعتدت على التراب المغربي وأنشأت مخافر عسكرية بجامع الغزوات ، ولاله مغنية من قبيلة بني واسين ، وكان المغرب يعتبر هذه القبيلة مغربية ، فاضطر أن يدافع بحد السلاح عن حدوده ، وخاض من أجلها معركة "ايسلي" التي انهزم فيها . ولما انعقدت معاهدة الصلح بتاريخ 10/9/1884 أكدت مادتها الخامسة الحدود القديمة بين ملوك المغرب وولاة الأتراك ولكن المعاهدة التي عقدت في السنة التي بعدها ـ 1885 - جعلت هذه الحدود تتقهقر إلى الغرب لتبدأ من نهر "كيس " أمام مرس "عجرود") .

 الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

       تغير موقف الاتحاد الوطني من قضية الصحراء تبعاً للتغيرات التي عرفتها قيادته السياسية التي تعاقبت عليه ، والتحالفات السياسية الخارجية التي عقدها .

       ففي عهد قيادة المهدي بن بركة اتخذ الحزب موقفاً منسجماً مع سياسة اليسار الفرنسي والعالمي إذاك ، فلم يتورط في تأييد الانفصال ، ولم (يتورط) في تأييد مطالب المغرب . واتخذ في ذلك موقفاً مراوغا ، من جهة أيد حق تقرير المصير إرضاء لليسار العالمي والعربي المؤيد للبوليزاريو ، ومن جهة غطى عن واقع التأييد للانفصال برفع شعار وحدة المغرب العربي .

       وهذا الموقف لخصه تقرير المهدي بن بركة للمؤتمر الثاني للبلدان الأفريقية ما بين 25 و 29 يناير 1960 بقوله :

       (إن عملية الاكتساح والهجوم التي تمارس ضد جماهير الصحراء تفرض تقوية صفوفنا وإرادتنا من أجل فرض إخلاء كل القواعد العسكرية الأجنبية ودعم نضال الجماهير الصحراوية بكيفية خاصة من أجل حريتهم وتقرير مصيرهم) .

       ولكن القيادات التي ورثت الاتحاد الوطني بعد اختفاء المهدي بن بركة ، لم تحتفظ بهذا الموقف ، وإنما رجعت إلى اعتبار الصحراء جزءاً من المغرب يجب استرجاعه ، منتقدة في نفس الوقت موقف المغرب الذي قبل عرض القضية على لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة ، لأن هذا القبول يضفي الشرعية على حق تقرير المصير الذي يطالب به اليسار العالمي المؤيد للبوليزاريو ، ويتعارض مع أهداف المغرب في استرجاع أرضه .

الاتحاد الاشتراكي

       في أول مؤتمر تأسيسي عقده الحزب سنة 1975 وقع الإجماع على شرعية تقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا .

       وفي التقرير المذهبي المقدم لهذا المؤتمر شجب التوجهات المغربية لإحياء الامبراطورية المغربية كما كانت في عهد الملوك السعديين في القرن السادس عشر ( ـ جريدة الحزب 11 يناير 1975 عدد 212 ـ التقرير المذهبي ـ ) .

       ثم بعد أن أعلن المغرب في مؤتمر القمة الأفريقية قبوله لمبدأ تقرير المصير للصحراويين رفع الحزب أيضاً شعار حق تقرير المصير .

       ثم بعد الصلح مع الجزائر في إطار "الاتحاد المغاربي" رفع شعار مغربية الصحراء وتجاوز مرحلة الاستفتاء من أجل تقرير المصير .

       وهذه التناقضات التي وقع فيها الحزب كانت بسبب تعدد ولاءاته السياسية داخلياً وخارجياً ، فهي مرة متأثرة بالنفوذ السوري ، وأخرى ، بالمعسكر الشيوعي ، وأخرى بالمصالح المحلية الخاصة ، وأخرى باليسار الفرنسي الذي يرتبط معه بعلاقات خاصة .

حـزب التقـدم والاشـتراكية

       لعل هذا الحزب أشد الأحزاب اليسارية المغربية تشبثاً بمغربية الصحراء ، وقد ألف رئيس الحزب الأستاذ "علي يعطة " كتاب "الصحراء الغربية المغربية" يقول فيه :

       (إن الخطوات التاريخية أبانت عن فشل وتفاهة واستهتار جميع الحلول التي كانت لا تتفق والحل الذي وضعه المواطنون أمام أعينهم منذ البداية ألا وهو التحرير التام للصحراء المغربية وإرجاعها إلى الوطن بدون أي مساومة أو تنازل .

منظمة "23 مارس" (ماركسية) :

       وهي منظمة ماركسية لينينية تأسست سراً عام 1965 عقب أحداث الدار البيضاء الدامية في مارس 1965 ، وقد حاولت توظيف القضية الصحراوية لأهدافها الأممية بتحويل الصحراء إلى بؤرة ثورية على غرار ثورة ظفار بجنوب الجزيرة ، وكوبا . وثورة شي غيفارا في بوليفيا ، ولكنها لم تملك إلا أن تعترف بمغربية الصحراء وتحاول توظيفها لأهدافها الايديولوجية في بيانها الصادر عن لجنتها الوطنية بتاريخ 22/9/1974 والذي ورد فيه :

       (إن كون الصحراء مغربية لا يعني تأييدنا لإلحاقها بالعنف الرجعي بالنظام الملكي الاوتوقراطي التبعي المغربي ، بل يعني التأكيد على الوحدة التي تربط بين الجماهير الصحراوية وجماهير المغرب ـ كما هو شأن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ـ فإن هذا لا يحل المشكلة) .

منظمة "إلـى الأمام" (ماركسية) :

       منظمة ماركسية لينينية أيضاً انشقت عن منظمة 23 مارس وهي بدورها تعترف بمغربية الصحراء وتحاول توظيفها لأهدافها الأممية كما هو حال منظمة 23 مارس .

       وقد جاء في بيانها الصادر بتاريخ 10/8/1974 :

(لقد شكلت جماهير الصحراء عبر التاريخ وحدة متينة مع الشعب المغربي وهذه مسألة بديهية وواضحة كل الوضوح  . لذلك فإن حركتنا الماركسية اللينينية لا تعتبر الجماهير الصحراوية تشكل شعباً مستقلاً استقلالا كاملاً عن الشعب المغربي) .

       أما عن كيفية توظيف هذه القضية للأهداف الماركسية فقد لخصه البيان فيما يلي :

       (الحركة الماركسية اللينينية المغربية التي ترفض هذا الموقف رفضاً قاطعاً ، وتشكل القوة السياسية الوحيدة التي تناضل من أجل فضح الأهداف الحقيقية للحكم وللأحزاب البورجوازية ، وتطرح قضية الصحراء من زاوية كفاحية ثورية) . وهكذا يتضح أن الحركتين الماركسيتين اللينينيتين (23 مارس ، وإلى الأمام) تنطلقان في موقفهما من القضية الصحراوية من نقطتين :

       الأولى : إدانة توظيف الدولة للقضية الصحراوية من أجل تدعيم الشرعية .

       الثانية : محاولة توظيف القضية الصحراوية بتحويل جبهة بوليزاريو إلى بؤرة شيوعية للمنطقة كلها ، وهذا من أوهام الماركسية ، لأن المنطقة تاريخياً واجتماعياً وسياسياً وعقدياً وإقليمياً ودولياً غير قابلة لذلك . والبوليزاريو نفسها ـ خاصة بعد اختفاء زعيمها المندفع الطموح ـ الولي الركيبي ـ لا ينطلق قادتها الحاليون إلا إلى أهداف متواضعة جداً هي الحصول على جزء من رمال الصحراء ، لرفع علم ، وتأسيس قصر ، وإرسال ممثلين عنهم إلى الخارج  .

       والخلاصة : هي أن جميع الأحزاب المغربية العلنية والسرية ، اليمينية واليسارية والإسلامية والعلمانية ، والدولة المغربية ، بل وحتى مؤسس البوليزاريو ـ الولي الركيبي ـ كلهم مجمعون على مغربية الصحراء ولكن كلاً منهم يحاول توظيفها لصالحه سلاحاً لتحقيق أهدافه .

       ومغربية الصحراء لا تستمد شرعيتها من اعتراف الأحزاب والمنظمات ولا من نتائج الاستفتاءات ، ولا من حكم محكمة دولية ، أو تأييد دولة أجنبية أو منظمة عالمية ولا من نظام حكم معين ، أو قواعد قانونية خاصة ، لأن هذه كلها روابط قابلة للتغير والتبدل تبعاً لسنة الكون وتعاقب الأجيال .

       إن مغربية الصحراء ضاربة في جذور التاريخ ، وفي أعماق وجدان المواطنين منذ خلقت الأرض ونشأت التجمعات البشرية ، وقبل أن يعرف المغرب نظاماً سياسياً معيناً ، وقبل أن تنشأ في الفقه السياسي الإسلامي قواعد البيعة أو نظام التعددية الحزبية ، والاستفتاءات الشعبية ، وسوف تبقى ـ بإذن الله ـ جزءاً من المغرب ، على رغم ما يمكن أن يطرأ على ساحته من تغيرات وتقلبات على امتداد المستقبل . لأن القاعدة الراسخة لانتساب الصحراء إلى مغربها هي روابط الأصل الواحد ، والدين الواحد والمصير الواحد ، والمصالح والأهداف المشتركة ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولن يسمح أي مغربي مسلم حر بأن تقتطع المصالح الأجنبية جزءاً من أرضه ليكون شوكة في خاصرته أو غصة في حلقه أو حجراً للحاقدين والمعقدين ، أو قاعدة يُستَعْدى منها الأجنبي ضد الأمة .

السياسة الإسبانية

الخاصة بالصحراء المغربية

       تمثل الصحراء المغربية أهمية خاصة بالنسبة لأسبانيا ، فهي إضافة لكونها ظهراً لحماية جزر الكناري الواقعة تحت النفوذ الأسباني والمنتمية جغرافياً إلى المغرب ، ولحماية المستعمرات الإسبانية في شمال المغرب (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) من أي محاولة تحريرية مغربية ، تعتبر مجالاً استراتيجياً لتطويق المغرب الأقصى الذي يمثل خنجراً في خاصرة أسبانيا ، والذي كان عبر التاريخ يتبادل معها دور المستَعْمَر والمستَعْمِر ، ومجالاً اقتصادياً لتغذية الاقتصاد الأسباني بالمواد الخام الموجودة في الصحراء (الفوسفاط) ، وبالثروة الحيوانية البحرية المتوفرة بكثرة في شواطئها .

       كما تعتبر "مسمار جحا" مدفونا في ظهر أفريقيا والمغرب العربي يستفاد منه لكل غاية وهدف ضد المغرب ، وضد الجزائر وكافة دول المنطقة لذلك تلكأت أسبانيا كثيراً في حل هذه القضية ، وترددت بين عدة تناقضات وعرفت خططها اضطراباً وتغيراً ملحوظين .

       وقد كانت استراتيجيتها في البداية تقوم على ضرورة الاحتفاظ بالصحراء وضمها إلى أسبانيا ، وسعت إلى ذلك بأساليب ملتوية وخطوات حذرة ، مخافة أن تفقد مصالحها الكبيرة لدى المغرب وحلفائه من الدول العربية الغنية ، ولدى الجزائر والدول العربية التقدمية التي تعتبر الصحراء جزءاً من الوطن العربي الكبير.  

       وقد سارت أسبانيا بين هذه المآزق السياسية المتمثلة في ضرورة المحافظة على مصالحها الاستراتيجية في الصحراء ، وبين مصالحها لدى الدول العربية ـ يمينيها ويساريها ـ بحذر شديد .

       ففي سنة 1970 نظمت مؤتمراً يهدف شكلياً إلى تقرير مصير الصحراويين مع الارتباط بالوطن (الأم ـ أسبانيا) أعقبته في 31 ـ1-1971 انتخابات صحراوية لاختيار مجلس الجماعة ـ برلمان على الطريقة البدائية ـ وأعلن أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 100% وأن الصحراويين قد أكدوا بمشاركتهم تعلقهم بـ (الوطن الأم ـ أسبانيا) .

       ثم بعد ذلك انتخب مجلس الجماعة ستة أعضاء ليكونوا نواباً في مجلس النواب الأسباني " الكورتيس " ثم وضع نظام إداري جديد للصحراء فرضت بمقتضاه السيطرة الإسبانية عليها .

       وفي أثناء ذلك حاولت أسبانيا استغلال التنافس الجزائري المغربي وخلافاتهما الحدودية ، ففتحت مفاوضات اقتصادية وسياسية مع كل طرف على حدة ، وحاولت استغلال القضية لابتزاز كل منهما وضرب الواحد بالآخر في سعي حثيث لتحضير أجواء خلق كيان صحراوي مستقل شكلياً ، ومرتبط بأسبانيا عملياً ، أعلن عنه في مذكرة أسبانية سنة 1973 سلمت لسفراء الحكومات المعنية ، فقبلتها الجزائر ورفض المغرب تسلمها . وقد جاء في هذه المذكرة :

       1- تأكيد حق الصحراويين في تقرير المصير .

       2- للشعب الصحراوي وحده الحق في تقرير مصيره بكل حرية .

       3- العلاقة بين الشعب الصحراوي وأسبانيا مبنية على الإخاء .

       4- أسبانيا تضع مسطرة عملية تضمن بها حرية الاستفتاء لتقرير المصير .

       5- السلطة العليا للشعب الصحراوي تظل مجسمة في رئيس الدولة الإسبانية ، وتضمن أسبانيا وحدته الترابية ، وتتولى التمثيل في الخارج نيابة عنه .

وفي نفس السنة أعلن عن موافقة الجماعة الصحراوية بمذكرة قدمتها إلى الجنرال فرانكو .

وبذلك توترت العلاقات المغربية الإسبانية ، وأخذت العلاقات الإسبانية السعودية تأخذ نفس النهج .

لقد كانت أسبانيا بين ثلاثة خيارات :

       1- تكوين دولة صحراوية مستقلة ومرتبطة بأسبانيا ـ كما هو حال الكويت مع بريطانيا ودول الغرب ـ وهذا يجعلها تصطدم بالمغرب وبالدول العربية المؤيدة له ، وبالمعارضة المغربية بكل فصائلها ، مما يؤثر على العلاقات الإسبانية العربية برمتها ، خاصة على المستوى الاقتصادي ، ويربك الملكية الإسبانية التي تهيئ نفسها لخلافة فرانكو الذي يودع أيامه الأخيرة .

       2-تسوية مساومة مع المغرب وموريطانيا ، وهذا يجعلها تخسر علاقتها مع الجزائر وحلفائها .

       3- توظيف القضية لتفجير المنطقة وشغل دولها بنفسها وحماية مستعمراتها في شمال المغرب ، مع ما في هذا الخيار من مغامرة لا تناسب الوضع الداخلي الإسباني آنذاك .

       وقد كان تنفيذ الخيار الثاني ـ تسوية المساومة مع المغرب وموريطانيا ـ بأسلوب ملغم كفيلاً بتحقيق الاختيار الثالث (تفجير المنطقة) .

       وهكذا ربطت الخيوط مع أعداء الأمس ـ بوليزاريو ـ وفتحت لهم ممثلية في أسبانيا وفسحت لهم مجال الانتشار العسكري في الصحراء ، مما قوى عزيمتهم على الانفصال عن المغرب والارتباط بأسبانيا . فأخذوا يدرسون الأسبانية في مدارسهم بتندوف تقرباً لأسبانيا ، ودفع بالجزائر إلى رفع قبضة التحدي في وجه المغرب .

       ثم في نفس الوقت أكدت نواياها بعدم الضم ، وفتحت مفاوضات مع المغرب وموريطانيا ، توجت ـ بعد ضغوط مغربية مكثفة بالمسيرة الخضراء ، والتلويح بورقة سبتة ومليلية ، وحكم محكمة العدل الدولية ، وضغوط السعودية والخليج ـ بإعلان الانسحاب الإسباني من الصحراء واقتسامها بين المغرب وموريطانيا .

       وبذلك صبت البنـزين على المنطقة ورمت فيها بشرارة سرعان ما اندلعت منها نار الحرب ، وانشغل المغرب عن تحرير شماله (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) ، وأعفيت الجزائر وحلفاؤها من ضرورة التحالف مع المغرب لتحرير أرضه في الشمال والجنوب ، كما تفرض ذلك مقررات الجامعة العربية ، وفسح المجال للبوليزاريو  .

آفـــــاق المستقبــل

       تقف القضية الصحراوية حاليا عند نقطة حساسة جداً إسبانيا تقف متفرجة ، وقد خرجت من المأزق ، علاقاتها مع كل من المغرب والجزائر طيبة ، مستعمراتها في شمال المغرب آمنة ، لانشغال المغرب عنها بالقضية الصحراوية .

       والصحراء ـ ميدانياً ـ بيد المغرب ـ وقد فرض سياسة الأمر الواقع الذي لا يمكنه التزحزح عنه أمام شعبه وجيشه . والجزائر تعاني من أوضاعها الأمنية بدخول المد الإسلامي مرحلة الثورة المسلحة ، وبتنامي ثورة الطوارق في جنوبها ، وبإمكانية تحالف الصحراويين - أو بعضهم على الأقل ـ إذا وصلوا مرحلة اليأس مع الإسلاميين والطوارق . والبوليزاريو ـ قيادة ـ أخذ يتفتت بعوامل اليأس ، وانحسار الدعم الأجنبي ، ما بين مجموعات عادت إلى المغرب ، ومجموعات خائفة يائسة تائهة . ومجموعة مازالت تقاوم التيار وتسير المعركة الدبلوماسية محاولة أن تكسب الوقت إلى حين تغير المعطيات السياسية في المنطقة والعالم لصالحها ، والأمم المتحدة تسير ببطء شديد متكئة على عكاز محاولة مراجعة قوائم الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء .

       وجميع الفئات المغربية أحزاباً وجمعيات ومؤسسات ثقافية واجتماعية واقتصادية مجمعون على أن الوضع في الصحراء محلياً ودولياً ، تجاوز الحل الاستفتائي لأن الصحراء عمليا بيد أهلها باعتراف مؤسس البوليزاريو نفسه .

 

عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي

 

الرجوع إلى أعلى الصفحة

| الصفحة الرئيسية | العقيدة | الأخلاق من القرآن | الأخلاق من السنة  | حوار مع داعية إسلامي | دراسات قرآنية وشرعية |
| كتاب إسلامي |
 منتدى الفكر  | محاضرة | المرأة المسلمة | هذا بيان للناس | متفرقات | سير وصور
|
 

Copyright © 2005 All rights reserved. www.achabibah.com E-Mail : achabibah@achabibah.com