تاريخ 25 ربيع الثاني 1429 هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 

الصفحة الرئيسية

حلقات تفسير القرآن
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور


انقر على الصورة لتكبيرها وللسيرة الذاتية
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 


العــقـــــيـــــــــدة

صفات الله تعالى الواجب معرفتها

الصفة الأولى- الوجود

الأصلُ الذي تُبنى عليه العقيدةُ الإسلاميةُ معرفةُ الله ومعرفةُ رسولِهِ، فمعرفةُ الله هو العلمُ بأنه تعالى موجودٌ، فيجب اعتقادُ أنه تعالى موجودٌ في الأزلِ أي لا ابتداءَ لوجودِهِ ، قال تعالى: )  أفي الله شَكٌ(  وقال: ( هو الأوَّلُ ) أي هو الذي لا ابتداءَ لوجودِهِ، روى البخاريُّ في الصحيحِ والبيهقيُّ وأبو بكرِ بن الجارودِ عن عمرانَ بنِ الحُصينِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاءَه قومٌ من أهلِ اليمنِ فقالوا: يا رسولَ الله جئناك لنَتَفَقَّهَ في الدينِ ولنسألَكَ عن بدءِ هذا الأمرِ ما كانَ، وفي لفظٍ: "عن أولِ هذا الأمر"، قال: "كان الله ولم يكن شىءٌ غيرُهُ وكان عرشُهُ على الماءِ وكتَبَ في الذّكرِ كُلَّ شىءٍ". كانَ سؤالُهُم عن أولِ العالمِ ثم الرسولُ أجابَهُم بما هو أهَمُّ من ذلِك وهو قولهُ: "كان الله ولم يكن شىءٌ غيرُهُ" أي أن الله موجودٌ في الأزلِ لا ابتداءَ لوجودِهِ ولم يكن في الأزلِ معه شىءٌ أي لا زمانٌ ولا مكانٌ ولا أجرامٌ.

وأتبَعَ ذلك جوابَهُم بأن الماءَ والعرشَ وُجِدا قبلَ غيرهِما من المخلوقاتِ فأعلمهُم أن الماء قبل العرشِ لأنه لما قال لهم "وكان عرشُهُ على الماءِ" أفهمَهُم أن الماءَ خُلق قبل العرشِ.

وأما معرفةُ الرسولِ فهو العِلمُ بأنهُ مبلغٌ عن الله صادقٌ فيما جاءَ به في الإيجابِ والتحريمِ والإخبارِ عن ما مضى وعما سيَحدُثُ في الدنيا والبرزخِ والآخرةِ، فمن جزَمَ بذلك بلا شكٍّ ولا ارتيابٍ فهو عارفٌ بالله ورسولِهِ ومؤمِنٌ بالله ورسولِهِ سواءٌ عرَفَ الدليلَ العقليّ على ذلك أو لم يَعرِف. وضلت المعتزلةُ باشتراطِ معرفَةِ الدليلِ العقليّ لصحةِ الإيمانِ، وأما أهلُ الحقّ فلا يَشتَرطونَ ذلك ولكنهُم يرونَ الاستدلالَ على وجودِ الله تعالى بدليلٍ عقليّ ولو كان إجماليًّا واجبًا، وهذا الدليل الإجماليُّ حاصلٌ لكلّ مؤمنٍ ولو لم يعرف ترتيبَ هذا الدليلِ كأن يقالَ العالمُ مُتغيرٌ وكلُّ مُتغيرٍ حادثٌ فالعالم حادث فلا بد له من محدِثٍ وهذا المحدِثُ هذا الموجِدُ هو الذي يسمى الله، فإن من نظرَ بعقلِهِ نظرًا صحيحًا يدلُّه على ذلك. والاستدلالُ الإجماليُّ لا يخلو منه المسلمُ العالِمُ أو العاميُّ ويسمى ذلك الاستدلالُ استدلالا طبيعيًّا. ولا يُتصَوَّرُ فقدانُ الدليلِ الإجماليّ في مسلمٍ إلا فيمن نشأ على شاهقِ جبلٍ سمع أُناسًا يقولونَ إن للخلقِ ربًّا خلقهم يستحقُّ العبادَة عليهم، فصدَّقهُم إجلالا لهم عن الخطَإ واعتقدَ ذلك ولم يتفكر في شيء من الدليل، وهذا أيضًا إيمانُه صحيحٌ لكنه يجبُ عليه الاستدلالُ. فالمؤمنُ الذي لم يستدلَّ قال أهلُ الحقّ إنَّهُ عاصٍ وذلك لأن الله تباركَ وتعالى أمَرَ بالتّفكُّرِ في خلقِهِ ليستدلوا بحالِ العالمِ على وجودِ خالقِهِ. ثم بعد معرفةِ وجودِ الله تعالى وتفردِه باستحقاقِ العبادةِ أي نهاية التذللِ يجبُ عليه معرفة بقيةِ الثلاث عَشرَةَ صفة من صفاتِ الله وهي: القِدَمُ، والبقاءُ، والمخالفةُ للحوادثِ، وقيامُهُ بنفسِهِ، والوحدانيَّةُ، والحياةُ، والقدرةُ، والإرادةُ، والعلمُ، والسمعُ، والبصرُ، والكلامُ.

والدليلُ الإجماليُّ لهذه الصفات هو أن يقالَ: لو لم يكُن الله تعالى متصفًا بهذه الصفاتِ لم يكنِ العالمُ موجودًا، فهذا الاستدلالُ الإجماليُّ كافٍ للاستدلالِ الواجبِ.

وأما الأدلةُ التفصيليَّةُ فمعرفتها ليست من فروضِ العينِ بل هي من فروضِ الكفاية، فإذا وجد في المسلمين من يعرفُ بقية الصفات الثلاث عشرة وما يتبعُ ذلك من أصولِ الاعتقادِ بالدليلِ العقليّ فقد أسقَطَ الحرج عن غيرِه من المسلمينَ وذلك لأنَّه يحتاجُ إلى ذلك لردّ شُبهِ الملاحِدَةِ والمبتدِعَةِ في الاعتقادِ. فلو جاءَ مُلحدٌ وقال للمسلمينَ أعطوني دليلا عقليًّا على وجودِ الله تعالى فلا بد من رفعِ شُبهِهِ وتشكيكاتِهِ بإيرادِ أدلَّةٍ تفصيليةٍ من البراهينِ العقليةِ لأن هذا الملحدَ إذا قيل له قال الله تعالى: ( أفي الله شَكٌ ) وقال تعالى: ( وَهُوَ على كلِّ شَىءٍ قَديرٌ ) وقال: ( وهو بكلِّ شىءٍ عليمٌ ) وقال: ( هُوَ الأوَّلُ ) وقال: ( إنَّ الله لغنيٌّ عن العالمين ) ونحو ذلك، قال الملحدُ أنا لا أؤمنُ بكتابِكُم، أنا لا أريدُ أن تذكرَ لي من كتابِكم شيئًا، فكيفَ تدفَعُ شُبَهَهُ وتشكيكاتِه؟ مثالٌ لذلك لو قال عابدُ الشمسِ: إن معبودي محسوسٌ ظاهرٌ نافعٌ للإنسانِ ولسائرِ الحيوانِ والنباتِ والماءِ والهواءِ كيف لا يكونُ ديني هذا حقًّا ونحنُ وأنتُم نعلم أنَّ هذا موجودٌ وهي محسوسةٌ بحاسةِ البصرِ، فكيف تقولون إنَّ دينيَ هذا باطلٌ، فإن هذا إن قيل له قال تعالى كذا يقول أنا لا أؤمنُ بكتابِكُم أُريدُ منكُم دليلًا عقليًّا، إن وجدتُم ذلك وأقمتُم لي فأنا أُسَلّم لكم وإلا فَكيفَ تطلبونَ مني أن أؤمنَ بدينكُم. فكيف تُقامُ على هذا الحجةُ؟.

فهؤلاءِ الذين يظنونَ أن علمَ التوحيدِ لا يشتملُ على بيانِ البراهينِ العقليةِ والبراهينِ النقليةِ مع الحاجةِ الشديدةِ إلى ذلك، لا يستطيعونَ أن يُفحِموا هذا الكافرَ وإنما يستطيعُ إفحامَهُ السُّني الذي يُنَزّهُ اللهَ عن الكيفِ والحدّ والتحيُّزِ بالمكانِ والجهةِ، فيقول له: معبودُك هذا له حدٌّ وشكلٌ فيحتاجُ إلى من جعلَهُ على هذا الحدّ والشكلِ، والمعبودُ الحقُّ هو الموجودُ الذي ليس له حدٌّ ولا شكلٌ فلا يحتاجُ إلى غيرِه، أما معبودُك الذي هو الشمسُ فلا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو أَوجَدَ نفسَهُ على هذا الحدّ وهذا الشكلِ، إنما الذي يستحِقُّ أن يُعبَدَ هو معبودُنا الذي هو موجودٌ لا كالموجوداتِ، فهنا ينقطع عابِدُ الشمسِ.

والقرءانُ أرشَدَ إلى الاستدلالِ العقليّ بعِدّةِ ءاياتٍ كقوله تعالى: ( وفي أنفسكم أفلا تُبصِرُون ) أي أنَّ في أنفُسِكُم دليلا على وجودِ الله. وذكر لذلك بعضُ عُلماءِ العقيدَةِ مثالا وهو أن يقالَ أنا كنتُ بعد أن لم أكن وما كان بعد أن لم يكُن فلا بدَّ له من مُكوِّنٍ فأنا لا بُدَّ لي من مُكوِّنٍ.

ويُستنتَجُ من هذا القولِ انّ ذلك المُكَوِِّنَ لا يكون شبيهًا لي ولا لشىءٍ ما من الحادثاتِ التي هي مشارِكةٌ لي في الحدوثِ، وهذا المُكَوِّنُ هو المُسَمَّى الله.

الصّفَةُ الثانِيَةُ- القِدم

القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ، كذلك الأزليُّ، فالله تعالى هو الأزليُّ بهذا المعنى أي لا ابتداءَ لوجودِهِ فلا أزلي إلا الله، وأما الأزليُّ بمعنى قِدَمِ العهدِ والزمنِ فيوصفُ به المخلوقُ لغةً وعلى لسانِ حَمَلَةِ العلمِ. أما لُغةً فقد قال الفيروز ابادي صاحب القاموس في مادةِ هرم: الهرمانِ بِناءانِ أزليانِ بمصرَ. فالله تبارك وتعالى هُوَ القديمُ، هو الأزليُّ بمعنى لا ابتداءَ لوجودِهِ، وما سواهُ لا يقالُ عنه قديمٌ ولا أزليٌّ بهذا المعنى إلا بالمعنى الثاني وهو تقادمُ العهدِ وطولُ الزمنِ، ولم يَرِد في القرءانِ إطلاقُ القديمِ على الله بهذا اللفظِ لكن وردَ معناه قالَ تعالى: ( هُوَ الأوَّلُ ) لأنهُ لا يجوزُ تفسيرُهُ بقدَمِ العهدِ لأنَّ قِدمَ العهدِ صفةٌ من صفاتِ المخلوقاتِ والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ.

قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ:

 القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وصفاتُه فقط وصفاتُه كلُّها أزليةٌ بأزليةِ الذاتِ، ولمَّا ثبتَت الأزليةُ لذاتِ الله تعالى ثبتَت الأزليةُ لصفاتِهِ، وورَدَ في غيرِ هذا اللفظِ الدِلالةُ على أزليةِ الله تعالى في القرءانِ الكريمِ في عدةِ مواضِعَ كقوله تعالى: ( وكان الله غفورًا رحيمًا ) ونحو ذلك ومعناه إنه غفورٌ رحيمٌ في الأزلِ، كذلك قوله تعالى: ( وكان الله عليمًا حكيمًا ) فالأَزليةُ في القرءانِ لو لم يَرِد نصُّها لكِنَّ معناها ثابتٌ في أكثر من موضِعٍ في القرءانِ الكريمِ، وفي الحديثِ الصحيحِ حديثُ البخاريّ الذي سبَقَ ذِكرُهُ: "كان الله ولم يكن شىءٌ غيرُهُ" فإذا عُرِفَ هذا فمن ادَّعى الأزليةَ لشىءٍ غيرِ الله فقال العالمُ أزليٌّ بنوعِهِ أي بجنسِهِ وأشخاصِهِ فهو كافرٌ، ومن قال العالم أزليٌّ بجنسه لا بأفراده المعينة فإنها مخلوقة حادثة فهو كافر أيضا.

القسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ والنارُ.

القسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ ويُلحقُ بهما ما في الجنةِ من الحورِ والولدانِ وأشياء أخرى على ما قال بعضُ أهلِ العلم.

وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا فالله تعالى أزليٌّ أبديٌّ بصفاتِهِ، أي أن صفاته أيضًا أزليةٌ أبديةٌ.

الصفةُ الثالثةُ: البقاء

البقاءُ معناه لا نهايَةَ لوجودِهِ تعالى لأنَّ ما ثبتَ له القِدَمُ وجبَ له البقاءُ فيمتَنِعُ عليه العدَمُ أي يستحيلُ عليه العدمُ.

والبرهانُ على وجوبِ البقاءِ لله تعالى من المنقولِ قولُ الله تعالى ( ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجلال والإكرام ) الوجهُ هنا معناه الذاتُ، وقال البخاريُّ:: "إلا مُلكَهُ، ويقال: إلا ما أريدَ به وجهُ الله".

وأما برهانُ البقاءِ العقليّ فهو أن يقالَ: لو لم يكنِ الله تعالى باقيًا لم يكنِ العالمُ موجودًا لكنَّ العالمَ موجودٌ فثبتَ أن الله تعالى باقٍ. والبقاءُ الذي هو واجبٌ لله هو البقاءُ الذاتيُّ أي ليس بإيجابِ شىءٍ غيرِه له بل هو يستحقُّهُ لذاته لا لشىءٍ ءاخرَ، بقاءُ الله تعالى ذاتيٌّ ولا يكون لشىءٍ سواهُ هذا البقاءُ الذاتيُّ. إنما البقاءُ الذي يكون لبعضِ خَلقِ الله تعالى كالجنةِ والنارِ الثابتُ بالإجماعِ فهو ليس بقاءً ذاتيًّا لأنَّ الجنة والنارَ حادثتانِ والحادِثُ لا يكون باقيًا لذاتِهِ، فبقاءُ الجنةِ والنارِ ليس لذاتهما بل لأن الله تعالى شاء لهما البقاءَ.

الصفةُ الرابعةُ : الوحدانية

ومعناه أنَّ الله تبارك وتعالى ليسَ له ثانٍ وليسَ مركَّبًا مؤلَّفًا كالأجسامِ كالعرشِ والكرسيّ والجنةِ والنارِ والسمواتِ السبعِ والإنسانِ والملائكةِ والجنّ فإنَّ هؤلاء أجسامٌ مؤلفةٌ أي تقبلُ الانقسامَ . العرشُ الكريمُ مؤلَّفٌ من أجزاء فيستحيلُ أن يكون بينه وبين الله مناسبةٌ كما يستحيلُ على الله تعالى أن يكون بينَه وبين شىءٍ من سائر خلقِهِ مناسبةٌ.

والبرهانُ العقليُّ على الوحدانيةِ أنه تبارك وتعالى لو لم يكن واحدًا وكان مُتَعَدّدًا لم يكن العالَمُ منتظمًا لكنَّ العالَمَ منتظِمٌ فوجَبَ أنَّ الله تعالى واحدٌ، وأما البرهانُ النقليُّ على وحدانيتِهِ تعالى فكثير من ذلك قول الله تعالى: ( قل هو الله أحد ) ومن الأحاديث ما رواه البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تعارَّ من الليل قال: "لا إله إلا الله الواحد القهار ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما العزيزُ الغفار".

الصفةُ الخامسةُ : القيامُ بنفسه تعالى

أي الاستغناءُ عن كلّ شىءٍ، فالله تبارك وتعالى مستغنٍ عن كل شىءٍ ومحتاجٌ إليه كلُّ شىءٍ سِواهُ، فلا يحتاجُ إلى مخصّصٍ له بالوجودِ لأنَّ الاحتياجَ إلى الغيرِ ينافي قِدَمَهُ، إذْ الاحتياج للغيرِ علامةُ الحدوثِ والله تباركَ وتعالى منزهٌ عن ذلك، وقد ثبتَ وجوبُ قِدَمِهِ وبقائهِ.

فالله تبارك وتعالى لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا ينضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شىءٍ سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: ( والله الغنيُّ وأنتم الفقراء )

الصفةُ السادسةُ: مخالفته للحوادث

أي لا يُشبه المخلوقاتِ، والدليلُ العقليُّ على ذلك أنه لو كان يشبِهُ شيئًا من خلقِهِ لجازَ عليه ما يجوزُ على الخلقِ من التغيُّر والتطورِ والفناءِ، ولو جازَ عليهِ ذلك لاحتاج إلى من يُغَيّرُهُ والمحتاجُ إلى غيره لا يكونُ إلها فثبت أنه لا يشبِهُ شيئًا.
وأما البرهانُ النقليُّ لوجوبِ مخالفتِهِ للحوادِثِ فمن ذلك قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وهو أوضحُ دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرءانِ لأنَّ هذه الآية تُفهم التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ شيءٍ في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة الأجرام والأجسام والأعراضِ فهو تباركَ وتعالى كما لا يشبه ذوي الأرواحِ من إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ وغيرهِم لا يشبهُ الجماداتِ من الأجرامِ العُلوية والسّفلية ولا يُشبِهُ شيئًا من غير ذلك، فالله تبارك وتعالى لم يُقيّد نفي الشَّبَهِ عنه بنوعٍ من أنواعِ الحوادثِ بل شمل نفي مشابهتِهِ لكلّ أفرادِ الحادثاتِ. ويشملُ هذا النفيُ تنزيهَهُ تعالى عن الكميةِ والكيفية، فالكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ لأنَّ ذلك يُنافي الألوهيةَ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيءَ لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ كالأجرامِ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ لأنه لا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو جَعَلَ نفسَه بذلك الحدّ، والمحتاجُ إلى غيرِهِ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء.

الصفةُ السابعةُ: الحياة

الحياةُ في حقّ الله تعالى صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ ليست كحياةِ غيرِهِ بروحٍ ولحمٍ ودمٍ.

والبرهانُ العقلي على كونِهِ تعالى حيًّا أنه لو لم يكن حيًّا لم يتصف بالقدرةِ والإرادةِ والعلمِ، ولو كان الله تعالى غير متصفٍ بهذه الصفاتِ لكانَ متصفًا بالضّدِ وذلك نقصٌ والله منزهٌ عن النقصِ.

ومما يدلُّ على وجوبِ حياتهِ تعالى وجودُ هذا العالم، فلو لم يكن حيًّا لم يُوجد شىءٌ من العالمِ، لكنّ وجودَ العالمِ ثابتٌ بالحِسّ والضرورةِ بلا شك.

والبرهانُ النقليُّ على الحياةِ ءاياتٌ عديدةٌ منها قولُ الله تعالى: ( الله لا إله إلا هو الحي )

الصفة الثامنةُ: القدرة

وهي صفةٌ أزليّةٌ ثابتةٌ لذاتِ الله تعالى ويصحُّ أن يقال قائمةٌ بذاتِ الله تعالى لأن المعنى واحدٌ لكن لا يقالُ ثابتةٌ في ذاتِ الله، والقدرة يتأتى بها الإيجاد والإعدامُ أي يوجدُ بها المعدومَ من العدمِ ويُعدمُ بها الموجود.

والبرهانُ العقليُّ على وجوبها لله تعالى هو أنه لو لم يكن قادرًا لكان عاجزًا ولو كان عاجزًا لم يُوجد شيءٌ من المخلوقاتِ، والمخلوقاتُ موجودةٌ بالمشاهدةِ. ثم العجزُ نقصٌ، والنقصُ مستحيلٌ على الله لأن من شرطِ الإلهِ الكمالُ.

وأما البرهانُ النقليُّ فقد وَرَدَ ذكرُ صفةِ القدرةِ لله تعالى في القرءانِ الكريمِ في عدةِ مواضعَ كقولِهِ تعالى: ( إنَّ الله هو الرَّزَّاقُ ذُو القوةِ المتين ) القوةُ هي القدرةُ، وقولِه تعالى: وَهُوَ على كلِّ شىءٍ قدير )

ثم إن القدرةَ لا تتعلقُ إلا بما يُجَوّزُ العقلُ وجودَهُ وهو الممكناتُ العقليةُ ويقال بعبارةٍ أخرى الجائزاتُ العقليةُ، فلا تتعلقُ القدرةُ بالواجِبِ العقليّ ولا بالمستحيلِ العقليّ أي ما لا يقبلُ الوجودَ، لذلك يمتنعُ أن يقال هل الله قادرٌ على أن يخلقَ مثلَهُ أو على أن يُعدمَ نفسَهُ، ومعَ ذلك لا يقالُ إنه عاجزٌ عن ذلك.

الصفةُ التاسعةُ: الإرادة

الإرادةُ صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِ الله أي ثابتةٌ لذاتِهِ يخصصُ بها الممكن العقليَّ بصفةٍ دونَ صفة، لأنَّ الممكناتِ العقليةَ كانت معدومةً ثم دخلت في الوجودِ بتخصيصِ الله تعالى لوجودِها إذ كانَ في العقلِ جائزًا ألا توجدَ فوجودها بتخصيصِ الله تعالى، فلولا تخصيصُ الله تعالى لَما وجِدَ من الممكناتِ العقليةِ شيءٌ.

فيعلم من ذلكَ أن الله تعالى خصص كل شىءٍ دخلَ في الوجودِ بوجودِهِ بدل أن يبقى في العدمِ وبالصفةِ التي هو عليها دونَ غيرِها، فتخصصُ الإنسانِ بصورتِهِ وشكلِهِ الذي هو قائمٌ حاصلٌ بتخصيصِ الله تعالى لأنه كان في العقلِ جائزًا أن يكونَ الإنسانُ على غير هذه الصفةِ وعلى غيرِ هذا الشكلِ، ثم تخصصُ الإنسانِ بوجودِهِ في الوقتِ الذي وجِدَ فيهِ فهو من الله تعالى لأنه لو شاء لجعلَ الإنسانَ أولَ العالم لكنهُ لم يجعله أول العالم بل جعلَهُ آخر العالم، فالفردُ الواحدُ منَّا يعلمُ أنه ما أوجَدَ نفسَهُ على هذا الشكلِ ولا هو أوجدَ نفسَهُ في هذا الزمنِ الذي وُجِدَ فيهِ فوجبَ أن يكونَ ذلك بتخصيص مخصصٍ وهو الموجودُ الأزليُّ المسمى الله.

وأما البرهانُ النقليُّ على وجوبِ الإرادةِ لله فكثيرٌ من ذلك قولُه تعالى: ( فَعَّالٌ لما يُرِيدُ ) أي أنه تبارك وتعالى يُوجدُ ويفعلُ المكوناتِ بإرادتهِ الأزليةِ.

الصفة العاشرةُ: العلم

العلم صفةٌ أزليةٌ ثابتةٌ لله تعالى ولا يقالُ في الله تعالى لأن التعبير ب "في" يوهمُ الظرفيةَ، أي أنَّ ذاتَ الله تعالى ظرفٌ لعلمِهِ وهذا مستحيلٌ. فالله تعالى ليس جوهرًا يحلُّ به العرَضُ، نحنُ عملنا عرضٌ يحلُّ بأجسامنا ويستحيلُ ذلك على الله تعالى فلا يجوزُ لأحدٍ أن يعبر بهذِهِ العبارة فإن ذلكَ زللٌ يؤدي إلى الهلاكِ. وهذا الفنُّ أولى العلومِ بالاحتياطِ في العباراتِ لأنه أشرفُ العلومِ لأنه يتعلقُ بأصلِ الدينِ، ولذلكَ سماهُ أبو حنيفةَ "الفقه الأكبرَ" وهو يعرفُ بعلمِ التوحيدِ وعلم الكلامِ، وهذا الذي يسميهِ أهلُ السنةِ علم الكلامِ هو الكلام الممدوحُ، وأما الكلامُ المذمومُ فهو كلامُ أهلِ الأهواءِ أي أهلِ البدع الاعتقاديةِ كالمعتزلة فهو الذي ذمَّه السلفُ، قال الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه: "لأنْ يلقى الله العبدُ بكلِ ذنبٍ ما عدا الشركَ أهونُ من أن يلقاه بكلامِ أهل الأهواءِ". فالفرقُ بينَ هذا وهذا أن علمَ الكلامِ الذي هو لأهلِ السنةِ الذي فيهِ ألَّفوا تآليفهم أنه تقريرُ عقيدةِ السلفِ بالبراهينِ النقليةِ والعقليةِ مقرونًا بردّ شُبهِ الملاحدةِ المبتدعةِ وتشكيكاتِهم. ولأهل الحقِ عناية عظيمة به فقد كان أبو حنيفة يسافر من بغداد الى البصرةِ لإبطالِ شبهِهم وتمويهاتهم فقد تردد لذلك أكثَر من عشرينَ مرةً. وبينَ بغدادَ والبصرة مسافةٌ طويلةٌ، فكانَ يقطعهم بالمناظرة بكشف فسادِ شبههم وتمويهاتِهم، وهذا لا يعيبه إلا جاهلٌ بالحقيقةِ من المشبهةِ ونحوهم فإن المشبهةَ التي تحملُ الآياتِ المتشابهة والأحاديثَ المتشابهة الواردةَ في الصفاتِ على ظواهرها أعداءُ هذا العلمِ.

قالَ أهلُ الحقّ في إثباتِ صفةِ العلمِ لله تعالى استدلالا أنَّه تعالى لو لم يكن عالمًا لكانَ جاهلًا والجهلُ نقصٌ والله منزهٌ عنِ النقصِ، وأيضًا لو كانَ جاهلًا بشيءٍ لَم يوجد هذا العالمُ فوجودُ هذا العالمِ مشاهَدٌ ثابتٌ للعيانِ، فالجهلُ في حقّ الله تعالى يؤدي إلى عدمِ وجودِ العالمِ وذلك محالٌ، وما أدى إلى المحالِ محالٌ.

وأما من حيثُ النقلُ فالدلائل كثيرة كقولِهِ تعالى: ( وَهُوَ بِكُلِّ شَىءٍ عَليم )، وقولِهِ ( ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيفُ الخبير ) ففي الآيةِ دلالَةٌ على أنه لو لم يكن عالمًا لما خلق هذا الخلقَ.

الصفةُ الحاديةَ عشرةَ: السمعُ

وهو صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِ الله أي ثابتةٌ له تتعلقُ بالمسموعاتِ، وقال بعضُ المتأخرينَ: تتعلقُ بكلِ موجودٍ من الأصواتِ وغيرها، ولا يجوزُ أن يكونَ سمعُهُ تعالى حادثًا كسمع خلقِهِ، ولا يجوزُ أن يكونَ بآلةٍ كسمعنا فهو يسمعُ بلا أُذُنٍ ولا صِماخٍ، وقد زاغ بعضُ من لم يتعلَّم علمَ التـنـزيهِ ممن اقتصر على حفظِ القرءانِ من دونِ تلقٍّ لِعلم الدينِ تفهُّمًا من أفواهِ أهلِ العلمِ الذين تلقوا ممن قبلَهُم فقالَ: إنَّ الله له آذانٌ، فقيلَ له: كيفَ ذلكَ؟ قال: أليسَ قال الرسول "لله أشدُ آذانًا" فقيل له: أنت حرَّفتَ الحديثَ فالواردُ "أَذَنًا" وليس آذانًا، هو ظنَّ بنفسِه أنهُ عالمٌ فتجرأ على تحريفِ هذا الحديثِ ظنًّا منه أنه الصوابُ، والأَذَنُ في اللغةِ الاستماعُ، وقول هذا الرجل من أفحشِ الكذبِ على الله لم يقل بذلكَ أحدٌ من المشبهةِ. فسمعُ الله تعالى أزليٌّ ومسموعاتُهُ التي هي من قبيلِ الصوتِ حادثةٌ فهو تعالى يسمعُ هذه الأصواتَ الحادثةَ بسمعِهِ الأزليّ الأبديّ أي الذي ليس لوجودِهِ ابتداءٌ ولا انتهاءٌ بل هوَ باقٍ دائمٌ كسائرِ الصفاتِ، وهذا كما قالوا إن قدرة الله متعلقةٌ بالحادثاتِ أي الممكناتِ العقليةِ والقدرةُ أزليةٌ بخلافِ المقدوراتِ فإنها حادثةٌ، ويقال على مذهبِ الماتريديةِ إنه مكوّنُ الخلقِ بتكوينِهِ الأزليّ ومكوناتُهُ حادثةٌ.

ودليلُ وجوبِ السمعِ له عقلًا أنه لو لم يكن متصفًا بالسمعِ لكان متصفًا بالصممِ وهو نقصٌ على الله، والنقصُ عليه محالٌ.

وأما دلائلُهُ النقليةُ فكثيرةٌ منها قولُه تعالى: ( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )، وقولُه تعالى: ( قد سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجادلُكَ فِي زوجِها )

الصفةُ الثانيةَ عشرةَ: البصرُ

معناهُ الرؤيةُ، والبصرُ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ متعلقٌ بالمبصراتِ، وليسَ بصرهُ كبصرِ خلقِهِ لأن بصرَ خلقه بآلة يكون بالعين.

والدليل على ثبوتِ البصر لهُ من حيث العقلُ أنه تبارك وتعالى لو انتفى عنهُ البصرُ لاتصفَ بضدِهِ وهو العَمَى أي عدمُ الرؤية وذلك نقصٌ والنقصُ محالٌ على الله.

وأما برهانُ البصرِ النقليُّ فالآياتُ والأخبارُ الصحيحةُ الكثيرةُ كقولِ الله تعالى: ( وَهُوَ السَّمِيعُ البصير )، وقولِهِ صلى الله عليه وسلم في تَعدادِ أسماءِ الله الحسنى: "السميعُ البصيرُ" وهو في حديثٍ أخرجهُ الترمذيُّ وحسَّنهُ.

الصفةُ الثالثةَ عشرةَ: الكلامُ

يجبُ لله تعالى الكلامُ وهو صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ لا يشبهُ كلامَ المخلوقينَ، والدليلُ على ذلكَ من حيثُ العقلُ أنه لو لم يكن متكلمًا لكانَ أبكم، والبَكمُ نقصٌ والنقصُ مستحيلٌ على الله.

وأما دليلُه النقليُّ النصوصُ القرءانيةُ والحديثيةُ، من ذلكَ قولُه تعالى: ( وَكَلَّمَ الله موسى تكليمًا ) أي أسمعَهُ كلامَهُ الأزليَّ الأبديَّ ففهمَ منه موسى ما فهمَ، فتكليمُ الله تعالى أزليٌّ، وموسى وسماعهُ لكلامِ الله حادثٌ. فالقرءانُ يرادُ به الكلامُ الذي هو معنى، أي صفةٌ قائمة بذاتِ الله، ويطلق على اللفظِ المنزلِ على سيدنا محمدٍ، قال الله تعالى: ( نزل به الرُّوحُ الأمين على قلبك لتكون من المنذرين )، وليسَ الكلام الذي هو معنى قائم بالله المسمى الكلامَ النفسيَّ لكونِهِ قائمًا بذات الله أي بنفسِهِ أي ذاتِهِ. فالقرءانُ بمعنى اللفظِ المنزلِ هو الذي يكتبُ بأشكالِ الحروفِ ويسمَعُ بالآذانِ ويحفظُ في الأذهانِ بالألفاظِ المتخيَّلةِ ويقرأ باللفظِ، أما الكلامُ الذاتيُّ فلا يحلُّ في المصاحف لكنه يُطلقُ على كلا الأمرينِ أنه كلام الله فهو باعتبارِ إطلاقِهِ على الكلامِ النفسيِ حقيقةٌ عقليةٌ شرعيةٌ، أما باعتبارِ إطلاقِهِ على اللفظِ المنزل فهو حقيقةٌ شرعيةٌ لأن اللفظَ المنزلَ ليسَ عينَ الكلامِ الذاتيِ الأزلي الأبديِ، وتقريبُ ذلكَ للفهمِ أنه يصحُّ أن يقالَ تلفظتُ الله أي تلفظتُ بلفظٍ يدُلُّ على ذاتِ الله المقدسِ، ويقال كتبتُ الله أي أشكالَ الحروفِ الدالةِ على الذاتِ القديمِ، ويقال للفظِ الجلالةِ المكتوبِ على لوحٍ ونحوِهِ هذا الله، ويقالُ قرأ فلانٌ قراءة حسنةً صحيحةً ويقالُ قرأ فلانٌ قراءةً غيرَ صحيحةٍ، فلا يصحُّ أن يكونَ قولُ القائلِ تلفظتُ الله وكتبتُ الله أن يكونَ على الحقيقةِ العقليةِ لأن الله تعالى لا يَحلُّ بألسِنتنا وكذلكَ كلامهُ الذي هو ذاتيٌّ لا يَحُلُّ بألسنتنا، إنما العبارةُ هي التي تحلُّ بألسنتنا، فإن قيلَ إذا لم يكن اللفظُ المنزلُ عينَ كلامِ الله الذاتيّ فكيفَ كانَ نُزُولُهُ على سيدِنا محمدٍ؟

فالجوابُ: ما قالَهُ بعضُ العلماء إن جبريل وجَدهُ مكتوبًا في اللوحِ المحفوظِ فأنزلَهُ بأمرِ الله له على سيدنا محمدٍ قراءةً عليهِ لا مكتوبًا في صحفٍ ويدلُ لذلكَ قولُهُ تعالى: (إنه لقولُ رسول كريم) أي مقروء جبريل، فلو كان هذا اللفظُ المنزلُ عين كلامِ الله الذاتي لم يقل الله تعالى: (إنه لقولُ رسول كريم) أي جبريل لأن جبريل هو المراد بالرسولِ الكريمِ. أما المشبهةُ فتقول الله يتكلم بالحروفِ كما نحن نتكلم بالباء ثم السين ثم ما يلي ذلك من الحروف في بسم الله الرحمن الرحيم وغيرِ ذلك من ألفاظ القرءان، وفيما قالوه تشبيهٌ لله بخلقهِ لأنه لو كان يتكلمُ بحروف تخرج من ذات الله تعالى كما تخرج من ألسنتنا لكانَ مثلنا ولا يجوزُ أن يكونَ مثلنا لأنه نفى عن نفسِه مشابهةَ غيره لَهُ بقولِه: ( ليس كمثله شىء )، فرضي الله عن أئمةِ أهلِ السنة حيثُ بيَّنوا الصوابَ من الاعتقاد الذي لولا بيانُهُم لخفيَ على كثيرٍ من الخلقِ وَلَوَقَعُوا في تجسيم الله تعالى.

واستدلالنا بقولِ الله تعالى: ( إنه لقولُ رسولٍ كريم ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) من أوضح الدلائل على صحةِ ما يقولُهُ أهلُ السنة المنزهونَ لخالقهم عن شبه المخلوقينَ، وإلى هذا ذهبَ الفريقانِ من أهلِ السنةِ الماتريدية والأشعرية، فقولُ من قال من أهلِ السنةِ القرءان كلامُ الله تعالى بالحقيقةِ ينزل على التبصيرِ الذي قرَّبوه.

ثم الواجبُ معرفتهُ وجوبًا عينيًّا على كلّ مكلفٍ من صفاتِ الله هي هذه الثلاثَ عشرة، وأما التكوينُ وهو التخليقُ للمخلوقاتِ والمقدوراتِ ففهِمَهُ بعضُ أهلِ السنةِ على أنه صفةٌ لله أزليةٌ قائمةٌ بذاتِهِ تعالى فعندهُم تكوينُ الله أزليٌّ والمكوناتُ حادثةٌ مخلوقةٌ. والفريقُ الآخرُ أكثرُ الاشاعرة لا يرونَ التكوينَ صفةً لله تعالى أزليةً، إنما يرونَ التكوين أثرَ القدرة الأزلية فعندَهُم لا حاجةَ إلى عدّ التكوينِ صفةً أزليةً، فعلى حسبِ مذهبِ الماتريديةِ تكونُ الصفاتُ الواجبُ معرفتُها على كلّ مكلفٍ أربعَ عشرةَ صفةً، وبعضُ الماتريديةِ وهو صاحب كتاب بدء الأمالي قال في تقريرِ مذهبِهِم في صفاتِ الذاتِ:

صفاتُ الذاتِ والأفعالِ طُرًّا قديماتٌ مصوناتُ الزوالِ

الماتريديةُ عندَهُم هكذا يقررونَ أن صفات الذاتِ وهي ثلاثَ عشرةَ، وصفاتُ الأفعالِ أي التخليق الذي هو التكوين والإسعادُ والإشقاءُ والإماتَةُ والإحياءُ قديماتٌ أي أزلياتٌ، وقوله: "مصونات الزوالِ" معناه لا تَنعدمُ ليست شيئًا يوجدُ ثم ينقطعُ.

وأما بعضُ الحنابلةِ قالوا كلامُ الله بصوتٍ لكنَّ متقدميهِم يعنونَ بذلكَ صوتا أزليًّا أبديًّا ليس كأصواتِ المخلوقينَ فإن الذي يعتقدُ أن كلامَ الله صوتٌ حادثٌ فهو شَبَّهَهُ بخلقه وخالف قولَ الله تعالى: ( ليس كمثله شىء )

ثم إن الناسَ افترقوا في مسألةِ الصفاتِ فِرقًا، فرقة أثبتتِ الصفاتِ معَ التنزيهِ عن مشابهةِ الخلقِ وهم أهلُ السنة والجماعة، أثبتوا لله ما أثبتَ لنفسِهِ مع تنزيهِهِ تعالى عن أن تكونَ صفاتُهُ من لوازِمِ الجسميةِ كالجلوسِ والانتقالِ والتحيزِ في جهة من الجهاتِ والتغيرِ والتطورِ وسائرِ أماراتِ الحدوث، وفرقة عطلتِ الصفاتِ وهم المعتزلةُ وهمُ القدريةُ أنكروا أن الله متصفٌ بصفات تقومُ بالذات فسمُّوا لذلكَ معطلةً لأنهم عطلوا الصفات أي نفوها، وفرقة جعلوا صفاتِ الله من لوازمِ الجسميةِ أثبتوا للذاتِ المقدسِ الحركةَ والسكونَ والتنقلَ وغيرَ ذلك من أماراتِ الحدوثِ كقولِهِم إن كلامَ الله أصواتٌ وحروفٌ توجدُ ثم تنقضي ثم تعودُ ثم تنقضِي ثم تعودُ ثم تنقضِي وهؤلاءِ يسمَّونَ مشبهةً ومجسمةً، ومن هؤلاءِ قسمٌ يصرحونَ بتسميةِ الله جسما ثم يقولونَ نحن لا نعني بقولنا إنه جسم أَنه جِرمٌ إنما نعني أنه موجودٌ قائمٌ، وقسمٌ يتحاشونَ أن يطلقوا عليه لفظَ الجسم مع اعتقادِ معناه، ومن هؤلاء الكراميَّة وهم مشبهةٌ مجسمةٌ ينتسبونَ إلى رجلٍ يقال له محمد بن كرام ويقالُ لهؤلاءِ حشوية، وأهلُ السنةِ الوسطُ بين ذينِكَ الفريقينِ وهم لقّبوا الأشعريةَ والماتريديةَ لأنهم اتَّبَعُوا إمامي الهدى أبا الحسن الأشعري وأبا منصورٍ الماتريديَّ ويتميزُ هؤلاءِ عن المعطلةِ والمشبهةِ لكونِهِم يثبتونَ لله تعالى الصفاتِ التي مرَّ ذكرُها: العلمُ والقدرةُ والإرادةُ والسمعُ والبصرُ والكلامُ والحياةُ والمخالفةُ للحوادثِ والقيامُ بالنفسِ والوجودُ والوحدانيةُ والقدم والبقاء مع تنزيهِ الله تعالى عن صفاتِ الحدوثِ بقولِهِم في هذه الصفاتِ إنها أزليةٌ أبديةٌ، ولأنهم يؤولونَ آياتِ الصفاتِ وأحاديث الصفاتِ من المتشابِه بتركِ حملِها على الظواهر، فمنهم من يؤولُ تأويلا إجماليًّا ومنهم مَن يؤولُ تأويلا تفصيليًّا ويَرونَ كلا الأمرينِ حقًّا وصوابًا. ومثالُ ذلكَ أنهم يحملونَ استواءَ الله على العرشِ المذكورَ في عدةِ آياتٍ على معنى يليقُ بهِ تعالى لا على معنَى الجلوسِ والاستقرارِ أو المحاذاةِ أو نحوِ ذلكَ من معاني الاستواءِ في اللغةِ العربيةِ مما هو من استواء المخلوق، ثم منهم من يكتفِي بإمرارِها كما جاءت من غير تعيينِ معنى لائق بالله تعالى كالاستيلاءِ والقهرِ، ومنهم من يعينُ معنى لا يلزمُ منهُ علاماتُ الحدوثِ ولوازمُ الجسميةِ فالفريقُ الأولُ منهُم أَوَّلوا تأويلا إجماليًّا والفريقُ الآخر أَوَّلوا تأويلا تفصيليًّا.

وزاغَ أهل التشبيه عن الحقّ وقالوا إن التأويلَ تعطيل وهو افتراءٌ على أهلِ السنّة، وهؤلاءِ يذمون أهلَ الحقّ لتركهم حملَ تلكَ الآيات والأحاديث المتشابهة كآيةِ الاستواء المذكورةِ على ظواهرِها، فيقول أحدهم للسني الذي لا يحمل تلك الآيات والأحاديث على ظواهرها هذا مؤوّل على وجهِ التعيير وهم معَ ذلك يؤولونَ بعضَ هذه الآياتِ والأحاديثِ، فهم في الحقيقةِ مناقضونَ لأنفسِهِم وإن لم يشعرُوا بذلكَ لأنهم لا يحملونَ الآياتِ التي ظواهرها أن الله في الجهةِ المقابلةِ لجهةِ العلوّ كالأرضِ فإذا جاءوا إلى هذِه الآياتِ كقولِهِ تعالى في حقّ ابراهيمَ: ( وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين ) لا يحملونَ هذه الآيةَ على أن الله تعالى أرادَ بذلكَ أنه كانَ في أرضِ الشامِ التي هاجرَ إليها إبراهيمُ، كذلك إذا جاءوا إلى قولِهِ تعالى: ( وهو معكم أين ما كنتم ) لا يحملونَ هذهِ الآيةَ على ظاهرها لأنَّ ظاهرها أن الله مخَالطٌ عبادَهُ في أماكِنهم في الأرضِ أينما كانوا وأنه متنقلٌ معهم. ثمَّ إذا قيلَ لَهُم كيفَ تحملونَ بعضَ هذِهِ الآياتِ على ظواهرِها كآيةِ الاستواءِ على العرشِ ولا تحملونَ الآياتِ الأخرى كآيةِ ( وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين ) وءاية ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وما أشبهَ ذلك لا تحملونَها على الظواهرِ أليس هذا تَحَكُّمًا، قالوا الآياتُ التي ظواهرُها أن الله تعالى في جهةِ العلوّ كالعرشِ والسماءِ إذا حملناها على ظواهرِها أثبتنا لله الكمالَ وأما الآياتُ التي ظواهرُها أنه تعالى في جهةِ تحت لا نحملُها على ظواهرها لأن جهةَ تحتٍ خلافُ الكمالِ وهي نقيصةٌ في حقّ الله تعالى.

وقالَ أهلُ الحقّ: ليس الشأنُ في عُلوّ الجهةِ بل الشأنُ في علوّ القدرِ، والفوقية في لغةِ العربِ تأتي على معنيينِ فوقية المكانِ والجهةِ وفوقية القدرِ قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون: ( وإنا فوقهم قاهرون ) أي نحنُ فوقَهُم بالقوةِ والسيطرةِ لأنه لا يصحُّ أن يقالَ إن فرعونَ أرادَ بهذا أنه فوقَ رقابِ بني إسرائيلَ إلى جهةِ العلوّ إنما أرادَ أنهُم مقهورونَ لَهُ مغلوبونَ.

والحاصلُ أن هذه الطائفةَ كأنها لا تدري ما تقولُ، أما أهلُ الحقّ الذين لا يحملونَ تلك الآياتِ على الظواهرِ ما أوهمَ منها تحيزَ الله في جهةِ العلوّ وما أوهَمَ منها تحيزَهُ في جهةِ تحت فهم جانبوا التحكمَ أي الدعوى بلا دليلٍ، وأما الفئة التي تحملُ بعضَ تلك الآياتِ والأحاديثِ على ظواهرِها وتترك حملَ بعضٍ على ظاهرها فقد تحكمت ولزمَها التشبيهُ فهم مشبهةٌ في الحقيقةِ وإن كانوا لا يرضونَ هذا الاسمَ لهُم. ومن عادتِهِم أنهم يموهونَ على الناسِ بقولِهِم استوى على العرشِ بلا كيف أو بقولِهم على ما يليق بهِ وهم يعتقدونَ في الله الكيفَ الذي نفاه السلَف فليحذرِ العَاقل تمويهَهُم، تعالى الله عما يقولون.

 صِفَاتُ الله كُلُّها كَمَالٌ

صِفَاتُ الله أزَلِيَةٌ أَبدِيَةٌ، لأَنَّ الذَّاتَ أزَليٌّ فَلا تَحْصُلُ لَهُ صِفَةٌ لَم تَكُنْ في الأَزَلِ، أمَّا صِفَاتُ الخَلْقِ فَهِيَ حَادِثَةٌ تَقْبَلُ التَّطَوُّرَ مِنْ كَمَالٍ إلى أكْمَلَ فَلا يتجدَّدُ عَلى عِلْمِ الله تَعَالَى شَىءٌ. والله تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَىءٍ بِعلْمِه الأَزَليّ وقُدْرَتِه الأَزَلِيَّةِ ومَشِيْئَتِه الأَزَلِيَّةِ، فَالمَاضِي والحَاضِرُ والمُسْتَقْبَلُ بِالنّسْبَةِ لله أَحَاطَ بِه بِعِلْمِهِ الأَزَلِيّ. ولما ثَبَتَت الأزليَّةُ لذات الله وَجَبَ أن تكون صفاتُهُ كلُّها أزليَّةً أبديَّةً لا تَقبَلُ التَّغيُّرُ والتَّطوُّرُ لأن التّغيُّرَ والتَّطوُّرَ من حال إلى حال علامةُ الحدوث، فالإنسان يقبل الزّيادةَ والنُّقصانَ والتغيُّرَ من الكمال إلى النَّقصِ والعكس أما الله تعالى لا يزدَادُ ولا ينقصُ، فصفاتُ الله لا تقبلُ التّطوُّرَ من كمالٍ إلى أكملَ وعلمُ الله لا يزدادُ ولا ينقصُ بل علمُهُ كاملٌ كما سائر صفاته يعلمُ به كلَّ شَىءٍ، فلا يتجدّدُ له علمٌ جديدٌ بل هو عالمٌ في الأزلِ بكلّ شىءٍ فالتّغيُّرُ يحصُلُ في المعلومِ الحادِثِ لا في علمِ الله الأزليّ، فالله يعلمُ ما كانَ في الماضي وما يكون في الوقتِ الحاضرِ وما سيكون في المستقبلِ حتى الأشياء التي تتجدَّدُ في الآخرةِ الله عَلِمَ بها في الأزل، حتى أنفاسَ أهل الجنةِ وأهل النار التي تتجدَّدُ بلا انقطاعٍ الله تعالى يعلمُ بتفصيلها.

أما قولُه تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) فمعناهُ أن الله تعالى له الأسماءُ التي تدلُّ على الكمالِ، فالله لا يُوصَفُ إلا بصفةِ كمالٍ فما كانَ من الأسماءِ لا يدلُّ على الكمالِ لا يجوزُ أن يكونَ اسمه كما يُسمّيه بعضُ النّاس "روحًا"، وبعضُهم سمّاهُ "ءاه"، فهذا لا يجوزُ لأن كلمةٌ ءاه وَضَعَهَا العربُ لِتَدُلَّ على الشّكايةِ والتّوجُّعِ وقد جاءَ في الحديثِ الذي رواه الترمذي أن رسول الله قال: "إذا تثاءبَ أحدُكم فَليَضَع يدهُ على فِيْهِ، وإذا قالَ ءاه ءاه فإنَّ الشّيطانَ يضحَكُ من جوفِهِ" أي يدخل إلى فمِهِ ويسخرُ منه.

ومن الدّليلِ على أن ءاه ليس من أسماءِ الله أن الفقهاءَ قالوا إن من قالَ ءاه في الصّلاةِ عامدًا بطلَتْ صلاتُهُ، ومعلومٌ أن ذِكرَ الله لا يبطلُ الصلاةَ، فلو كانَ ءاه من أسماءِ الله لما أبطَلَ الصلاةَ.

وأسماءُ الله الحسنى يُطلَقُ عليها صفات الله ويُطلقُ عليها أسماء الله إلا لفظ الجلالةِ لا يطلقُ عليه الصّفة، ثم إن أسماء الله تعالى قسمانِ قسم لا يُسمَّى به غيرُهُ وقسمٌ يُسمَّى به غيرُه، الله والرَّحمنُ والقدُّوسُ والخالقُ والرَّزَّاقُ ومالكُ الملكِ وذو الجلالِ والإكرامِ والمحيي المميت لا يُسمَّى به إلا الله، أما أكثرُ الأسماءِ فيُسمَّى به غيرُ الله أيضًا، فيجوزُ أن يسمّيَ الشَّخصُ ابنَهُ رحيمًا والمَلِك كذلك والسَّلام كذلك.

ملخص لهذا المقال:

صفات الله ثابتة بلا كيف

أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله بلا تشبيه

صفات الله ثابتة بلا كيف. الله لا يشبه المخلوقات. الله متصف بصفات كمال.

الله متصف بصفة الوجود، الله موجود بلا مكان.

الوحدانية، الله واحد. القدم، الله أزلي لا بداية له ولا نهاية.

والبقاء، الله لا نهاية له. وقيامه بنفسه، لا يحتاج لغيره.

والقدرة، قادر على كل شىء.

الله متصف بصفة الإرادة، كل شىء بمشيئة الله.

والعلم، علم الله أزلي. والسمع والبصر، يسمع كل المسموعات،ويرى كل المرئيات بغير عين أو اذن او جارحة.

والحياة، حياة الله ليست بروحٍ أو لحم أو دم.

الكلام، كلام الله ليس بحرف أو صوت أو لغة.

صفات الله كلها كمال. ليس كمثله شيء.

الذكرى الخامسة ةالثلاثون لتأسيس الحركة الإسلامية المغربية

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً[1]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
 وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين

أيها الإخوة الأبرار:
         السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

لا شك أن البذرة الطيبة أصل كل شجرة طيبة، إن هي صادفت تربة زكية شاكرة غير كافرة. حينئذ تؤتي أكلها بإذن ربها، فتعم ثمارها الكون بالخير والرحمة {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ }[2].

كذلك الدعوة الإسلامية النيرة، وهي الكلمة الطيبة، حين تغرس في النفوس الزكية، تزهر وتثمر وتنطلق في كل اتجاه وربع، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء }[3].

إن ثنائية انطلاق الحركة الربانية بذرة طيبة وتربة طيبة شرط ضروري للإثمار {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }[4] ، فإن تعثرت الثمرة أو أصيبت البذرة بالعقم فاعلم أن الخلل أصاب صميم الثنائية.

كذلك كان بدء النبوة الخاتمة، كلمة طيبة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }[5] ، حلت في قلب رجل طيب {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[6]4، ثم تزكية وتربية وتنويرا لخيار زمنهم من الصحابة الأبرار، ثم اندفعت خيول الله فتحا مبينا.

  • وعندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم النفير العام بقوله[7] " يا خيل الله اركبي"، كان  هذا الإعلان منه خطوة متقدمة لقافلة من الأخيار في درب طويل  هو جسر الدنيا إلى الآخرة. وكان تشبيهه رجاله بخيل الله أدق تعبير عن معادنـهم وحركة تفاعلهم مع العقيدة إيمانا واحتسابا ومدافعة.

  •  فالخيل أقسم بها رب العباد، ووصفها بأجل الأوصاف وأكرمها[8](وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً {1}فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً{2} فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً{3} فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً{4} فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً{5}     

  • -  و(‏ ‏البركة في نواصي الخيل)[9]

  • -  و(‏الخير ‏‏معقود ‏في نواصي ‏‏الخيل إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم )[10].
       وحَرِيٌّ بمن سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم خيلَ الله أن يكون مُبْتَدَأ أمرهم الاتصاف بما ذكرت خديجة ( رض ) من صفاته قبل البعثة، وحَرِيٌّ بنا أن نبحث عن معادن من ندعوهم ونؤاخيهم ونرافقهم، فالرفيق قبل الطريق.
       وفرق شاسع لا يقاس بين أن تخاطِب الصافناتِ الجياد أو تخاطِبَ ما سواهم من بهيمة الأنعام. وهو نفس الفرق بين قولك " يا خيل اركبي " وقولك "يا بهيمة اعلفي".
      
    إن أولَ خطوات خيل الله تَأَسٍّ رشيدٌ بأخلاق النبوة يؤهلنا لتحمل الأمانة، ويجعل منا أداة صادقة لتبليغ الرسالة، فما كل مُدَّعٍ كُفُؤا لما ادَّعَى، والأقدام الملوثة لا تطأ أرضا إلا أفسدتها.
       تقول أمنا خديجة رضي الله عنها عن صفات خلقية لزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي والبعثة، وذلك عند رؤيته جبرائيل عليه السلام أول مرة، وانزعاجه رهبة وخوفا[11]: (كلا أبشر فوالله لا يخزيك
    الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتَحْمِل ‏ ‏الكَلّ،َ ‏ وتُكسِب
    [12] المعدوم، ‏وتَقْري ‏ ‏الضيف، وتعين علىنوائب الحق ...)
      
    هذه الصفات كانت سجية في طبع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وخلقا أصيلا في سلوكه، وشيما راقية تَنَـزَّل عليها الوحي فازدادت إشراقا ووضوحا ونورا. وذاك ما يبين سر نجاح الدعوة في مستهل أمرها وقدرتها على تخريج خير القرون إيمانا وصدقا وإيثارا وتراحما ومتانةَ ارتباطٍ، فاستحقت بذلك نصر الله الموعود ونالته.
       هذه الصفات التي ينبغي أن تكون في صميم التركيبة النفسية للداعية الحق قبل أن يقبل على الدعوة ويتحمل تكاليفها، كما وردت بلسان أول شاهدة على ميلاد الرسالة ومؤمنة بها قبل غيرها من الجن والإنس هي:
      
    - صلة الرحم.
     -
    صدق الحديث.
        - حمل الكَلّ.
      -كسب المعدوم بالإنفاق على الضعفاء والمحتاجين.
     -  قِـرَى الضيف.
     -
    الإعانة على نوائب الحق.

صلة الرحم معيار لمعرفة أصالة الرجل ومتانة انتمائه لأسرته وأمته وعدم تفريطه في أهله ورفقاء دربه أو خذلانهم والتخلي عنهم، وعنوان واضح لمدى شهامة المرء وكرامته وإبائه الضيم والمذلة في نفسه وأهله ودعوته وأمته.
  
وصدق الحديث مسبار شجاعته وقدرته على تحمل الحق والجهر به والدفاع عنه، وليس من يصارح بالحق ويصدع به كمن يداهن ويراوغ ويزيف خوفا أو طمعا أو تحايلا.
  
وأما " الكَلُّ " - بفتح الكاف – فهو الثِّقل، ومنه قوله تعالى: { وهو كَلٌّ على مولاه } ويدخل في حمل الكَلِّ الشعورُ بشعور الضعفاء والأيتام والأرامل والعجزة والمظلومين، ومشاركتُهم الوجدانية، وتحملُ مشقة الدفاع عنهم، والاهتمامُ بهمومهم ومعاناتهم، والتخفيفُ عنهم والإنفاق عليهم.
  
وكَسْب المعدوم يقتضي أن تُكسِبَ  المحتاجين ما يعدمونه من المال، وتوفرَ لهم ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق، وأن  تجود بكسبك في وجوه الخير وأبواب البر.
  
وقِـرَى الضيف علامة بارزة على الكرم الذي يشمل الغني والمحتاج، إذ الكريم كالعين الثرة التي لا تمنع شاربا ولا ترد طالبا. وتلك صفة أول حامل لرسالة الإسلام عليه الصلاة والسلام، وصفة ورثته والسائرين على خطاه.
  
أما نوائب الحق فهي ضروب الابتلاء الدنيوي التي تعترض المرء، لأنها حق لازب لا يسلم منه أحد، (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً }[13]، والمرء إذا ما تعرض لنوائب الابتلاء بالخير كانت الإعانة له أن يُنْصَح بشكر المنعم وهو الله تعالى، وإن نالته نوائب الشر وابْتُلِيَ به أُعِينَ على ذلك بالمساعدة المادية والمعنوية والحث على الصبر والاحتساب والدعاء.
   إن خديجة الصديقة رضي الله عنها صاحبة العين الثاقبة التي رصدت معدن الرجل ( النبي فيما بعد) قبل زواجه بها، هي التي اكتشفت مكنونه وما ينتظره من مجد الدنيا والآخرة، فاهتدت للإيمان قبل الناس جميعا، هذه العين البصيرة كانت موقنة بأن أخلاقا كهذه ليس باليسير اجتماعها في امرئ أبدا، فإن اجتمعت فلشأن خطير وهدف كبير وغاية عصية المنال.
   إن المهام الكبيرة لا يقوم بها ويحمل ثقلها إلا أعظم الرجال، والمعالي لا يخترق عنان السماء إليها إلا جوارح الطير وصقورها، وشتان بين من غايةُ هَمِّهِ وزارةٌ تُرْدِيه أو مُلْكٌ يُضْنِيه أو تِبْن يملأ بطنه، وبين مَنْ مُنْتَهَى مُبْتَغاه مجاورةُ الأنبياء والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
   ليس مِنْ عيبٍ أن يختار المرء لدعوته - وهي أجَلُّ ما لديه في دنياه لآخرته - أكرمَ الرجال وأشدَّهم مِراسا وأعلاهم همة، بل العيبُ أن يتهاون في تدقيق الاختيار، فما كُلُّ جَرْوٍ وليدَ أسدٍ، وما كلُّ بيضةٍ تَفَقَّصَتْ عن فرخ صقر، والناس معادن فيها الرديء والجيد (الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود ‏ ‏مجندة ‏ ‏فما تعارف منها ائتلف وما ‏ ‏تناكر منها اختلف)[14]
    
نلقي بنظرة إلى الخَلْف، إلى ما سلف من رصيد تجربة، وعناء بلاء، فنكتشف صنفين ممن انتسب إلى هذه الدعوة منذ خمس وثلاثين سنة خلت:
   رجال كالجبال الشُّم، اتضحت معالم الطريق في قلوبهم وأذهانهم، واستوت على الجادة خطواتهم ونظراتهم، وآخرون هوت بهم الأرصفة إلى حضيض التخلف والملق والتزلف، فظنوا بأنفسهم ما ليس لها، والخروفُ خالياً أسدٌ، فما تضررت الجبال بالعواصف والأنواء، وما استفاد المنبطحون إلا مزيد الذل والازدراء، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
   إن البغال لا تعدو ضَبْحا أو توُري قدحا، وإن الحمير لا تُغِيرُ صُبحا أو تُثير نقعا، أو تتوسط جمعا، فلله رجال عافوا لذيذ التبن علفا وملبسا ومنصبا، وآثروا قربا من الرحمن، وهناءة عيش في ظل الإيمان، وجنة خلد يدخلونها ومن صلح من آبائهم وذرياتهم ورفقاء طريقهم.
  
فيا خيل الله، يا فرسان خيل الله، قد علم كل أناس مشربـهم، فأعيدوا النظر في فرزكم الرجال من الذكران، والنساء من الإناث، فما كل ذكر برجل، وما كل أنثى بامرأة. وما الله بغافل عما تعملون.
  والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
                                                       أخوكم في الله: عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي


[1]   -  العاديات هي الخيل التي تعدو في سبيل الله، والضَّبْحُ هو ما ينبعث منها من أصوات بسبب سرعة الجري وشدته.
   أقسم الله تعالى بها، ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير الله.( من سورة العاديات)

 [2]  -   سورة  الأعراف 58

[3]  -   سورة  إبراهيم24

[4]  -  سورة الذاريات

[5]  -  سورة العلق1

[6]  -  سورة القلم4

[7]   -  أبو داود في السنن

[8]  -   سورة العاديات

[9]  -   البخاري

[10]  -   الترمذي

[11]  - في رواية مسلم: (كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا والله إنك ‏‏ لتصل ‏‏ الرحم ‏‏ وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)، وفي رواية البخاري: ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏أنها قالت: ‏
‏أول ما بدئ به رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح فكان يأتي ‏ ‏حراء ‏ ‏فيتحنث فيه ‏ ‏وهو التعبد ‏ ‏الليالي ذوات العدد ‏ ‏ويتزود لذلك ثم يرجع إلى ‏ ‏خديجة ‏ ‏فتزوده لمثلها حتى فجئه الحق وهو في ‏ ‏غار حراء ‏ ‏فجاءه الملك فيه فقال اقرأ فقال له النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقلت ‏ ‏ما أنا بقارئ فأخذني ‏ ‏فغطني ‏ ‏حتى بلغ مني ‏ ‏الجهد ‏ ‏ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني ‏ ‏الجهد ‏ ‏ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ
فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني ‏ ‏الجهد ‏ ‏ثم أرسلني فقال: ‏( أقرأ باسم ربك الذي خلق) حتى بلغ( علم الانسان ما لم يعلم). فرجع بها ترجف ‏ ‏بوادره ‏ ‏حتى دخل على ‏ ‏خديجة ‏ ‏فقال: ‏ ‏زملوني ‏ ‏زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا ‏ ‏خديجة ‏ ‏ما لي وأخبرها الخبر وقال قد خشيت على نفسي فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل ‏ ‏الكل ‏ ‏وتقري ‏ ‏الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به ‏ ‏خديجة ‏ ‏حتى أتت به ‏ ‏ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ‏ ‏وهو ابن عم ‏ ‏خديجة ‏ ‏أخو أبيها وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له ‏ ‏خديجة ‏ ‏أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال ‏ ‏ورقة ‏ ‏ابن أخي ماذا ترى فأخبره النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما رأى فقال ‏ ‏ورقة ‏ ‏هذا الناموس الذي أنزل على ‏ ‏موسى ‏ ‏يا ليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أومخرجي هم؟ فقال ‏ ‏ورقة ‏ ‏نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ‏ ‏ينشب ‏ ‏ورقة ‏ ‏أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له ‏ ‏جبريل ‏ ‏فقال يا ‏ ‏محمد ‏ ‏إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك ‏ ‏جأشه ‏ ‏وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له ‏ ‏جبريل ‏ ‏فقال له مثل ذلك ‏

[12]  -  تَكسِب :تقرأ أيضا بفتح التاء والمعنى واحد

[13]    سورة الأنبياء 35

[14]   مسلم.


 

كلمة الدين بين الفهم السليم وبين التصورات الخاطئة

لفضيلة الشيخ الشهيد الأستاذ:عبد العزيز بن إدريس رحمه الله تعالى

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

أصيبت كلمة "الدين" برذاذ من الحضارة المادية كاد يفقدها نصاعتها وإشراقها، ويجعلها أشبه شيء بالتحفة الفنية النادرة التي يرغب الإنسان المتحضر في اقتنائها من غير أن يفكر في استعمالها مستغنياً عنها بما ابتكرته المدنية من أدوات.

وقد دعتني هذه الظاهرة الجديدة إلى العمل على تقويم هذا الانحراف، وتنظيف معنى كلمة "الدين" من الطفيليات التي علقت بها وكادت تغطي على بهجتها، وتذهب برونقها.

ومعناها الأصلي يرجع إلى معنى الجزاء، ولذلك سمي يوم القيامة يوم الدين، ومنه قوله تعالى في سورة الصافات (الآية 53): } إنا لمدينون { ، أي: لمجزيون عن أعمالنا بما يناسبها. وتأتي بمعنى الطاعة والخضوع، وكان ذلك يرجع إلى المعنى الأول، لأنه طاعة المقصود منها طلب الجزاء الحسن أو الفرار من الجزاء السيء. وهذا هو معناها في العرف الإسلامي. فإذا قيل: إن فلانا متدين أو محافظ على دينه، فمعناه: أنه يطبق أحكام الدين في حياته. لم يتغير هذا المدلول لهذه الكلمة منذ نزل القرآن إلى الآن.

ولكن مدلولها في بعض الأوساط التي أخذت من الثقافة الغربية بنصيب وافر – ولا سيما أولئك الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالتملي من الثقافة الإسلامية – له معنى آخر زيادة على ما قلناه. فهو يعني التحجر والرجعية ومقاومة حرية الفكر وعداوة كل حركة عقلية متحررة.

ومنشأ هذا الفهم أمور:

1 – التأثر بمعنى كلمة "الدين" في عصور أوربا؛ فقد كانت تعني عداوة كل تفكير، وكان كل من حاول أن يتحرر من القيود العظيمة التي كانت تفرضها الكنيسة خارجا عن نطاق الدين محكوما عليه بالحرمان يتعرض لأشنع التقتيل والتنكيل. وكم سجل التاريخ في ذلك من مآس وكوارث، وما محاكم التفتيش التي كانت الإنسانية تئن من قساوتها إلا تطبيقا لكلمة "الدين" في ذلك العصر، ونتيجة حتمية لسيطرة رجال الكنيسة المتحجرين، ولم يستطع قادة التحرير والمفكرون أن يثبتوا أركان المعرفة ويقيموا صروح العلم إلا بعد تضحية عظيمة ذهب أثناءها كثير من رجال الفكر ضحية التحجر والجمود.

من أجل ذلك أخذت كلمة "الدين" هذا المعنى الوضيع، ولم يستطع العلماء والزعماء السياسيون أن يأتوا بشيء جديد إلا بعد تنحية الدين من الحياة وبعد القضاء على سيطرة الكهنوت. وما هذه الحركات الهدامة التي ظهرت في العصر الحاضر وتمكنت من إخضاع بعض الشعوب إلا غلوا في محاربة فكرة التدين، وإيغالا في القضاء على العقيدة، وهي – بعد – رد فعل طبيعي لموقف رجال الدين إزاء حرية الفكر.

فهذا المفهوم لكلمة الدين في أوساط أوربا الثقافية، هو الذي يجعل بعض شبابنا ينفرون من هذه الكلمة ويتقززون منها، ويحاولون ألا يكون بينهم وبينها أية صلة.

وما كان هذا المفهوم قط في الوسط الإسلامي. فما كان الدين عرقلة في طريق التقدم، ولا مانعا من حرية التفكير. بل الذي أثبته التاريخ أن ازدهار المعرفة والعلوم واطراد التقدم ورقي الفنون كان متوازيا مع انتشار الدين والعمل به. وقلما حدثنا التاريخ أن شخصا اضطهد لأجل عقيدته أو امتحن في تفكيره إلا لأسباب سياسية خارجة عن ميدان الدين.

إذن، فمدلول هذه الكلمة في العرف الإسلامي لا يدعو إلى نفور، فما على شبابنا إلا أن يعكفوا على الثقافة الإسلامية بنفس الروح التي عكفوا بها على الثقافة الغربية، وإذ ذاك يظهر لهم البون الشاسع والفرق العظيم بين مدلول الكلمة في العرف الإسلامي ومدلولها في العرف الكنسي..

2 – حالة بعض الطرق التي تنسب إلى التصوف والمظاهر التي تقوم بها ناسبة إياها إلى الدين، وزاعمة أنها تتفق وروح الإسلام.

3 – الأدوار الفظيعة التي قام بها شيوخ الطرق والمشعوذون باسم الدين؛ فإنهم تحالفوا مع الاستعمار بصفة مكشوفة، واستغلوا كلمة "الدين" إلى أبعد الحدود، ونسبوا إليه ظلما وجورا ما ليس منه، وأوهموا أتباعهم وشيعتهم أن الإسلام يطلب منهم الخضوع للحكم الأجنبي، بل التضحية لتثبيت قدمه في البلاد؛ ولذلك كان في طليعة ما فكر فيه زعماء الحركة الوطنية هو القضاء على شعوذة هؤلاء وكشف خطرهم للعموم، وتعريف الناس بأن عملهم لا يمت إلى الإسلام بشيء، بل هو أول ما يحاربه الإسلام لأنه عدو الشعوذة والتضليل.

4 – حالة علماء الدين الفكرية؛ فإنهم باقتصارهم على دراسة الكتب التي ألفت في عصور الانحطاط الفكري للعالم الإسلامي، وابتعادهم عن كل جديد، ووقف حياتهم على هذا القدر من المعرفة جعلهم في واد والحياة الجديدة في واد، وأصبحوا يعيشون بأجسادهم في هذا العصر وبأفكارهم في العصور التي ألفت فيها تلك الكتب التي عكفوا على دراستها طيلة حياتهم. وبما أنهم الممثلون الرسميون للإسلام، صار الإسلام عنوانا على الجهل والانكماش والغرور.

كل هذه الأسباب التي ذكرنا وغيرها هي التي نزعت عن كلمة"الدين" نضارتها وإشراقها وجعلت كثيرا من الشباب المثقف يحيد عنها. والعلاج الوحيد لهذا الداء الذي وصفناه، هو تقديم الثقافة الإسلامية إلى الشباب في حلة جديدة متوفرة على عناصرها الحية النامية، ومنزوعا منها كل تلك الطفيليات التي علقت بها، ودعوة علمائنا إلى الخروج من مخابئهم ودخولهم إلى معترك الحياة وانغمارهم في المجتمعات الشعبية، ثم دعوة الشباب إلى الاهتمام بالثقافة الإسلامية وإعطائها ما تستحقه من عكوف ودراسة.

لنكن مسلمين أولا

لفضيلة الشيخ محمد المختار السوسي رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

{ هذه مقالة كتبت غداة استقلال المغرب سنة1956/ م، كتبها هذا الشيخ المجاهد لتكون نداء للأمة كي تعود لدينها بعد أن استعادت حريتها، ودعوة للدولة إلى محاربة الفساد والإلحاد، وإطلاق طاقات الدعاة الإسلاميين وحرياتهم ليقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ تعاليم الإسلام وعقيدته، بعد أن كان الاستعمار الفرنسي – كما قال الشيخ - يطاردهم ويعتقلهم، ويعطي للمشعوذين والمومسات كامل الحرية في الإفساد والتخريب،   كتبها من خلال موقعه عضوا في مجلس المحافظة على العرش ووزارة التاج، وموقعه كواحد من الرواد المؤسسين للحركة الوطنية التي قادت الجهاد وتوج جهدها بالنصر، مسلطا الضوء على ثلاث زوايا: زاوية ماضي الاستعمار بالمغرب، وزاوية مشروع الحركة الإسلامية التي أسست للاستقلال، ومشروعها لبناء مستقبل الوطن، فما أشبه البارحة باليوم، وما أبعد مستشارا عالما فقيها مخلصا تقيا، عن بطانة الشيوعيين والملاحدة والعلمانيين وغير المسلمين }

نص المحاضرة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

إننا اليوم ننـعم بهذا الاستقلال الذي هيأه الله لنا بفضله ، ثم بجهود الذين ضحوا بأنفسهم وبنفائسهم ، وجعلوا أمام أعينهم : إما الحياة الحرة التي ترفع صاحبها إلى الثريا ، وإما شهادة ترفع صاحبها إلى عليين ، في جنة عرضها السماوات والأرض .

لكن ، أيكفي أن نقول إننا مستقلون اليوم من غير أن نراجع قائمة مقوماتنا التي كنا بها أمة عظيمة امتدت أجنحتها حتى حلقت على إسبانيا المسلمة وعلى الجزائر وتونس وليبية ؟ فبأي شيء استطاع ابن تاشفين المرابطي وعبد المؤمن الموحدي أن يضما هذه الأطراف إلى مراكش ، وأن يمزجا بينها حتى صار الجميع قطرا واحدا، تتجاوب أرواح كل سكانه تجاوبا لا يزال دويه يطن في آذان التاريخ إلى الآن ، كلما ذكرت الزلاقة والأرك ، أو كلما قرئت أنباء تطهير تونس من أساطيل أهل صقلية ، ونظراءِ أهل صقلية ممن كادوا إذ ذاك يلتهمون شمال إفريقية ، كما الْتُهِمَتْ صقليةُ نفسها قبل ذلك التهاما ضاع به هناك الإسلام ؟

إن سكان شمال افريقية اليوم ـ ونحن في أواخر القرن الرابع عشر ـ لا يزالون مستعدين أتم الاستعداد لهذا التجاوب على لسان اللغة والدين والدم ، فهل نجد منا ما كان وجده ابن تاشفين  وعبد المؤمن  من فورة غيرة دينية ولغوية ودموية ، تتجاذب بها القلوب من كل شمال افريقية ، إذ بما كان أَمْسِ من تلك العظمة التي تجلت من المرابطين والموحدين تعود اليوم بأعلى وأجلى مما كانت عليه إذ ذاك ؟

ما من مغربي أو جزائري أو تونسي أو ليبي ، إلا ويحس الآن من أعماق قلبه أن مغناطيس هذا الانجذاب هو دين الإسلام الذي حاول الاستعمار منذ ألقى كلكله على آبائنا أن تَضْعُفَ من بيئتهم قوَّتُه وسطوتُه ، وأن تكسف تلك الروعة التي متى استولت على الأفئدة تصهرها، فإذا بها كتلة واحدة ذات إحساس واحد ، ومتجه واحد ، ومبدإ واحد ، وغاية واحدة ، استمدادا من دين له قبلة واحدة ورب واحد، ورسول زرع الوحدة بين كل من يحمل اسم الإنسانية .

فتح الاستعمار مغاليق شتى عن أصناف شتى من مكايده ، ثم حاول بكل ما يملكه من لباقة وخلابة وزخرفة وتمويه أن ينفث سمومه في الروح التي يرثها الابن المسلم عن آبائه، فما ترك من تعاليم الإلحاد ولا من التشكيك  في مبادئ الإسلام ، ولا من مفسدات الأخلاق، إلا عرضها عرضا أمام النشء بكل مصابرة ومثابرة، فلم يترك لا مدرسة ولا مسرحا ولا زاوية من زوايا الحياة التي لابد أن يلم بها النشء إلا زرع فيها ما يمكن أن يجتث جذور تعاليم الإسلام السامية من العقول .

لكن هل نجح الاستعمار كل النجاح في محاولته هذه ؟ وهل استطاع أن يغطي تلك الشمس الوهاجة من عليائها عن أبصار كل من مروا بين مدارسه أو مسارحه؟

الحمد لله ، فقد ملأ كل الصدور بهجة واغتباطا وحبورا ، أن شاهدنا هذه المحاولات قد خابت كلها خيبة صارت مثل القنبلة الهيدروجينية في قلوب الذين شاهدوا ولمسوا وعاينوا بأعين محملقة انتساف دسائسهم من غالب أولئك النشء الذين ربوهم ، حين كانوا هم الرافعين لراية الإسلام اليوم ، والمقدمة من طلائع المكافحين الآن عن العروبة ودين العروبة وأقطار العروبة .

وبعد، فإن الاستعمار أصناف ، فأدناها استعمار الأرض ، وأشدها استعمار العقول والأفكار ، فقد وفقنا إلى زحزحة استعمار الأرض السهل ، وبقي أن نزحزح استعمار العقول والأفكار عن ثلة قليلة من أبنائنا ، فيجب أن نعرض أمامهم ما جهلوه عن دين الإسلام وعن مبادئه السامية  ، وعن مغازيه في الحياة ، فإن بعض من تأثروا بما دس إليهم نيتهم حسنة ، ويدركون بسرعة ، وأرى أن هذا من أوجب الواجبات على نخبة من شبابنا جمعوا بين الثقافتين ودرسوا الإسلام حق الدراسة ، فهم وحدهم الذين يمكن لهم أن يأخذوا بأيدي أولادنا هؤلاء بملاطفة ، حتى إذا أدركوا وفهموا سارت الأمة كلها في صف واحد في تفكيرها وفي مثلها العليا.

إن الذين ضحوا في وقت المحنة تلك التضحية الباهرة ، ما ضحوا إلا ليكون الشعب مسلما ، والإسلام عند عارفيه مثال الإنسانية الكاملة ، بعلمها ونظمها وحياتها الواقعية ، وقوانينها التي تستمد دائما من العدل ومن الحرية الشخصية ومن المصالح العامة ، فبذلك صار الإسلام صالحا لكل زمان ولكل مكان ، ولا تخفى هذه الحقائق إلا عن الذين جهلوا الإسلام ولم يدرسوه ، ولا كلفوا أنفسهم بالالتفات إليه ولو أدنى التفات .

يا قوم ، إننا سمعنا بمئات من الجمعيات من كل ناحية ، فهل سمعنا بجمعية تقويم الأخلاق ؟ وبجمعية دراسة مبادئ ديننا الحنيف ؟ ليستنير بمعرفتها من كان جاهلا بها .

أو ليس من مقدمات ما حاوله الاستعمار هو القضاء على مبادئ ديننا الحنيف ، وجعله دينا همجيا بدائيا؟، فإن شككنا في كل شيء ، فلا ينبغي أن نشك في نوايا الاستعمار لنخالفها اليوم في عهد الاستقلال ، أو ليس أن للمشعوذ والمومس أمس في عهد الاستعمار الحرية الكاملة في التنقلات؟ على حين أن المرشدين بآداب الدين مقيدون محرم عليهم أن يتنقلوا؟، حتى إذا تسرب أحدهم إلى ناحية فإنه يجد نطاقا من العيون حواليه، ثم يستدعى إلى إدارة المراقبة ، ثم يكون أهون ما يلاقيه الإبعاد في الحين ، أو ليس أن الواجب في عهدنا هذا ـ عهد الاستقلال ـ أن تنعكس القضية ، فنقيد من عسى أن يفسدوا أفكار الأمة بالإلحاد وسوء الأخلاق ، ونطلق المرشدين الذين يتلقاهم الشعب بكلتا اليدين ؟

                                                إننا اليوم في فجر نهوضنا ، فيجب علينا أن نتنبه إلى مقوماتنا لنحافظ عليها ، ونسترجع ما كاد الاستعمار يأتي عليه بمحاولاته الشتى .

يا قوم ، لنكن مسلمين أولا ، في عقائدنا وفي أعمالنا ، وفي محاكمنا ، وفي نظمنا ، وفي كل شيء ، لتبقى لنا  صبغتنا القومية من كل ناحية ، ولنحرص على أن لا نأخذ من الغرب إلا ما هو نافع ، ثم لنحرص على أن نصبغه بصبغتنا الخاصة ، فإننا إن لم نفعل ذلك ولم نتعرب ولم نتصف بالإسلام العملي ، فسنندم عن قريب . .

حرية العقيدة بين الدقة والوضوح وبين التفلت والغموض

للدكتور عدنان النحوي

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"     

     اعتاد عدد غير قليل من المسلمين أن يستخدم مصطلحات عامة لا يرافقها تحديد ووضوح ، ثم تتحول هذه المصطلحات إلى شعار لا يحمل الدقة كذلك ، ولا المنهج ، ثم ينتشر بين الناس حين يلامس رغبة في النفوس أو مجالاً للتنفيس عما في نفوسهم من ضغط وحيرة وآمال مضطربة ، فيصبح الواقع كله يعيش في أجواء من الشعارات والتعبيرات العامة خالية من النهج أو تحديد الدرب والمسار ، وتطوى قضايا الأمة في خضم الشعارات دون بلوغ هدف أو تحقيق غاية.
     إن انتشار هذه الظاهرة من المصطلحات العامة يوحي بعدم وجود نهج أو خطة واضحة في أذهان مختلف القطاعات .
     ويزداد الأمر سوءا حين تصبح هذه المصطلحات العامة قاعدة لتحديد موقف أو اتخاذ قرار أو إصدار اجتهاد وفتوى ، ويصبح هذا الموقف أو القرار أو الاجتهاد مصدراً لاضطراب أوسع أو خلافات وشقاق .
     ومن أبرز الأمثلة على هذه المصطلحات العائمة " حرية العقيدة وحرية الرأي " وقد دأب على استخدام هذه المصطلحات بعض دعاة المسلمين وانتشرت بين الناس على أنها مطلب حضاري ينادون به . ماذا تعني "حرية العقيدة " ، وماذا تعني "حرية الرأي " ، وكيف تُمارس وتُطبق ؟!
أعتقد أنها مصطلحات وافدة من الغرب العلماني الذي يقوم على تصورات خاصة مغايرة للإسلام ، ولو رجعنا إلى الكتاب والسنة لا نجد مثل هذه التعبيرات. ولو رجعنا إلى أئمة الإسلام في العصور التي كان يحكم فيها الإسلام لا نجد مثل هذه التعبيرات لقد جاء الكتاب والسنة في غاية الدقة والوضوح والتفصيل في استعمال التعبيرات والمصطلحات ، ويعلم أئمة الإسلام هذه الدقة والوضوح فيما يستخدمونه من مصطلحات أو فيما يستحدثونه .
     جاء الإسلام ليدعو إلى عقيدة واحدة ودين واحد ، وحمَّل الإنسان مسؤولية اختيار الإيمان والتوحيد والإسلام أو سواه ، ولكل اختيار نتيجة في الدنيا والآخرة ، الإسلام يدعو الناس كافة إلى الإسلام ، وفرض القتال والجهاد من أجل ذلك ، ونفر من الكفر ومن أي دين غير الإسلام ، وأنذر الكافرين بعذاب شديد ، وجعل النار مصير من يموت منهم على الكفر ، مع ابتلاء شديد في الدنيا ، ووعد المؤمنين بالجنة لمن صبر والتـزم ، ووعد الصادقين العاملين المجاهدين بالنصر .
     هذا الذي يدعو إليه الإسلام ، فهل تعبير حرية العقيدة الذي يطلقونه اليوم يحمل هذه المعاني ، أو هل هذا الذي يدعو إليه الإسلام يماثل " حرية العقيدة " . الإسلام ينظر إلى الكافرين وغير المؤمنين الصادقين أنهم يتساقطون في النار ، في نار جهنم ، هذه حقيقة أكيدة ويقين بالنسبة للإسلام ، فهل يعقل أن يترك الناس ليتهاووا في جهنم ؟! إذن لماذا بعث الله الرسل على مدى الزمان وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولماذا شرع القتال والجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا .

ديــن الله :
     الإسلام جاء ليجتث الكفر من الأرض ولينشر الإسلام دين الله . دين جميع الرسل والأنبياء ، الدين الذي لا يقبل الله غيره ، فهل يُعقل بعد ذلك أن ينادي الإسلام ويقول يا أيها الناس خذوا أي عقيدة تريدون وأي دين ترغبون فلا بأس في ذلك !! (( إنْ الدين عند الله الإسلام )) [ آل عمران :19] . ! ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) [ آل عمران : 85 ] .
     هنالك فرق كبير بين أن يُحمّل الله كل إنسان مسؤولية اتخاذ قرار اختيار دينه وعقيدته ، بعد أن يكون رسله قد أبلغوا الرسالة كاملة ، وأنذر من خالف بعذاب الدنيا والآخرة. وبشر الصادقين بخير الدنيا والآخرة. وبين أن يترك الأمر في حرية عائمة مائعة ، تغري الناس بالكفر والفتنة والفساد أكثر مما تغريهم بالإيمان والإسلام .
     فارق كبير بين حرية اختيار العقيدة والدين وبين الحرية التي تغري الناس بالكفر والفتنة :
ليست القضية  من حيث المبدأ، انفلات حرية العقيدة ولا الدعوة لها ولا سن القوانين من أجلها؛ إن القضية بالنسبة للإسلام أعظم من ذلك بكثير وأخطر من ذلك بكثير ، إنها تتمثل في النقاط التالية :
     أولاً : إنقاذ الإنسان من هلاك محقق وعذاب في جهنم شديد إذا مات على الكفر .
     ثانياً : تهيئة الأجواء التي تعين على الإيمان والتوحيد والإسلام ، وترغيب الناس بهذا الحق واليقين ، وإخراجهم من الفتنة والضلال والباطل وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
     ثالثاً : سد أبواب الفتنة والضلال والكفر والفساد والأهواء والشهوات المتفلتة ، واتخاذ الأسباب اللازمة لحماية فطرة الإنسان ، الفطرة التي فطر الله الناس عليها لتكون منطلق الإيمان والتوحيد ، قادرة على استقبال رسالات الأنبياء والدين الواحد .
     رابعاً : إن هذه القضية بلغت أهميتها وخطورتها أن أصبحت أساس الأمانة التي حملها الإنسان، وأبتها السماوات والأرض والجبال  وأشفقن منها ، إنها الأمانة التي يكون الإنسان بها غير ظالم ولا جاهل  وبتركها يصبح((ظلوماً جهولاً )) [ الأحزاب 72 ] ! وهي الأمانة التي يقوم عليها معنى العبادة التي خلق الله الإنسان لأجلها والخلافة التي جعلت له ، والعمارة التي أمر بها .
     وعلى هذه الأسس تصاغ الشعارات والمصطلحات ، وتسن القوانين وتوضع مناهج التربية والبناء ، وتقوم العلاقات بين المؤمنين وغيرهم .
وثيقة الرسول مع يهود :
     يذكر بعض المسلمين هذا التعبير على النحو التالي : " لقد تضمنت الوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة أوضح صورة للتعايش والتعاون كما يسعى إليه الإسلام ، فقد تضمّنت حرية العقيدة وحرية الرأي … " !
     ولو رجعنا إلى نص الوثيقة لوجدناها تختلف عما ذكر اختلافاً واسعاً . فهي أولاً ليست وثيقة كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة وحدهم ، إنها مع أهل يثرب وقبائلها كلها ، ولنستمع إلى ما تقوله الوثيقة:

 - " هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ثم ذكرت الوثيقة المهاجرين من قريش ، ثم قبائل يثرب ثم اليهود ، ثم تذكر الوثيقة العلاقات ، ولنستمع إلى ما تنص عليه الوثيقة في بعض فقراتها :
     - ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه .
     - وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسعيه ظلم  أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين.

     - وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم .
     - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن .
     - وأن ذمة الله واحدة . يجير عليهم أدناهم .

     - وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .
     - وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه .
     - وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل .
     - وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده  إلى الله وإلى محمد .
     ونصوص أخرى تفصّل في العلاقات والمسؤوليات والحقوق لا تجد فيها نصاً مبهماً أو عائماً أو متفلتاً .
     جميع النصوص تقوم على القواعد التي ذكرناها ، والتي نبين أهمها ونذكّر به حتى لا تختلط الصورة والتعبيرات :     

     فالوثيقة تنص بشكل صريح حاسم على:

     أن الحكم في المدينة لدين واحد فقط هو الإسلام ، هو لله ولرسوله .
     وتنص كذلك على أن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وأنه لا يقتل مؤمن مؤمناً بكافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ، فالمؤمنون إذن أمة واحدة تربطهم الموالاة التي تجعلهم أمة واحدة من دون الناس . والولاء والموالاة علاقة شرعها الله للمؤمنين ورابطة تقوم عليها أخوة الإيمان .
     فالحكم إذن للإسلام ، والإسلام هو أحسن هدي وأقومه ولا يُنصر كافر على مؤمن ولا يقتل مؤمن بكافر  إنها تعبيرات محددة واضحة مفصلة لا تترك أمراً عائماً .
     وعندما جاء النص : " وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. " جاء النص مرتبطاً بسائر النصوص مبنياً عليها لا ملغياً لها ، فاليهود أمة والمؤمنون أمة ولكنهم كلهم يحكمهم الإسلام وكل ما اختلف فيه مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وجميع من في يثرب يحمل مسؤولية الدفاع عنها وحمايتها من خلال الشروط والأسس التي ذكرناها .
     وشرع الله للمسلمين أن يكون أهل الكتاب أهل ذمة يرتبطون مع المؤمنين بمواثيق وعهود يصبحون بها قوة لتنصر الإسلام والمؤمنين لا لتحاربهم ، لهم دينهم وليس لهم أن يحكم دينهم أو أن ترد الأمور إليه ، لهم أن يتبعوا فيما بينهم أحكام دينهم ، وليس لهم أن يدعوا لها وأن ينشروها ، فذلك حق المؤمنين الذين هم على أحسن هدي وأقومه .
     وأن من يعادي الإسلام ويحاربه فعلى اليهود نصرة المؤمنين .

     في مثل هذه التفصيلات الأساسية التي ذكرنا بعضها يأخذ أهل الكتاب حرية عقيدتهم، ويظل المؤمنون يدعونهم إلى الإسلام لينقذوهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .
     أما الكافرون من قريش وغيرهم ، وقريش أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم قربى ونسب ورحم ، لكنهم حاربوا الله ورسوله فانقطعت حمية النسب إلا في أن يدعوا إلى الإيمان والإسلام ، وتعلن الوثيقة قطع الصلات معهم ، وبوادر الحرب معهم وتدعو إلى محاربتهم والتميز عنهم ولا تعطيهم أي حقوق ، ولا تُقرهم على كفر أبداً ولا تعطيهم حق الدعوة إلى كفرهم ولا نشر مذاهبهم وأفكارهم وآدابهم .
     وكذلك شأن كل محدث، والمحدث هو الذي يُحدث شيئاً مخالفاً للإسلام الذي يحكم المدينة كلها ، ويخضع له كل من فيها ، هذا المحدث لا حقوق له ، ولا يحل نصره ولا إيواؤه ، ولا مساعدته ومن يفعل ذلك فعليه لعنة الله .
     فهل هذه الشروط كلها توحي بأن نقول إن الإسلام يدعو إلى "حرية العقيدة " بهذا التعبير المتفلّت والمصطلح العائم ؟
     إذا أردنا أن نبلغ دين الله - الإسلام -  فلنبلغه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما كان يبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار .
     حين نستعير مصطلحات من الشرق والغرب ، ثم نلصقها بدين الله ، وبأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، نكون قد ارتكبنا خطأ جسيماً ، فالإسلام حين قال : (( لا إكراه في الدين )) ، لم يتركها عائمة وإنما قال معها : ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة  256-257، وقبلها جاءت آية الكرسي : ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )) البقرة 255

دعــوة إلى التوحيــد :
     دعوة إلى الإسلام والتوحيد صريحة جلية حاسمة ، قبل (( لا إكراه في الدين )) ، ودعوة كذلك صريحة جلية حاسمة ، مع إنذار شديد للكافرين وبشرى للمؤمنين بعدها .!
     ((لا إكراه في الدين )) تعبير يختلف عـن تعبير " حرية العقيدة " يختلف معنى وصياغة وشروطاً.

     ((لا إكراه في الدين )) تعني أن الله لا يقبل من عبد ادعاء الإيمان تحت ضغط الخوف أو المصلحة الدنيوية وهو يبطن خلاف ذلك . إن الله يقبل من عبده إيمانه وإسلامه حين يصدر عن قناعة ويقين، وهذا يعني أن الله يريد من المؤمنين أن ينهضوا ليبلغوا رسالة الله وحقيقة الإيمان والتوحيد ودين الإسلام بلاغاً صادقاً واضحاً دقيقاً ، لا أن يبلغ كل إنسان هداه وتصوراته الخاصة ويطوي نصوص الكتب والسنة ، أو يبلغها محرفة أو ناقصة أو غير واضحة ولا يرى الإسلام على أساس ما عرضناه أن للكافر أن يدعو إلى كفره في ظل دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله  ولا أن لأهل الكتاب أن يدعوا إلى دينهم في قلب دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله .
     يعطي أهل الكتب حرية الإقامة في أرض الإسلام على ألا يسعوا إلى أن يسود معتقدهم ، وألا يحملوا السلاح على المسلمين ، وألا يناصروا عدواً للإسلام والمسلمين سراً ولا جهراً ، وأن يرضوا بحكم الإسلام ولا يتآمروا عليه.
     وعلى المسلمين أو يكونوا يقظين ، فإن وجدوا منهم خيانة يؤخذ الخائن أو الخائنون بذنبهم ويعاقبون، ويخرجون من أرض الإسلام إذا خُشي استمرار خيانتهم وتآمرهم .
     هذا الذي تبينه لنا الآيات والأحاديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار رضي الله عنهم ، فإن ابتلي المسلمون بالوهن والذل وغلب عليهم أعداؤهم ، فلا يحملون الإسلام وشرعه وفقهه نتائج تهاونهم وعجزهم ، ولا يلوون الآيات والأحاديث ليسوغوا المذلة والهوان . فأعداء الله يعرفون الإسلام وحكمه فيهم ، فإن كتمنا حقائق الإسلام نخسر رضاء الله أولاً ونصرته،  ونخسر ما كان يمكن أن نناله من هيبة في أعين الكافرين وأهل الكتاب حين يرون أننا غيرنا وبدلنا . وأننا بدأنا نتبع ما تشابه من الأمور شأن من في قلوبهم زيغ .
     إن أساس الدعوة الإسلامية هو البلاغ المبين البلاغ الذي يبلغ رسالة الله ليعذر الناس أنفسهم بين يدي الله يوم القيامة . فلا يتغير الدين مع تغير الواقع ، فالدين حق لكل زمان ومكان . ونجد فيه الحلول لكل واقع كما وجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . دون الخروج عن الحق المطلق في الكتاب  والسنة ودون تحريف النصوص ودون اتباع ما تشابه منه .
     لقد أخذ ضغط الواقع المنحرف اليوم يشتد على بعض المسلمين حتى أصبح منهم من يسهل عليه إعطاء رأي ليؤمن مصلحة دنيوية ثم يلصق دعواه بالإسلام
     إن التقوى أهم أسباب النصر وإن خشية الله أهم عنصر في التقوى ، وإن العلم وحده إذا ضعفت فيه التقوى  فقد قوته الإيمانية في الميدان .
حرية الرأي   

      ومصطلح أخركثر ترداده بين المسلمين اليوم ، ينادي به المنتسبون إلى الإسلام ، فالإسلام أعظم رسالة في الأرض تحض على التفكير وتدعو له ، وأعظم رسالة تحرر عقل الإنسان من أغلال الهوى والشهوات ومصالح الدنيا الآثمة ، إن مصطلح "حرية الرأي " مصطلح عائم متفلت أعطى الفرصة لأعداء الله ليطعنوا الإسلام والمسلمين أكثر مما أعطى المسلمين الفرصة لبيان حقائق دينهم ، إن الإسلام الذي يحض على التفكير ويدعو إليه ليحترم الرأي الذي يصدر عن إيمان ووعي مع الحجة والدليل ، مع صدق النية وإخلاصها لله مبرأ من الهوى ، نابعاً من العلم الحق لا من الظن والتخمين ، فالإسلام لا يستخدم مثل هذا التعبير "حرية الرأي" ولكن يدعو المسلم ليقول رأيه جلياً واضحاً ، ملتزماً بالشروط الإيمانية التي فصلها منهاج الله ، دون أن يعتبر أن رأيـه وحده هو الحق إلا إذا كان الرأي نصاً من الكتاب والسنة ، وجاء عرضه مطابقاً لحاجة القضية والواقع ، جامعاً لكل الأدلة التي تنفي الشبهة وتشرق بالصدق والحق ، لا يماري فيه بعد ذلك إلا ممار أو مجادل أو منافق ، إن الحق يحمل معه دائماً إشراقته ، والباطل يحمل عتمته وظلامه والقلب المؤمن يهتدي إلى الحق ويميزه من الباطل .
                    
القرآن الكريم المعجزة الخالد

     في الكون نظام وفي العقل نظام ؛ فما من ظاهرة من ظواهر الكون إلا وتسير وفق سنن مسنونة ونظم محكمة ، وليس من تفكير سليم إلا ويتم وفق منطق دقيق يربط الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها حتى يمكن فهم نظام الكون وحتى يستقيم منطق العقل .

وحين تنقطع العلاقة بين الأسباب العادية ومسبباتها لاشك أن العقل - السليم السوي – يحكم بأن الذي فعل ذلك هو فوق الأسباب العادية ومسبباتها . ولو ساير العقل منطقه إلى أقصى مداه لوصل إلى أن الذي خرق العادات وخالف أسبابها ومسبباتها لا بد أن يكون خالقها وموجدها .

وإذا قصر العقل عن الوصول إلى هذه الغاية ؛ فإنه لابد أن يصل إلى أن خرق هذه العادات يكون حتما لغاية ، وهي البرهنة على صدق الدعوى بأن وراء ذلك كله خالق حكيم خلق كل شئ فقدره تقديرا ، فعال لما يريد ، لا يقيده نظام خلقه ولا سنن أوجدها .

لذلك كان الأمر الخارق للعادة حجة وبرهان صدق لمن يدعي أنه يبلغ عن الخالق الحكيم المتصرف في ملكه كما يشاء . وللمدعي ما دام قد أقام الحجة والبرهان على صدقه أن يتحدى الناس ليفعلوا مثله ، وفي هذه الحال تتأكد المعجزة .

لذلك عرفت المعجزة بأنها : الأمر الخارق للعادة يسوقه الله تعالى على أيدي أنبيائه تصديقا لهم وتأييدا في دعواهم وتحديا لأعدائهم وتعجيزا لهم عن أن يأتوا بمثلها.

لقد ارتبطت المعجزات بالنبوات والرسالات ارتباطا لا انفكاك عنه؛ غير أن تتبع تاريخ النبوات يؤكد وجود نوعين من المعجزات :

-       النوع الأول : يخضع في إدراكه ومعرفته إلى الحس سواء أكان ماديا في جوهره أم كان متضمنا معاني روحية . وهذا النوع اشترك فيه الأنبياء كلهم .

-       النوع الثاني لا يدرك إلا بالتأمل والتدبر وهو ما انفردت به النبوة الخاتمة.

ولعله من المشروع التساؤل عن الحكمة من اختلاف النوعين : لماذا كانت معجزات الأنبياء السابقة حسية على نحو ما أخبر به القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام الذي ألقي في النار المستعرة ، فكانت بردا وسلاما عليه ، وعن موسى عليه السلام الذي كان مما أيد به عصا تتحرك وتتلوى كأنها ثعبان مبين وليست سحرا كما أدرك الساحرون فكانوا أول المؤمنين ، وعن عيس عليه السلام الذي كانت ولادته ذاتها معجزة باهرة ، وكان هو نفسه يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ويحيي الموتى بإذنه تعالى؟

ولماذا كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة معنوية ، حيث جعلها الله تعالى بيانا يتلى وذكرا حكيما متضمنا بيان الشرائع المحكمة الخالدة ؟

قبل الخوض في الإجابة عن هذه الأسئلة نقرر أن كون المعجزة مادية حسية تبهر الأعين بادئ الرأي لا يدل على علو المنزلة أو عكسها ، ولكنها حكمة الله تعالى العليم بكل شئ القادر على كل شئ ، والله تعالى فضل بعض الرسل على بعض ، فمنهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، ولكن ليست الرفعة بكون الآيات مادية أو حسية ، بل بأمور قدرها الحكيم العليم الذي له وحده حق نوع التفضيل والرفعة.

إن المسلم يقدر أهمية تلك المعجزات التي اقتضتها حكمة الله ؛ فقد أدت دورها في إقناع من شرح صدره لكلمة الحق وأقبل على نور الوحي المقصود لذاته . وقد نخالف البعض ممن رأوا أن تلك المعجزات قد ارتبطت بظروف تاريخية ونفسية لتلك المجتمعات التي كانت تعتمد في رؤيتها للأمور على الحس والمشاهدة لقصورها في فهم القضايا المستندة إلى الاستدلال العقلي ، معتبرين أن هذا النوع من المعجزات مناسب لمرحلة الطفولة العقلية التي يحتاج فيها الإنسان إلى الأمور المثيرة والخارقة للعادة . وعندما تطورت البشرية حسب زعمهم تحدثوا عن الفترة الزمنية التي نزل فيها القرآن الكريم ، فقالوا إن المجتمع البشري قد تخطى مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد وأصبح في تلك الفترة قادرا على التحليل والنقد ، مؤهلا لمعرفة الحقائق النظرية.

إن هذه الآراء قد تقود إلى حصر طبيعة الوحي في المعجزة الحسية والتضييق من نطاقها في فترة زمنية محددة بحجة أن العقل لم يصل في تلك المراحل التاريخية المبكرة إلى فكرة التجريد وفهم المسائل النظرية ، وهذا تسويغ خاطئ قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة ترى أن الإنسان في مرحلة النضج العقلي يمكنه الاستغناء عن الوحي نفسه في حين أن مرحلة النضج العقلي لا تزيد عن كونها مسألة جانبية تتعلق بامتلاك الإنسان مستوى من الرشد طوره الوحي وتدرج به في مراحل كماله وقاده إلى امتلاك وسائل حضارية مهدت لظهور الاجتهاد والتدوين والتوثيق ومختلف العلوم الدينية الأخرى.

ومن ثم يمكن القول إن فكرة النضج العقلي التي علل بها البعض زعمهم اختفاء تلك المعجزات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا تصمد أمام الحقائق العلمية والتاريخية ومع أن النبوة الخاتمة عززتها معجزات حسية عديدة كانشقاق القمر وانصباب الماء من أصابعه الكريمة صلى الله عليه وسلم وإخباره ببعض المغيبات والإسراء والمعراج ؛ فإن المعجزة المطلقة الدائمة الخالدة التي تحدى بها الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار والمشركين كانت القرآن الكريم ، ولم يرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الاتباع إلا به حتى روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن به البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي به إلي ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .

إن هناك فرقا جوهريا بين معجزة القرآن الكريم وبين المعجزات الحسية للنبوات السابقة؛ ذلك أن المعجزات المصدقة للأنبياء السابقين كانت تقوم بدور الدليل على صدقهم ، ولكنها كانت من جانب آخر منفصلة عن ظاهرة الوحي وما كان ينزل من كتب وصحف ، وقد اختفت تلك المعجزات الحسية مباشرة بعد وفاة الأنبياء عليهم السلام وصارت خبرا يتناقله الرواة وبقي القرآن الكريم "الرسالة المعجزة" التي يكمن إعجازها في الوحي نفسه أي في ذاتها وجوهرها.

وبذا يتبين أن كون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم خالدة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولا نبي بعده هو الذي يفسر مجيء  معجزته مناسبة لهذه الرسالة الخالدة الباقية التي  لا يحدها زمان في المستقبل ، فلم تأت واقعة تنقضي وتنتهي بانتهاء الزمن الذي وجدت فيه ، بل هي حجة باقية ما بقيت الشريعة ؛ فالقرآن حجة قائمة على العرب والعجم إلى يوم الدين ، وهو معجز لكل الخلائق ، وتزداد هذه المعجزة وضوحا كلما تقدمت العلوم والمخترعات وازداد وعي الإنسان بحقائق الوجود والسنن الكونية ؛ حيث تتكشف للمتعامل مع القرآن الكريم أوجه للإعجاز قد تفوق العد والحصر . فبقدر الصدق والشفافية والجهد المبذول لتثوير القرآن والبحث عن معانيه يمدك بأسراره وأوجه للإعجاز تؤكد كلها صدق نسبته إلى كلام الله تعالى ، صدقا لا يداخله أدنى ريب.   

فالمستقرئ أحكام القرآن الكريم التشريعية المنظمة لعلاقات المرء عبادات ومعاملات ولعلاقات المجتمع بغيره سلما وحربا يتأكد يقينا أنه يستحيل على بشر لم ينل حظا من التعليم والمعرفة الواسعة أن يأتي بمنظومة تشريعية متناسقة ومحكمة الترابط روعيت فيها الطبيعة البشرية مراعاة دقيقة مما يمثل إعجازا تشريعيا بديعا يقف أمامه أساطين القانون وفقهاؤه وهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن وراء كل هذه الأحكام والتشريعات إلها مدبرا حكيما عليما بالنفس البشرية وما يصلحها وما يصلح لها.

أما من غاص في عالم المعرفة سواء ما تعلق منها بالطبيعة والكون أو ما تعلق منها بالتكوين البشري نفسه ، فإنه ولا شك واجد من إشارات الإعجاز في القرآن الكريم التي صدقها العلم وأكدتها الأبحاث والاكتشافات المتتالية ما هو كفيل بإقناع كل قلب لم يداخله الهوى أو يسيطر عليه الجحود، قال تعالى : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53) .

وهكذا كلما بحث المشتغل بالقرآن الكريم تبين له وجه للإعجاز جديد ، فمن الإعجاز التشريعي إلى الإعجاز العلمي إلى الإعجاز البلاغي والنظمي إلى الإخبار بغيبي الماضي والمستقبل ....

ففيه المعين الذي لا ينضب والثروة التي لا تنفذ وفيه حكم الأمور كلها ما وقع منها وما لم يقع ، قال تعالى :{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: من الآية38) وفيه عبر الماضين وأخبار النبيين ، فهو كتاب الله الكامل ، فيه معاني كل الكتب المنزلة على الرسل ، وفيه أخبار أولئك الرسل مع أقوامهم ، وفيه العظات الموجهة ، وفيه أعلى الآداب الإنسانية وأقوم السلوك الكامل للخلق أجمعين ، وفيه تعليم الإنسان الاتجاه إلى الكون وتعرف ما فيه والأخذ بالعلم من قوادمه وخوافيه ، وفيه العلم بكل ضروبه ، علم الإنسان وعلم النفس ، وعلم الكون ...

خاطب الله تعالى به أولياءه فعرفوه، وأصحاب العقول المستقيمة فأدركوه، وكان حقا كما قال الله تعالى :{وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (الرعد:31) .

ذلك هو كتاب الله تعالى بما حمل من معان وتكليف ، وما كساه الله تعالى به من روعة وتشريف ، وهو كما وصفه الله تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23) .

الـتـوحــيـــد

أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قيل : ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، وهذا بيان واضح لحقيقة قوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة 256 ؛ وذلك أن الله عز وجل قد هدى البشرية إلى نجدي الخير والشر. فمنهم المهتدي ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) فصلت 17، ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) الشمس 7- 10.

وتزكية النفس وتقواها لها طريق واحد، هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام، وسمى الله به عباده المنضوين تحت لوائه " المسلمين، المؤمنين عباد الله على لسان إبراهيم عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين، ووعدهم لذلك بالرضى والنعمة وسعادة الدارين ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به، ويغفر لكم والله غفور رحيم ) الحديد 28

ولئن كان الإسلام هو الانقياد لشرع الله والقيام بأركانه وواجباته واجتناب نواهيه، والتخلق بأخلاقه فإن له مدخلا واحدا ووحيدا، هو التوحيد الحق على النهج القرآني النبوي، من استيقنه دون ريب أو شك أو اضطراب أو تردد فهو المؤمن وهو المسلم، وهو الأخ الكريم، وهو اللبنة الصلبة في البناء الإسلامي المتماسك.

ولئن ابتدع المسلمون على تعاقب أزمان الفتن والجهل، لأنفسهم أسماء وألقابا، فإن ذلك مجرد وهم وشرود، ذلك أن الله سبحانه لا يرضى لعباده إلا ما سماهم به ( المسلمين  المؤمنين، عباد الله عز وجله ) ولذلك قال سبحانه وتعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ) الحج 78

هذا ما ينبغي أن يطمئن إليه قلب المؤمن، ويركن إليه، وهو ما يطلق عليه في علم أصول الدين مصطلح " العقيدةعقيدة الأمة التي تركها الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأمته بيضاء نقية، ليلها كنهارها، إيمان راسخ، وتوحيد هو جوهر الإيمان ومحتواه، وظهور ثمرة ذلك على اللسان والعمل.

فالإيمان ثلاثة أركان :

1- عقد بالقلب، أي التصديق، وبه يتساوى الطائعون والعصاة.

2-  الإقرار باللسان، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

3- العمل بالأركان. وبه يتفاوت المؤمنون. وبه يزيد الإيمان وينقص، فيزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.

أما التوحيد الحق فهو إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة لا شريك له، وله ثلاثة أركان :

1- توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله تعالى، وأنه سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك له..

2-  توحيد الألوهية، وهو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة التي أمر بها، دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة واستعانة واستغاثة ونسكا ونذرا ؛ قال تعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا ) الجن 18.

3-  توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شئ، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة صحيحة.

ونهج الجيل النبوي من صحابته صلى الله عليه وسلم في توحيد الأسماء والصفات أن يسردوا العقائد للأمة سرداً، مع ذكر أدلتها من الكتاب والسنة من غير تشبيه أو تمثيل أو تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تكييف بالعقول أو القلوب أو الألسنة. ودون أن ينـزلقوا إلى مختلف التصورات الضالة التي سقطت فيها مختلف الفرق. فعقيدتهم بذلك حق بين باطل المشبهة والمجسمة والحشوية، وبين باطل المعطلة الذين يعتبرون تصرفات الله تعالى غير حقيقية بغلو من التأويل الضال.

على هذا النهج كان الأئمة الأربعة – رضي الله عنهم –، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ولئن حاول بعض المتأخرين نسبة أبي حنيفة إلى المرجئة لقوله بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ظناً منهم أنه يؤخر العمل على الإيمان، فإن ذلك منهم شطحات هوى وتعصب ظالم. لأن الرجل – أبا حنيفة – قاد عصره إلى العمل بالكتاب والسنة. وسجن من أجل ذلك، فكيف يفتي بترك العمل الذي يقول به المرجئة.

هذا هو نهج الإسلام في موضوع العقيدة. إلا أن مرض التصنيف الطائفي، والتفرقة وانتحال الألقاب، جعل البعض يطلقون عليهم " أهل السنة " و " أهل السنة والجماعةو" السلفيينويقبل بعضهم بهذه الألقاب ويطلقونها على أنفسهم. في حين أن الاسم الحقيقي في القرآن والسنة هو : " المسلمون ". قال تعالى : ( إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) البقرة 132، وقال صلى الله عليه وسلم : "...فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله" وقال : " ادعوا المسلمين بأسمائهم، بما أسماهم الله عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل ".

ثم بعد الغزو الفلسفي اليوناني والفارسي والهندي لأمة الإسلام، كثر الجدل والتمنطق والسفسطة في موضوع الأسماء والصفات وغيره من قضايا التوحيد. فاضطر بعض الفقهاء إلى مجاراة التيار وتوظيفه ضد نفسه، حفاظا على العقيدة. بتأويل الصفات الموهمة بالتشبيه بضرب من المجاز المعنوي القريب. ولكن هذه الخطوة فتحت هوة عميقة يصعب ردمها. هي هوة التأويل المغالي المتأثر بالفلسفة والتفكير الاعتزالي المغرق في التعطيل. فكان رد الفعل العفوي، ظهور نزعة رفضت التأويل مطلقا. ولم تلتزم بنهج الصحابة، فغالت في إثبات الصفات إلى حد إجرائها على ظاهرها، متأثرين بالتفكير اليهودي الذي يقول بالتشبيه الصرف. وأصحاب هذه النـزعة هم طائفة المشبهة والمجسمة والحشوية. وقد حاول المماليك نسبة ابن تيمية ظلما إليهم لأسباب سياسية لا يتسع المقام لذكرها.

هكذا انقسم تيار العقيدة إلى اتجاهين :

(1) اتجاه الصفاتية، وأولهم جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين على النهج النبوي الرشيد. ثم من جاء بعدهم الذين يثبتون الصفات ويشرحونها بضرب من ا لمجاز القريب. ثم غلاة التجسيم والتشبيه، ثم الأشعرية الذين نهجوا نهج السنة، ولكنهم استعانوا في إثبات العقائد بعلم الكلام، والجبرية الذين لا يثبتون للعبد فعلا ولا قدرة، أو يثبتون له قدرة غير مؤثرة.

(2) اتجاه المعطلة بجميع مللهم ونحلهم المتأثرة بالفكر الاعتزالي المغرق في الاعتداد بالعقل وجعله فوق النص.

كان أهم حدث في هذه المسيرة العقدية هو ظهور علم الكلام المبني على المنطق الصوري، والذي استحدثه بعض علماء المسلمين لإثبات العقائد الدينية على الغير بواسطة إيراد الحجج ودفع الشبهات وقمع فتن الفلسفات الوافدة. وقد ساهم هذا العلم في حينه، في رد كيد الكائدين والمنحرفين. إلا أن نجمه قد أفل في العصر الحديث، بظهور مناهج في التفكير أقوى وأكثر اتزاناً ومصداقية من منهج المنطق الصوري الذي بني عليه علم الكلام. وبالانفجار المعاصر الهائل في ميدان الاختراعات والاكتشافات والعلوم المادية، وانفتاح آفاق الآيات الكونية على مصراعيها، والثورة المعلوماتية والاتصالاتية، وظهور مناهج للبحث والاستقراء والتجريب والمحاجة مبنية على مبادئ العلم رياضيات وفيزياء وهندسة..، مما غير استراتيجية التعامل في ميدان العقائد، وجعل الكرة الأرضية قرية واحدة يحاول كل فرد فيها معرفة جاره عقيدة وسلوكا وأعرافا.

وهذا يلقي على عاتق المسلمين- علمائهم خاصة – مسؤولية استحداث علم جديد للإقناع والاقتناع، مبني على أحدث طرق الاستدلال وأكثرها دقة. والاستفادة من الآيات الكونية التي فتح الله آفاقها للناس، وبين الحكمة من ذلك بقوله : ) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت 53.

ذلك أنه بالتجربة والمشاهدة حالياً، كلما اتسع أفق العلم والاكتشاف ازدادت قوة الحجة في القرآن الكريم، وانفسحت بالتقدم العلمي أسراره المعجزة، واتضح مدى ارتباطه بخالق الكون، وانكشف في الوقت نفسه، زيف ما سواه من الأديان، وانبناؤها على الخرافة والشعوذة والأوهام. بل إن العلم الحديث، الذي يسير دفته حاليا غير المسلمين، يساهم عمليا في شرح بعض الآيات الكونية في القرآن، وتفسير بعض ما عجز المؤمنون به عن فهمه منها. وحسبنا من ذلك مثلا قوله تعالى عن توجيهات إبليس لعنه الله للبشر :{ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } النساء 119.

فقد فسرتها حاليا مكتشفات العلماء غير المسلمين في ميدان علم الأجنة والوراثة والاستنساخ. ثم لما عارضهم المجتمع الإنساني لأسباب أخلاقية، أجابوا بأنهم يأملون أن ينفعوا البشرية بهذا الاكتشاف ويسخروه لعلاج الأمراض المستعصية. وجوابهم هذا أخبر به القرآن الكريم تعقيبا منه على الآية السابقة. قال تعالى { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} النساء 120.

وما دام الإنسان قد فتح الله له باب الاستخدام الجيني والوراثي وكشف له بعض أسراره، فلم يعد مستبعدا ماديا وعلميا على الأقل، ظهور الدابة المذكورة في القرآن، التي تكلم الناس. ذلك أنه بأدنى خلل أو خطأٍ أو تلاعب بالمورثات، قد تخرج من مختبرات الأجنة والاستنساخ. يقول تعالى :{ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } النمل 82.

إن مسؤولية استحداث علم جديد للدعوة والمحاجة والإقناع واجب، على القادرين القيام به لا سيما في هذا العصر الذي يتعرض فيه أبناء المسلمين لمختلف الفتن والضلالات، وتتعرض فيه الأمة للانهيار في كافة الميادين. والواقع حجة واضحة وضوح الشمس. فأمامنا شواهد الأمم ذات الديانات الباطلة، التي تقدمت ماديا بتخليها عن خرافات أديانها.والأمة الإسلامية قد تأخرت ماديا وروحيا بتخليها عن دينها الحق، الذي ينظم شؤون المادة والعقيدة تنظيما ربانيا لا شبهة فيه.

الإيمان حقيقتنا الكبرى

         الإيمان بالله وحده ، أو الإيمان التوحيدي ، قضية الخلق الأولى والأخيرة، على أساسها قامت السماوات والأرض، وبها يحاسب المرء يوم القيامة، وهي المحور الأزلي في الكون كله(  تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) الإسراء 44

          إلا أن منهج اليقين في أمر التوحيد، وإثبات الألوهية والربوبية لله تعالى يختلف باختلاف المشارب والمذاهب، فتنحرف ببعضهم السبل وتزيغ بآخرين متاهات الطريق، باعتمادهم على مبادئ الفلسفة ذات الأصل الوثني اليوناني ، أو علم الكلام والمنطق مقدمات صغرى وكبرى ونتائج ، أو على استبطان النفس وهواجسها وخيالاتها وإشراقها المزعوم، مما حفلت به بعض كتب التوحيد التراثية والمعاصرة، فاضطربت الآراء ، وتعتمت التصورات، واستحدثت المصطلحات، وأصبح طالب علم التوحيد مضطرا إلى فك طلاسمه وفهم رموزه، وشرح ما  به من إشارات كلامية ومنطقية واستبطانية.  

          ولئن كان منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في إثبات التوحيد وتوضيح حقيقته ، هو النهج الرشيد الذي ينجي صاحبه ، ويأخذ بيده إلى مرضاة الله تعالى ؛ فإن الداعية الإسلامي - بحكم التزامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإرشاد الناس إلى طريق الهدى - يواجه بين الفينة والأخرى انحرافات عقدية يعتنقها بعض محاوريه ، جذورها لدى المتكلمين والفلاسفة أو الباطنيين من مختلف الفرق والمذاهب ؛ مما يفرض عليه معرفة هذه الآراء المنحرفة والمعتقدات الضالة للرد عليها وكشف عوارها وفسادها .

          لا شك أن الداعية ملتزم بأمر نفسه في هذه القضية ، كما هو ملتزم بأمر غيره ؛ لأنه مأمور بالتبليغ ومسؤول عنه : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة 143

          وأخطر مسؤولية في هذا الشأن ، هي مسؤولية الدعوة إلى عقيدة التوحيد ، وما يترتب على ذلك من الإيمان بربوبيته عز وجل وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، والتصديق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، مما يمثل الحقيقة الأولى والكبرى في المجالين الشخصي والحركي للداعية المسلم .

          هذه المسؤولية تفرض عليه أن يوسع مداركه الإيمانية والعقلية والعلمية ، ويكتسب القدرة على الشرح والتوضيح والإقناع ؛ فيعرف المنهج الرباني حق المعرفة ، كما يعرف المناهج المنحرفة وما بها من مثالب وفسادوانحراف ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين )َ الأنعام 55. ذلك أن معرفة الصواب تكون لتطبيقه والدعوة إليه، ومعرفة سبيل المجرمين تكون لتجنبها والتحذير منها .

          في هذا الاتجاه ، كان مفيدا للداعية الإلمام بعلم التوحيد والاطلاع على معاني مصطلحاته ورموزه، ليميز الغث من السمين ، والحق من الباطل ، والصواب من الخطأ، وليعرف مكامن الخلل في معتقدات بعض مخاطبيه من ضلال المذاهب والطوائف .

          لا شك في أن دراسة علم التوحيد لا تكسب وحدها عقيدة التوحيد ، فكم من عالم ليس له خلاق في الآخرة ، وكم من مجادل بعلم الكلام اكتشف في نهاية حياته باطل ما كان يدعو إليه ؛ وحسبنا شهادة الإمام الرازي عندما حضرته الوفاة فبكى وقال : (( لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية ، فلم أجدها تروي غليلا ، ولا تشفي عليلا ، ورأيت أصح الطرق طريق القرآن )) ، وترك وصيته المشهورة التي قال فيها : (( لقد اختبرت الطرق الكلامية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم ؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع التعمق في إيراد المعارضة والمتناقضات . وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية )) ( التفسير الكبير للرازي المقدمة ) .

          إن العلم بالتوحيد وحده لا يكسب المرء عقيدة التوحيد  ، وإنما الذي يكسبها قلب حي وعقل رباني يقظ يتوجهما الصدق في التوجه والنية ، ويحليهما الصدق في الطاعة والاستسلام ، ويزكيهما الصدق في التعامل والتصرف وابتغاء الآخرة : ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) ق33 ، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )  ق37

          وكل ما يجنيه الداعية من علم التوحيد هو القدرة على رد الشبهات الواردة ، والنظر في المعضلات المعترضة ، ومعرفة مصادرها ومصطلحاتها ، ومجادلة أهلها بالحسنى ، ومحاولة ردهم إلى صراط الله القويم ، ومنهجه القرآني السليم . وهذه حاجة الداعية الملتزم بأمر الناس ، أما غيره من المؤمنين المكتفين بأمر أنفسهم فقط ، فيكفيهم القرآن والسنة في إثبات حقيقة التوحيد ومؤداه، نعم النبع الصافي والسلسبيل الرباني الصرف. والأصلح لهم ألا يخوضوا في شبهات المنحرفين .

          إن التوحيد والوحدانية ، حقيقة راكزة في ضمير الكون جنه وإنسه ، وملائكته وعوالمه ، وكل آتي ربه عز وجل طوعا أو كرها . إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت في أمر الجن والإنس ابتلاءهم في الحياة الدنيا بتكاليف الإسلام المبني على الإيمان  بوحدانية الخالق وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشريعته على نهج خاص تـنـزل به القرآن الكريم والسنة النبوية ، مما يوجب على المسلم تحقيق منهج اليقين في أمر المدخل الرئيس للإسلام وهو الإيمان ؛ فما هو الإيمان لغة واصطلاحا ؟ .

          إن لفظ "الإيمان" مشتق من فعل "أمِنَ" يأْمَنُ" كفرح يفرح . والهمزة والميم والنون أصلان متقاربان ، أولهما بمعنى الأمانة التي هي ضد الخيانة ، ومعناها سكون القلب وطمأنينته (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ) البقرة 283.

          وثانيهما : يعني التصديق ، ومنه قوله تعالى :( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين )َيوسف17، أي مصدق لنا .

          ومنه أَمُنَ الرجل على وزن كَرُمَ ، أي صار أمينا ومؤتمنا . وبيت آمن : ذو أمن ، قال تعالى:) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) البقرة126. ورجل أُمنة بضم الهمزة وفتح الميم كهُمَزة ، إذا كان الناس يأمنونه ولا يخافون غدره . ورجل أَمنة بفتح الهمزة والميم إذا كان يصدق كل ما يسمعه ولا يكذب شيئا .

          والأمنة : الأمن ، ومنه قوله تعالى :( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ) آل عمران 154

          وأمنته على كذا : ائتمنته :( قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُون)َيوسف11

          والأمن ضد الخوف ، وهو عدم توقع مكروه في الزمن الآتي ؛ وأصله طمأنينة النفس .

          وآمن به : آمنه التكذيب فلا يكذبه أبدا ، وصدقه .

          والإيمان لغة : هو التصديق .

          وأصل لفظ " آمن " أأمن بهمزتين ، لينت الهمزة الثانية . وهو فعل متعد بنفسه ، فيقال:أمنت ، فأنا آمن، وآمنت غيري ، أي صدقته ، أو أعطيته الأمان والأمـن ، قـال تعـالى : ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قريش4 ،كما يتعدى باللام فيكون معناه التصديق والإذعان :( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ) يونس 83

          كما يتعدى لفظ " آمن " بالباء باعتبار معنى الاعتراف ، لأن التصديق لا يعتبر بدون الاعتراف (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ )البقرة285

          واسم الفاعل من " آمن " مؤمن ، وهو من أسماء الله الحسنى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الحشر23 ، ومعناه أنه عز وجل مؤمن لأوليائه ، يؤمنهم من عذابه و لا يظلمهم ، وأنه سبحانه وتعالى يصدق ما وعد به عباده من الثواب .

          فإن أطلق لفظ " مؤمن " على الإنسان دل على أنه مصدق بالله ، مذعن لتعاليمه .

          والتصديق يكون بالقلب وباللسان ، وبالإذعان للتعاليم الإلهية تطبيقا عمليا . وهو ما يشير إلى أركان الإيمان الثلاثة ، التي هي المعنى الشرعي الذي نقل إليه القرآن الكريم لفظ الإيمان من معناه اللغوي ، وهو ما فهمه السلف الصالح وما بينه لهم النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر (مسلم1/38 حديث8 ) عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان ، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم متضمنا قيام الجسم بوظائف الأحكام إقرارا لسانيا بالشهادتين، وعملا بأركان الصلاة والصيام والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا ، وقياما للقلب بوظائف الاستسلام إيمانا وتصديقا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، ثم جمع ذلك في قاعدة كلية هي الإحسان الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

          إن الإيمان الحق ، يقين في القلوب ، وإقرار بالألسن ، وعمل بالجوارح في الطاعات ، وهي كلها أفعال وأعمال .

          فأفعال القلوب تتناول المعرفة بالله ، بواسطة كل ما وضع له الشرع دليلا نقليا ، فلا تعتقد القلوب اسما لله تعالى أو صفة إلا ما ورد به القرآن والسنة . كما يقتصر في الإقرار اللساني على ما وردت به النصوص ، أما الجوارح فتعمل طاعة لله تعالى في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك .

          والأصل لدى المؤمن المعرفة بالله تعالى تصديقا وإقرارا ، والطاعة المترتبة على هذا الأصل إيمانا واحتسابا ؛ ولذلك يزيد الإيمان وينقص ؛ فمن ترك شيئا من الطاعات نقص إيمانه ، وما زال العبد يتقرب إلى الله بالطاعات فيزيد إيمانه ويقوى ، وهو ما يفهم من الحديث القدسي الذي رواه صلى الله عليه وسلم عن ربه، أن الله تعالى قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ) ( صحيح البخاري - كتاب الرقاق ).

           ولذلك ورد الإيمان في القرآن الكريم بكل معانيه المتعلقة بأعمال القلب واللسان والجوارح 

          ورد بمعنى التصديق القلبي : (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) المائدة41 ، (قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الحجرات14

          وورد بمعنى الإقرار اللساني : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) البقرة136 ، (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) المائدة111

          كما ورد بمعنى أن الإقرار باللسان وحده ليس إيمانا : (وَمِنَْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) البقرة 8 ، (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) المائدة61

          كما ورد الإيمان بمعنى العمل (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) البقرة143 ، أي أعمالكم ، وأن العمل وحده بدون تصديق قلبي غير مقبول ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) النور39

          إن الإيمان عمل كله ، سواء كان اعتقادا في القلب أو إقرارا باللسان أو عملا بالأركان ، وهو ما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : " إيمان بالله ورسوله ، قيل ثم ماذا ؟ ، قال : ثم جهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا ؟ ، قال ثم حج مبرور ( الدارمي في سننه – البخاري ومسلم في صحيحيهما). وهو ما كان عليه السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا ) البقرة137، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) الأنعام82 . والظلم هنا بمعنى انحراف القلب في الاعتقاد ، أواللسان في الإقرار ، أوالعمل في الطاعة .

          ولقد ضلت عن هذا النهج الرشيد فرق وطوائف كثيرة :

          منهم من قال : الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان فقط ، وما سوى ذلك أعمال يرجأ ( يؤخر ) أمرها إلى الآخرة ، وهم المرجئة.

ومنهم من قال : الإيمان إخلاص بالقلب وإقرار باللسان ، وهم مرجئة الصوفية.

ومنهم من قال : الإيمان معرفة بالقلب دون عمل أو إقرار باللسان.

ومنهم من قال : الإيمان إقرار باللسان فقط وأن المنافق مؤمن الظاهر ولو كان كافر السريرة.

ومنهم من اعتقد بقلبه وأقر بلسانه ، ولكنه تصور الله وعلاقته بالخلق على غير الصواب ، ووصفه تعالى بأوصاف زينها الهوى أو أوحت بها الثقافات الضالة.

كل هذه الفرق والطوائف تلتمس دعما لانحرافها بتأويلات مغالية وضالة للنصوص، وتوظيف فاسد للأخبار والآثار الموضوعة والمنكرة والضعيفة ؛ وكل ذلك خارج عن نطاق الشرع سواء كان المرء في موقفه هذا مقلدا لغيره أو مبتدعا بنفسه.

  العقيدة بين ضرورة اليقين وظاهرة التقليد

             على طول تاريخ البشرية مع الدين طبعت هذه المعية بالعديد من صور البحث والانتماء والتعلق والانقياد . ولعل مرجع تعدد هذه الصور في طبيعة العلاقة بين أي دين من الأديان وبين المنتمين إليه لعل مرجع هذا التعدد هو خصوصيات يتميز بها دين عن غيره من الأديان ، وهو كذلك مواقف ومطالب متبادلة بين الدين وبين معتنقيه .

        ومن الأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي المعاصر حول المسألة الدينية وضع جميع العقائد والأديان في سلة واحدة ، ثم إصدار أحكام جزافية عليها دون نقد أو تمييز . ولعل من العقلانية أن يجمع الباحثون على حقيقة مؤداها أن الحق في أمر الدين الحق لا يتعدد ، وأن هذا الركام من العقائد والأديان في التاريخ وفي الحاضر لا تصح نسبة كل ما فيه إلى دائرة الدين الحق . ويبقى بعد هذه المسلمة أن يضطلع الإنسان بمهمة المراجعة المتأنية والنقد الرصين ليكون في موقفه من الدين قبولا أو رفضا على بينة من الأمر فيكون لشخصه اعتبار على أساسه تناط به المسؤولية في العاجل والآجل .

        من هذه القاعدة المركزية انبعثت محاور الرسالات الإلهية على أيدي كوكبة من رسل الله المصطفين الأخيار داعين إلى أصول واحدة لدين الله الواحد يؤازرهم وحي الله الحق الذي حفظت خلاصات لكل مضامينه في وثيقة الوحي الأخيرة الخاتمة القرآن الكريم.

        والمتأمل في أصول هذه الوثيقة القرآنية الإلهية إذا كان موضوعيا في رؤيته صادقا مع نفسه ومع الحق في تأمله يدرك دون تردد أن أصول الدين لا تثبت إلا على قاعدة من اليقين ، وأن العقل الخالص لدى الإنسان له الاعتبار الأول والأظهر في دعوة القرآن جميع البشر إلى اليقين بأصول الإيمان ؛ إذ لا يقوم أصل للإيمان دون حجة بالغة وبرهان قاطع . ويدرج في هذا السياق من لزوم اليقين في أصول الدين ما يتعقب به القرآن المقلدين من البشر في مسألة الاعتقاد ، فهؤلاء المقلدون قد ألغوا عقولهم حين ركنوا إلى تقليد الأسلاف في أعظم شؤونهم وهو شأن الدين متنازلين عن هويتهم وخصوصيتهم دون نظر أو مراجعة لما كان عليه أولئك الأسلاف {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } البقرة الآية 170 .  { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } لقمان الآية 21 

        الخطاب القرآني المعارض للتقليد بعامة وللتبعية في أمر الدين بخاصة يتضمن من الأصول ما يقرر مبدأ حق الإنسان في اختياره بين الكفر والإيمان وفقا لإرادته التي تقوم عليها مسؤوليته بعد أن يتبين الرشد من الغي في أمر الدين ويتحدد لديه ميزان الحق والباطل والخطأ والصواب بعقلانية وروية لا تشوبها شائبة من تقليد . وهذا كله مبثوث في الخطاب القرآني المؤسس للخطاب الدعوي من قبل والآن وفيما يستقبل من الزمان على امتداد المكان . فمن أصول الدعوة إلى الدين الحق أنه { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } البقرة 256 ، ومن هذه الأصول : ما هو توجيه قرآني لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكل من يلتزم بمنهجه في الدعوة إلى دين الله مقرا للإنسان كل إنسان بحقه في حرية الاختيار { وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } الكهف 29

        التقريرات القرآنية في سياق التحديد والبناء لقاعدة الأصول الإيمانية هذه التقريرات لا تقر مبدأ التقليد في أمر الدين ولا تقيم لتدين المقلد وزنا . وهذه الدائرة الإيمانية القرآنية يقترب منها أو يبتعد من يقترب أو يبتعد من هذه الدوائر التي ظهرت في محيط الفكر الإسلامي وبخاصة المدارس الكلامية في تاريخ هذا الفكر وتبقى آراء أعلام هذه المدارس وتقريراتهم تعبيرات بشرية حول التأصيل فكريا للمسألة الدينية وهي تعبيرات يكتنفها الخطأ والصواب ، وإنما يتمحص الصواب في أمر الدين الحق بقاعدة صريح العقل مع صريح النقل عن الرسول المعصوم في ضوء النص القرآني والبناء الديني على هذه القاعدة يتلاشى معه التقليد .

وإذا شئنا أن نورد شواهد من مقالات بعض أعلام الفكر في السياق المعارض للتقليد الداعي إلى لزوم تأسيس الدين على اليقين فما أكثر هذه الشواهد : فالإمام البيضاوي وهو من أعلام علماء أصول الدين يقرر أن القرآن يعارض التقليد ويمنع منه  "من قدر على النظر والاجتهاد . وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام ، فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله " (أنوار التنزيل وأسرار التأويل للقاضي ناصر الدين البيضاوي 1/100 ) .

والإمام الفخر الرازي يقرر أن القرآن الكريم يبطل التقليد ؛ ذلك بأن المقلدين في الدين " لم يتمسكوا فيما ذهبوا إليه تقليدا لا بطريق ما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف . وإنما ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل " ( التفسير الكبير 27/177) .

أما الإمام أبو المظفر الاسفراييني فيرى أن كل ما يجب معرفته في أصول الاعتقاد يجب على كل بالغ عاقل أن يعرفه في نفسه معرفة صحيحة صادرة عن دلالة عقلية لا يجوز له أن يقلد فيه ، ولا أن يتكل فيه الأب على الابن ولا الابن على الأب ، ولا الزوجة على الزوج ، بل يستوي فيه جميع العقلاء من الرجال والنساء . وأما ما يتعلق بفروع الشريعة من المسائل ، فيجوز له أن يقلد فيه من كان من أهل الاجتهاد وقد ذكر الله الأصول والفروع فذم التقليد في الأصول وحث على السؤال في الفروع " (التبصير في الدين ص 180 ) .

وفي رسالة التوحيد للأستاذ الإمام محمد عبده ما يمكن اعتباره خلاصة للتصور الإسلامي في أمر الدين والتأسيس لأصوله على قاعدة من اليقين : " فالدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد . العقل من أشد أعوانه ، والنقل من أقوى أركانه الغاية من هذا العلم علم أصول الدين القيام بفرض مجمع عليه وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب ثبوتها له مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به ، والتصديق برسله على وجه اليقين الذي تطمئن به النفس اعتمادا على الدليل لا استرسالا مع التقليد حسبما أرشدنا إليه الكتاب أي القرآن الحكيم فقد أمر بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون ، وما يمكن النفوذ إليه من دقائقه تحصيلا لليقين بما هدانا إليه ونهانا عن التقليد بما حكى عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم ، وتبشيع ما كانوا عليه من ذلك ، واستتباعه لهدم معتقداتهم ، وإمحاء وجودهم الملّي . وحق ما قال ؛ فإن التقليد كما يكون في الحق يأتي في الباطل ، وكما يكون في النافع يحصل في الضار ، فهو مضلة يعذر فيها الحيوان ، ولا تجمل بحال الإنسان " ( رسالة التوحيد ص 53 ) .

خلاصة القول أن مسألة التقليد في الأصول التي يقوم عليها الدين لدى كل إنسان مسألة من الأهمية بمكان بحيث تحتاج  من كل منتم إلى دين أن يكون له موقف عقلاني يعتمد عليه في قبول ما يقبل ورفض ما يرفض . وهذا الموقف ذاته يلزم أن يتخذه الملحد الذي استهوته فكرة الإلحاد تقليدا فأغرته بما تتيح له من التحلل والانفلات والإغراق في الشهوات على صورة هي أقرب إلى الحياة الحيوانية منها إلى الحياة الإنسانية بسموها .

لا يبعد عن الحق من يصور علاقة الناس بأديانهم في هذا العصر ومن قبل على أنها علاقة مظهرية واهية ؛ لأن الدين فيها ميراث أشبه ما يكون بالتراث ، بل كثيرا ما يصور على أنه تراث . والانتماء إلى دين صورته على هذا النحو انتماء شكلي فيه تحريف للدين وانحراف به عن خط سيره المرسوم ، وفيه كذلك امتحان لعقل الإنسان. من أجل تجاوز كل هذه الملابسات ، فإن إنسان هذا العصر مدعو في ظل عولمة ثقافية مفروضة أو مرفوضة ومن خلال شبكة معقدة بين أنظمة الاتصالات ، الإنسان مدعو في هذه الأجواء إلى الحذر من أن يكون انتماؤه الديني الخاص لعبة بين الفرقاء ، فالمسألة في هذا السياق هي التي يتحدد عليها المصير.

 

التقليد في مجال التوحيد مخاطره ومضاره

     التوحيد بمعنى الإيمان بالله تعالى، هو إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده لا شريك له، وهو المبدأ الذي لا يقبل عمل المرء بدونه، وجوهر الإسلام الذي سار على هديه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

     ولئن كانت أركان التوحيد ثلاثة، هي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فإن له ركائز وعمدا يبنى عليها ولا يقوم إلا بها.

     أهم هذه الركائز والعمد وأقواها ثنتان هما: العلم واليقين.

     والعلم معناه إثبات أن المعبود بحق هو الله تعالى، واعتقاد بطلان عبادة ما سواه، وضلالها وفسادها.

     أما اليقين فهو أن يعتقد المرء ذلك وينطق بالشهادتين عن يقين تام يطمئن إليه القلب، ولا يتسرب إليه الشك والريب والتردد، فيكون بذلك موقنا بصحة ما يقول من أحقية ربوبية الله عز وجل وألوهيته وأسمائه وصفاته، ومن بطلان ذلك كله فيما سواه؛ فإن جزم بألوهية الله تعالى وتردد في بطلان إلهية غيره انتقض إيمانه وبطلت شهادته، ولم ينفعه إيمانه ولا عمله. يقول عز وجل:

-  (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) الحجرات 15

-  (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ )التوبة 45

     ولئن كانت عوائق التوحيد الحق، وهادمات ركائز العلم واليقين فيه كثيرة متعددة، فإن من أهم عناصرها اعتماد المرء على غيره وتقليده للناس في هذا المجال؛ ذلك لأن كل إنسان مكلف شرعا بأن يصل مرتبة اليقين في إيمانه بالطرق الشرعية التي لا يعذر أحد بجهلها وهي:

- الأدلة النقلية من الكتاب والسنة.

-  العقل الحر تفكرا وتأملا في ملكوت السماوات والأرض.

     وقد تكفل الله تعالى بإرشادنا وهدايتنا إلى هذا، بآيات بينات مبثوثة في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، منها:

-  (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) – الروم 20-23 –

-  (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) فصلت 53

-  (فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) عبس 24-31

-  (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف 18، كما ضرب لنا مثلا باهتداء خليله إبراهيم عليه السلام، فقال في سورة الأنعام -الآية75-77:

     (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِين فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّين  فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).

     وعلى هذا فاليقين الإيماني ميسر لكل ذي عقل سليم، وقد زودنا الله تعالى بهذا العقل، ولم يجعلنا عالة على غيرنا؛ ولذلك اشترط صفاء الإيمان ويقينيته، وحرم أن نعطل طاقتنا الفكرية التي نفهم بها الكتاب والسنة، ونتأمل بها ملكوت الرحمن، أو أن نتكل في ذلك على تقليد الغير مهما كانت مراتبهم العلمية.

     إن تقليد الغير في مجال العقيدة يعد من أخطر ما يعصف باليقين، ولئن التقى المرء مرة بعالم صادق فقلده، فإنه يلتقي عشرات المرات بعلماء منحرفي العقيدة، ولا يمتنع أن يتأثر بهم فيختل إيمانه. ولذلك حرم التقليد سدا لذريعة الانحراف في أهم ركائز الإيمان.

     إن المرء إذا قلد في مسألة الإيمان فكأنما طوق عنقه بحبل غيره وربط مصيره بمصيره، وفي هذا من المخاطر في الدنيا والآخرة ما لا يخفى على بصير. وهذا المعني يشير إليه الأصل اللغوي لكلمة " التقليد " المشتقة من لفظ " قَلـَدَ "، وقَلـَدَ الشيءَ على الشيء: لواه، وقلد الحبلَ فتله، وقلد الماءَ في الحوض أو اللبن في السقاء أو الشراب في البطن أي جمعه، والمِقْلـَدُ هو الحبل المفتول، والقِلادة ما جعل في العنق يكون للكلب والفرس والإنسان، ومن الأمثال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

     وعلى هذا فالتقليد في العقيدة معناه أن تربط عنقك بحبل غيرك، أي أن تربط مصيرك في الدنيا والآخرة برأي غيرك. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا ) سنن الترمذي ح 2007. وقد كان عبد الله بن مسعود يقول:" كنا في الجاهلية نعد الإمعة هو متبع الناس إلى طعام من غير أن يدعى، وإن الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه " أي المقلد الذي جعل دينه تابعا لدين غيره من غير روية ولا تحصيل برهان.

     والقرآن الكريم ينعى على الكفار تقليدهم آباءهم وتعطيلهم عقولهم في مواطن كثيرة منها:

-  (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) المائدة104

-  (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) الزخرف 22

-  (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) الأنفال 22.

     لذلك كان التقليد - أي الأخذ برأي الغير بدون نظر إلى دليله – مذموما؛ إذ المقلد في العقيدة لا يخلو من شك وتردد، وهذا ينقض مرتبة اليقين التي يبنى عليها الإيمان.

     إن العلماء لم يختلفوا في شجب التقليد ورفضه، ولكنهم اختلفوا فقط في إيمان المقلد هل ينجيه أم لا؟ وقد نقلت عنهم أحكام في الموضوع، منها:

1 - المقلد كافر.

2 - المقلد مؤمن عاص سواء كان قادرا على النظر أم غير قادر.

3 - المقلد مؤمن عاص إذا كان قادرا على النظر.

4 - النظر في الأدلة شرط لكمال الإيمان.

5 - الدليل العقلي أو السنة غير المتواترة يخرجان من الكفر.

6 - الإيمان الصحيح لا يكون إلا بدليل القرآن والسنة القطعية.

     لكن الصواب هو أن إيمان العاجز إذا قلد عالما مقبول، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) البقرة 286، ولكن ينبغي للعاجزأن يسأل هذا العالم عن دليله من الكتاب والسنة ليخرج عن دائرة التقليد المحض.

     أما القادر فيحرم عليه التقليد، ويجب عليه الوصول إلى مرتبة العلم واليقين في إيمانه، لقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) محمد 19، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله) متفق عليه، والشهادة الشرعية يجب أن تكون صادرة عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران 18

     يتبين من خلاصة ما تقدم أن اليقين الإيماني يثبت بطريقتين:

- طريق العقل الرباني الذي ينظر في ملكوت الرحمن ويستدل بخلقه عليه، فيقول: العالم من العرش إلى الفرش، أي الكون وما حوى جائز عليه العدم، وما جاز عليه العدم فهو مخلوق أي حادث، وكل مخلوق مفتقر إلى خالق يوجده، وهو الله سبحانه وتعالى.

-         طريق النقل أي القرآن الكريم والسنة، وقد دلنا هذا الطريق على الله عز وجل، وأخبرنا بالمبدأ والمعاد، وأرشدنا إلى أن النظر في أنفسنا وفي الكون محجة واضحة للإيمان يستوي فيها العالم والجاهل، قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الرعد4  كما أن التأمل في الانفجار العلمي الحديث والاكتشافات الغريبة المعاصرة في النفس وفي الآفاق من خير الأدلة الكونية للوصول إلى درجة اليقين.

التوحيد العملي ومدرسة أهل الحديث 

       نقصد بالتوحيد العملى كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كالصلاة والزكاة وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود وشكر النعم والرضاء بالقضاء والقدر، وهو العبادة في الحقيقة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ) الذاريات 56، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الدعاء هو العبادة (الترمذي وأحمد.

     ولئن كان العلماء قد أفاضوا الحديث عن التوحيد الاعتقادي (معرفة وحدانية الله تعالى ) لكونه المدخل الأول للإسلام، فقد أغفل كثير منهم الكلام عن التوحيد العملي، ففهم العامة أن التوحيد الاعتقادي وحده كاف في النجاة بين يدي الله عز وجل، وإن لم يوحدوا توحيدا عمليا، وفاتهم أن مشركي العرب كانوا يؤمنون بالله تعالى ولم ينقذهم هذا الاعتقاد من العذاب لأنهم أشركوا في العمل، وأن التوحيد الكامل اعتقاد وعمل؛ وهذا ما عليه مدرسة أهل الحديث.

     إن مدرسة أهل الحديث في حقيقتها ليست فرقة من الفرق، ولكنها هي الإسلام في صفائه ونقائه كما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه تلامذته من السلف الصالح صحابة وتابعين؛ وذلك لأنها تعتمد على الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، قولية وعملية وإقرارية، في الاعتقاد والعمل.

     وقد كانت عقيدتهم حقا بين باطلين، الباطل الأول هو باطل المشبهة والمجسمة والحشوية الذين يشبهون الله تعالى بمخلوقاته، والباطل الثاني هو قول المعطلة الذين يعدون تصرفات الله غير حقيقية، فإذا وردت آية فيها مثلا أن الله صنع بيده أو نزل إلى سماء الدنيا، قالوا إن الله لا ينزل وإن اليد هي القدرة، وفي هذا التفسير تعطيل للذات عن صفاتها.

    أما الحق الذي كان عليه أهل الحديث فهو أنهم لا يشبهون ولا يعطلون، فإذا وردت آية أو حديث في أحدهما ما يوهم بالتشبيه، كالاستواء على العرش أو النزول إلى السماء الدنيا أو يد الله، نزهوا الله تعالى عن أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، أو يده كيد المخلوق؛ كما أنهم لم ينكروا استواء الله أو نزوله أو يده، ولم يعطلوا الذات عن هذه الصفات، بل آمنوا بها وفوضوا أمرها إلى الله تعالى، وقالوا إنه تعالى استوى استواء يليق به وكما يعلمه، وله نزول يليق به ليس كنزول المخلوقات، وله يد تليق به تخالف يد المخلوقات، وهم في هذا الاعتقاد يثبتون النصوص كما وردت بدون تكييف أو تحديد( إثبات وجود لا إثبات تكييف أو تحديد)، وما ذالك إلا لأنهم يحكمون فهم قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى 11.

     قال الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) الأعراف 54: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"

وقال أحمد: " استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر"

ومن المعلوم أن العقيدة الإسلامية ظلت نقية في صدر الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لدى السلف الصالح، وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين طيلة ثلاثة قرون حددها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي الناس خير؟ بقوله: " قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " مسلم ؛ ثم لما اتسعت الفتوحات الإسلامية اختلطت عقيدة بعضهم بالثقافات الأجنبية وثنية ونصرانية ويهودية وفلسفية، ونشبت معارك المنافسة على السلطة فظهرت الفرق والشيع، ولكن مدرسة أهل الحديث بقيت صامدة وبعيدة عن أي خلل أو انحراف. وكان مما عصمها تشبثها بعد القرآن الكريم بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك سميت مدرسة أهل الحديث، وكان للإمام مالك رضي الله عنه فضل كبير في هذا الأمر، لأنه أول من دون كتابا جمع فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلقاه المسلمون وحافظوا عليه وورثوه لمن بعدهم إلى عصرنا هذا، وهو كتاب " الموطأ"، فكان بذلك أول موثق لهذه المدرسة وأبرز زعيم لها.

     لقد أطلق على هذه المدرسة تسميات كثيرة مثل مذهب أهل السنة، وأهل السنة والجماعة، والسلفية، ولكن الصواب أن يطلق عليهم فقط " المسلمون " تبعا لمنهجهم في الاعتقاد والعمل، وامتثالا لما سماهم به القرآن الكريم (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) آل عمران 102 ،ولما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها، المسلمين المؤمنين عباد الله " جامع الصحيح للسيوطي .

     هذه المدرسة ليس بين أهلها اختلاف يذكر في التوحيد الاعتقادي، وإنما الخلاف داخلها في الأحكام الشرعية العملية، تبعا لاختلاف مناهج الاستنباط لدى الفقهاء، وهو أمر طبيعي وعادي وإيجابي كما يعرف ذلك المجتهدون الفقهاء، وأهم الشعب الاجتهادية ( المذاهب) في هذه المدرسة:

1 – الحنفية( نسبة إلى أبي حنيفة)، وأصول اجتهادهم الكتاب والسنة والقياس والإجماع والاستحسان والرأي، ومن أقطاب هذا الاتجاه تلامذة أبي حنيفة : محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وزفر بن الهذيل.

2 – المالكية( نسبة إلى مالك)، وأصول مدرستهم الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة وسد الذرائع، ومن علمائهم ابن القاسم وابن عبد البر.

3 – الشافعية ( نسبة إلى الشافعي)، وأصول مدرستهم الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

4 – الحنابلة ( نسبة إلى أحمد بن حنبل )، وأصول مدرستهم الكتاب والسنة، مع تمسك بالنصوص شديد، وفرار من الرأي والحيل الشرعية والاستحسان، أما القياس فلا يستعملونه إلا عند الضرورة، ويفضلون عليه خبر الآحاد أو الخبر الضعيف. ومن هذه المدرسة ابن تيمية  وابن القيم.

5 – الظاهرية( نسبة إلى داوود الأصبهاني الظاهري)، ومنهجهم الأخذ بظواهر النصوص وحرفيتها، ورفضهم لإجماع ما بعد الصحابة، وللقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع؛ وأصول مدرستهم فقط هي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، كما يعدون أحاديث الآحاد قطعية مثل النصوص المتواترة، ويعملون بها في العقائد والأحكام العملية، ومن أبرز فقهائهم ابن حزم الأندلسي.       

 

 أسماء الله الحسنى وأثرها في سلوك المؤمن ومواقفه

 

يقول الله تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأعراف 180

ويقول : ( قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) الإسراء 110

ويقول الرسول ـ صلى الله علية وسلم ـ : "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة " متفق عليه.

والخلاف بين المفسرين حول معنى الإحصاء، هل هو الاعتقاد القلبي بها والإيمان، أم عدها وقراءتها كلمة كلمة على طريق الترتيل تبركا وإخلاصا، أم حفظ مبانيها وعلم معانيها والتخلق بما فيها ؟ .

فهل من سبيل إلى قول في الموضوع قد يكون فصلا، وتحليل للقضية قد يكون عدلا؟ لاسيما والدعاة الصادقون أكثر حاجة إلى وضوح الرؤية وثبات القلب وصفاء الوجدان وقوة الجنان. وأسماء الله الحسنى لها التأثير الأكبر في حياتنا المادية والمعنوية والفكرية والعقدية، لأنها مدخل الإيمان وركيزة التوحيد، وينبغي أن تكون منهجا للحياة وقواما للسلوك ومحورا للأخلاق.

ولئن كانت رحمة الله وحكمته قد فتحتا لنا باب الجنة بإحصاء تسعة وتسعين اسما من أسمائه تعالى فقط؛ فذلك لأن التأثر بها والتأسي بموحياتها كافيان لتعديل سلوك المرء وتقويمه وأطره على ما يرضي الله ويقرب إليه، وإلا فالأسماء الحسنى المقدسة لا يحصرها إدراك ولا يحدها عد.

إن معرفة أسماء الله وصفاته المحصورة في هذا العدد ميسرة لمن أراد وإلا لما تعبدنا بإحصائها؛ لذلك فالكل يدخل الجنة إلا من أبى ورفض، لكن هذه المعرفة تتفاوت مقاديرها من شخص إلى شخص، فالذي يقر بلسانه أن الله قادر وعالم ليس كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد، ورأى آيات الله في نفسه وفي الآفاق ممعنا في التفصيل، مستقصيا دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير، وليس من فعل هذا فقط كمن أضاف إليه تعديلا لسلوكه ومنهج حياته بما يناسب هذه المعرفة، فطابت نفسه وعلت همته وتسامت أخلاقه يوما بعد يوم.

إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن العبادة التي خلقنا من أجلها يشترك فيها القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار والجوارح بالعمل، ألم تر إلى الذي كان يصلي ويعبث بلحيته فقال عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ".

كذلك الأسماء الحسنى التي تعبدنا الله بإحصائها لابد فيها من اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.

إن كل اعتقاد سليم يجب أن يظهره الإقرار الصريح، وكل اعتقاد وإقرار لابد أن يصدقهما العمل الصالح والسلوك السليم، وإلا فالأمر زيف وانحراف وادعاء وإسراف.

ذلك أن الذي يكتفي بفهم معاني أسماء الله تعالى ليس إلا كأي عالم لغوي من أي دين، أو بدون دين.

والذي يعتقد بقلبه دون إقرار وعمل، لا يخرج كثيرا عن دائرة المغضوب عليهم من الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به.

والذي يقر بلسانه ـ دون أن يفهم عقله ويطمئن قلبه ـ لا يبتعد كثيرا عن دائرة الكافر الذي يردد معتقدات أجنبية عنه، أو الأحمق والببغاء اللذين يلقنان قول ما لا يفهمان، وكل ما يفعلانه أنهما يبرهنان على سلامة حاسة السمع التي استمعا بها إلى الكلام، وسلامة اللسان الذي ردداه به، وهذه صفات لا ترفع صاحبها كثيرا عن درجة الحيوان سليم السمع واللسان.

أما الذي يفهم معانيها ويعتقد ثبوتها ويقرها بلسانه دون أن تؤثر في سلوكه فهو لا يكاد يخرج عن دائرة المقت التي توعد الله بها أمثاله حيث قال : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) الصف 2-3

ذلك أن الله شهد لهؤلاء في هذه الآية الكريمة بالإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ) ، ولكنه وعدهم بالمقت الكبير ؛ لأن إيمانهم وإقرارهم لم يؤديا إلى تغيير في سلوكهم أو رفع لمستوى أخلاقهم.

إن التوحيد الحق شقان لا غنى لأحدهما عن الآخر :

شق اعتقادي يمنح الرؤية الواضحة للكمال الإلهي المطلق المتجلي من صفات الله تعالى وأسمائه، إذ لا توجد صفة كمال إلا وهي له سبحانه وتعالى كما قال :( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ـ الروم 27 ـ

وشق عملي يوجه الحركة البشرية نحو الطريق الموصلة إلى التأثر والتأسي بذلك الكمال المطلق.

إن التوحيد الاعتقادي إدراك لوحدانية الله تعالى وهو لذلك رؤية وتصور

أما التوحيد العملي فهو أن تتأثر أخلاقك بها وهو لذلك سلوك وتأثر.

إن معاني أسماء الله الحسنى هي صفاته تعالى، وصفاته لا تصير صفة لغيره أبدا، ولكن ينبغي أن يحصل للإنسان ما يناسب المؤمن من تلك الأوصاف؛ وبذلك يصير العبد ربانيا. أي قريبا من الرب سبحانه وتعالى، من غير أن يسقط في حبائل الشيطان ومكائده مثلما سقط بعض ضلال الصوفية في الحلول أو الانتقال أو الاتحاد وذلك هو الإلحاد بعينه.

إن أسماء الله تعالى وصفاته كلها إما ثناء على الله بما هو أهله أو تنزيه له عما لا يليق بذاته. ونحن عندما نؤمن بها ونذكره بها ونتأثر سلوكيا بنورها إنما نثني عليه ونسبحه وننزهه عن كل صفة لا تليق به تعالى. وفي كلتا الحالتين نحن نرسخ معرفته في أنفسنا ونرفع بهذه المعرفة ذواتنا نحو الأعلى بتقويم سلوكنا وتطهير أعمالنا، وتزكية أخلاقنا ، وتقوية نفوسنا وتثبيت قلوبنا ومواقفنا على الحق في مواجهة الفتن التي لا بد أن تواجه من يقول :"آمنت"، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) ـ العنكبوت ـ 2 .

وفي كلتا الحالتين تقوم أعضاؤنا بما تفرضه هذه الأسماء المقدسة علينا من وظائف الأحكام، وذلك معنى الإسلام.

وتقوم قلوبنا بما تلهمه من وظائف الاستسلام، وذلك معنى الإيمان.

وتقوم أرواحنا بما تستدعيه من مراقبة الله سبحانه، وذلك معنى الإحسان:

وهذا واضح من تعريف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للإسلام والإيمان والإحسان:

ـ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.

ـ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

ـ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

بذلك يتضح أن إحصاء أسماء الله الحسنى يشمل تمام الإسلام والإيمان والإحسان... فكيف لا يكون مفتاحا للجنة... وسبيلا إلى الغفران والرضوان ؟ !

إن على الدعاة الصادقين أن يوقنوا بأن أسماء الله الحسنى اعتقادا وإقرارا وعملا ـ إضافة إلى كونها بابا للجنة ـ هي أمضى سلاح يواجهون به أعداءهم ويتغلبون به على مختلف الصعاب والمشاق التي تواجههم.

إن الداعية الذي يبني سلوكه على قاعدة أن الله هو الملك لا ترتجف فرائصه أو ترتعد أمام ملوك الأرض.

والذي يبنيه على قاعدة أن الله هو المحيي والمميت لا يخاف أن يقتله طاغية قبل أجله كما لا يطمع أن يعفيه طاغية من الموت بقدرته.

والذي يبني تصرفه على قاعدة أن الله هو الرزاق والغني المغني والوهاب والكريم لا ينتظر أن يرزقه بشر، كما لا يخاف أن يمنعه بشر رزقه.

والذي يبنيه على قاعدة أن الله هو النافع الضار لا يخشى أن يضره مخلوق بغير ما كتب عليه، كما لا يطمع أن ينفعه مخلوق بغير ما كتب له.

والذي يبنيه على قاعدة أن الله هو السلام المؤمن لا يبتغي الأمن إلا من الله ولا يشعر بالخوف والرهبة إلا من الله.

والذي يبنيه على قاعدة أن الله هو الواحد الأحد القوي الجبار المعز المذل مالك الملك يجب أن يمنحه هذا الإيمان القوة والعزة والثقة بنصر الله فتضعف أمامه قوة الظالمين وتصغر في عينه دول الجبابرة كما قال عز الدين بن عبد السلام المقدسي: (لما استحضرت عظمة الله تعالى ظهر لي الأمير كالقط).

وبهذا يتضح أن من لم يسر في سلوكه اليومي على هذه القاعدة يكون قد نسب عمليا صفات الله تعالى إلى غيره ولو كان قلبه ولسانه يلهجان بنسبتها إليه سبحانه.

إن أهم ما ابتليت به الدعوة الإسلامية المعاصرة وجود أعضاء لها يشركون مع الله غيره إشراكا عمليا برغم أن التوحيد الإعتقادي والقولي قد يكون حاصلا، ولذلك تراهم ـ باسم التكتيك والدهاء السياسي ـ يقومون بأعمال مخالفة لجوهر الدين ويوجهون توجيهات مخلة بالعقيدة مجاراة للسفهاء، ومداراة للأعداء، واستجلابا لنفعهم الموهوم، ودرءا لضررهم المزعوم.

هؤلاء الموحدون اعتقادا وقولا، المشركون عملا وسلوكا، فتنوا الدعوة وأذلوا الأمة، وضيعوا الأمانة، وشتتوا الصف وأوهنوا العزائم، وتكالبوا على الأبواب تزلفا وتجسسا ومكرا ومتاجرة لا لشيء إلا لأنهم خافوا الظالمين على رزق ليس بأيديهم، أو حياة لا يملكونها لأنفسهم، أو أمن هم في أشد الحاجة إليه، أو عافية لا يملكون أسبابها.

هؤلاء الدعاة المنهارون أساؤوا إلى أنفسهم وإلى دعوتهم وأمتهم،؛ لأنهم اعترفوا بالقدرة لله، ولكنهم نسبوا أخص خصائص القدرة لغير الله.

خصائص شهر رمضان

قال الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - البقرة183

لما كان للصوم تلك الفضائل العظيمة والعواقب الكريمة, فرضه الله على عباده شهرا في السنة , وكتبه عليهم كما كتبه على الذين من قبلهم , كما قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة، الآية: 183] فجعل سبحانه صيام رمضان فريضة على كل مسلم ومسلمة , بشروطه المعتبرة , التي جاء بها الكتاب والسنة . فدل على أنه عبادة لا غنى للخلق عن التعبد بها , لما يترتب على أدائها من جليل المنافع وطيب العواقب , وما يحدثه من خير في النفوس وقوة في الحق وهجر للمنكر وإعراض عن الباطل .

ومما اختص الله به شهر رمضان , ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة رواه البخاري . وفيه أيضا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله , صلى الله عليه وسلم : إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء , وغلقت أبواب جهنم , وسلسلت الشياطين

ولا يخفى ما في ذلك من تبشير المؤمنين بكثرة الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة , وما يتيسر لهم من أسباب الإعانة عليها والمضاعفة لها وما جعله الله في رمضان في دواعي الزهد في المعاصي والإعراض عنها , وضعف كيد الشياطين وعدم تمكنهم مما يريدون.

ومن فضائل صوم رمضان , ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي , صلى الله عليه وسلم , قال : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فمن صام الشهر مؤمنا بفرضيته محتسبا لثوابه وأجره عند ربه , مجتهدا في تحري سنة نبيه , صلى الله عليه وسلم , فيه فليبشر بالمغفرة.

وإذا كان ثواب الصيام يضاعف بلا اعتياد عدد معين , بل يؤتى الصائم أجره بغير حساب , فإن نفس عمل الصائم يضاعف في رمضان , كما في حديث سلمان المرفوع وفيه : من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير , كان كمن أدى فريضة فيما سواه , ومن أدى فيه فريضة , كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه فيجتمع للعبد في رمضان مضاعفة العمل ومضاعفة الجزاء عليه . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان، الآية: 57]

ومن فضائل رمضان , أن الملائكة تطلب من الله للصائمين ستر الذنوب ومحوها , كما في الحديث عن النبي , صلى الله عليه وسلم , قال في الصوام: وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة والملائكة خلق أطهار كرام . جديرون بأن يقبل الله دعاءهم , ويغفر لمن استغفروا له , والعباد خطاءون محتاجون إلى التوبة والمغفرة كما في الحديث القدسي الصحيح , يقول الله تعالى :   يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم فإذا اجتمع للمؤمن استغفاره لنفسه واستغفار الملائكة له , فما أحراه بالفوز بأعلى المطالب وأكرم الغايات . وهو شهر المواساة والإحسان, والله يحب المحسنين وقد وعدهم بالمغفرة والجنة والفلاح والإحسان أعلى مراتب الإيمان , فلا تسأل عن منزلة من اتصف به في الجنة وما يلقاه من النعيم وألوان التكريم . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات، الآية: 16]

ويتيسر في هذا الشهر المبارك إطعام الطعام وتفطير الصوام , وذلك من أسباب مغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار , ومضاعفة الأجور , وورود حوض النبي , صلى الله عليه وسلم , الذي : من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا نسأل الله بمنه وجوده أن يوردنا إياه . وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنة دار السلام , ورمضان شهر تتوفر فيه للمسلمين أسباب الرحمة وموجبات المغفرة , ومقتضيات العتق من النار , فما أجزل العطايا من المولى الكريم الغفار

وهو شهر الذكر والدعاء وقد قال تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة، الآية: 10] وقال سبحانه : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب، الآية: 35] وقال سبحانه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف، الآية: 56] وقد قال تعالى في ثنايا آيات الصيام : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة، الآية: 186] مما يدل على الارتباط بين الصيام والدعاء.

وفي شهر رمضان , ليلة القدر التي قال الله في شأنها : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر، الآية: 3] قال أهل العلم معنى ذلك : أن العمل فيها خير وأفضل من العمل في ألف شهر - وهي ما يقارب ثلاثا وثمانين سنة - خالية منها وكفى بذلك تنويها بفضلها وشرفها , وعِظَم شأن العمل فيها لمن وفق لقيامها - نسأل الله تعالى أن يوفقنا على الدوام لذلك بمنه وجوده - وجاء في الصحيح عن النبي , صلى الله عليه وسلم , قال : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وهذا من فضائل قيامها وكفى به ربحا وفوزا.

ومن خصائصه , فضل الصدقة فيه عنها في غيره , ففي الترمذي عن النبي , صلى الله عليه وسلم , سئل أي الصدقة أفضل ؟ قال صدقة في رمضان وثبت في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان رسول الله , صلى الله عليه وسلم , أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان , حين يلقاه جبريل , فيدارسه القرآن . وكان جبرائيل يلقاه كل ليلة من شهر رمضان , فيدارسه القرآن , فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة ورواه أحمد . وزاد ولا يسأل شيئا إلا أعطاه والجود : هو سعة العطاء بالصدقة وغيرها.

وفي زيادة جوده , صلى الله عليه وسلم , في رمضان اغتنام لشرف الزمان , ومضاعفة العمل فيه والأجر عليه , فقد روي عنه , صلى الله عليه وسلم - كما في حديث سلمان - أنه قال - في رمضان - : من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه , ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ولأن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا والوقاية من النار , ففي الحديث الصحيح الصوم جنة أي وقاية من النار وفي الصحيح أيضا قال , صلى الله عليه وسلم , اتقوا النار ولو بشق تمرة

ومن خصائص رمضان أن العمرة فيه تعدل حجة , فقد ثبت في الصحيحين عن النبي , صلى الله عليه وسلم أنه قال : عمرة في رمضان تعدل حجة وفي رواية: حجة معي

ومن خصائصه , أنه شهر القرآن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة، الآية: 185] فللقرآن فيه شأن في إصلاح القلوب والهداية للتي هي أقوم لمن تلاه وتدبره وسأل الله به , وكم جاء عن النبي , صلى الله عليه وسلم , من بيان لفضل تلاوة القرآن ؟ بقوله , صلى الله عليه وسلم: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة , والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران وقوله , صلى الله عليه وسلم : اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأهله يوم القيامة وقوله , صلى الله عليه وسلم : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما وقوله , صلى الله عليه وسلم : خيركم من تعلّم القرآن وعلمه وكلها أحاديث صحيحة , متضمنة لأعظم البشارات لتالي القرآن عن تفكر وتدبر , فكيف إذا كان في رمضان ؟ ! ! جعلنا الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

من رسالة تذكرة الصوام لعبد الله بن صالح القصير

عدو النفاق حذيفة بن اليمان

 

 خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..خرجوا تسبقهم أشواقهم إلى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عن ورعه وتقواه.. وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..

وإذ هم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا على ظهره إكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا، وهو يأكل ويمضغ طعامه..!

وحين توسط جمعهم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون، كاد صوابهم يطير..!!

ولكن فيم العجب..؟! وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر..؟!

الحق أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز الجليل.!!

وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به..وحين رآهم يحدّقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوههم نظرة فاحصة ثم قال: " إياكم ومواقف الفتن"..!!قالوا: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله..!!

قال:" أبواب الأمراء..يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، فيصدّقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه"..!

وكان استهلالا بارعا، بقدر ما هو عجيب..!!

واستعاد الأنس موفورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد، من أنه لا يمقت في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره.

كان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منهجه في الحكم والولاية..

فحذيفة بن اليمان رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق، وبالقدرة الخارقة على رؤيته في مكامنه البعيدة.

ومنذ جاء هو وأخوه صفوان في صحبة أبيهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الإسلام، والإسلام يزيد موهبته هذه مضاء وصقلا..

فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق، والكذب...

وتأدّب على يدي رسول لله واضح كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين..يحب الأقوياء في الحق، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين..!!

فلم يكن ثمة مجال تترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال، في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول، ووسط هذا الرّعيل العظيم من الأصحاب..!!

لقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر.. يقرأ الوجوه في نظرة.. ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة في غير عناء..

ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.

لقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده.. وإنما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه ومظانه..

هكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار، والنفاق والمنافقين..

يقول:

" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..

قلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟

قال: نعم..

قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟

قال: نعم، وفيه دخن..

قلت: وما دخنه..؟

قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر..

قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر..؟

قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها..

قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك..؟

قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم..

قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام..؟؟

قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"..!!

أرأيتم قوله:" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"..؟؟

لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن ومسالك الشرور ليتقيها، وليحذر الناس منها. ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالناس، ومعرفة بالزمن.. كان يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم...

يقول رضي الله عنه:

" إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتا...

ومات بالباطل من كان حيا..

ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها..

ثم كان الملك العضوض..!!

فمن الناس من ينكر بقلبه، ويده ولسانه.. أولئك استجابوا للحق..

ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق..

ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق..

ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميّت الأحياء"...!

ويتحدّث عن القلوب وعن حياة الهدى والضلال فيها فيقول:

" القلوب أربعة:

قلب أغلف، فذلك قلب الكافر..

وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق..

وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن..

وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب.. ومثل النفاق كقرحة يمدّها قيح ودم: فأيهما غلب، غلب"...!!

وخبرة حذيفة بالشر، وإصراره على مقاومته وتحدّيه، أكسبا لسانه وكلماته شيئا من الحدّة، وينبـئ هو بهذا في شجاعة نبيلة:

فيقول:

" جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن لي لسانا ذربا على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار..

فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"...

هذا هو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح..

رجل من هذا الطراز، لا يكون إيمانه إلا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه إلا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في إيمانه وولائه..

لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وهي تحسبه واحدا من المشركين..!!

وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: أبي... أبي.. انه أبي..!!

لكن القضاء كان قد حُمَّ..

وحين عرف المسلمون، تولاهم الحزن والوجوم.. لكنه نظر إليهم نظرة إشفاق ومغفرة، وقال:

" يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين"..

ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه، ويؤدي واجبه..

وتنتهي المعركة، ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر بالدية عن والد حذيفة "حسيل بن جابر" رضي الله عنه، فيتصدّق حذيفة بها على المسلمين، فيزداد الرسول حبا له وتقديرا...

وإيمان حذيفة وولاؤه لا يعترفان بالعجز، ولا بالضعف.. ففي غزوة الخندق..وبعد أن دبّ الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود، أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقف على آخر تطوّرات الموقف هناك في معسكر أعدائه.

كان الليل مظلما ورهيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها.. وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد وإصرار يبعث على الخوف والجزع، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم..

فمن يملك آنـئذ القوة ليذهب وسط مخاطر حالكة إلى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلوا أمرهم ويعرف أخبارهم..؟؟

إن الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة بالغة العسر..

ترى من يكون البطل..؟

انه هو..حذيفة بن اليمان..!

دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا أن يلبي.. مشيرا بهذا إلى أنه كان يرهب المهمة الموكولة إليه، ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة الجوع والصقيع، والإعياء الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد..!

وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا...

فقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار.. وتسلل إلى معسكر قريش، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر، فخيّم عليه الظلام، واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين...

وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفجأهم الظلام بمتسللين من المسلمين، فقام يحذر جيشه، وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع:

" يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه".

يقول حذيفة":

" فسارعت الى يد الرجل الذي بجواري، وقلت له من أنت..؟ قال: فلان بن فلان؟"...

وهكذا أمّن وجوده بين الجيش في سلام..!

واستأنف أبو سفيان نداءه إلى الجيش قائلا:" يا معشر قريش.. إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام.. لقد هلكت الكراع _ أي الخيل_ والخف_ أي الإبل_، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح، ما لا تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل"..

ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون..

يقول حذيفة:

" لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ: ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم"..

وعاد حذيفة الى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر، وزف البشرى إليه...

ومع هذا فان حذيفة يخلف في هذا المجال كل الظنون..

فرجل الصومعة العابد المتأمل، لا يكاد يحمل سيفه ويقابل جيوش الوثنية والضلال حتى يكشف لنا عن عبقرية تبهر الأبصار..

وحسبنا أن نعلم، أنه كان ثالث ثلاثة، أو خامس خمسة من أصحاب السبق العظيم في فتوح العراق جميعها..!

وفي همدان والري والدينور تم الفتح على يديه..

وفي معركة نهاوند العظمى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين الفا.. اختار عمر لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرّن ثم كتب إلى حذيفة أن يسير إليه على رأس جيش من الكوفة..

وأرسل عمر إلى المقاتلين كتابه يقول:

".. وليكن أمير الجيوش جميعها النعمان بن مقرّن..

فإذا استشهد النعمان، فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشهد فجرير بن عبد الله..

وهكذا مضى أمير المؤمنين يختار قوّاد المعركة حتى سمّى منهم سبعة...

والتقى الجيشان..

الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..

والمسلمون في ثلاثين ألفا لا غير...

وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا..

وسقط قائد المسلمين قتيلا، سقط النعمان بن مقرّن، وقبل أن تهوي الراية المسلمة إلى الأرض كان القائد الجديد قد تسلمها بيمينه، وساق بها رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم... ولم يكن هذا القائد سوى حذيفة بن اليمان...

حمل الراية من فوره، وأوصى بألا يعرف استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة.. ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..

أنجزت المهمة ، ببديهتـه المشرقة في لحظات والقتال يدور.. ثم انـثنى كالإعصار المدمدم على صفوف الفرس صائحا:

" الله أكبر صدق وعده!!

الله أكبر نصر جنده!!"

ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد.. هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم فلا تطيلوا عليها الانتظار..

هيا يا رجال بدر..

تقدموا يا أبطال الخندق وأحد وتبوك..

لقد احتفظ حذيفة بكل حماسة المعركة وأشواقها، إن لم يكن قد زاد منها وفيها..

وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.. هزيمة لا نكاد نجد لها نظيرا..!!

هذا العبقري في همته حين تضمّه صومعته..

والعبقري في فدائيته حين يقف فوق أرض القتال..

هو كذلك العبقري في كل مهمة توكل إليه، ومشورة تطلب منه.. فحين انتقل سعد بن أبي وقاص والمسلمون معه من المدائن إلى الكوفة واستوطنوها..وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا، مما جعل عمر يكتب إلى سعد كي يغادرها فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع ملاءمة، فينتقل بالمسلمين إليها..

يومئذ من الذي وكل إليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟

إنه حذيفة بن اليمان.. ذهب ومعه سلمان بن زياد، يرتادان للمسلمين المكان الملائم، فلما بلغا أرض الكوفة، وكانت حصباء جرداء مرملة. شمّ حذيفة عليها أنسام العافية، فقال لصاحبه: هنا المنزل إن شاء الله..

وهكذا خططت الكوفة وأحالتها يد التعمير إلى مدينة عامرة...

وما كاد المسلمون ينتقلون إليها، حتى شفي سقيمهم. وقوي ضعيفهم. ونبضت بالعافية عروقهم..!!

لقد كان حذيفة واسع الذكاء، متنوع الخبرة، وكان يقول للمسلمين دائما:

" ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه"...

وذات يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين..دعي للقاء الله.. وإذ هو يتهيأ للرحلة الأخيرة دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:

أجئتم معكم بأكفان..؟؟

قالوا: نعم..

قال: أرونيها..

فلما رآها، وجدها جديدة فارهة..

فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم:

" ما هذا لي بكفن.. إنما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص..

فاني لن أترك في القبر إلا قليلا، حتى أبدّل خيرا منهما... أو شرّا منهما"..!!

وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها:

" مرحبا بالموت..

حبيب جاء على شوق..

لا أفلح من ندم"..

وصعدت إلى الله روح من أعظم أرواح البشر، ومن أكثرها تقى، وتألقا، وإخباتا...

الوحدة في دين التوحيد

       لفضيلة المرحوم الشيخ محمد الحمداوي

 كان الناس أول خلق الناس، أمة واحدة، والأقرب إلى نص كتاب التوحيد وفهمه أنهم كانوا متفقين على التوحيد لا على الشرك، وعلى الهدى لا على الضلالة، وقد قال الله في هذا الموضوع فيما قال: " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ " (البقرة:213) وقال: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" (الأعراف: من الآية172).

والتاريخ أيام، وتلك الأيام قد داولها رب الناس بين الناس، والتاريخ أعوام، وتلك الأعوام قد تعاورتها حكومات وأحكام، حكومات إيمان، وحكومات كفر، وأحكام عدل، وأحكام جور، وهذه بقعة من بقاع هذه الأرض، سماها الناس من قبل بعدة أسماء، وندعوها اليوم (فلسطين) قد تعاورتها في مختلف عصور التاريخ حكومات وأحكام، وتقاتل عليها بنو الإنسان من قبل، كما يتصارع اليوم من أجلها بنو إسرائيل وبنو يعرب، وقد أقول أنت وأنا، أو يقول غيري وغيرك، ما تعدل هذه البقعة في هذه الأرض الشاسعة الأطراف، المترامية البراري والبحار والجبال والسهول، إلا مقدار قلامة ظفر من جسم الإنسان.

فلم النزاع وأرض الله واسعة؟ وفيم الخصام وقد خلق الله للناس ما في الأرض جميعا؟.

أفلا يصطلحون؟ ولكن ربك قضى ما قضى، وحكمته ماضية، وسنته قاضية، قضى أن ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ،إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) هود:118- 119، وقضي أن  ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ))البقرة 251، وقضي أن ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)الحج40-41، فالأيام حروب، والحياة تدافع والعاقبة للمتقين، وفي فترة من فترات تاريخ هذا الإنسان المتدافع طغت بهيمية الإنسان على ملكيته، وماديته على روحانيته، حتى أصبح – كما يقول أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب – " لفظا مطلقا على معنى غير موجود، وحيوان غير معهود". ولكن الله الحكم العدل القيم على حفظ السماوات والأرض، قد تأذن أن يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكذلك أوحى إلى النبي العربي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، روحا عن أمره وما كان محمد يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعله نورا يهدي به من يشاء من عباده، وكان الكتاب  كتاب (القرآن) وكان الدين (دين التوحيد)، وكان قوم محمد في جزيرة العرب على حال من الشر لا تجد وصفا لها أحسن مما هي جاءت موصوفة في جواب جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة حين قال: "أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته وأمانته، وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وأن لا نشرك به شيئا، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف من المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة، والصيام والزكاة والحج، فآمنا به وصدقناه".

وإذا كان للنبوة أثقال، كما يقول ابن هشام، فقد تحمل خاتم النبيئين الثقل بكامله، فاستمسك بالذي أوحي إليه، وصدع بما أمر به، وصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل من قبله، فهدى الله به إلى دينه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين آووه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فكانت هجرة، وكان نصر، وكان فتح، وكان أن كون (دين التوحيد) من قوم محمد أمة متحدة في الوسائل وفي الغايات، تؤمن بالله وتجتهد في دينه، وتجاهد في سبيله، وأصبح العربي الجاهلي الذي كان دافع سلوكه أنانية الفرد، وعصبية القبيل، وطبيعة الثأر، ذلك العربي المسلم الذي يصرفه القرآن في أخلاق من سمو الضمير، وطهارة القلب، وسعة الصدر، واعتدال العاطفة ورجاحة العقل، وقوة الإرادة، يجاهد في سبيل الله و لا يخاف لومة لائم، ويؤثر أخاه المسلم على نفسه ولو كان به خصاصة، وهنا، هنا فقط، وعلى الحقيقة لا على الاستعارة، وعلى الاستقامة لا على الالتواء، وعلى الإنتاج لا على الاستصدار، ومن وحي الله لا من وحي الأغيار، وضعت اللبنة الأولى لبناء صرح (القومية العربية) الأصيلة التي كان فيها الدين للدولة، والدولة للدين، ولقد كان أبو الريحان البيروني موفقا كل التوفيق في التعبير عن هذه القومية حين قال: " ديننا والدولة عربيان توأمان ترفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليد السماوية".

وتحت راية هذه القومية العربية الأصيلة التي عجن فيها طين العروبة بماء الإيمان أصبحت أم القرى ويثرب تشعان نور الله على ما حولهما في الأصقاع والبقاع، وجالت خيل الله في أرض الله، وكانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وصدق الله: "  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى "(لأنفال: من الآية17) ، ويعرف الناس أن الأمر صار في عهد حكومة الرسول، على أساس من شورى الحكم، وقضاء العدل، وتشريع الإسلام، وأخوة الإيمان، وكانت الشعارات المرفوعة هي شعارات آي الكتاب، وأحاديث الرسول، وتصريحات الصحابة، (المؤمنون إخوة) (والدين المعاملة) ، (والمسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يهضمه ولا يسلمه) والمسلم وغير المسلم أمام الحق سواء، " وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا"(المائدة: من الآية8) و " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

إلى أن كان ما اقتضته سنة الله في الخلق ولن تجد لسنة الله تبديلا( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم )الرعد: 11، كان أن وقع في أمة الرسول، ما خشي الرسول على أمته أن يهلكها حين قال محذرا لها من التنافس على الثروة والمال والجاه "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسون وتهلككم كما أهلكتهم".

وكذلك كان فلقد استمتع العرب الحاكمون من بعد حكومات خلفاء الرسول، بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا، وتبدلت حكومة الدين بحكومة الدنيا، وحكم الشورى بحكم الاستبداد، وقضاء العدل بقضاء الجور، فعمت الأهواء، وتوزعت المطامع وتعارضت الأغراض، وحلت الأثرة محل الإيثار، فتمزقت (الوحدة) وتهاوت طيور الشر على الأمة، تنقصها من كل طرف، وتنهشها من كل جانب، فكان في كل جهة ناكث، وفي كل قطر عابث، وصدق الله "  أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" (صّ:28) ، وإنه لحديث عبرة ذلك الذي تحدث به عبد الله بن مروان في مجلس المنصور وهو يقص قصته مع ملك النوبة، حين فر إلى بلاد النوبة هاربا من السفاح، قال عبد الله بن مروان – فيما يرويه ابن خلدون ناقلا عن المسعودي - : «أقمت مليا ثم أتاني ملكهم فقعد على الأرض، وقد بسطت لي فرش ذات قيمة، فقلت له ما منعك من القعود على فراشنا، فقال إني ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله، ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا، قال: فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟.. قلت: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم، قال فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير، وهو محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرق ينكث في الأرض ويقول: عبيدنا ِأو أتباعنا أو أعاجم دخلوا في ديننا؟؟... ثم رفع رأسه إلي وقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم، وآتيتم ما عنه نُهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم، وإنما الضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه وارتحل عن أرضي ». وكذلك كان ، وكأن ملك النوبة كان ينظر بعين اليقين، فقد حلت فتنة التتار، وجاء عصر الانحدار، وتعاقب على حكم الأمة العربية الأغراب من التتار والسلاجقة والمماليك والشراكسة والأتراك، ثم جاء دور الاستعمار الذي أنشب في عضد الأمة العربية الظفر، وغرس في صدرها الناب، فأذاقها الخسف، وسامها العذاب عدة أعوام، حتى إذا اقتضت سنة الكون وأسلوب العصر أن يبدل أساليبه، ويغير ألاعيبه، دق في جسم الأمة العربية، وفي الأراضي المقدسة منها إسفينا جمعه من عدة أجناس ومختلف اللغات، وقال لـه كن (إسرائيل) فكان، ولقد كان استعماريا صريحا ذلك الاستعماري الذي صرح وقال: « لو لم تكن الصهيونية موجودةً لكان من واجبنا أن نخلقها »، وما ذاك إلا ليدخل الاستعمار من النافذة بعد أن خرج من الباب، ويعاود الكرة من جديد لاستئناف العدوان، ولو أن العرب تذكروا بأيام الله لكان لهم في حرب إسرائيل عام ثمانية وأربعين مزدجر، فنبذوا الخلاف، وطرحوا الشقاق، وأعدوا العدة لخامس حزيران، ولكن العرب ظلوا طوال عشرين سنة بعد هذه الحرب يتحاسدون ويتباغضون، ويتدابرون، ويقطع بعضهم رقاب بعض، محاولين أن يقيموا الوحدة على غير (دين التوحيد)، ولم يستيقظ العرب من سباتهم يوم خامس حزيران إلا وطائرات إسرائيل ترميهم بقنابل من نار، وهم على حين غفلة نائمون، فكان ما كان مما ذابت له القلوب من كمد، واليوم وبعد أن وقعت تلك الواقعة، ألا يتعظ العرب؟ ألا يعتبرون؟ ألا يتحدون؟ ألا يتبع خلف الأمة المغلوب سلفها الغالب؟ فيقيمون صرح وحدتهم على ذلك الأساس المتين ألا  وهو ( الوحدة في دين التوحيد ).

بين عقليتين ونهجين

بقلم الأستاذ الدكتور عدنان على رضا النحوي    

     انطلق العقل الغربي في العصور الحديثة من خلال تاريخ طويل استغرق قروناً ، وتفاعلت فيه عوامل كثيرة وأحداث متعاقبة ، لكنها كلها انطلقت من الوثنية اليونانية وما حملت من علم ونظرة خاصة بالفنون والأدب ، ونظرة خاصة للحياة والكون ، اجتمعت كلها لتكون الفلسفة اليونانية الوثنية .

     ولكن لابد أن نسرع فنقول إن هذه الوثنية لم تكن هي أول أمر هذه الشعوب، لقد كان أول أمرهم الذي يعنينا هو رسالة الإيمان والتوحيد التي لا شك أنها بلغتهم كما بلغت كل امة أخرى في التاريخ البشري، فقد بعث الله برحمته رسولا إلى كل امة أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت :

(ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين )- النحل: 36-

      وكما كان شأن كثير من الأمم، فقد انحرفت اليونان عن التوحيد وغلبتها الوثنية بصورة شديدة،  وعبدوا آلهة ابتدعوها من أنفسهم ، وأقاموا لها التماثيل ، ودخلت هذه الوثنية في جميع ميادين حياتهم وتصوراتهم وأدبهم .

    ولما قامت دولة الرومان لم يكونوا أهل أدب أو فكر ، فأخذوا كل ذلك عن اليونان وأصبح فكرهم وأدبهم امتداداً لفكر اليونان وأدبهم ، ولما جاءت النصرانية إلى أوروبا اصطدمت بهذه الوثنية الطاغية على الحياة ، وعانى رجال النصرانية معاناة شديدة مدة تزيد على ثلاثمائة سنة، أمكن بعدها التفاهم مع "قسطنطين" على أن يعينوه على الوصول إلى سدة الإمبراطورية الرومانية، مقابل تنازلات ومقابل رفع الأذى عنهم .      

       خلال هذه المدة تأثرت النصرانية بالوثنية ، ووقع خلاف بين النصرانيين أنفسهم ، فريق يدعو إلى عقيدة التثليث وفريق يرى أن عيسى عليه السلام ليس ابن الله ولا شبيها لله ، ولكنْ رسول من عند الله، ونالت طائفة التثليث الدعم من الدولة ، وأخذت بعض طقوسها من الوثنية الرومانية ، وبدأت التساهل مع النصرانية الجديدة التي انحرفت عن رسالة عيسى عليه السلام ، وفي سنة 311م  وقع الإمبراطور جاليريوس مع ثلاثة آخرين بإعطاء حرية العبادة للنصارى .

       ولما أصبح قسطنطين الأول (280 – 337م ) هو الإمبراطور اعترف بالدين الجديد ، الذي لم يكن لديه النص الرباني الأصلي الذي جاء به عيسى عليه السلام ، وإنما كان ما تناقله أتباعه وما دوَّنه علماؤه بعد عيسى عليه السلام بزمن غير قصير .

      دعا الإمبراطور قسطنطين رجال الكنيسة إلى اجتماع في " نيقية Nicaea  " سنة 325م في محاولة لتصفية النزاع بينهم وبين الأريوسيين الذين يقولون بأن عيسى عليه السلام ليس مشابهاً لله في الجوهر، والذين ينتسبون إلى آريوس الإسكندرية (ت:326م) ولكن المجمع المنعقد في "نيقيه" أصدر قراراً يتبنى الطبيعة الثلاثية لعيسى عليه السلام ( trinity ) وتسمى هذه" بعقيدة نيسين Nicene Creed " .

     هذه العقيدة كانت نتيجة التأثر بالتصورات الوثنية تأثراً انحرف بها عن التوحيد الخالص الذي جاء به عيسى عليه السلام .

     ولما جاء الإمبراطور ثيودوسيس ( 346 – 395 ) فرض الكنيسة الكاثوليكية في جميع الإمبراطورية ، وفرض القرار النيسيني والتطور الثلاثي لطبيعة عيسى عليه السلام ، ولإنهاء الصراع مع الأريوسيين دعا إلى لقاء كنسي سُمِّي فيما بعد "المجمع العالمي Ecumenical council " سنة 381م في مدينة القسطنطينية، وأقر هذا المجمع التصور الثلاثي والعقيدة النيسينية، وأخذ في مطاردة الأريوسيين واعتبرهم هراطقة .

       لقد انتهى الصراع بين الوثنية والنصرانية إلى قيام الكنيسة الكاثوليكية التي تتبنى العقيدة النيسينية وتطور الطبيعة الثلاثية لعيسى عليه السلام ، والتي أصبح     مذهب الإمبراطورية  الرومانية كلها ، وأصبح للكنيسة سلطان كبير على السلطة المدنية .

      وبدأ صراع جديد بين الكنيسة والسلطة الزمنية من ناحية ، وصراع بين الكنيسة والعلماء امتد زمناً غير قليل ، ولقد حملت هذه الأحداث كلها امتداد التأثير الواضح للوثنية اليونانية في عصور أوروبا المختلفة : العصور الوسطى ، أو عصر الظلمات ، عصر النهضة ، عصر التنوير ، والعصر الحديث ، وامتد التأثير إلى أعماق الفكر الأوروبي ، وكان من أهم آثار هذا الصراع الممتد أن برزت العلمانية في أوروبا تحمل الرغبة الحاسمة للتحلل من الدين وعزله عن حياة المجتمع ، وحصره بين جدران الكنيسة ، ولقد حمل هذا الاتجاهَ عددٌ غير قليل من الفلاسفة الأوروبيين ، واستقرَّت العلمانية في العالم الغربي توجِّه الفكرَ والأدب والأخلاق ، والسياسة والاقتصاد ، وأعطـت الحرية الفرديةَ تفلُّتاً واسعاً في الجنس ، وحرية في الرأي لا تعطِّل القرار الذي يتخذه القادة بين الكواليس ، ويستغلون الدين كلما احتاجوا إليه .

     وقد جعلت العلمانية رأس الأمر كله ومدار اهتمامهم الأول هو المصالح المادية الدنيوية الخاصة، فمن أجلها تدور الحروب أوالسلام ، والوفاق أو الشقاق ،

     ولكن هذه الشعارات كانت تغلف بشعارات عامة مزخرفة كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومساواة الرجل بالمرأة وغير ذلك .

            إلا أن الديمقراطية في حقيقتها لم تشهد إلاّ الحروب التي تشعلها المصالح الخاصة والتنافس عليها واستغلال الشعوب بالإغراء أو القوة والبطش ، ولا أظن أن تاريخ البشرية شهد استبداداً اشد من استبداد الأسلحة المدمرة الفتاكة التي تطلقها أمريكـا على أجزاء كبيرة من العالم لفرض ما تسميه " الديمقراطية والحرية " ، ثم لا تجد إلا الخداع والكذب ، والأشلاء والجماجم .

        من خلال مسيرة العقل الأوروبي والغربي مع مسيرة العلمانية قدَّر الله أن ينهض الغرب بنهضة علمية وصناعية كبيرة ، زودتهم بالقوة المادية الكبيرة والسلاح المدمر ، وكان أساس هذا التطور ما أخذوه عن المسلمين عندما كان المسلمون في أوج تطورهم وازدهارهم العلمي ، وأوروبا في ظلال الجهل .

 وفي الوقت نفسه قدَّر الله أن يقع المسلمون في غفوة طويلة وغفلة كبيرة من خلال تاريخ طويل من الانحراف .

      وعندما كانت أوروبا تغطُّ في ظلمات الجهل والتخلف ، كان المسلمون هم قادة العالم بالعلم في ميادينه المختلفة ، وقدموا العلم ونشروه مع نشر رسالتهم ودينهم حيثما امتدوا .

     برزت عبقريات المسلمين في شتى أنواع العلوم كالرياضيات والطبيعيات والطب والفلك والجغرافية ، والاكتشافات الجغرافية ، وفنِّ العمارة  وغيرها من العلوم .

            كانت العبقريات قد انطلقت من الإسلام من الإيمان ، من جميع الشعوب الإسلامية ، لتخدم البشرية كلها نوراً وهداية ، وعلما وعدالة ، وحرية ومساواة .

     مهما وقعت انحرافات أو أخطاء في مسيرة المسلمين ، فإنها لم تصل ابدآ إلى ما بلغه الغرب من إفناء وتدمير ووحشية ، لقد كان الإسلام يكبح نزعات الفتك الإجرامي ، ولقـد وجدت الشعوب التي دخلها الإسلام عدالة لم تعهدها في تاريخها ، وحرية كريمة منضبطة تسود الجميع ، وديناً يجمع البشرية كلها في ظلال الإسلام وأنداء الإيمان، ويضع الحقوق الصادقة لكل فئة أو طائفة ، لينسجم الجميع تحت حكم الإسلام وشريعة الله الحق .

     لقد جمع الإسلام شعوباً مختلفة الأجناس واللغات لأول مرة في التاريخ البشري ، عندما أعاد الإنسان إلى الفطرة التي فطره الله عليها ، إلى حقيقة الفطرة السليمة غير المشوهة أو المنحرفة .

    فانطلقت قوى الشعوب كلها منسجمة متآلفة ، وجمع الإسلام بذلك طاقات الشعوب ومواهبها بعد أن آمنت وأسلمت لله رب العالمين ، وبعد أن ذابت العصبيات الجاهلية من حزبية أو عائلية أو قومية ، وبعد أن وجد كل شعب أنه آمن ، ينال حقوقه كما تناله الشعوب الأخرى ، على ميزان رباني عادل أمين .

      فانطلقت بذلك الحضارة الإسلامية تصـب فيها مواهب الشعوب كلها وقدراتها ، وخيرات بلادها في مجرى واحد صافٍ ، تقودها عقلية إسلامية صاغها القرآن الكريم وسنَّـة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عقلية تنطلق من الفطرة السليمة التي أعاد الإسلام الناس إليها.

      هذه الحضارة الإسلامية ، ليست حضارة شعـب واحد ولا حضارة بيئة واحدة ، إنها حضارة الشعوب كلها ، الشعوب التي تآلفت على الإسلام فطرةً وإيماناً وتوحيداً ، وعلماً بمنهاج الله ، وصراطاً مستقيماً واحداً ، يجمع الناس كلهم على استقامته التي لا يضلُّ عنها مؤمن ، وعلى تفرُّده بأنه سبيل واحد لا سبل شتَّى ، فلن يختلف عليه المؤمنون .

     هذه الحضارة وهذه العقلية تميزت أيضا بأنها جمعت المؤمنين كلَّهم على مدار التاريخ البشري أمة واحدة، على أسس واحدة وحق واحد .

      فسورة الأنبياء ، بعد أن تستعرض مسيرة عدد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وتبيِّـن أنَّهم كلهم كانوا يدعون إلى دين واحد هو الإسلام ، ولعبادة رب واحد هو الله الذي لا اله إلا هو،  تختم السورة الكريمة هذا العرض بالآية الكريمة:

      ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )] الأنبياء:  92[

    ويتكرر هذا المشهد العظيم في سورة " المؤمنون " ، حيث تستعرض السورة مسيرة الرسل والأنبياء الذين دعوا إلى دين واحد هو الإسلام ، وإِلى عبادة رب واحد هو الله ، تختم هذا العرض والمشهد بقوله سبحانه وتعالى :

( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، وإن هذه أُمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون) ] المؤمنون: 51-52 [

      هذه هي معركة التاريخ البشري تدور بين عقليتين ونهجين : عقلية تنطلق من الفطرة السليمة ، ونهج رباني من عند الله على سبيل واحد وصراط مستقيم ، تتلقاه الفطرة السليمة بالإيمان والاتباع ، وعقلية تنطلق من عواطف الأهواء وصراع المصالح ، ومناهج بشرية تتلون من أرض إلى أرض ، ومن مصلحة مادية إلى مصلحة ، فيصارع بعضها بعضاٍ ، كلٌّ يغلف أهواءه ومصالحه بزخارف كاذبة وزينة خادعة ، سرعان ما يكشف الواقع كذبها وخداعها .

      من هنا يعتبر الإسلام أن الحقَّ الأول للإنسان هو حماية فطرته التي فطره الله عليها ، حمايتها من أن تفسد أو تلوَّث أو تنحرف ، وجعل هذه الحماية مسؤولية الوالدين أولاً في الأسرة والبيت ، ثم مسؤولية الأمة كلها بمختلف مؤسساتها، ابتداءً من المدارس والمسجد وامتداداً إلى سائر المؤسسات ، ولنتدبَّر هذه الآيات الكريمة تعرض لنا خطورة أمر الفطرة  :

 ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ] الروم: 30 [

             ولنتدبر حديث رسول الله r يرويه أبو هريرة رضي الله عنه :

 ( ما من مولود إلاَّ يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحس فيها من جدعاء ) [أخرجه الشيخان وأبو داود ، صحيح الجامع الصغير:5784 ]             

      هذه القضية ، قضية الفطرة وحمايتها ، أهملتها جميع المؤسسات التي تَّدعي أنها ترعى حقوق الإنسان ، وأهملتها نظريات التربية المادية المختلفة ، وأنى لهذه المؤسسات كلها بعد هذا الإهمال أن تصدق في رعاية حقوق الإنسان ، أو في تربيته وتعليمه وبنائه .

      بعد إهمال الفطرة وحمايتها ، ستخرج عقليات مختلفة متعددة متناقضة مضطربة ، وستُخرِج هذه العقليات تبعاً لذلك مناهج شتَّى وسبلاً شتَّى ومصالح شتى يدور بينها الصراع ، ليمثل هذا الصراع الجزء الأكبر من التاريخ البشري بين بحار من الدماء وأكوام هائلة من الجماجم والأشلاء.

      ولذلك كانت هذه العقلية ومنهجها منذ بدايتها التي أشرنا إليها في الوثنية اليونانية ، قد أهملت فطرة الإنسان وأهملت حمايتها في مسيرة طويلة حتى يومنا هذا.

ويبين الله لنا هذا الاختلاف الواسع بين هذين النهجين والعقليتين بقوله سبحانه وتعالى:

( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) ] الأنعام: 153 [

       فهنا صراط مستقيم وسبيل واحد ، وهناك سبلٌ شتى ودروب معوجة،هنا يلتقي الناس على دين واحدٍ و إيمان وتوحيد ، وشريعة واحدة تنظم الحياة كلها وتبين الحقوق والواجبات والحدود ، وهناك يلتقي الناس على مصالح ويفترقون عليها ، وعلى شرائع شتى لا تلتقي إلاَّ على فتنة وفساد يخفونها تحت زخارف من شعارات الحرية والديمقراطية وغير ذلك .

      تسعى أمريكا اليوم حسب دعوة بوش إلى جمع الناس على ما تسميه الديمقراطية ، وما تدعيه من حرية .

     وفي هذه وتلك لا يوجد من حقيقة ثابتة إلاَّ الزخرف الذي سرعان ما ينكشف عن أقسى ما عرفته البشرية من مآس نشاهدها جليّة في بقاع متعددة من الأرض،

      أنى التفتنا لا نجد إلاّ الأطماع الهائجة المتصارعة التي لا يكون اللقاء معها إلاَّ لقاءً آنيَّـًا قد ينقلب بعد حين إلى عداء و صراع .

      فلا يمكن لدعوة الديمقراطية ولا الاشتراكية ولا العلمانية ، مهما زينوها بالزخارف أن تجمع الشعوب كلها ، وإن جمعت أحداً فإنها تجمعه تحت قهر القوة الجبارة والسلاح المدمر ليكون جمعاً آنيـًّا .

      لا يمكن أن تجتمع البشرية إلاّ على الحق البين ، إلاّ على دين الله الحق ، دين الإسلام بجلائه وسموِّه وصدقه ، فهو النهج الوحيد لدى البشرية كلها ، النهج الذي يمكن أن يجمعها لتجد في ظلاله العدالة الأمينة غير المزيفة ، والحقوق الصادقة لكل إنسان : للرجل والمرأة والتوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات ، والحرية المنضبطة للرجل والمرأة ، للناس كافة .

     إنه النهج الوحيد الذي يضع المرأة في ميادينها الحقيقية ، والرجل في ميادينه الحقيقية ، ويبني المجتمع على نظام دقيق ، يعرف الرجـل فيه مكانه والمرأة مكانها ، ويعرف الجميع ميادين التعاون ، عندما تعرف المرأة دينها وتؤمن به وتخضع له ، ويعرف الرجل دينه ويؤمن به ويخضع له ، سيعرف كلٌّ حدوده على صورة تتكامل فيها الجهود .

     أما إذا غلب الجهل وثار الهوى ، فتصدر عندئذ الفتاوى والآراء والاجتهادات مضطربة متناقضة لا تخضع إلى ميزان أمين ، وتنحرف الآراء حتى تطلب المرأة أن تتساوى مع الرجل في كل نشاطاته ، وربما ينقلب الوضع فيصبح الرجل يطلب المساواة بالمرأة ، يسعى كثير من المفسدين في الأرض أن يحرفوا دين الله ويؤوِّلوه ، حتى يكاد يصبح  ديناً جديداً منبت الصلة عن دين الله .

 وسيدرك بعض المسلمين الذين يدعون إلى شعار مساواة المرأة بالرجل ، عاجلاً أم آجلاً ، أنهم إِنما يدعون إلى هلاك المرأة وهلاك الرجل وهلاك المجتمع .

     ومهما حاول المفسدون والضعفاء أن يغيروا في دين الله فإن الله قد تعهد بحفظ دينه ولغة دينه، وإنما هي سنن لله في هذه الحياة الدنيا ، يُـبتلى بها الإنسان ويُمحَّص حتى تقوم الحجة له أو عليه يوم القيامة .

     ولحكمة يريدها الله جعل من أوجه الابتلاء والتمحيص في هذه الحياة الدنيا بروز المفسدين والمجرمين ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، فكم من الناس يخفون الوهن والانحراف في صدورهم ، فتأتي سنن الله فتكشف هؤلاء وما يحملون وما يخفون .

     إننا نعيش اليوم في مرحلة من مراحل التاريخ البشري ، يقف فيها المسلمون موقف الوهن والضعف والهوان ، والمجرمون في الأرض ملكوا القوة القاهرة والتطور المادي الكبير ، على تخلف خطير في قيم الدين ، وعلى كبر واستكبار .

     وفي الوقت نفسه جعل الله ما في السماوات والأرض مسخَّرا للإنسان، لكل من يسعى ويبذل ، ويظل السعي والبذل باب ابتلاء واختبار ، الميدان مفتوح للجميع ، للمؤمنين وغير المؤمنين ، كل يجني ثمرة سعيه :

( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنه ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) - لقمان: 20-                                وكذلك قوله سبحانه وتعالى :

( ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ، ولبيوتهم أبوابا وسرراً عليها يتكئون ، وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) ] الزخرف: 33 – 35 [

      فالمؤمنون يسعون في الحياة الدنيا ، أو يجب أن يسعوا ، ليمتلكوا القوة من العتاد والعلم ، ليوفوا بالأمانة التي خُلِقوا للوفاء بها ، وليس لزخرفٍ في الحياة الدنيا ومتاعها ، إن المؤمنين يحملون أمانة عظيمة في الأرض ولا بد أن تكون في يدهم أسباب القوة والمنعة،  ليبلِّغوا دين الله للناس كافة كما أُنزل على رسول الله     صلى الله عليه وسلم ، ولتكون كلمة الله هي العليا ، وشرعه هو الذي يحكم ، ليأخذ كل إنسان حقه العادل ويقف عند حدوده العادلة ، وأما المجرمون في الأرض فيسعون ليمتلكوا القوة من عتاد وعلم ، ليفسدوا في الأرض ، ويعتدوا ويظلموا ، وينهبوا ويقتلوا ، ظلما وعدواناً .

( فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلاَّ قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين)- هود : 116

      أيها الناس إنكم تحملون أمانة عظيمة فانهضوا إليها ، واصدقوا الله في أمركم كله ، وكونوا صفا واحداً لتوفوا بأمانتكم ، ولا عذر لكم أن تقولوا إن المجرمين يملكون القوة ، فانهضوا واصدقوا يمكِّنكم الله من القوة ما آمنتم وأطعتم  وصدقتم :

(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )- غافر: 51-

 ( وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)- الصف: 13-

(... وكان حقَّاً علينا نصر المؤمنين )- الروم:47-

حرية العقيدة وحرية الرأي

بين الدقة والوضوح وبين التفلت والغموض

 

للدكتور عدنان النحوي

انظر ترجمة حياته في نافذة " سير وصور"

     اعتاد عدد غير قليل من المسلمين أن يستخدم مصطلحات عامة لا يرافقها تحديد ووضوح ، ثم تتحول هذه المصطلحات إلى شعار لا يحمل الدقة كذلك ، ولا المنهج ، ثم ينتشر بين الناس حين يلامس رغبة في النفوس أو مجالاً للتنفيس عما في نفوسهم من ضغط وحيرة وآمال مضطربة ، فيصبح الواقع كله يعيش في أجواء من الشعارات والتعبيرات العامة خالية من النهج أو تحديد الدرب والمسار ، وتطوى قضايا الأمة في خضم الشعارات دون بلوغ هدف أو تحقيق غاية.

     إن انتشار هذه الظاهرة من المصطلحات العامة يوحي بعدم وجود نهج أو خطة واضحة في أذهان مختلف القطاعات .

     ويزداد الأمر سوءا حين تصبح هذه المصطلحات العامة قاعدة لتحديد موقف أو اتخاذ قرار أو إصدار اجتهاد وفتوى ، ويصبح هذا الموقف أو القرار أو الاجتهاد مصدراً لاضطراب أوسع أو خلافات وشقاق .

     ومن أبرز الأمثلة على هذه المصطلحات العائمة " حرية العقيدة وحرية الرأي " وقد دأب على استخدام هذه المصطلحات بعض دعاة المسلمين وانتشرت بين الناس على أنها مطلب حضاري ينادون به . ماذا تعني "حرية العقيدة " ، وماذا تعني "حرية الرأي " ، وكيف تُمارس وتُطبق ؟!

أعتقد أنها مصطلحات وافدة من الغرب العلماني الذي يقوم على تصورات خاصة مغايرة للإسلام ، ولو رجعنا إلى الكتاب والسنة لا نجد مثل هذه التعبيرات. ولو رجعنا إلى أئمة الإسلام في العصور التي كان يحكم فيها الإسلام لا نجد مثل هذه التعبيرات لقد جاء الكتاب والسنة في غاية الدقة والوضوح والتفصيل في استعمال التعبيرات والمصطلحات ، ويعلم أئمة الإسلام هذه الدقة والوضوح فيما يستخدمونه من مصطلحات أو فيما يستحدثونه .

     جاء الإسلام ليدعو إلى عقيدة واحدة ودين واحد ، وحمَّل الإنسان مسؤولية اختيار الإيمان والتوحيد والإسلام أو سواه ، ولكل اختيار نتيجة في الدنيا والآخرة ، الإسلام يدعو الناس كافة إلى الإسلام ، وفرض القتال والجهاد من أجل ذلك ، ونفر من الكفر ومن أي دين غير الإسلام ، وأنذر الكافرين بعذاب شديد ، وجعل النار مصير من يموت منهم على الكفر ، مع ابتلاء شديد في الدنيا ، ووعد المؤمنين بالجنة لمن صبر والتـزم ، ووعد الصادقين العاملين المجاهدين بالنصر .

     هذا الذي يدعو إليه الإسلام ، فهل تعبير حرية العقيدة الذي يطلقونه اليوم يحمل هذه المعاني ، أو هل هذا الذي يدعو إليه الإسلام يماثل " حرية العقيدة " . الإسلام ينظر إلى الكافرين وغير المؤمنين الصادقين أنهم يتساقطون في النار ، في نار جهنم ، هذه حقيقة أكيدة ويقين بالنسبة للإسلام ، فهل يعقل أن يترك الناس ليتهاووا في جهنم ؟! إذن لماذا بعث الله الرسل على مدى الزمان وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولماذا شرع القتال والجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا .

ديــن الله :

     الإسلام جاء ليجتث الكفر من الأرض ولينشر الإسلام دين الله . دين جميع الرسل والأنبياء ، الدين الذي لا يقبل الله غيره ، فهل يُعقل بعد ذلك أن ينادي الإسلام ويقول يا أيها الناس خذوا أي عقيدة تريدون وأي دين ترغبون فلا بأس في ذلك !! (( إنْ الدين عند الله الإسلام )) [ آل عمران :19] . ! ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) [ آل عمران : 85 ] .

     هنالك فرق كبير بين أن يُحمّل الله كل إنسان مسؤولية اتخاذ قرار اختيار دينه وعقيدته ، بعد أن يكون رسله قد أبلغوا الرسالة كاملة ، وأنذر من خالف بعذاب الدنيا والآخرة. وبشر الصادقين بخير الدنيا والآخرة. وبين أن يترك الأمر في حرية عائمة مائعة ، تغري الناس بالكفر والفتنة والفساد أكثر مما تغريهم بالإيمان والإسلام .

     فارق كبير بين حرية اختيار العقيدة والدين وبين الحرية التي تغري الناس بالكفر والفتنة :

ليست القضية  من حيث المبدأ، انفلات حرية العقيدة ولا الدعوة لها ولا سن القوانين من أجلها؛ إن القضية بالنسبة للإسلام أعظم من ذلك بكثير وأخطر من ذلك بكثير ، إنها تتمثل في النقاط التالية :

     أولاً : إنقاذ الإنسان من هلاك محقق وعذاب في جهنم شديد إذا مات على الكفر .

     ثانياً : تهيئة الأجواء التي تعين على الإيمان والتوحيد والإسلام ، وترغيب الناس بهذا الحق واليقين ، وإخراجهم من الفتنة والضلال والباطل وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

     ثالثاً : سد أبواب الفتنة والضلال والكفر والفساد والأهواء والشهوات المتفلتة ، واتخاذ الأسباب اللازمة لحماية فطرة الإنسان ، الفطرة التي فطر الله الناس عليها لتكون منطلق الإيمان والتوحيد ، قادرة على استقبال رسالات الأنبياء والدين الواحد .

     رابعاً : إن هذه القضية بلغت أهميتها وخطورتها أن أصبحت أساس الأمانة التي حملها الإنسان، وأبتها السماوات والأرض والجبال  وأشفقن منها ، إنها الأمانة التي يكون الإنسان بها غير ظالم ولا جاهل  وبتركها يصبح((ظلوماً جهولاً )) [ الأحزاب 72 ] ! وهي الأمانة التي يقوم عليها معنى العبادة التي خلق الله الإنسان لأجلها والخلافة التي جعلت له ، والعمارة التي أمر بها .

     وعلى هذه الأسس تصاغ الشعارات والمصطلحات ، وتسن القوانين وتوضع مناهج التربية والبناء ، وتقوم العلاقات بين المؤمنين وغيرهم .

وثيقة الرسول مع يهود :

     يذكر بعض المسلمين هذا التعبير على النحو التالي : " لقد تضمنت الوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة أوضح صورة للتعايش والتعاون كما يسعى إليه الإسلام ، فقد تضمّنت حرية العقيدة وحرية الرأي … " !

     ولو رجعنا إلى نص الوثيقة لوجدناها تختلف عما ذكر اختلافاً واسعاً . فهي أولاً ليست وثيقة كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة وحدهم ، إنها مع أهل يثرب وقبائلها كلها ، ولنستمع إلى ما تقوله الوثيقة:

 - " هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم "، ثم ذكرت الوثيقة المهاجرين من قريش ، ثم قبائل يثرب ثم اليهود ، ثم تذكر الوثيقة العلاقات ، ولنستمع إلى ما تنص عليه الوثيقة في بعض فقراتها :

     - ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه .

     - وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسعيه ظلم  أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين.

     - وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم .

     - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن .

     - وأن ذمة الله واحدة . يجير عليهم أدناهم .

     - وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .

     - وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه .

     - وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل .

     - وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده  إلى الله وإلى محمد .

     ونصوص أخرى تفصّل في العلاقات والمسؤوليات والحقوق لا تجد فيها نصاً مبهماً أو عائماً أو متفلتاً .

     جميع النصوص تقوم على القواعد التي ذكرناها ، والتي نبين أهمها ونذكّر به حتى لا تختلط الصورة والتعبيرات :    

     فالوثيقة تنص بشكل صريح حاسم على:

     أن الحكم في المدينة لدين واحد فقط هو الإسلام ، هو لله ولرسوله .

     وتنص كذلك على أن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وأنه لا يقتل مؤمن مؤمناً بكافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ، فالمؤمنون إذن أمة واحدة تربطهم الموالاة التي تجعلهم أمة واحدة من دون الناس . والولاء والموالاة علاقة شرعها الله للمؤمنين ورابطة تقوم عليها أخوة الإيمان .

     فالحكم إذن للإسلام ، والإسلام هو أحسن هدي وأقومه ولا يُنصر كافر على مؤمن ولا يقتل مؤمن بكافر  إنها تعبيرات محددة واضحة مفصلة لا تترك أمراً عائماً .

     وعندما جاء النص : " وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. " جاء النص مرتبطاً بسائر النصوص مبنياً عليها لا ملغياً لها ، فاليهود أمة والمؤمنون أمة ولكنهم كلهم يحكمهم الإسلام وكل ما اختلف فيه مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وجميع من في يثرب يحمل مسؤولية الدفاع عنها وحمايتها من خلال الشروط والأسس التي ذكرناها .

     وشرع الله للمسلمين أن يكون أهل الكتاب أهل ذمة يرتبطون مع المؤمنين بمواثيق وعهود يصبحون بها قوة لتنصر الإسلام والمؤمنين لا لتحاربهم ، لهم دينهم وليس لهم أن يحكم دينهم أو أن ترد الأمور إليه ، لهم أن يتبعوا فيما بينهم أحكام دينهم ، وليس لهم أن يدعوا لها وأن ينشروها ، فذلك حق المؤمنين الذين هم على أحسن هدي وأقومه .

     وأن من يعادي الإسلام ويحاربه فعلى اليهود نصرة المؤمنين .

     في مثل هذه التفصيلات الأساسية التي ذكرنا بعضها يأخذ أهل الكتاب حرية عقيدتهم، ويظل المؤمنون يدعونهم إلى الإسلام لينقذوهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

     أما الكافرون من قريش وغيرهم ، وقريش أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم قربى ونسب ورحم ، لكنهم حاربوا الله ورسوله فانقطعت حمية النسب إلا في أن يدعوا إلى الإيمان والإسلام ، وتعلن الوثيقة قطع الصلات معهم ، وبوادر الحرب معهم وتدعو إلى محاربتهم والتميز عنهم ولا تعطيهم أي حقوق ، ولا تُقرهم على كفر أبداً ولا تعطيهم حق الدعوة إلى كفرهم ولا نشر مذاهبهم وأفكارهم وآدابهم .

     وكذلك شأن كل محدث، والمحدث هو الذي يُحدث شيئاً مخالفاً للإسلام الذي يحكم المدينة كلها ، ويخضع له كل من فيها ، هذا المحدث لا حقوق له ، ولا يحل نصره ولا إيواؤه ، ولا مساعدته ومن يفعل ذلك فعليه لعنة الله .

     فهل هذه الشروط كلها توحي بأن نقول إن الإسلام يدعو إلى "حرية العقيدة " بهذا التعبير المتفلّت والمصطلح العائم ؟

     إذا أردنا أن نبلغ دين الله - الإسلام -  فلنبلغه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وكما كان يبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار .

     حين نستعير مصطلحات من الشرق والغرب ، ثم نلصقها بدين الله ، وبأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، نكون قد ارتكبنا خطأ جسيماً ، فالإسلام حين قال : (( لا إكراه في الدين )) ، لم يتركها عائمة وإنما قال معها : ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة  256-257، وقبلها جاءت آية الكرسي : ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )) البقرة 255

 

إن الدعوة إلى الإسلام والتوحيد صريحة جلية حاسمة ، قبل (( لا إكراه في الدين )) ، ودعوة كذلك صريحة جلية حاسمة ، مع إنذار شديد للكافرين وبشرى للمؤمنين بعدها .!

     ((لا إكراه في الدين )) تعبير يختلف عـن تعبير " حرية العقيدة " يختلف معنى وصياغة وشروطاً.

     ((لا إكراه في الدين )) تعني أن الله لا يقبل من عبد ادعاء الإيمان تحت ضغط الخوف أو المصلحة الدنيوية وهو يبطن خلاف ذلك . إن الله يقبل من عبده إيمانه وإسلامه حين يصدر عن قناعة ويقين، وهذا يعني أن الله يريد من المؤمنين أن ينهضوا ليبلغوا رسالة الله وحقيقة الإيمان والتوحيد ودين الإسلام بلاغاً صادقاً واضحاً دقيقاً ، لا أن يبلغ كل إنسان هداه وتصوراته الخاصة ويطوي نصوص الكتب والسنة ، أو يبلغها محرفة أو ناقصة أو غير واضحة ولا يرى الإسلام على أساس ما عرضناه أن للكافر أن يدعو إلى كفره في ظل دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله  ولا أن لأهل الكتاب أن يدعوا إلى دينهم في قلب دولة الإسلام التي يحكمها منهاج الله .

     يعطي أهل الكتب حرية الإقامة في أرض الإسلام على ألا يسعوا إلى أن يسود معتقدهم ، وألا يحملوا السلاح على المسلمين ، وألا يناصروا عدواً للإسلام والمسلمين سراً ولا جهراً ، وأن يرضوا بحكم الإسلام ولا يتآمروا عليه.

     وعلى المسلمين أو يكونوا يقظين ، فإن وجدوا منهم خيانة يؤخذ الخائن أو الخائنون بذنبهم ويعاقبون، ويخرجون من أرض الإسلام إذا خُشي استمرار خيانتهم وتآمرهم .

     هذا الذي تبينه لنا الآيات والأحاديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار رضي الله عنهم ، فإن ابتلي المسلمون بالوهن والذل وغلب عليهم أعداؤهم ، فلا يحملون الإسلام وشرعه وفقهه نتائج تهاونهم وعجزهم ، ولا يلوون الآيات والأحاديث ليسوغوا المذلة والهوان . فأعداء الله يعرفون الإسلام وحكمه فيهم ، فإن كتمنا حقائق الإسلام نخسر رضاء الله أولاً ونصرته،  ونخسر ما كان يمكن أن نناله من هيبة في أعين الكافرين وأهل الكتاب حين يرون أننا غيرنا وبدلنا . وأننا بدأنا نتبع ما تشابه من الأمور شأن من في قلوبهم زيغ .

     إن أساس الدعوة الإسلامية هو البلاغ المبين البلاغ الذي يبلغ رسالة الله ليعذر الناس أنفسهم بين يدي الله يوم القيامة . فلا يتغير الدين مع تغير الواقع ، فالدين حق لكل زمان ومكان . ونجد فيه الحلول لكل واقع كما وجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . دون الخروج عن الحق المطلق في الكتاب  والسنة ودون تحريف النصوص ودون اتباع ما تشابه منه .

     لقد أخذ ضغط الواقع المنحرف اليوم يشتد على بعض المسلمين حتى أصبح منهم من يسهل عليه إعطاء رأي ليؤمن مصلحة دنيوية ثم يلصق دعواه بالإسلام

     إن التقوى أهم أسباب النصر وإن خشية الله أهم عنصر في التقوى ، وإن العلم وحده إذا ضعفت فيه التقوى  فقد قوته الإيمانية في الميدان .

      ومصطلح آخر هو " حرية الرأي " كثر ترداده بين المسلمين اليوم ، ينادي به المنتسبون إلى الإسلام ، فالإسلام أعظم رسالة في الأرض تحض على التفكير وتدعو له ، وأعظم رسالة تحرر عقل الإنسان من أغلال الهوى والشهوات ومصالح الدنيا الآثمة ، إن مصطلح "حرية الرأي " مصطلح عائم متفلت أعطى الفرصة لأعداء الله ليطعنوا الإسلام والمسلمين أكثر مما أعطى المسلمين الفرصة لبيان حقائق دينهم ، إن الإسلام الذي يحض على التفكير ويدعو إليه ليحترم الرأي الذي يصدر عن إيمان ووعي مع الحجة والدليل ، مع صدق النية وإخلاصها لله مبرأ من الهوى ، نابعاً من العلم الحق لا من الظن والتخمين ، فالإسلام لا يستخدم مثل هذا التعبير "حرية الرأي" ولكن يدعو المسلم ليقول رأيه جلياً واضحاً ، ملتزماً بالشروط الإيمانية التي فصلها منهاج الله ، دون أن يعتبر أن رأيـه وحده هو الحق إلا إذا كان الرأي نصاً من الكتاب والسنة ، وجاء عرضه مطابقاً لحاجة القضية والواقع ، جامعاً لكل الأدلة التي تنفي الشبهة وتشرق بالصدق والحق ، لا يماري فيه بعد ذلك إلا ممار أو مجادل أو منافق ، إن الحق يحمل معه دائماً إشراقته ، والباطل يحمل عتمته وظلامه والقلب المؤمن يهتدي إلى الحق ويميزه من الباطل .

 

 

 

 

 

 

الرجوع إلى أعلى الصفحة

| الصفحة الرئيسية | العقيدة | الأخلاق من القرآن | الأخلاق من السنة  | حوار مع داعية إسلامي | دراسات قرآنية وشرعية |
| كتاب إسلامي |
 منتدى الفكر  | محاضرة | المرأة المسلمة | هذا بيان للناس | متفرقات | سير وصور
|
 

Copyright © 2005 All rights reserved. www.achabibah.com E-Mail : achabibah@achabibah.com