|
المبحث الأول
النظام السياسي لدى المسلمين
بين استبداد سافر ونقل أعمى واجتهاد تبريري سائب
تعاني الأمة الإسلامية في مجال تدبير شأنها العام آفتين تعوقان
مسيرة نهضتها، آفة فكرية بتأرجحها بين اجتهاد تبريري سائب ونقل
أعمى، وآفة تسلط أنظمة حكم صادرت أمرها الجامع وعجزت عن توفير
العيش الكريم لها داخليا، وحمايتها من الغزو الأجنبي خارجيا.
بهذه الحالة المرضية سجلت الأمة أكبر غياب لها عن عصرها، وجعلت
بينها وبينه أمدا بعيدا وسدا متينا، وفجوة شاسعة من الضعف والعجز
والتخلف الحضاري والثقافي في جميع مجالات الحياة، حقوقا وواجبات
وعدالة وحريات،ومنعة وندية لغيرها من الأمم والشعوب.
ولئن كان أمر الأمة الجامع لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وكان
نظام الحكم أول ما انتقض من عرى الإسلام، كما أشار إلى ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فإن نقطة البدء ينبغي أن تكون معالجة
الشأن السياسي الذي اختل فكرا وتنظيرا وتطبيقا منذ سقوط الخلافة
الراشدة ولما يشتد عودها.
ولئن كان الأمل معقودا على مفكري الصحوة المعاصرة في تطوير صياغة
شرعية لهذا الأمر انبثاقا من الكتاب والسنة، فإن هذا الأمل قد خاب
بلجوء كثير منهم إلى تلفيقات تنظيرية لاستبداد سلطاني منتزع من
التاريخ، مموهة بديمقراطية غربية مستوردة ، أنجبت حلولا هجينة
عاجزة، لم ترض مرجعا عقديا ولا مصدرا أجنبيا.
أما على صعيد الممارسة الميدانية فإن الأجنبي المتحكم لم يترك لنا
إلا أن ننتهج ديمقراطية على مقاس مصالحه الاقتصادية والسياسية
والعسكرية، وأرتاله الفكرية والثقافية والعقدية، تحت غطاء عولمة
فجة لقطيعي الذئاب والخرفان.
في ظل هذه الظروف القاسية، وتحت مظلة هذه الفجوة الحضارية الشاسعة،
وعلى يد هذه الأنظمة الاستبدادية، انهارت الحواجز لدينا حكاما
ومحكومين، بين الوفاء والخيانة، وبين الولاء والبراء، وبين الحلال
والحرام، والكرامة والنذالة، بين الصدق مع النفس والوطن والأمة،
والتعلق بالغزاة والظلمة والمحتلين.
حكام يستنجدون بالعدو لقمع شعوبهم وترويضها، وشعوب تستغيث
بالأجنبي لنصرتها على حكامها، وبين استنصار أولئك بالخيانة،
واستقواء هؤلاء بالغدر، تنهار قيم وتنحل مجتمعات وتتفسخ أخلاق،
ويعبث بالماضي والحاضر والمستقبل، ويتلاعب بالثوابت والمتغيرات،
وتعيث فسادا في أوطاننا مراكز غزو متربصة ودوائر استعمار متحفز.
فهل من سبيل إلى نهوض من هذه الكبوة المزمنة التي نقاسيها، وردم
لهذه الفجوة الرهيبة التي تفصلنا عن عصرنا؟
نعتقد أن البيوت تؤتى من أبوابها، والترميم يكون لما انهدم من
البناء، وقد كان الحكم أول ما انفرط من العقد وانهدم من الصرح،
فليكن مقدمة ما يصحح وأول ما يصلح، وفاتحة ما يعاد تشييده.
إن نظام الإسلام السياسي الحق إن قام في أمته، انحلت عقد شعوبها،
وتحررت طاقات علمائها وفقهائها، وانطلقت من عقالها عبقرية مبدعيها
ومنتجيها، واستحثت الخطا نحو الإصلاحات الكبرى المنشودة، واختزلت
مراحل الطريق نحو العزة والمنعة وحماية الذات وتطوير الحياة.
إلا أن مسيرة الصحوة المعاصرة نحو هذا الهدف تعترضها عوائق لدى
كثير من مفكريها والعاملين لها. في مقدمة هذه العوائق اعتبار
النظام السياسي في الإسلام مشخصا في دولة فوقية تعد سلطة عليا لها
من التفويض الإلهي وصلاحية التقنين ، وأحقية الاستئثار بالحكم
واحتكار القدرة على التمييز بين الواجب والمحرم والمهم والأهم،
وترتيب أولويات البناء والإنجاز والتشييد، وأسبقيات المدافعة
مطاولة ومصاولة، ومشروعية استعمال القوة والإلزام بالتطبيق
والتنفيذ والامتثال، ما يجعلها مطلقة المسؤولية عن تدبير الحياة
الاجتماعية للأمة، وصاحبة الحق الأعلى في الهيمنة واحتكار الخيرات
والمنافع جلبا وتوزيعا.
من هنا كانت بداية الانفراج في زاوية الانحراف عن النهج الإسلامي
الرشيد، ومن هنا أيضا ينبغي أن تبدأ محاولة الإصلاح والترشيد،
بتوثيق عرى ما انتقض، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما العائق الثاني لهذه المسيرة فانحصار تفكير منظريها بين منهجين
لا يغادرونهما ولا يبرحون ساحتهما، منهج النظم الديمقراطية ومنهج
فقه الأحكام السلطانية، وذاك ما عرقل الاجتهاد وثبط الهمم عن
مواصلة السعي لبناء تصور سليم لنظام الحكم في الإسلام.
إن سجن الاجتهاد السياسي في دائرة مصطلحين غريبين عن روح الإسلام
ونهجه، مصطلح الديمقراطية ومصطلح الأحكام السلطانية، ليس من شأنه
إلا أن يحول دون النظر السليم للحل الأمثل والخطو القويم نحو
الهدف.
ذلك أن النظام الديمقراطي وما استنبته الغرب من تراث اليونان، مما
يهرف به الحداثيون المسلمون وبعض منظري الصحوة الإسلامية المعاصرة،
لا يستطيع استيعاب الشأن العام للأمة المسلمة عقيدة وشريعة ونظام
حياة، نظرا لمحدودية مضمونه، واقتصاره على الشأن الدنيوي المادي
الصرف، واستبعاده أمر الدين عن نظام الدولة والمجتمع. ولئن كان لا
يتعارض مع ديانة الغرب المسيحية التي انكفأت في كنيستها وغيبياتها،
فإن من المتعذر انسجامه مع الإسلام الذي نظم دقيق أمور الحياة
المادية والروحية وجليلها.
أما مصطلح " الأحكام السلطانية " الذي ابتدعه فقهاء المسلمين
ومتكلموهم وفلاسفتهم، لإضفاء الشرعية على نظم فردية قامت بعد سقوط
الخلافة الراشدة، وتبرير تصرفات حكامها، فإنه كذلك قاصر عن استيعاب
مستجدات العصر في جميع مجالات النشاط الإنساني، وعاجز عن مسايرة
الرشد الذي بلغته البشرية المعاصرة.
إن أقصى ما بحثه الفقهاء لم يتجاوز في أهم مفرداته مواضيع أنهكوها
شرحا وبحثا، بما لا يتجاوز نظام حكم فردي مستبد ، مستظهرين بأدلة
لا تتعدى نصوصا متعسفة التأويل، ظنية الثبوت أو الدلالة، أو أمارات
قياس فاسد واستصحاب غبي، أو مصلحة هوى رئيس، أو اتقاء فتنة تعكير
مزاج أمير.
إن هذا الفقه منذ أسسه معاوية ميدانيا، والماوردي تنظيرا
وتبريرا، لم يتجاوز في أهم مباحثه قضايا متعلقة بالإمامة وأهل
الاختيار وولاية العهد وتقليد الوزراء والأمراء وولاة الاستكفاء
والاستيلاء، والمظالم وإمامة الصلوات الخمس والحج والقضاء والصدقات
والفيء والغنيمة والجزية والخراج وملكية الأرض مواتا وحمى ووقفا
وإقطاعا وركازا، وأحكام العقوبات حدودا وتعزيرا، وأحكام الحسبة
أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.
هذه المباحث أوسعها السلف من الفقهاء والمتكلمين على مدار التاريخ
الإسلامي دراسة وتحليلا ومحاولات فاشلة للتطوير، وأنهكها الخلف
المعاصرون تلقيحا بالفكر الغربي دون جدوى. ذلك أن مثلبة عدم
ملاءمتها للنظام السياسي الإسلامي الحق مما لا يجادل فيه متفقه،
أما المثلبة الأخرى فقصور أحكام هذا الفقه عن تغطية مستجدات العصر
وعجزه المطلق عن فهمها واستيعابها ووضع الحلول المناسبة لها.
ذلك أن البشرية قد بلغت في راهن زمننا، بيقظة فطرتها وعميق وعيها
بكرامتها وثقتها بثقافتها واعتدادها بنضج عقلها، مبلغا أصبح به
متعذرا تعايشها مع كل ضروب الحكم الفردي، فقامت بذلك في كثير من
الأقطار نظم تحاول ترويض الاستبداد ولجم القهر والاستغلال، وضمان
العيش الكريم لكافة طبقات المجتمع؛ كما زلزلت عروش رفضت مسايرة
عصرها في أقطار أخرى بثورات وانتفاضات شعبية مستقاة شعاراتها من
فلسفة الديمقراطية أوفقه الأحكام السلطانية التراثية، وإن كان جوهر
غاياتها التمكن من حق تدبير شأنها العام بنفسها دون وصاية أو تحكم.
ولئن كان الغرب بما أوتي علماؤه ومفكروه من سلوكيات ثقافية راقية،
تحفزهم إلى مواصلة البحث والتنقيب، مهما بلغوا ويبلغون، دون كلل أو
ملل أو قصور همم وطموح، قد ساهم في تطوير تراثه اليوناني السياسي
بما يضمن مستوى من المشاركة في تدبير الشأن العام، باختيار الحكام
ومراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم أو إقرارهم عند الحاجة، فإن الفقه
السياسي لدى المسلمين ظل يراوح مكانه في حلقة مفرغة من فقه سلطاني
مموه بصباغ من الشريعة باهت أو تلفيقات من ثقافة غربية شفافة.
إن فقه الأحكام السلطانية لدى القدامى والمحدثين عجز عن مغادرة
شرنقة حاكم فرد بيده جميع السلطات عظيمها وهينها عمليها ونظريها
دينيها ودنيويها، يعين المسؤولين أو يعزلهم، ويوزع العقارات أو
يحتكرها، ويقيم الحد أو يعفي منه، ويعزر على الجنحة تعزيره على
الجناية، ويطلق زوجات المخالفين ويزوجهن لمن يشاء، ويقتل العلماء
أو يسجنهم أو يجلدهم للشبهة والظن.
فقه سلطاني هذا شأنه، كيف يستوعب الرشد الذي بلغته البشرية حاليا،
وصارت به تواقة إلى نظم سياسية تجعل قرارها بيدها تأسيسا وتنفيذا
ومراقبة ومحاسبة وتطويرا، نظم تبني بها حياة كريمة تضمن الحريات
العامة رأيا وتعبيرا واجتماعا وتنقلا وتعليما وتكافلا، على قواعد
تسود فيها إرادة الجماعة على إرادة أجهزة التسيير والتنفيذ
والترويض؟
كيف يستوعب نظما حديثة ومتطورة، غايتها بناء الدولة الخادمة للأمة
، بمؤسساتها العامة وزارات وهيئات، وقواعدها المعقدة للتوظيف
والترقية والمحاسبة، وإداراتها المركزية والمحلية منشآت ومرافق
ومراكز تجارية واقتصادية وصناعية وعلمية، وتشريعاتها المتطورة
ميزانية وضرائب ومستحقات وديونا وقروضا وطنية وأجنبية، ومراكزها
المتخصصة في تطوير العلوم والصناعة والاقتصاد والبيئة بما يوفر
للدولة احترامها وسيادتها ومكانتها اللائقة بها بين الدول؟
كيف يستوعب مناشط للحياة متطورة ومشاكل حوادث وأحداث مستجدة، يضيق
عنها جراب تراثه، بنظام قضائي اتسعت شعبه ومراتبه، فعرف القضاء
الجالس والواقف، والتقاضي الابتدائي والاستئنافي ومراجعات النقض
والإبرام؟ واتخذت له القواعد المكتوبة المنشئة للأحكام والمنظمة
لمساطر الإجراءات، واستحدث فيه نظام الاختصاص في المنازعات
الجنائية والمالية والتجارية والأسرية… ضمانا للعدل والمساواة
والحرية والأمن والحقوق.
هذه المجالات التي عرفتها البشرية وتحاول ضبطها وتنظيمها وتطويرها،
لا قبل لفقه الأحكام السلطانية التراثية باستيعابها أو تغطية
مساحاتها وحل إشكالاتها، وذاك ما يؤكد أنه مجرد فقه بشري لا صلة له
جوهرية بالنظام السياسي الذي وضعه رب العباد، ولا عبرة بما موه به
من تبريرات انتقائية وصباغ شرعي باهت.
إنه إذا كان الإسلام قد نظم دقيق شؤون الفرد والجماعة وجليلها، في
جميع مجالات العبادة والمال والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، نصوصا
واستنباطا من النصوص وقواعد وتنزيلا للقواعد، فمن غير المنطقي أن
يكون قد أهمل أخطر آلية لبناء الأمة الشاهدة، والعبادة الكونية
الشاملة، وتركها للعفوية والارتجال أو للاقتباس من أمم لا تدين
بدينه ولا تتجه صوب قبلته، وهذا يشير إلى عدوانية الجاحدين، وتقصير
الموالين.
لكل هذا وذاك أصبح لزاما وحتما أن يتدارك الأمر مفكرو الصحوة
المعاصرة، ويبذلوا الجهود الكافية لبلورة نظام تدبيري للأمة
المسلمة، منبثق انبثاقا طبيعيا أصيلا من الكتاب والسنة، وما يحمل
عليهما ويقرانه.
فهل آن أن نشمر عن ساعد الجد ونقتحم العقبة لاكتشاف ما وضعه رب
العباد من نظم سياسية وتدبيرية تكون لنا مرجعا وقاعدة ومنطلقا؟
إن الطريق إلى هذه الغاية شاق وطويل، وإن الزاد من العلم
والتجربة ضئيل، وقد ران على البصر ماران من الغبش والغشاوة، أما
معضلات السير والمسير فذات شعب مترامية، ومسارب في عتمة التراث
ضاربة، منها ما يتعلق بالتأسيس والبناء، ومنها ما يتعلق بالتفسير
والتثبيت، ومنها ما يتعلق بالتطوير والتسيير والحماية.
وليس لنا في هذا البحث إلا أن نستهله بالاقتصار على المفردات
الارتكازية التي تمثل سدى النظام السياسي الإسلامي ولحمته، تاركين
ما سوى ذلك إلى ما بعد اتضاح النهج واستواء الجادة.
ذلك أن هذا النظام إن كان مبنيا على الشورى الجماعية التي تعيد
الاعتبار للجماعة ولا تخرج عن الكتاب والسنة، كما هو مشروح في
كتابي السابق " فقه الأحكام السلطانية محاولة نقدية للتأصيل
والتطوير "، فإن اتضاح سبيله القاصدة المؤدية لقيام الخلافة
الراشدة الثانية المنتظرة، لا يتم إلا بآليتين ضروريتين تمثلان
سداه ولحمته:
1 – آلية بناء هذا النظام على صعيد النظر والتطبيق، ممارسة ميدانية
جماعية متساوية عادلة، وتشييدا لهياكله متينة قوية متماسكة،
وتثبيتا لأركانه حماية وتطويرا ومناضلة ومدافعة.
2 – آلية الاجتهاد الخاص بملء الفراغ التشريعي، بواسطة منهج رشيد
شوروي يضع الحلول المناسبة الناجعة لما لم يرد به حكم في الكتاب
والسنة، ولا يحتمل الرد إليهما بمختلف ضروب الاستنباط الأصولية
قياسا واجماعا.
المبحث الثاني
النظام السياسي في الإسلام:
شرعية الوجود وآلية التأسيس
والتشريع والتسيير
إن ابن خلدون عندما صاغ نظريته في
نشوء الدول على العصبية بقوله:" إن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب،
والغلب لا يكون إلا بالعصبية ( المقدمة ص 132)، وزعم أن أعمار
الدول كأعمار الأشخاص في التزيد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع
هرما وانقراضا( المقدمة171)، كان قد لامس بكثير من الوضوح، أهم
معضلة سياسية يعانيها الفكر السياسي لدى المسلمين وإن لم يضع لها
حلا، معضلة نشوء الدولة وشرعية تأسيسها واندثارها.
ولئن كانت نظريته تصب في اتجاه النشأة
الفوقية، شأن نظم الاستبداد عادة، لأن العصبية القبلية لديه معززة
بالدعوة الدينية، لا تنتج إلا سلطة عليا مهيمنة ومتحكمة، فإن مختلف
أصناف الفكر السياسي الذي عرفته الساحة الإسلامية منذ سقوط
الخلافة الراشدة كان على هذا النهج أو ما يقاربه.
ذلك أن نظم الملك الجبري والعضوض التي
أسسها الأمويون واستمرت إلى عصرنا هذا، لم يكن فقه الأحكام
السلطانية الذي نشأ عنها وبتأثيرها إلا تبريرا لسلطتها الغاشمة
الفوقية وحماية أيديولوجية لها.
لقد نشأت جميع دول هذا الاتجاه
الخلدوني - الماوردي خارج المجتمع المسلم وفوقه، ثم انغرست مقلوبة
في أرض الواقع بقوة القهر والغلبة، جذورها في الهواء وفروعها في
الماء. كما هو شأن النظم الوضعية التي سادت الأرض قبل البعثة
النبوية والخلافة الراشدة وبعدهما.
كذلك باختلاف يسير نشأت النظم
الديمقراطية التعددية، يقوم حزب تحت غطاء ديماغوجي وقيادة فردية
ودعم خلفي من جهاز رسمي أوجماعة ضغط ذات مصلحة، ببسط هيمنته على
الدولة، والانغراس مقلوبا في أرض الواقع.
ولئن كانت الديمقراطية في جوهرها
متعارضة مع طبيعة المجتمعات المسلمة لكونها تعني سيادة الشعب
المحتكرة بيد الحزب الحاكم وقيادته على حساب سيادة الشرع وحاكميته،
فإنها في موطنها على الأقل وصلت من التطور حدا جعلها تستطيع تحقيق
نوع من التداول الطوعي على السلطة بين قادة الأحزاب والمنظمات.
أما في الدول الإسلامية عربية وعجمية،
فإنها لم تستطع أن تؤثر في رأس السلطة إيجابا أو سلبا، وبقيت
محاصرة في دائرة معارك طواحين الهواء، برلمانات وأحزابا وصحفا
خجولة متعثرة.
كذلك كان النشاط الفكري لدعاتها في
أوطاننا، منذ بروز هذا الاتجاه في بداية القرن التاسع عشر على يد
الطهطاوي وعبده والأفغاني ورضا، إذ لم يتجاوز لحد الآن محاولة
مزاوجة فجة بين الاستبداد السافر في الأحكام السلطانية التراثية
والاستبداد المقنع في ديمقراطية بلد المنشأ.
طفحت كذلك في مجتمعاتنا فكرا وممارسة
دول اشتراكية ماركسية تحمل خصائص الاستبداد، وطبائع الأجسام
الغريبة التي تغرس في الفضاء مقلوبة، أنف في الماء وقاعدة في
السماء، فلم يتم لها نتاج.
ينطبق الحال كذلك على دول قومية لم
تسلم من عاهة الاغتراب عن الأرض والمجتمع، أسسها مغامرون تسللوا
إلى السلطة مستثمرين فساد أنظمة " لأحكام سلطانية " سادت في عصرهم،
كما في الحالة التركية آخر أيام العثمانيين.
هذه النماذج السياسية التي عرفتها
الساحة المسلمة فشلت كلها في إسعاد شعوبها كما أخفقت في إقامة
الأمة الشاهدة والدولة الرائدة التي تقف أمام غيرها من الدول بندية
وكفاية وكامل سيادة وتمام حرمة.
من أجل ذلك ظهرت حاليا دعوات جديدة
تنظر لنظام تلفيقي من جميع هذه التجارب الفاشلة، وكأنما جمع
الأصفار إلى بعضها ينتج غير الصفر.
إن محاولة تلفيق نظام جديد هويته
الثقافية إسلامية كما يتخيلون، وهويته الذاتية قومية كما يخرصون،
وهويته الاجتماعية والاقتصادية ماركسية، وهويته السياسية لبرالية،
ليست إلا شطحا بهلوانيا ينتج كيانا أشوه غير قابل للحياة، فيه
شركاء متشاكسون وعقائد متعارضة متضاربة ومناهج متناقضة، حتى لو زرع
في التربة لا في الهواء – على رغم استحالة ذلك - فإن التربة تمجه
وتلفظه.
كل هذه النظم التي عرفتها الساحة
المسلمة – سلطانية وديمقراطية وقومية واشتراكية وتلفيقية – نشأت
أولا عن طموح غير مشروع للتسلط من قبل مؤسسيها ، ثم وُرِّثَتْ
للأبناء من بعدهم بمختلف ضروب التحايل والقهر والقمع، ملكيات كانت
أو جمهوريات أو مشيخات أو إمارات، وغرست ثانيا في الأرض مقلوبة
أعلاها في الماء وأسفلها في السماء، وهي لذلك لا تشعر بشعور الأمة
ولا تمثل ضميرها وآمالها وآلامها وما تتوق إليه.
من ثم يبدو جليا خطل مطالبة بعض
الحركات الإسلامية المعاصرة ومفكريها بتطبيق الشريعة في ظل هذه
النظم، لأن طبيعة نشأة هذه الأنظمة ونهجها لا تمكنها موضوعيا من
تطبيق الشريعة والقيام بمستلزماتها، كما أن افتقادها لشرعية الوجود
يجعلها في حالة تناف مع نفسها إذا ما حاولت تطبيق الشريعة.
هذه هي المعضلة التي تعانيها شعوب
المسلمين وتغفلها دعوات المفكرين والدعاة، فهل يعقل أن يطبق
الشريعة من لا يؤمن بها أومن يفتقد في أساس كيانه ونشأته عنصر
الشرعية؟
لذلك كانت نقطة البدء في كل إصلاح،
تأسيس النظام الشرعي القادر على تطبيق الشرعية والشريعة، وإقامة
أمر الإسلام الجامع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا...
إن شرعية أي نظام لا تتأتى من عبارات
تدبج في الدساتير، أو يرطن بها في الخطب والتصريحات، أو تعرض جيدة
التنسيق في المجلات والصحف، ولكنها تتحقق من طبيعة نشأته وبداية
أمره ومراحل نموه وتفاعله مع مجتمعه، وتعامله مع منهج ربه.
إن النظام الإسلامي - على عكس النظم
الأخرى – تماثل نشأته نشأة النبات، تدفن بذرته في التراب أولا، لأن
مبدأ الحياة دائما أن تنغرس بذرته في عمق الأرض والأرحام، وما نبت
مما لم يدفن لا يتم نتاجه ولا تنبعث فيه حياة، ثم يرمي جذوره ويخرج
شطأه، ويمد فروعه في الفضاء الرحب، ينشر الفيء والظلال، ويغدق على
الكائنات الحية الخير والثمار والغلال، فهو بذلك مائدة الله للكون،
مهداة بخير عميم، وتعايش حر كريم، لا خوف ولا غبن ولا ظلم ولا غصب،
للمؤمن وغير المؤمن، للأسود والأبيض والأحمر على السواء.
إن أول خطوات التأسيس الشرعي للدولة
أن تنشأ الجماعة المسلمة ( الأمة) حول بذرة العقيدة وتتفاعل بها
ومعها ومن أجلها، وتنظم شأنها العام بواسطة الشورى الجماعية قرارا
وتنفيذا ومحاسبة ومراقبة، بمنأى عن التراتبية السلطوية الهرمية،
بما يحقق التعاطي الإيجابي البناء، بين الأمة وقيادتها الخدمية
التنفيذية، دون احتكار للخيرات، أو مصادرة للرأي والحريات، أو سقوط
في شراك الفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الطبقية أو
الحزبية، لأن كافة المواطنين في دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة
سمحة وشريعة عادلة ونظام هو ملك لهم جميعا.
ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة
إنسانية نظمت حياة الناس في الأرض، وثيقة المدينة التي كتبها رسول
الله صلى الله عليه وسلم في أول هجرته إلى يثرب، تنظيما لساكنتها
من المسلمين وغير المسلمين، لجما لطغيان الطوائف والعصبيات على
بعضها، وإقرارا لمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، في سماحة
وعدالة لم تعرفهما أحدث القوانين الوضعية المعاصرة ولم تقترب منها.
إن هذه الوثيقة لم تشر من قريب أو
بعيد إلى حكومة أو رئاسة أو مجالس أهل حل وعقد أو مسؤولين على صعيد
المناطق والقبائل والجيوش والدواوين، بل أرست قواعد المجتمع
المتكامل المكون لجميع الأطياف مهاجرين وأنصارا ، ومن لحق بهم
واعتنق دعوتهم، أو جاورهم أو ساكنهم من ذوي الديانات المخالفة
يهودا ومشركين، في ظل المواطنة الصالحة تكافلا وتعاونا وتناصرا،
تقريرا وتنفيذا. من غير ظلم أو حيف أو تخاذل أو تعال واستكبار ، مع
المحافظة على نقطة الارتكاز العقدي بما يحفظ للأمة مبدأ ولائها
وبرائها، ويعصمها من التحلل والذوبان.
لقد كانت هذه الوثيقة المدونة أول
تعاقد سياسي رسمي أسس للدولة في الإسلام أركانها وقواعدها ومنهج
سيرها.
قال محمد بن إسحاق فيما أورده ابن
كثير في تاريخه (3- 224):
( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم
كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم
على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم ).
أما المبادئ المميزة والخطوط العريضة
التي رسمتها هذه الوثيقة فيمكن تلخيصها في النقط التالية:
1 – مبدأ المواطنة المشتركة في الدولة
الإسلامية:
يقول صلى الله عليه وسلم إنها بين:
- المؤمنين والمسلمين من قريش( أي
المهاجرين)، ويثرب( أي الأنصار)، ومن تبعهم ولحق بهم( أي من عامة
الناس)، وجاهد معهم ( بالدفاع عن الإسلام والمسلمين).
- وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر
والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
بهذه النصوص الواضحة الصريحة تبلورت
لأول مرة في التاريخ فكرة المواطنة بمعناها الحضاري، حقا في
الإقامة على أرض مخصوصة، واكتسابا لجنسيتها، وتمتعا بالعضوية
الكاملة في المجتمع، على أساس المساواة والتعاون المشترك، من غير
تمييز بين الألوان والأعراق والأديان، مما لم تستطع الديمقراطية
اليونانية استيعابه، ولم تفكر فيه الديمقراطية الحديثة إلا في
القرن
العشرين، أما الديمقراطيات الهجينة المستنسخة في العالم الثالث فلم
تستوعبه لحد الآن.
2 – مبدأ التكافل الاجتماعي، تقول
الصحيفة:
- وأن على اليهود نفقتهم وعلى
المسلمين نفقتهم.
- وأن بينهم ( أي المسلمين وغير
المسلمين ) النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
- وأن الجار ( أي مسلما كان أو غير
مسلم ) كالنفس غير مضار ولا آثم.
- وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا ( أي
مثقلا بالديون كثير العيال ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو
عقل.
- وأن المؤمنين يبـيء ( أي يساوي )
بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله.
- وأن النصر للمظلوم.
3 – مبدأ المحافظة على أمن الدولة
والمجتمع، تقول الصحيفة:
- وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه.
- وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم
أدناهم.
- وأن المؤمنين المتقين على من بغى
منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين،
وأن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم.
- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه
الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر
أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله
وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
- وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم
أو آثم.
4 – مبدأ المساواة والتسيير الذاتي
للمجتمع، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
- وأن المؤمنين يبـيء ( أي يساوي)
بعضهم بعضا.
- المهاجرون من قريش على ربعتهم
يتعاملون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على
ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف
والقسط بين المؤمنين . ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار
بني ساعدة وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النيبت.
5 – مبدأ الدفاع المشترك بين جميع
المتساكنين ، تقول الصحيفة:
- وأن بينهم ( أي سكان المدينة مسلمين
وغير مسلمين ) النصر على من دهم يثرب.
- وأن بينهم ( أي مسلمين وغير مسلمين)
النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
6 – مبدأ حرية الاختيار وتقرير المصير
للمخالفين، تقول الصحيفة:
- وأن من تبعنا من يهود فإن لهم النصر
والإسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
- وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن
بالمدينة إلا من ظلم أو أثم.
7 – مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية
الكتاب والسنة، تقول الصحيفة:
- وأن ما كان من أهل الصحيفة من حدث
أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
- وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن
مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه
بعض أركان البناء الشرعي للدولة كما وردت في صحيفة المدينة، ثم
توالت بعدها حركة التشييد عملا ميدانيا وقدوة نبوية ووحيا يتنزل.
وإذ أرسى صلى الله عليه وسلم في الأسماع والقلوب والمهج آخر ما نزل
من القرآن (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )
المائدة3، أقام آخر أعمدة تدبير الشأن العام للأمة في خطبته الغراء
بجبل الرحمة يوم عرفات في حجة الوداع ( السنة العاشرة للهجرة )،
مبشرا بكمال الدين وتمام النعمة، حريصا على وضوح قوله وسماع صوته،
وتبليغ رسالته، باتخاذه ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي مسمعا لخطبته
وكان صيتا، قائلا له بين الفينة والفينة : " اصرخ "، مشهدا سامعيه
على نفسه وبلاغه، يقول لهم: ( هل بلغت؟ فيقولون: بلغ رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فيقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب) ، محذرا
المسلمين من إهدار هذه الفرصة والمناسبة قائلا: (أما بعد: أيها
الناس اسمعوا مني ما أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد
عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام
إلى أن تلقوا ربكم...).
كانت معظم توجيهات الرسول الأكرم صلى
الله عليه وسلم في هذه الخطبة متعلقة بتدبير الأمر العام للأمة،
تتميما وتذكيرا وبلورة لما ورد في الصحيفة التأسيسية الأولى (
وثيقة المدينة). مما يمكن إيجازه فيما يلي:
1 – وحدة أعضاء المجتمع المسلم
ومساواتهم بقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته:
- أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم
واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي
على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت....اللهم فاشهد، قالوا: نعم
، قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
- إن الله يقول ( يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم ) فليس لعربي على عجمي فضل ولا لعجمي على
عربي فضل ولا لأسود على أبيض فضل ولا لأبيض على أسود فضل إلا
بالتقوى.
- يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا
تحملونها على رقابكم وتجيء الناس بالآخرة، فإني لا أغني عنكم من
الله شيئاً
2 – تكريس العدل ونبذ الظلم:
- اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا،
ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب
نفس منه، ألا وإن كل دم مأثرة ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه
إلى يوم القيامة.
- أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة ولا
يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
- فلا ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده، كتاب
الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد.
- إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن
حق.
- هذا يوم حرام وبلد حرام، فدماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا اليوم إلى يوم
تلقونه، وحتى دفعة دفعها مسلم مسلماً يريد بها سوءاً، وسأخبركم من
المسلم، المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه
الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب،
والمجاهد من جاهد نفسه
في طاعة الله.
- وأحدثكم من المهاجر؟ من هجر
السيئات، والمؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام
أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه
حرام أن يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وماله عليه حرام أن
يظلمه، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً.
- وحرام عليه أن يدفعه دفعة
تعنته.
- هذا اليوم حرام؟، قالوا:
بلى يا رسول الله! قال: فإن حرمتكم بينكم كحرمة يومكم
هذا. أنبئكم من المسلم؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده. أنبئكم من المؤمن؟ المؤمن من أمنه المسلمون على أنفسهم
وأموالهم. أنبئكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات مما
حرم الله عليه. والمؤمن على المؤمن حرام كحرمة هذا اليوم، لحمه
عليه حرام أن يأكله بالغيب
ويغتابه، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه،
وأذاه عليه حرام أن يؤذيه، وعليه حرام أن يدفعه دفعاً يعنـته".
- يا أيها الناس من كانت عنده وديعة
فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
- فإن الله تبارك وتعالى حرم دماءكم
وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد، ألا
ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم. ثم رفع
يديه فقال: "اللهم اشهد".
إن تأسيس الدولة الإسلامية مثال نادر
في مسيرة الإنسانية ونظام تجمعها السياسي، ونموذج فذ لنشوء الدول
والمجتمعات، فقد وضع لبنات قيم ومبادئ ونظم لم تستطع أعرق الدول
الدستورية المعاصرة تجاوزها، بتقريره حدود الدولة وأصناف ساكنتها،
وصفات المواطنة الصالحة فيها، وتفصيله الدقيق للحقوق والواجبات
الفردية والجماعية، وإشارته لآلية اتخاذ القرارات الجماعية
الشوروية، وبناء الأجهزة الخدمية التنفيذية.
إن تكامل التصور الإسلامي لنظام
التدبير العام، كان خاتمة مسيرة الرشد البشري على الأرض، كي تعود
حياة الناس إلى ما فطرت عليه يوم خلق الله السموات والأرض وبرأ آدم
وذريته على أحسن تقويم وقبل أن تجتال بعضهم الشياطين فيردوا أسفل
سافلين.
هذه كانت مهمة النبوة الخاتمة، وغاية
التنزيل الحكيم، وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقوله في أول خطبة حجة الوداع:( أيها الناس إن الزمان قد استدار
فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادي
وشعبان, وذو القعدة, وذو الحجة والمحرم )
وكما أن الزمان في حجة الوداع قد
استدار كهيئته الأولى كما خلقه الله ، بعد أن ناله التغيير بالنسيء
والتبديل والتغيير والتقديم والتأخير على يد الجاهلية العربية.
وكما أن عاقبة الحج أن يرجع الحاج إلى
أهله نقيا مغفور الذنب كيوم ولدته أمه، وكما خلق أول مرة سويا في
أحسن تقويم.
كذلك نظام تدبير الشأن العام لدى
المسلمين، ينبغي أن يعود إلى وضعه الأول السوي، وينبذ كل ضلالات
الاستبداد والتحكم والقهر والتفاضل الهرمي المحتكر للسلطة والجاه
والخيرات.
وذلك سبيل ظهور الأمة الشاهدة المنضبطة مع فطرتها السوية الأولى.
إن أبرز ما يميز هذا النظام الرباني
أن الأمر التكليفي فيه، خطابا قرآنيا حكيما، وتوجيهات نبوية كريمة
موجه إلى جميع الأمة بصفتها مسؤولة عن أمرها مسؤولية مشتركة، كما
أنه لم يتضمن أي إشارة ولو عرضية إلى رئاسة أو قيادة فردية سياسية
كانت أو إدارية أو عسكرية، بل ليس فيه ما يبيح اختزال السلطة في
أفراد معينين أو تكتل خاص للشورى أو الحل والعقد، أو الأعيان أو
الطوائف والمذاهب.مما يؤكد أن النظام الإسلامي لا يقر النظم
السياسية الرأسية التي يقبع فيها على رؤوس الناس متسلط أو متسلطون.
مما يدحض مزاعم دعاة القهر السلطاني السافر والاستبداد الديمقراطي
المقنع.
إن النظام الإسلامي في هذا المجال ليس
رأسي السلطة، يوزع فيها النفوذ بين الأقوياء، في طبقات بعضها فوق
بعض، هذا النزوع العدواني لا يقره القرآن الكريم، والتعاليم
النبوية تحض على نبذه .
إن النظام الإسلامي الحق، بذرته
التأسيسية التي تحتضن بؤرة الانطلاق فيه هي العقيدة وما أتت به من
تشريعات، العقيدة هي الموجهة والمرشدة والحاكمة ، في البدء كانت
العقيدة، ومن نبضها تكونت حولها الحلقة الدعوية الأولى نبوة خاتمة،
ثم من دفق النبوة وشحناتها الربانية انطلقت حلقات موجات الانتشار
الأول للإسلام، مهاجرين وأنصارا والذين جاؤوا من بعدهم إلى يوم
الدين.
إن مثل التدبير العام الأفقي غير
الهرمي في المجتمع الإسلامي، انتشارا دعويا، وإجراء شورويا، كمثل
حجر نزل من السماء في الماء، فتكونت من اهتزازه المادي أو نبضه
الكهربي، في الجسم الناقل الذي هو الماء، موجات تضاغطية أفقية
كثيرة ومتعاقبة، على شكل حلقات تتسع موجاتها فينشأ على رأس كل منها
فضاء هو مجال تفاعل الطاقة المولدة للحركة والتوسع الحلقي.
فالحجر في مثالنا هذا هو العقيدة التي
أنزلت من السماء، وبثت شحناتها الأولى في مجالها الأول الذي هو
النبوة، ثم انطلقت من النبوة الخاتمة ونبضها الرباني حلقات أجيال
المؤمنين، بفضاءاتها الدعوية والتدبيرية على قدم المساواة قرارا
وتنفيذا.
إن هذه الفضاءات المشكلة من حلقات
الانتشار الإسلامي ( انظر الشكل 1 )أو
فضاءات الدعوة كما يمكن أن يطلق عليها، يكون لها في المجال السياسي
دور آخر على قاعدة تدبير الشأن العام، إذ تتخذ شكل فضاءات أخرى
لاتخاذ القرارات وتنفيذها، وتعيين رجال خدمتها ومراقبتهم
ومحاسبتهم، بواسطة الشورى الجماعية، وهي بذلك حينئذ فضاءات شوروية
تشكل صلب نظام الدولة وعنصر الحيوية فيه، كما تمثل في نفس الوقت
تروسا للدفاع عن البيضة، وحماية الحوزة، وترشيد التماسك والتآزر
والتكافل والوعي داخل الأمة ( انظر الشكل 2
).
هذا النظام، نظام الفضاءات الشوروية،
لا مجال فيه للتسلط واحتكار المجد ، كما لا التقاء له بالنظم
الهرمية ذات الطبقات المختزلة أو الملغية لمن تحتها.
ذاك هو النهج الذي عرفه عصر النبوة
الخاتمة قدوة وتعليما، ثم عاشه عهد الخلافة الراشدة الذي يحلب فيه
أبو بكر رضي الله عنه شويهات الأعرابيات، وينام فيه الإمام علي كرم
الله وجهه على الأرض بدون وطاء أو غطاء، ويكتفي فيه عمر رضي الله
عنه بالخبز اليابس والماء.
هذا النظام بخصائصه ومبادئه وقيمه
الربانية وفضاءاته الشوروية، نقطة البدء فيه العقيدة ونقطة الختام
فيه سعادة الدنيا والآخرة، لذلك لا يقبل إلا أن يكون وحده في
مساحته، لا يرقع بأنظمة وضعية ولا ترقع به، فهو غني عن الترقيع،
عصي عن الترويض والتبضيع، والذين يلتمسون من أنظمة استبدادية أن
تطبق الشريعة، إنما يسعون في حقيقة الأمر لتشويهها أو توظيفها
واستغلالها وتحريفها. وما لم يتوفر نظام ما على شرعية الوجود منهجا
نبويا راشدا، فلا مجال لمطالبته بما هو خارج عن طبيعته، وكما أن
الصدقة لا تجوز من ثمار الأرض المغتصبة لانتفاء شرعية تملكها، كذلك
يتعذر تطبيق النظام الإسلامي من فاقد شرعية الوجود.
إن النظام الإسلامي مرتكز على أربعة
دعائم بدونها يفتقد التمثيل الصحيح للإسلام:
1 – شرعية الوجود أولا، ومصدرها حجر
الأساس الذي هو العقيدة.
2 – شرعية التشريع المنبثقة من شرعية
الوجود.
3 – شرعية التسيير والتنفيذ المنبثقة
من شرعية التشريع.
4 – شرعية الهدف المنبثقة من شرعية
الوجود والتشريع والتسيير، وهي التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله
تعالى في الآية 28 من سورة الفتح:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )، والرسول صلى الله
عليه وسلم بقوله: ( لَا يَ |