تاريخ 25 ربيع الثاني 1429هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 

الصفحة الرئيسية

حلقات تفسير القرآن
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور


انقر على الصورة لتكبيرها وللسيرة الذاتية
مـــن نـحـــــن
اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 


الأخلاق من السنة

           الدكتور حسن عبد الرحمن بكير يرد على فريد الأنصاري:

فريد الأنصاري وعقاربه في الدنيا والآخرة

يقول الله عز وجل إنكارا على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِه{ِ النساء 83، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)، و عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس بدون تثبت ولا تدبر ولا تبين، وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بئس مطية الرجل زعموا.

      أذكر بهذه المقدمة الموجزة أخا مسلما لم يسبق أن عرفته ولا سمعت به، قبل أن ينشر أخيرا كتابا عن أحزاب سياسية مغربية ترفع شعار الإسلام ومرجعيته، فيثير في ساحة هذه الأحزاب ضجيج ردود وغبار شتائم وتنابز، وتنبري للرد عليه أقلام متضررين من مقالته متوجسين من تأثير كتابته على مكاسب في جيوبهم وأخرى في مكاتب وزير داخليتهم، لاسيما وهو يعرفهم بالمجاورة والمعاشرة والاطلاع على الأحوال جيد المعرفة، وما كان لي أن أخوض هذه المباءة التي أثيرت لولا أن ظلم فيها فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي غيبة وبهتانا بغير حق، واقترض فيها فريد الأنصاري من عرضه ما اقترض غير هياب من قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا امرأ اقترض من عرض أخيه فذاك الذي حرج وهلك).

      فرأيت أن أرد عن عرض هذا الشيخ الذي أفنى شبابه في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وما ذهب من كهولته في تأسيس الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة، ويقضي حاليا شيخوخته منذ أزيد من ثلث قرن منفيا خارج وطنه، محكوما عليه غيابيا مرة بالمؤبد ثم مرتين بالإعدام، دون أن تلين له قناة، أو تحدثه نفسه بالركوع لظالم أو طاغية.

     وهذا الموقف مني امتثال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة).

      لا أرى من فضل أو مروءة للرد على " الأخ فريد الأنصاري"مؤلف الكتاب، بما يؤذيه من القول أو التعريض أو اللمز والنبز، أو بمثل ما رد به عليه خصومه الذين عايشهم وشاركهم جمعيتهم وحزبهم ونشاطهم، وعرف منهم ما عرفوا منه، وأنكر منهم ما أنكروا عليه. لأن من الأدب مع الله ثم مع الناس أن يلزم المرء حدود الشرع في القول والمعاملة وقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصا من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) وأعوذ بالله من أن أخاصم مسلما، أو أن أفجر في خصومته.

      لذلك رأيت أن أتثبت في الأمر، فبحثت عن الكاتب "فريد الأنصاري" وعلمت أنه ولد سنة 1960 م بإقليم الراشدية، وسألت فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي عنه فذكر لي أنه لم يعرفه قط ولم يلتق به مطلقا، ولم يقرأ له بتاتا، ولا يعرف عنه خيرا ولا شرا.

      وعندما غادر فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي وطنه إلى المنفى سنة 1975 ولم يعد لحد الآن، لم يكن فريد الأنصارى قد بلغ سن الرشد، ولم يتجاوز السنة الخامسة عشرة من عمره. وهذا يوضح بما لا يدع مجالا للبس أن الأخ فريد الأنصاري قد حدث في كتابته عن فضيلة الشيخ بهتانا وإفكا، وليس من الحكمة أن تكون مطية الرجل لسان غيره ، ولا أن ينال بدون تثبت أو تدبر أو تبين ممن لم يلتق بهم ولم يعرفهم أو يجربهم.

     لا شك أن الأجهزة الأمنية وأدواتها ممن لا خلاق لهم قد جندوا ألسنتهم وأقلامهم ومكروا مكرهم منذ أكثر من ثلث قرن لتشويه سمعة فضيلة الشيخ عبد الكريم واستئصاله من ساحة الدعوة الإسلامية، دفاعا عن الدولة التي نفته وطاردته في الآفاق، وحاولت مرارا قتله غيلة وغدرا، فلم تستفزه الشتائم ولا الغيبة ولا البهتان ولم يرد على أحد منهم، ولم تصرفه أفاعيل النظام وأوليائه عن دعوته وعقيدته شعاره دائما قوله تعالى ({وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }القصص55).

      لذلك لا يعد من الدين أومن العقل أن ينقل الأخ فريد الأنصاري ما تروج له الأجهزة وأتباعها ، ويكفي المرء كي يكف عن هذا التصرف ما ورد في صحيح مسلم (1/11) وهذا نصه:{ عن أبي عثمان النهدي قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وحدثني أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح قال أخبرنا بن وهب قال قال لي مالك اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وحدثنا محمد بن المثنى قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع }.

      كذلك ليس من أخلاق المؤمن أن يرد بمثل ما قيل له أو عنه، لأن من طبيعة النفوس غير المؤدبة بأدب القرآن أن تقول للناس ما تريد فيحتملوا لها، وأن تغضب إن قيل لها مثل الذي قالت، لا سيما ونحن في زمن اشتبه المعروف فيه بالمنكر وأصبح البعض يتقرب إلى الله بما يباعده عنه، ويتحبب إليه بما يبغضه {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8.

      فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي يقيم الشهادة عليه من عاشره وخالطه وعامله من غير الحاقدين عليه أو المأجورين لإلحاق الأذى به وتشويه سمعته كذبا وبهتانا، ولعلي أكون من أولى الناس بمعرفته وقد أمضيت بالقرب منه أكثر من عشرين سنة، فلم أر فيه – والله شهيد على ما أقول – إلا الحريص على دينه ودعوته، المنشغل على الدوام بقضايا إخوته، لا ينام له جفن إذا بلغه أن أخا في ضائقة أو به مكروه، يؤثر على نفسه ويهرع إلى إغاثة المحتاج.. ينصح ويلح على النصيحة ويعدها واجبا لا تعفي منه ظروف الأمن ولا حسابات السياسة ...لأن أهم أساس في تعامل الإخوة كما علمنا دائما الإخلاص لله تعالى ومراعاة حقوق الأخوة صدقا ونصيحة ونصرة وعدم خذلان. ولهذا كان لنا جميعا مربيا في مقام الوالد متواضعا ناصحا أمينا مشاورا حتى في كثير من قضاياه الشخصية، وهو بذلك يقدم القدوة والمثال لرجل الدعوة ورجل الخلق الإسلامي الحق.

      لقد فتح الشيخ عينيه قبل سن الرشد على الحركة الوطنية المغربية، وشارك عند بلوغه الثامنة عشرة في المقاومة المسلحة لطرد الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال كان بجانب شيخ الإسلام محمد العربي العلوي والدكتور المهدي بن عبود والشيخ محمد الحمداوي في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يمثل معهم فيه التيار الإسلامي المعارض للفساد والمنابذ للانحراف. ثم في نهاية الستينات أسس الصحوة الإسلامية المعاصرة وبسببها حوكم ونفي منذ سنة1975م.

      فهل يرى الأخ فريد الأنصاري في هذه السيرة من عيب سوى أن الله أنقذ الشيخ فيها من مكر الماكرين وكيد الكائدين وتآمر المتآمرين؟

      يتهم الكاتب فضيلة الشيخ بالمراوغة والخداع وما سماه "العقلية المطيعية" ، وأنا أسأله: متى راوغك فضيلة الشيخ وأنت لم تره ولم تتصل به ولم تشترك معه في أمر قط، وعندما نفي من وطنه كنت لم تبلغ سن الرشد بعد؟

      ومتى خدعك فضيلة الشيخ وهو لا يعرفك ولم يسمع بك ولا بعائلتك ولم يجر اسمك على لسانه قط ؟

      وكيف عرفت "العقلية المطيعية" ومن أين عرفتها؟

     العقلاء يعرفون غيرهم بما عاشروهم أو قرؤوا لهم، وأنت لا تعرف الشيخ، ولم تحاول معرفته من كتاباته التي تمثل عقليته ونهجه وهدفه وأخلاقه.مع أنها في متناول الجميع على الشبكة العنكبوتية، كما لم تحاول التعرف عليه مباشرة وهو لا يرد زائرا ولا يكتم نصيحة، وأنت آمن في سربك، لا شك في ثقة الدولة بك أو ولائك لها.

      لعلك سمعت شكوى الأجهزة الأمنية وأدواتها من أنهم حاولوا إغواء الشيخ فلم يَنْغَوِ، أو خداعه فلم ينخدع، أو شراء ذمته فلم يبعها، وهذه فضائل فيه، وليست مذمة أو منقصة له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن كيس فطن حذر وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل لا يبالي من أين كسب وفيم أنفق) وقديما قال عمر رضي الله عنه: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني).

      ولعلك تردد دون وعي منك ما تقوله الأجهزة الأمنية في حربها على فضيلة الشيخ، من أنه داهية وخطير ومراوغ، لأنه رفض أن يتعامل معها ثقة منه في الله واعتصاما بحبله، ولأنها لم تستطع إسقاطه في حبائلها أو حبائل شياطينها، ولأنها تريد أن تلقي في قلوب السذج والبله، الخوف والتوجس والحذر منه عند التعامل معه فلا يتأثروا بصدق توجيهاته ونصحه، ولا يضعوا أيديهم في يده تعاونا معه على البر والتقوى.

      وإذا كان هذا هدف الأجهزة الأمنية من حملة أكاذيبها على الشيخ طيلة ثلث قرن ولم تفلح، فما هو هدف الأخ فريد الأنصاري، والشيخ بعيد عنه لا ينافسه في منصب ولا يضيق عليه في رتبة، أو يسابقه إلى موائد، بعيد عنه زمنا بأكثر من ثلاثين سنة، ومكانا بآلاف الكلمترات، وبعيد عنه حالا بما بين الأمن والخوف، والدعة والمشقة، وطمأنينة الاستقرار وروع البعد عن الأهل والدار، ووطاءة المسكن والفراش ومشقة الغربة والمعاش ؟

      إنه إذا كان ما كتب فريد الأنصاري عن أصحابه الذين عايشهم مبررا لديه فهو قد اشترك معهم في مواطئ الأقدام ومناشط الأيام، وعرف عنهم وعرفوا عنه، وله كما لهم أيد باطشة حاضرة وألسنة ذربة منافحة.

      ولكن استضعاف شيخ منفي عن وطنه وفي سن والده، ليس له لسان يدافع أو يد تبطش، ليس من المروءة أو العفة أو الخلق الكريم .

      كنا ننتظر من الأخ فريد الأنصاري إذ ذكر فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع أن يدرس فكره ونهجه ويقدمه للقراء من خلال كتبه التي تطاردها الدولة وتمنع طبعها، ولو فعل لكان أهلا لما نصب نفسه له، ولكنه أبى إلا أن يغتاب رجلا لم يره ويبهت شيخا لم يسئ إليه، ويأكل لحم أخ مسلم هاجر بدينه وترك عرضه وديعة عند ربه.

      يكفي الشيخ عبد الكريم شهادة منك أن ذكرت أن الدعوة الإسلامية المغربية في أول عهدها قد استوطنت المدارس والمعاهد والثانويات والمساجد وهي فترة طفولتك وبداية شبابك، أي فترة التأسيس على يد فضيلة الشيخ من سنة 1969م إلى سنة 1975م ثم سنوات قليلة بعد مغادرته المغرب إلى منفاه.ثم دبت الفتن والانحرافات التي شاهدتها وشهدت عليها، والشيخ بفضل الله تعالى لا يسأل إلا على ما عملت يداه حاضرا، أما بعد ذلك فالله رقيب على الناس، إن أراد بهم خيرا جمعهم بعده على خيرهم وإن أراد بهم شرا جمعهم على شرهم. ويكفي المتخلفين وراءه أنهم عجزوا عن المحافظة على وديعته لديهم واعتبروها غنيمة دنيوية تكالبوا عليها كما تتكالب الذئاب على الجيف، فمزقوها وتمزقوا وشرذموها فتشرذموا، ولم يوجد فيهم رجل رشيد يجمع الشمل ويضيف بناء إلى الأصل.

      يبقى إذن ما ذكره فريد الأنصاري عن فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع مجرد بهتان وافتراء وقول بغير علم، وشر الروايا روايا الكذب، والكذب لا يصلح في جد ولا هزل. وقد سئل رسول الله عن عمل أهل النار فقال: الكذب، إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار، وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم انه قد أحدث منها توبة، وعن أبى برزة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا إن الكذب يسود الوجه...، وعن جابر بن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح منتنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين.

      من الحكم والأمثال عند العامة أن التقرب من الخلق قد يكون بما يغضب الخالق عز وجل، ولكن التقرب من الخالق لا يكون إلا بما يرضيه عز وجل، فمتى علم الأخ فريد الأنصاري أن الله يرضى بأن يستضعف شيخا في سن والده ويبهت داعية إلى الله بقلمه ولسانه، ويطارد مهاجرا في سبيل الله، تتربص به دوائر الظالمين في كل مكان، ويأكل لحمه كل متزلف لسلطان، ويفجر بالكذب عليه وشتمه المتعيشون بأعراضهم والمتعقربون بألسنتهم؟.

الدكتور حسن عبد الرحمن بكير

أستاذ جامعي ورئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في هولندا

 

 

 

حُسْنُ الْخُلُقِ

 رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:{ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَأَكْرِمُوهُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ إلَّا بِهِمَا}. وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَدْوَأِ الدَّاءِ ؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ الْخُلُقُ الدَّنِيُّ وَاللِّسَانُ الْبَذِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ ضَاقَ رِزْقُهُ. وَعِلَّةُ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْحَسَنُ الْخُلُقِ مَنْ نَفْسُهُ فِي رَاحَةٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي سَلَامَةٍ. وَالسَّيِّئُ الْخُلُقِ النَّاسُ مِنْهُ فِي بَلَاءٍ، وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي عَنَاءٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: عَاشِرْ أَهْلَك بِأَحْسَنِ أَخْلَاقِك فَإِنَّ الثَّوَاءَ فِيهِمْ قَلِيلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :

إذَا لَمْ تَتَّسِعْ أَخْلَاقُ قَـوْمٍ                 تَضِيقُ بِهِمْ فَسِيحَاتُ الْبِلَادِ

إذَا مَا الْمَرْءُ لَمْ يُخْلَقُ لَبِيبًا                  فَلَيْسَ اللُّبُّ عَنْ قِدَمِ الْوِلَادِ

فَإِذَا حَسُنَتْ أَخْلَاقُ الْإِنْسَانِ كَثُرَ مُصَافُوهُ، وَقَلَّ مُعَادُوهُ، فَتَسَهَّلَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ الصِّعَابُ، وَلَانَتْ لَهُ الْقُلُوبُ الْغِضَابُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ{ حُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ}. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مِنْ سَعَةِ الْأَخْلَاقِ كُنُوزُ الْأَرْزَاقِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَثْرَةِ الْأَصْفِيَاءِ الْمُسْعِدِينَ، وَقِلَّةِ الْأَعْدَاءِ الْمُجْحِفِينَ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{ أَحَبُّكُمْ إلَيَّ أَحْسَنكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ}. وَحُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ يَكُونَ سَهْلَ الْعَرِيكَةِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، طَلِيقَ الْوَجْهِ، قَلِيلَ النُّفُورِ، طَيِّبَ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ فَقَالَ: { أَهْلُ الْجَنَّةِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ طَلْقٍ}. قَالَ الشَّاعِرُ :

أَصْفُو وَأَكْدُرُ أَحْيَانًا لِمُخْتَبِرِي          وَلَيْسَ مُسْتَحْسَنًا صَفْوٌ بِلَا كَدَرِ

 وَلَيْسَ يُرِيدُ بِالْكَدَرِ الَّذِي هُوَ الْبَذَاءُ وَشَرَاسَةُ الْخُلُقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ لَا يُسْتَحْسَنُ وَعَيْبٌ لَا يُرْتَضِي . وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْكَفَّ وَالِانْقِبَاضَ فِي مَوْضِعٍ يُلَامُ فِيهِ الْمُسَاعِدُ وَيُذَمُّ فِيهِ الْمُوَافِقُ ، فَإِذَا كَانَتْ لِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ حُدُودٌ مُقَدَّرَةٌ وَمَوَاضِعُ مُسْتَحَقَّةٌ فَإِنْ تَجَاوَزَ بِهَا الْحَدَّ صَارَتْ مَلَقًا وَإِنْ عَدَلَ بِهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا صَارَتْ نِفَاقًا. وَالْمَلَقُ ذُلٌّ ، وَالنِّفَاقُ لُؤْمٌ، وَلَيْسَ لِمَنْ وُسِمَ بِهِمَا وُدٌّ مَبْرُورٌ وَلَا أَثَرٌ مَشْكُورٌ. وَقَدْ رَوَى حَكِيمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { شَرُّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ }. وَرَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَجِيهًا عِنْد اللَّهِ تَعَالَى }. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُرْوَةَ: لَأَنْ يَكُونَ لِي نِصْفُ وَجْهٍ وَنِصْفُ لِسَانٍ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ قُبْحِ الْمَنْظَرِ وَعَجْزِ الْمَخْبَرِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ وَذَا قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

خَلِّ النِّفَاقَ لِأَهْلِـهِ وَعَلَيْك فَالْتَمِسِ الطَّرِيقَا

وَارْغَبْ بِنَفْسِك أَنْ تُرَى إلَّا عَدُوًّا أَوْ صَدِيقَا

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ:

وَكَمْ مـِنْ صَدِيـقٍ وُدُّهُ بِلِسَـــانِهِ خَؤونٌ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لَا يَتَذَمَّمُ

يُضَاحِكـُنِي عَجَبًا إذَا مَا لَقِيـــتُهُ، وَيَصْدُفُنِي مِنْهُ إذَا غِبْتُ أَسْهُمُ

كَذَلِكَ ذُو الْوَجْهَيْنِ يُرْضِيك شَاهِدًا وَفِي غَيْبِهِ إنْ غَابَ صَابٌ وَعَلْقَمُ

وَرُبَّمَا تَغَيَّرَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْوَطَاءُ إلَى الشَّرَاسَةِ وَالْبَذَاءِ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ ، وَأُمُورٍ طَارِئَةٍ ، تَجْعَلُ اللِّينَ خُشُونَةً وَالْوَطَاءَ غِلْظَةً وَالطَّلَاقَةَ عُبُوسًا. فَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْوِلَايَةُ ( أي السلطة والجاه ) الَّتِي تُحْدِثُ فِي الْأَخْلَاقِ تَغَيُّرًا، وَعَلَى الْخُلَطَاءِ تَنَكُّرًا، إمَّا مِنْ لُؤْمِ طَبْعٍ، وَإِمَّا مِنْ ضِيقِ صَدْرٍ. وَقَدْ قِيلَ: مَنْ تَاهَ فِي وِلَايَتِهِ ذَلَّ فِي عَزْلِهِ. وَقِيلَ: ذُلُّ الْعَزْلِ يُضْحِكُ مِنْ تِيهِ الْوِلَايَةِ. وَمِنْهَا: الْعَزْلُ فَقَدْ يَسُوءُ بِهِ الْخُلُقُ وَيَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ إمَّا لِشِدَّةِ أَسَفٍ أَوْ لِقِلَّةِ صَبْرٍ. حَكَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عُزِلَ عَنْ وِلَايَةٍ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنِّي وَجَدْتهُا حُلْوَةَ الرَّضَاعِ مُرَّةَ الْفِطَامِ. وَمِنْهَا: الْغِنَى فَقَدْ تَتَغَيَّرُ بِهِ أَخْلَاقُ اللَّئِيمِ بَطَرًا، وَتَسُوءُ طَرَائِقُهُ أَشَرًا. وَقَدْ قِيلَ: مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ. وَأَنْشَدَ الرِّيَاشِيُّ:

غَضْبَـــانُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَالَ سَاقٍ لَهُ مَا لَمْ يَسْقِهِ لَهُ دِينٌ وَلَا خُلُقُ

فَمَنْ يَكُنْ عَنْ كِرَامِ النَّاسِ يَسْأَلُنِي فَأَكْرَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَرِقُ

 وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :

فَإِنْ تَكُـنْ الدُّنْيَا أَنَالَتْك ثَرْوَةً فَأَصْبَحْت ذَا يُسْرٍ وَقَدْ كُنْت ذَا عُسْر

ِ لَقَدْ كَشَفَ الْإِثْرَاءُ مِنْك خَلَائِقًا مِنْ اللُّؤْمِ كَانَتْ تَحْتَ ثَوْبٍ مِنْ الْفَقْر

ِ وَبِحَسَبِ مَا أَفْسَدَهُ الْغِنَى كَذَلِكَ يُصْلِحُهُ الْفَقْرُ. وَكَتَبَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إلَى الْحَجَّاجِ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ الْتَاثُوا عَلَيْهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْ عَنْهُمْ الْأَرْزَاقَ، فَفَعَلَ فَسَاءَتْ حَالُهُمْ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: أَقِلْنَا . فَكَتَبَ إلَى الْحَجَّاجِ فِيهِمْ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ كُنْت آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَأَجْرِ عَلَيْهِمْ مَا كُنْتَ تُجْرِي. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ جُنْدُ اللَّهِ الْأَكْبَرَ يُذِلُّ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يَتَكَبَّرُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ{ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذَلَّ ابْنَ آدَمَ بِثَلَاثٍ مَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ لِشَيْءٍ: الْفَقْرُ، وَالْمَرَضُ ، وَالْمَوْتُ }. وَمِنْهَا: الْفَقْرُ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْخُلُقُ إمَّا أَنَفَةً مِنْ ذُلِّ الِاسْتِكَانَةِ أَوْ أَسَفًا عَلَى فَائِتِ الْغِنَى. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ} . وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:

وَأَعْجَبُ حَالَاتِ ابْنِ آدَمَ خَلْقُهُ يَضِلُّ إذَا فَكَّرْتَ فِي كُنْهِهِ الْفِكْرُ

فَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ بَقَــاؤُهُ وَيَجْزَعُ مِمَّا صَارَ وَهُوَ لَهُ ذُخْرُ

 وَرُبَّمَا تَسَلَّى مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْأَمَانِي، وَإِنْ قَلَّ صِدْقُهَا. فَقَدْ قِيلَ : قَلَّمَا تَصْدُقُ الْأُمْنِيَّةُ وَلَكِنْ قَدْ يُعْتَاضُ بِهَا سَلْوَةً مِنْ هَمٍّ أَوْ مَسَرَّةٍ بِرَجَاءٍ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: حَرِّكْ مُنَاك إذَا اغْتَمَمْت فَإِنَّهُنَّ مَرَاوِحُ، وَقَالَ آخَرُ:

إذَا تَمَنَّيْتَ بِتَّ اللَّيْلَ مُغْتَبِطًا إنَّ الْمُنَى رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ

 وَمِنْهَا الْهُمُومُ الَّتِي تُذْهِلُ اللُّبَّ، وَتَشْغَلُ الْقَلْبَ، فَلَا تَتْبَعُ الِاحْتِمَالَ وَلَا تَقْوَى عَلَى صَبْرٍ. وَقَدْ قِيلَ: الْهَمُّ كَالسُّمِّ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: الْحُزْنُ كَالدَّاءِ الْمَخْزُونِ فِي فُؤَادِ الْمَحْزُونِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :

هُمُومُك بِالْعَيْشِ مَقْرُونَةٌ فَمَا تَقْطَعُ الْعَيْشَ إلَّا بِهِمْ

إذَا تَمَّ أَمْرٌ بَدَا نَقْصُهُ تَرَقَّبْ زَوَالًا إذَا قِيلَ تَـــمْ

إذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمْ

وَحَـــامِ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الْإِلَهِ فَإِنَّ الْإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ

حَلَاوَةُ دُنْيَــاك مَسْمُومَةٌ فَمَا تَأْكُلُ الشَّهْدَ إلَّا بِسُمْ

فَكَمْ قَدَرٌ دَبَّ فِي مُهْلَةٍ فَلَمْ يَعْلَـمِ النَّاسُ حَتَّى هَجَمْ

وَمِنْهَا الْأَمْرَاضُ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الطَّبْعُ مَا يَتَغَيَّرُ بِهَا الْجِسْمُ، فَلَا تَبْقَى الْأَخْلَاقُ عَلَى اعْتِدَالٍ وَلَا يُقْدَرُ مَعَهَا عَلَى احْتِمَالٍ. وَقَدْ قَالَ الْمُتَنَبِّي:

آلَةُ الْعَيْشِ صِحَّةٌ وَشَبَــابُ فَإِذَا وَلَّيَـا عَـنْ الْمَرْءِ وَلَّى

وَإِذَا الشَّيْخُ قَالَ أُفٍّ فَمَا مَــلَّ حَيَاةً وَإِنَّمـَا الضَّعْفَ مَلَّا

وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنْ النَّاسِ كُفُئًا ذَاتُ خِدْرٍ أَرَادَتْ الْمَوْتَ بَعْلَا

أَبَـدًا تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنْيَا فَيَا لَيْتَ جُودَهَا كَانَ بُخْــلَا

وَمِنْهَا عُلُوُّ السِّنِّ وَحُدُوثُ الْهَرَمِ لِتَأْثِيرِهِ فِي آلَةِ الْجَسَدِ كَذَلِكَ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي أَخْلَاقِ النَّفْسِ، فَكَمَا يَضْعُفُ الْجَسَدُ عَنْ احْتِمَالِ مَا كَانَ يُطِيقُهُ مِنْ أَثْقَالٍ فَكَذَلِكَ تَعْجِزُ النَّفْسُ عَنْ أَثْقَالِ مَا كَانَتْ تَصْبِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْوِفَاقِ، وَمَضِيقِ الشِّقَاقِ، وَكَذَلِكَ مَا ضَاهَاهُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ النَّمَرِيُّ:

مَا كُنْتُ أُوفِي شَبَــابِي كُنْهَ عِزَّتِهِ حَتَّى مَضَى فَإِذَا الدُّنْيَا لَهُ تَبَــعُ

مَا كَانَ أَقْصَــرَ أَيَّامِ الشَّبَابِ وَمَا أَبْقَى حَلَاوَةَ ذِكْرَاهُ الَّتِي تَــدَعُ

مَا وَاجَهَ الشَّيْـبُ مِنْ عَيْنٍ وَإِنْ رَمَقَتْ إلَّا لَهَا نَبْوَةٌ عَنْهُ وَمُرْتَــدَعُ

قَدْ كِدْت تَقْضِي عَلَى فَوْتِ الشَّبَابِ أَسًى لَوْلَا يُعَزِّيك أَنَّ الْعُمْرَ مُنْقَطِعُ

فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ أَحْدَثَتْ سُوءَ خُلُقٍ كَانَ عَامًّا. وَهَا هُنَا سَبَبٌ خَاصٌّ يُحْدِثُ سُوءَ خُلُقٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الْبُغْضُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ فَتُحْدِثُ نُفُورًا عَلَى الْمُبْغَضِ، فَيَؤُولُ إلَى سُوءِ خُلُقٍ يَخُصُّهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ سُوءُ الْخُلُقِ حَادِثًا بِسَبَبٍ كَانَ زَوَالُهُ مَقْرُونًا بِزَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ، ثُمَّ بِالضِّدِّ.

من أدب الدنيا والدين

 رسالة الحسن البصري

إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما

اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد عبدك و رسولك و خليلك و على آله الطيبين الطاهرين . عدد ما في علم الله العظيم . صلاة و سلاما و بركات دائمة بدوام ملك الله العظيم

أما بعد:
 اِعْلمْ يا أمير المؤمنين أن الدنيا دار ظعن و ليست بدار إقامة . و إنما أهبط إليها آدم من الجنة عقوبة . و قد يحسب من لا يدري ما ثواب الله أنها ثواب . و من لم يدر ما عقاب الله أنها عقاب . و لها في كل يوم صرعة . و ليست صرعة كصرعة . هي تهين من أكرمها . و تذل من أعزها . و تصرع من آثرها . و لها في كل حين قتلى . فهي كالسم يأكله من لا يعرفه و فيه حتفه . فالزاد منها تركها. والغنى منها فقرها . فكن فيها يا أمير المومنين كالمداوي جرحه . يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء . يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا  فإن أهل الفضائل كان منطقهم فيها بالصواب. و مشيهم بالتواضع. مطعمهم الطيب من الرزق. مغمضي أبصارهم عن المحارم. فخوفهم في البر كخوفهم في البحر. ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء. لولا الآجال التي كتبت لهم ما تقاوت أرواحهم في أجسادهم خوفا من العقاب. و شوقا إلى الثواب. عظم الخالق في نفوسهم. فصغر المخلوق في أعينهم .
واعلم يا أمير المؤمنين أن التفكير يدعو إلى الخير و العمل به. و أن الندم على الشر يدعو إلى تركه. و ليس ما يفنى وإن كان كثيرا بأهل أن يؤثر على ما يبقى و إن كان طلبه عزيزا. و احتمال المؤنة المنقطعة التي تُعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تُعقب مؤنة باقية و ندامة طويلة . فاحذر الدنيا الصارعة الخاذلة القاتلة التي قد تزينت بخدعها  وقتلت بغرورها و خدعت بآمالها . فأصبحت الدنيا كالعروس المجلية . فالعيون إليها ناظرة . و القلوب عليها والهة . و النفوس لها عاشقة . و هي لأزواجها كلهم قاتلة . فلا الباقي بالماضي معتبر . و لا الآخر لما رأى من أثرها على الأول مُــزدَجَر . و لا العارف بالله المصدق له حين أخبر عنها مدَّكر . فأبت القلوبُ إلا لها حبا . و أبت النفوسُ إلا لها عشقا . و من عشق شيئا لم يلهم نفسه غيره . و لم يعقل شيئا سواه . مات في طلبه و كان آثر الأشياء عنده . فهما عاشقان طالبان مجتهدان:

  فعاشق قد ظفر منها بحاجته . فاغتر و طغى و نسي و لها . فغفل عن مبتدأ خلقه. وضيع ما إليه معاده . فقلَّ في الدنيا لبثه. حتى زالت عنه قدمه . و جاءت منيته على شر ما كان حالا . و أطول ما كان فيها أملا . فعظم ندمه . و كثرت حسرته مع ما عالج من سكرته . فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته . و حسرة الفوت بغصته . فغير موصوف ما نزل به .

و آخر ميت مات من قبل أن يظفر منها بحاجته . فمات بغمه و كمده . و لم يدرك فيها ما طلب . و لم يرح نفسه عن التعب و النصب و اللعب .

فخرجا جميعا بغير زاد . و قدما على غير مهاد . فاحذرها الحذر كله . فإنما مثلها كمثل الحية لين مسها تقتل بسمها . فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها . و ضع عنك همومها لما قد أيقنت به من فراقها . و اجعل شدة ما اشتد منها رجاء ما ترجو بعدها . و كن عند أسرِّ ما تكون منها أحذر ما تكون لها .

فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صحبته من سرورها بما يسوؤه. و كلما ظفر منها بما يحب انقلبت عليه بما يكره . فالسار منها لأهلها غار . و النافع منها غدا ضار . و قد وصل الرخاء منها بالبلاء . و جعل البقاء فيها إلى الفناء . فسرورُها بالحزن مشوب . والناعم فيها مسلوب. وانظر يا أمير المومنين إليها نظر الزاهد المفارق . و لا تنظر نظر المبتلى العاشق الوامق . و اعلم أنها تُـزيل الثاوي بالساكن . و تفجع المترف فيها بالآمن . ولا ترجع فيها ما تولى منها و أدبر . و لا بد مما هو آت منها ينتظر . و لا يتبع ما صفا منها إلا كدر . فاحذرها فإن أمانيها كاذبة . و آمالها باطلة . و عيشها نكد . و صفوها كدر . و أنت منها على خطر . إما نعمة زائلة . و إما بلية نازلة . و إما مصيبة فادحة . و إما منية قاضية . فلقد كدرت المعيشة لمن عقل . فهو من نعيمها على خطر . و من بليتها على حذر . و من المنية على يقين . فلو كان الخالق تبارك و تعالى اسمه لم يخبر عنها بخبر . و لم يضرب لها مثلا . و لم يأمر فيها بزهد . لكانت الدنيا قد أيقظت النائم . و نبهت الغافل . فكيف وقد جاء عن الله عز و جل منها زاجر و فيها واعظ . فما لها عنده قدر . و لا لها عنده وزن من الصغر . فلهي عنده أصغر من حصاة في الحصى . و من مقدار نواة في النوى . ما خلق الله عز وجل خلقا فيما بلغنا أبغض إلى الله تبارك و تعالى منها . ما نظر إليها منذ خلقها . و لقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها و خزائنها لا ينقصه ذلك عند الله عز و جل جناح بعوضة فأبى أن يتقبلها . و ما منعه من القبول لها – مع ما لا ينقصه الله عز و جل شيئا مما عنده كما وعده – إلا أنه علم أن الله عز و جل أبغض شيئا فأبغضه . و صغر شيئا فصغره . و لو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها . و لكنه كره أن يخالف أمره . أو يحب ما أبغض خالقه . أو يرفع مما وضع مليكه . ولا تأمن من أن يكون هذا الكلام عليك حجة، نفعنا الله و إياك بالموعظة و السلام عليك و رحمة الله .

 

إبلاغ الواعي لحديث التداعي

الأستاذ الدكتور.مرهف سقا

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فهذا شرح حديث ثوبان رضي الله عنه في تداعي الأمم على خير الأمم أسأل الله تعالى أن أكون موفقاً فيه فهو حسبي ونعم الوكيل أبدؤه بسرد ألفاظ الحديث مخرجة ثم شرح ألفاظها ثم شرح الحديث واستنباط ما يرشد إليه.

روايات الحديث :

1 ـ عن ثوبان قال:قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يوشك الأمم أن   تداعى عليكم  كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت( 1 ).

قال المنذري: أبو عبد السلام [ الراوي عن ثوبان ]هذا هو صالح بن رستم الهاشمي الدمشقي سئل عنه أبو حاتم فقال مجهول لا نعرفه  .  

2 ـ عن ثوبان : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : توشك الأمم أن   تداعى عليكم  كما يتداعى القوم على قصعتهم ينزع الوهن من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم وتحبب إليكم الدنيا قالوا من قلة قال أكثركم غثاء كغثاء السيل (2) .

3 ـ عن ثوبان مولى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يوشك أن   تداعى عليكم  الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت(3) .

4 ـ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله قال توشك الأمم أن   تداعى عليكم  كما تداعى الآكل إلى قصعتكم قالوا من قله نحن يومئذ قال بل انتم يومئذ كثير عددكم وليقذفن الوهن في قلوبكم قالوا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت(4)

5 ـ عن ثوبان مولى النبي  صلى الله عليه وسلم  قال يوشك أن تداعى عليكم  الأمم كما تداعى على القوم إلى قصعتهم قال قيل من قلة قال لا ولكنه غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب في قلوب عدوكم بحبكم الدنيا وكراهتكم الموت (5)

6 ـ عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن   تداعى عليكم  الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قالوا من قلة بنا يومئذ قال أنتم ذلك اليوم كثير ولكن غثاء كغثاء السيل تنتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت(6 ) .

7 ـ عن ثوبان مولى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال توشك الأمم أن   تداعى عليكم  كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قيل أمن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم كثير ولكن غثاء كغثاء السيل ولتنزعن المهابة منكم وليقذفن الوهن في قلوبكم قالوا وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت .

 رواه عن دحيم الدمشقي عن بشر بن بكر عن جابر(7) .

غريب الحديث والمعنى(8):

يوشك الأمم : أي يقرب فرق الكفر وأمم الضلالة .

التداعي الاجتماع ودعاء البعض بعضا . وهي بحذف إحدى التاءين، أي تداعي بأن يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال والمراد من الأمم فرق الكفر والضلالة.    

الأكلة: ضبط في بعض النسخ الصحيحة بفتحتين بوزن طلبة وهو جمع آكل وقال في المجمع نقلا عن المفاتيح في شرح المصابيح ويروي الأكلة بفتحتين أيضا جمع آكل انتهى وقال فيه قبيل هذا ورواية أبي داود لنا الآكلة بوزن فاعله وقال القاري في المرقاة آكلة بالمد وهي الرواية على نعت الفئة والجماعة أو نحو ذلك كذا روي لنا عن كتاب أبي داود وهذا الحديث من أفراده ذكره الطيبي رحمه الله ولو روى الأكلة بفتحتين على أنه جمع آكل اسم فاعل لكان له وجه وجيه انتهى.

قال صاحب عون المعبود : قلت  قد روي بفتحتين أيضا كما عرفت.

 والمعنى كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا ( إلى قصعتها ) الضمير للأكلة أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوا صفوا كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم قاله القاري.

 قال في المجمع أي يقرب أن فرق الكفر وأمم الضلالة أن   تداعى عليكم  أي يدعو بعضهم بعضا إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار كما أن الفئة آكلة يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع فيأكلونها صفوا من غير تعب انتهى.

(ومن قلة ) خبر مبتدأ محذوف وقوله (نحن يومئذ ) مبتدأ والخبر صفة لها أي إن ذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها. (يومئذ كثير ) :أي عددا وقليل مددا ولكنكم غثاء كغثاء

غثاء كغثاء السيل: (غثاء ) بالضم والمد وبالتشديد أيضا،وهو ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم.  ولينزعن : أي ليخرجن .

المهابة أي الخوف والرعب.  وليقذفن : بفتح الياء أي وليرمين الله ( الوهن ) :أي الضعف. وكأنه أراد بالوهن ما يوجبه، ولذلك فسره بحب الدنيا وكراهية الموت قاله القاري. وما الوهن : أي ما يوجبه وما سببه قال الطيبي رحمه الله سؤال عن نوع الوهن أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين ونسأل الله العافية.

واقعنا والحديث :

يضعنا النبي صلى الله عليه وسلم أمام صورة حركية مدهشة ، يمثلها بقوم جياع شرهين يبحثون عن وليمة باردة سهلة يأكلونها، وعندما يجدون هذه الفريسة؛ يقف كل واحد منهم على مشارف الطرق ويذهب إلى النوادي والمحافل يدعو الأمم والفرق والأفراد ، بينما هنا الداعي إلى الطعام لئيم حاقد تأصل فيه الشر حتى صار معدناً للشر ، أي كما يدعو صاحب الطعام ضيوفه إلى الوليمة كذلك الأمم والفرق الضالة تدعوا بعضها عليكم  إذ أنتم الوليمة يومئذ.

وتأمل هذا التشبيه الأول للمسلمين بالقصعة ، الغنيمة الباردة .. التي يهيئها صاحبها بالنسق الذي يسيل لعابه ويتحكم بشكلها وطعمها ، والقصعة بين يديه مستسلمة تنتظر موعد وصولها إلى فم آكلها .

إن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم تداعي الأمم بتداعي الأكلة ليوحي بنفسية عفنة انطوت على شراهة واندفاع شديد نحو القصعة يغذيه جوع دموي دفين .

ولعل هذا ما أدى بسيدنا ثوبان رضي الله عنه أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب التداعي ، هل هو من القلة حتى استخفت هذه الأمم بالمسلمين واستهترت بما معهم؟ .

فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم جواب الحكيم الذي يفتح مدارك الوعي الإيماني في قلب وعقل المسلم حتى لا يكون ثغرة يؤتى من خلالها على المسلمين وبلادهم فيكون سبباً لذلة إخوانه .

نعم ليست القلة هي السبب ، ألم تر إلى المسلمين في بدر لقد كانوا قلة ،ولم يستطع عليهم عدوهم ، وكذلك في الأحزاب تداعى الجمع عليهم ولم يحقق الله آمال الكافرين في المسلمين مع أن المسلمين قلة .

إذن ليس للعدد وزن ولا قيمة عند الله ، ولم يجعله الله السبب الرئيس للانتصار في المعارك.

بل المسلمون عندما تتداعى الأمم عليهم يومئذ كثير ، ولكن .. هم غثاء كغثاء السيل ، تأمل أخي المسلم هذا التشبيه الثاني للمسلمين بالغثاء وهو ما ارتفع على وجه الماء وحمله السيل من الوسخ والجيف والأعواد .... مما لا ينفع الناس ولا يقوم به شيء ، ومعلوم أن الغثاء تبع للسيل الجارف لا يقوى على المصادمة ولا خيار له في الطريق الذي يسلكه مع السيل ، بل شأن هذا الغثاء السمع والطاعة من السيل الذي يحصد كل ما أتى أمامه .

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم سبب هذا الاستسلام والانقياد الأعمى مع معرفة المنقاد أنه ذاهب إلى الهاوية، وكأنه صلى الله عليه وسلم قرأ ما في نفس كل سامع للحديث السؤال الذي يتداعى إلى النفس : وممّ هذا ؟

فيجيب الرسول الرحيم بقوله ((ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن )) وفي لفظ آخر ((ينزع الوهن من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم )) وفي رواية (( ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن )) ، وفي لفظ  : (( تـنـتـزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن )) .

إن هذه الألفاظ تشير إلى :

ـ أن أعداءنا كانوا يهابوننا ، (( ينتزع المهابة من قلوب عدوكم )) ومثله من روايات الحديث السابقة ، وهذه المهابة لنا في قلوب العدو سببها الوهن الذي فيهم ، والذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بـ (حب الدنيا وكراهية الموت) ، وهذا ما يؤيده الرواية الأخرى للحديث ((ينزع الوهن من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم)) .

إذن إن الوهن الذي أصاب أعداءنا سببه حبهم للدنيا كما قال تعالى : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96).

هذا من طرفهم ، وأما من طرف المسلمين فحبهم للموت كان يزرع المهابة في قلوب عدوهم ، وهذا مما يجعل أعداء الإسلام  يحسبون للمسلمين كل حساب عندما تراودهم أنفسهم في التورط بالقتال مع المسلمين .

ولكن يوم التداعي الذي يحدثنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم تتغير الأحول ، وتتداخل القلوب وتتدخل الأهواء ، ويتحكم الهوى ، وتدخل الدنيا نفوس المسلمين وقلوبهم، وتصبح المصالح هي الموجهة بدل الإيمان ، وتؤثر الدنيا على الدين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة:105): (بل ائتمروا بالمعروف و تناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم .) قال عبد الله بن المبارك : وزاد غير عتبة : ( قيل يا رسول الله : أجر خمسين رجلاً منا أو منهم ؟، قال : بل أجر خمسين منكم . ) (9 ).

ولكن ثوبان رضي الله عنه سمع بـ ( الوهن ) فأخذت انتباهه ، لأنها لفظ مجمل ، والضعف وهن ، والمرض وهن ... فأي أنواع الوهن يصيبهم ؟ ، ثم لكل نوع من الوهن أسبابه..

لكن الجواب أعطى للوهن مدلولاً إيمانياً يشمل كل المعاني السابقة ، وأضاف إليها أم المعاني ، إنه : حب الدنيا وكراهية الموت ، وعند الطيالسي : ( بحبكم الدنيا .. ) فالباء سببية ، أي بسبب حبكم الدنيا وكراهيتكم للموت .

إنه وهن قلبي ، وهن نفسي ، وهن فكري ، وهن عقائدي تسرب إليكم لتشرب قلوبكم حب الدنيا ، فتعلقت بها كتعلق الغريق بقشة يظن فيها النجاة .

فالعدو يمتلك الدنيا ورفاهيتها ، وأخذ يتحكم بها فينا كما يريد ، ويلوح بها أمام أعينا كما يلوح الرجل لكلبه بقطعة لحم ، يزينها له ليستعبده ، فيلهث الكلب ويسيل لعابه ، ويرضى لنفسه أن يكون منقاداً لسيده مقبل أن يعطيه الطعام .

كذلك الذي أشرب قلبه حب الدنيا واستمسكت نفسه بها وظن أن السعادة فيها ، أخذ يخاف من زوالها من يديه فأتقن سبب تحصيلها ، أتدري ما هو ؟ ، أن يكون ذليلاً منقاداً في السيل الجارف ، أن يكون إمعة لا رأي له ، أن يكون ريشة في مهب الريح تتقاذفه الأفكار وتتلاعب فيه العواطف ،أن يكون سلاحاً يحارب به إخوانه المسلمين في الأرض ويحارب به الإسلام .

هل أدركت معي أخي المسلم سر تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لحال المسلمين في زمن التداعي بـ ( القصعة، والغثاء ).

وهل أدركت سر المهانة التي يعيشها المسلمون اليوم ؟ وسر استهانة عدونا بنا وسبب جرأته علينا .

هل وهل .. أسئلة كثيرة تطرح نفسها في كل وقت عندما :

ـ تسمع أن أعداء الإسلام كافة يريدون تغيير المناهج الشرعية في بلاد المسلمين ، وتنعقد المؤتمرات لذلك في بلاد المسلمين ؟.

ـ تسمع تصريحات الصليبيين علناً في محاربة الإسلام ، والقضاء على العلماء ، وما تعلنه جرائدهم وأبواقهم اللئيمة مطالبة بهدم الكعبة المشرفة زادها الله تعظيماً .

ـ تسمع شتمهم للنبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بما لا  يرضاه أحدنا لنفسه فكيف لنبيه؟

ـ ترى قتل المسلمين في أندونيسيا وكشمير وأفغانستان وفلسطين والعراق .. بجهود دولية وتحالفات رسمية تحت شعار الإنسانية .

ـ ترى من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويحملون أفكاراً علمانية يلبسونها ثياباً إسلامية ليستسيغها شباب المسلمين ، ويحرفوا عقولهم ...... .

وغير ذلك كثير مما ينفطر القلب له ، ونحن الذين يبلغ تعدادنا ملياراً وجاوز الربع مليار

 ولكننا كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم غثاء كغثاء السيل .

كم خسرنا عندما خسرنا إيماننا ، كم خسرنا عندما خسرنا خلافتنا ، كم خسرنا عندما خسرنا تشريعنا ، وكم .. وكم.. بل كم خسر العالم عندما خسرنا نحن ، وعندما خسرنا إسلامنا ؟.

إنني لا أتكلم بلهجة اليائس من رحمة الله حاشا ، ولكن أنبه لعلي أجد من يسمع العلاج من هدي النبوة ، فالعلاج في الحديث أن ننزع حب الدنيا من قلوبنا ، وأن نتذاكر الموت فيما بيننا ، وأن نملك مفاصل القوة وأسبابها وأولها كراهية الدنيا وحب الموت .

ولا يظنن ظان أن المقصود بكراهية الدنيا تركها والإعراض عنها بل ترك حبها والتعلق فيها ، و أن تكون بأيدينا لا في قلوبنا .

وأنا على يقين أن الإسلام سبلغ ما بلغته الشمس ، وأن راية الإسلام سترفع في كل مكان على وجه الأرض وخاصة في ما ، ولكن لنقرأ قوله تعالى :

( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد:38)

( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:53)

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد:11).

 

المراجع

(1) ـ أبو داود في السنن  4/111 :دار الفكر ت محيي الدين عبد الحميد

(2) ـ مصنف ابن أبي شيبة ج: 7 ص: 463 ط مكتبة الرشد الرياض ت كمال الحوت

(3) ـ مسند أحمد ج: 5 ص: 278 ط دار قرطبة مصر .

(4) ـ مسند الروياني ج: 1 ص: 427 ت أيمن علي أبو يماني ط دار قرطبة 1416

(5) ـ مسند الطيالسي: ص: 133 ط دار المعرفة بيروت 

(6) ـ حلية الأولياء ج: 1 ص: 182 ط دار الكتاب العربي الرابعة 1405

(7) ـ تهذيب الكمال ج: 13 ص: 46 مؤسسة الرسالة في ترجمة صالح بن رستم . وقد أخرج الحديث البخاري في تاريخه الكبير فقال : (عن أبي هريرة قال النبي  صلى الله عليه وسلم  يوشك أن   تداعى عليكم  الأمم

قاله عيسى بن إبراهيم نا عبد العزيز بن مسلم وقال مؤمل عن عبد العزيز عن إسماعيل عن قيس عن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  والأول أصح .

التاريخ الكبير ج: 4 ص: 340 ط دار الفكر ت هاشم الندوي

(8) ـ عون المعبود ج: 11 ص: 272 ، 273 ، ط دار الكتب العلمية الثانية1415.

(9) ـ أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن غريب صحيح ، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي الحكم . انظر ابن كثير صـ 444 ط مؤسسة الرسالة . ت أنس مصطفى الخن .

المصدر : مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية

أقرأ أيضا:

 

دعوة للتأسي والاقتداء بشمائل النبي المصطفى e

تحل بنا ذكرى المولد النبوي الشريف والأمة الإسلامية تعيش إحدى أحلك فتراتها مصداقا لما سبق أن حذر منه النبي الكريم r أمته بعد أن زاغت عن المحجة البيضاء؛ فتكالبت عليها الأمم شرقية وغربية واحتلت عقر دارها ودنست مقدساتها، وأذلت حكامها واستضعفت شعوبها واستنزفت ثرواتها. فهل تستفيق الأمة من سباتها ويؤوب حكامها إلى رشدهم؟

إن لنا في ذكرى مولد خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام أعظم الدروس والعبر إن نحن عقدنا العزم على الاقتداء بسيرته واتباع ما جاء به من نور وهداية:      } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً { (الأحزاب:21).

ينبغي أن نذكر ابتداء أن إحياء ذكرى مولد المصطفى r ليست احتفالا بعيد حتى تعد ابتداعا في الدين؛ وإنما هي مجرد وقفة للتذكر والاعتبار من أجل التأسي والاقتداء.

ويحسن في هذا المقام أن نذكر ببعض شمائله التي أوجبت له مدح البارئ عز وجل وثناءه ووصفه له بالشهادة فقال تعالى: } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً { (الأحزاب:45- 46).

وفي حديث أبي هالة في وصفه للرسول r  الذي أورده القاضي عياض في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى r" يقول: كان رسول الله r دائم الفكر، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه[أي: لسعة فمه. والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم ]، ويتكلم بجوامع الكلم فضلا، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم ذواقا، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشارَ بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح [مال وانقبض ]، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام [ البرد ].

قال الحسن: فكتمها الحسين بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول الله r ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا.

قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول الله r فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاث أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزءا جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا، فكان من سيرته من جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم في ما أصلحهم، والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: « ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، ولا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره ».

وقال في حديث سفيان بن وكيع : يدخلون روادا [محتاجين إليه طالبين]، ولا يتفرقون إلا عن ذواق [عن علم يتعلمونه]، ويخرجون أذلة – يعني فقهاء.

قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟

قال: كان رسول الله r يخزن لسانه إلا مما يعنيهم  ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.

فسأله عن مجلسه: عما كان يصنع فيه.

فقال: كان رسول الله r لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن [أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما]، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه فيه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى.

وفي الرواية الأخرى: صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم [أي لا يذكرن بسوء]، ولا تنثى فلتاته [ أي لا يتحدث بها، أي لم تكن فيه فلتة، وإن كانت من أحد سترت].

يتعاطون فيه بالتقوى متواصفين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة [ أي يعينون ]، ويرحمون الغريب.

فسألته عن سيرته r في جلسائه.

فقال: كان رسول الله r دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب [ السخاب= كثير الصياح]  ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح. يتغافل عما لا يشتهي ولا يوئس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا في ما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: « إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.

أما عن سكوته r فقال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، أما تفكره ففيما يبقى ويفنى.

وجمع له الحلم r في الصبر، فكان لا يغضبه شيء يستفزه. وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة.

تلك أوصافه r كما جاءت في الأثر، ونقلها خيار صحبه وآله الكرام البررة، أما ما اختصه البارئ عز وجل به من المدح والثناء في محكم كتابه فصورة مشرقة لرسول  رؤوف رحيم وقائد حكيم عطوف كريم؛ قال تعالى: } فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ {(آل عمران:159-160) .

ومن وحي هذه الآيات الكريمة يصور فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة أخلاق النبوة الكريمة وصفات القيادة الحكيمة، فيقول في شأنها:

« بيّن سبحانه أن القيادة الحكيمة تكون مع العزيمة رحيمة، ومع استقبال الأحداث بقوة تكون خالية من الفظاظة والقسوة، وتلتزم الصفح عن الخطأ ليعتزموا الصواب، والاستغفار من الذنب لتجدد التوبة ، ولذا قال تعالى في حال النبي r ، وما انبعث منه في موقفه يوم أحد: } فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ { . الباء هنا باء السببية، وما زائدة في الإعراب، ولكنها في المعنى لتقوية معنى الرحمة. والمعنى: بسبب رحمة عظيمة فياضة أفاضها المولى العلي القدير كنت لينا معهم في كل أحوالك، وكنت لينا لهم بعد الأخطاء التي وقعوا فيها، والكارثة التي نتجت عن مخالفتك، فما لُمتَهم ولا عَنَّفْتهم، بل سكتَّ حيث رأيت ما أصابهم من غم استغرقهم، وحزن استولى عليهم، ولقد شكر الله سبحانه وتعالى لنبيه ذلك اللين، إذ لم يؤاخذهم، ولم يفرط في القول معهم؛ لأن اللوم على الماضي يُيْئس النفس من غير جدوى، وهو رجعة إلى الوراء، والقائد الحكيم يتجه إلى الأمام، ولا يلتفت إلى ورائه إلا بمقدار ما ينير له السبيل أمامه، وبمقدار ما يجنبه خطأ وقع فيه، وبمقدار ما يحفز همة من معه، ويشحذ عزيمتهم، وإن المبالغة في اللوم على ما وقع في الماضي يُلقي باليأس، وفي اليأس الهزيمة، واليأس والقنوط إسراف على النفس بالهموم، ولا نجاح لمن هو في هم دائم، وحزن واصب، فكان لين النبي r معهم في هذه الآلام التي أصابتهم كالبلسم الشافي لأسقامهم، والقائد الماهر الحكيم يجب أن يجمع إلى العزيمة القوية الموجهة إلى العمل البِشْرَ ولين العريكة، وتسهيل الخروج من أوضار الخطأ، حتى لا يعنتهم ولا يبهظهم ( أي يثقل عليهم)، وحسبهم ما أصابهم، وإن الشدة في مثل هذه الأحوال والغلظة في القول والعمل تنفر ولا تجمع، وقد بيّن ذلك سبحانه وتعالى بقوله: } ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك {  .

وهذا النص الكريم يثبت أن النبي r ليس فظا ولا غليظا ولا قاسيا؛ لأن "لو" تدل على نفي الجواب لنفي الشرط، والمعنى أنك لست فظا ولا غليظ القلب وهذا الذي يتفق مع صفات النبوة والقيادة الحكيمة الرشيدة الهادية الموجهة إلى أمثل الطرق الجامعة للقلوب، لأنك لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. والفظاظة خشونة المظهر، والعشرة السيئة، وسوء القول وتجهم الوجه؛ وغلظ القلب قسوته، وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن نبيه الغلظة في المظهر والباطن، فالغلظة في المظهر هي الفظاظة، والغلظة في الباطن هي قسوة القلب، وكلا الوضعين من شأنه أن ينفر، ولقد قال تعالى في وصف نبيه: } لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ { (التوبة:128) .

وكان النبي r باشّاً لطيف المعشر متسامحا رحيما، لا يقسو ولا يعنت أحدا، ولا يغضب ولا يسب، وما ضرب أحدا بيده قط، وكان سهلا في معاملاته متسامحا، وكان طلق الوجه دائما، رآه أعرابي، فاسترعاه بشاشته وطلق محياه، فقال له: أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب؟ والله ما هذا الوجه وجه كذاب! وأسلم إذ دعاه النبي r.

ولقد وصف عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: « إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح ». وكان عليه السلام لا يثير غيظه شيء ويداري الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيع. ولقد روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول r قال: « إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ».

وإذا كانت الغلظة منفرة فالعفو جامع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه الكريم بما يترتب على الرفق والبشاشة، وهو العفو فقال: } فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ { .


من تربية الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه الصادقين

قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك
برواية الإمام البخاري

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ(1) يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ فَقُلْتُ بَلَى إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ قَالُوا نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ مَنْ هُمَا قَالُوا مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامرِيُّ (2)وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ(3) فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ قَالَ لَا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ كَعْبٌ فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ قَالَتْ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَارَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ كَعْبٌ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ قَالَ كَعْبٌ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى قَوْلِهِ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ كَعْبٌ وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ منه.

1 - كعب بن مالك ابن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري الخزرجي: شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، شهد بيعة العقبة، ذكره عروة في السبعين الذين شهدوا العقبة . وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين. آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وقيل بل آخى بين كعب والزبير، شهد غزوة أحد وقال عنها: لما انكشفنا يوم أحد كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرت به المؤمنين حيا سويا وأنا في الشعب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبا بلأمته وكانت صفراء فلبسها كعب، وقاتل يومئذ قتالا شديدا حتى جرح سبعة عشر جرحا  

 2 - مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف ويقال إن أصله من قصاعة حالف بني عمرو بن عوف صحابي مشهور شهد بدرا على الصحيح هو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليه في تبوك.

 3 - هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف واسمه مالك. شهد بدراً وأحداً، وكان قديم الإسلام ، كان يكسر أصنام بني واقف، وكانت معه رايتهم يوم الفتح، وأمّه أُنيسة بنت هِذم أخت كلثوم بن الهِذم الذي نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجراً. وهو الذي لاعن امرأته ورماها بشريك بن سحماء. وهو أحد الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتاب الله تعالى عليه.


خير الرجال وشر الرجال

 حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُون[1]َ وَعَفَّانُ[2] قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ[3] قَال:َ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْد[4]ٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ[5] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي[6]ِّ قَال:َ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ حَفِظَهَا مِنَّا مَنْ حَفِظَهَا وَنَسِيَهَا مِنَّا مَنْ نَسِيَهَا فَحَمِدَ اللَّهَ قَالَ عَفَّانُ وَقَالَ حَمَّادٌ وَأَكْثَرُ حِفْظِي أَنَّهُ قَالَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَال:َ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ. أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، مِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا. أَلَا إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِه[7]ِ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْأَرْضَ الْأَرْضَ. أَلَا إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَا وَشَرَّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْء[8]ِ وَسَرِيعَ الْغَضَبِ وَسَرِيعَ الْفَيْءِ فَإِنَّهَا بِهَا. أَلَا إِنَّ خَيْرَ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ وَشَرَّ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ سَيِّئَ الْقَضَاءِ سَيِّئَ الطَّلَبِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْقَضَاءِ سَيِّئَ الطَّلَبِ أَوْ كَانَ سَيِّئَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ فَإِنَّهَا بِهَا. أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءًً[9] يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، أَلَا وَأَكْبَرُ الْغَدْرِ غَدْرُ أَمِيرِ عَامَّةٍ. أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا مَهَابَةُُ[10] النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍِ[11]. فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ قَالَ: أَلَا إِنَّ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ .         ( رواه أحمد في مسنده )

     الحديث الشريف المرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – مشتمل على مواضيع تتعلق بالعلم والإيمان والأخلاق والجنايات والجهاد والأقضية والأحكام .

     التوجيه النبوي بدأ بأمر اتِّقاءِ فتنةِ الدنيا والنساء ، وعلى أساس درجة هذا الاتقاء تكون الخاتمة إيمانا أو كفرا ، جنة أو نارا . كما نهى – صلى الله عليه وسلم – عن الغضب وجمرته ؛ فالغضب ممقوت مذموم وشَرٌّ كله ما لم يكن في سبيل الله ؛ فالرجل سريع الغضب بطيء الرضا هو شر الرجال لقوله – صلى الله عليه وسلم – "... وشر الرجال من كان سريع الغضب بطيء الرضا..." و "...خير الرجال من كان بطيء الغضب سريع الرضا ..."  والخيريَّةُ والشر يكونان بدرجة الغضب و فترة الرضا ؛ ومثل ذلك في التجارة وسائر المعاملات الدنيوية، فالخَيِّرُ حَسَنُ القضاء حَسَنُ الطلب، والشِّرِّيرُ سَيِّئُ الطلب سيئ القضاء، وبحسب الحسن أو السوء في الطلب والقضاء تكون خيرية الرجال .

     ومن توجيهاته – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث الشريف وجوبُ التزامِ الصدق والوفاء والإخلاص، يُستنبَط هذا الحكم بمفهوم المخالفة من التحذير من الغدر وَتَوَعُّدِ الغادرِ بالفضيحة يوم القيامة بعلامة تكون بحسب غدرته؛ وأكبرُ الغدر خيانةُ أمير عامَّةِ. وفي ذلك إشارة إلى أن من الخيانة كتمانَ الحق خوفا ومهابةً من الناس، ومن باب أولى أن كتمانه طمعا ورغبا محرَّمٌ قطعا، وأفضلُ قولٍ للحق ما كان في وجه السلطان الجائر، ذلك أفضل الجهاد، وذلك أفضل الذخر من الدنيا للآخرة،  فما الدنيا إلا وَمضةٌ مضى أكثرها وما بقي منها أقل ، ثم عند الله الخصام .


 

[1] يزيد بن هارون السلمي( الطبقة الصغرى من الأتباع) ت/206 هـ .

[2] عفان بن مسلم بن عبد الله البصري أحد كبار التابعين ت/219هـ

[3] حماد بن سلمة بن دينار أبوسلمة البصري ( الطبقة الوسطى من الأتباع ) ت/167هـ

[4] علي بن يزيد بن عبد الله بن جدعان أبو الحسن التميمي ( الطبقة دون الوسطى من الأتباع )ت131هـ

[5] أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة أبو نضرة العبدي العوفي( الطبقة الوسطى من التابعين ) ت 108هـ

[6]  أبو سعيد الخدري ، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري الأنصاري( صحابي جليل ) ت/74 هـ

[7]  الأوداج : العروق المحيطة بالعنق.

[8]  الفيء : الرجوع عن الغضب.

[9]  لواء : علامة يشهر بها في الناس .

[10]  المهابة : المخافة والخشية .

[11]  جائر : ظالم


فساد الأمم

      أخرج ابن ماجه في سننه :

     حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : 

      أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُم.

     بجوامع الكلم الطيب الذي هو وجه آخر من دلائل نبوته الكريمة، يحدد الرسول r مقياس التفضيل في الإسلام: فأفضل المؤمنين أحسنهم أخلاقا. وليس من شك في ذلك؛ إذ الإيمان والأخلاق أمران متلازمان ومترابطان؛ فالإيمان عماد الخلق، والخلق هو الترجمة الصادقة للإيمان.

وبجوامع كلمه المعهود يحدد r أهم السنن والمبادئ التي تحكم صلاح المجتمع وفساده، وبهديه النبوي الشريف يشير إلى أعظم العبر وأجل التوجيهات الاجتماعية للأفراد والجماعات تأكيدا لقاعدة ثابتة، وهي أن صلاح المجتمعات وفسادها منوطان بأخلاق أفرادها، وهو عين ما أثبته قوله تعالى :

-    } ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ { (الأنفال:53) .

-    }  إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ { (الرعد: من الآية11) .

فالآيات القرآنية الكريمة تؤكد حقيقة اجتماعية وتاريخية، أساسها أن صلاح أي مجتمع  وفساده منوطان في المقام الأول بأخلاق أفراده صلاحا وفسادا؛ فأي أمة آلت إلى انحطاط بعد رفعة، وافتقار بعد غنى، وذل بعد عز، وضعف بعد قوة، إنما كان ذلك بسبب تبدل جوهري في نفسها أو بتعبير آخر في أخلاقها العامة والخاصة. فإذا ما أرادت الرفعة والغنى والعز والقوة وجب عليها أن تتوسل بما يكفل إحداث تغيير جوهري في نفسها، أو بتعبير آخر في أخلاقها العامة والخاصة التي كانت سببا في الانحطاط.

ويؤكد الحديث الشريف مبينا ومفصلا ومذكراً أن الفساد في صوره المختلفة يستوجب عقوبة إلهية مناسبة ومستحقة، قال تعالى :

} وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ { (القصص:59)  .

- } وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً{(الإسراء:16) :

1 – فمتى شاعت الفاحشة في قوم ولم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر أوشك الله تعالى أن يعمهم بعذاب من عنده جزاءً وفاقاً لما رضوا به من إفساد : } إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ {  (النور:19). وقال عليه الصلاة والسلام : « إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع أن تغير على الخاصة، فإذا لم تغير العامة على الخاصة عذب الله عز وجل العامة والخاصة». ( مسند أحمد 4/236 «17737» ) ، وهذا عين ما تشهده مجتمعات العصر من انتشار للأمراض والأوبئة التي لم يعرفها السابقون؛ مما يؤكد آيات القرآن المعجزة ويقدم كل يوم دلائل النبوة الخاتمة.

2 – ومتى نقص قوم المكيال والميزان وفشا فيهم الظلم والجور والغش إلا عاقبهم تعالى بما يستحقون من السنين وضيق العيش وظلم السلطان وتجبره، وحسبنا ما أنذرنا منه r حين قال : « إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول إنك ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم » ( مسند أحمد 2/221؛ والحاكم في مستدركه) .

3 – ومتى منع القوم زكاة المال، وكنزوا الذهب والفضة وجعلوها حكرا على فئة قليلة مستغلة، كان جزاؤهم منع القطر عنهم، ولولا أن رحمة الله وسعت كل شئ وشملت البهائم والزرع لما أنزلت السماء قطرة ماء.

4 – ومتى نقض القوم عهد الله وعهد رسوله r وما يقتضيه هذا العهد من إيمان بالله عز وجل وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحفظ لحدود شرعه، سلط الله عليهم عدوا من غيرهم يسومهم الذل والصغار، وينتزع بعضا مما في أيديهم؛ لأنهم ليسوا أهلا للأمانة التي حُمِّلوها واستُحْفِظُوا عليها.

5 – ومتى تركوا كتاب الله وراء ظهورهم واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، عاقبهم تعالى بأن جعل بأسهم بينهم شديد، وتفرقوا أحزابا وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون.

ومن يتأمل حال الأمة اليوم لا يجدها إلا وقد تحقق فيها قول نبينا r ؛ فهل من مذّكر .

عن عائشة – رضي الله عنها قالت : دخل النبي r وقد حفزه النَّفَسُ، فعرفت في وجهه أن قد حفزه شئ، فما تكلم حتى توضأ، وخرج فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : « أيها الناس، إن الله عز وجل يقول لكم : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فما أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم »( ابن ماجة، كتاب الفتن " ح 4004 " ؛ وتهذيب الكمال للحافظ المزي 13/527 ) .


   من هدي النبوة الخاتمة

 روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

" إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ(1)، فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّد،ٍ أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ(2) فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ (3)، أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ(4) وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ، ألَا إنَّمَا الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّه (5)ِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ (6)، أَلَا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ (7) وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ (8)، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ (9)، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ بِالْجِدِّ وَلَا بِالْهَزْلِ (10)، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ (11) وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارَ، وَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ (12) وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّادِقِ صَدَقَ وَبَر،َّ وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا " .

( أخرجه البخاري في الأدب المفرد ، ومسلم في البر والصلة وأخرجه ابن ماجه بسند جيد).

الشرح

(1) – (إنما هما اثنتان الكلام والهدي): أي إنما وقع التكليف في دينكم باثنتين لا ثالث لهما، وهما الكتاب والسنة؛ فلا تضيفوا إلي دينكم بدعا ومحدثات تثقل كاهلكم وتزيد من تكاليفكم.

(2) – (محدثات الأمور) : المبتدعات والزيادة في الدين.

(3) – (الأمد) : لها ثلاثة معان، هي: الأجل أو الزمان أو الأمل؛ وكلها معنية في هذا السياق؛ فطول الأجل مع الغفلة عن التذكر يجعل القلب قاسيا، وطول الزمان كذلك والتعلق بالآمال الكاذبة بدون عمل صالح كل ذلك يورث قلبا قاسيا غافلا ، قال تعالى: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16)  ، وقال تعالى أيضا : ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الزمر:22) .

(4) – (إنما هو آت قريب) : الموت قريب من المرء؛ لأن إتيانه متيقن، ويوم الحشر والعرض والحساب قريب كذلك مهما ظن الإنسان أنه بعيد.

(5) – ( إنما الشقي من شقي في بطن أمه) : إشارة إلى شقاء الآخرة لا شقاء الدنيا، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكا ، ويؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : أكتب عمله ورزقه ، وأجله ، وشقي أم سعيد ، فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخل الجنة ".( أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأبو داود وابن حنبل) .

(6) – (من وُعِظ ) : أي من وفَّقَه الله تعالى للاتعاظ فرأى ما جرى على غيره بالمعاصي من العقوبة فتركها خوفا من أن يناله مثل ما نال غيره ، وهذا هو السعيد حقا.

(7) – (قتال المؤمن كفر): أي حرام كالكفر، لاسيما إذا استحل المقاتل ذلك؛ أي عدّه مباحا، روى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما ، فالقاتل والمقتول في النار " قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال :" إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي) .

(8) – (وسبابه فسوق) : أي أن شتمه خروج عن طاعة الله تعالى وليس هو من صفات المؤمنين . روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء "(أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم ) .

(9) – (أن يهجر أخاه) : يفهم منه إباحة الهجر إلى ثلاث، وهو رخصة؛ لأن من طبع الآدمي عدم تحمل المكروه، ثم المراد حرمة الهجران إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير في حقوق الصحبة والأخوة وآداب العشرة ، وهذا طبعا بين الأجانب وليس بين الأهل، فمحل الحرمة - إذن - الهجر فوق ثلاث ما لم يكن هجره لله تعالى وإلا فلا ، والدليل عليه قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في هجرانهم خمسين ليلة حتى صحت توبتهم عند الله .

(10) – (فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل) :أي إن الكذب حرام جده وهزله.

(11) – (إن الكذب يهدي إلى الفجور): أي أن الكذب يؤدي بصاحبه إلى الفجور، ويفضي بصاحبه إلى الفسوق.                 

 (12) – (إن الصدق يهدي إلى البر) :أي أن الصدق يبلغ المرء درجة الأبرار.

 

نبذة موجزة من سيرة الراوي

الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي ، أسلم مبكرا ، وعن قصة إسلامه قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا غلام هل من لبن فقلت نعم ولكنني مؤتمن، قال فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء وشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص ثم أتيته بعد هذا فقلت يا رسول الله علمني من هذا القول فمسح رأسي وقال يرحمك الله فإنك عليم معلم . قال أبو عمر ثم ضمه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي أمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك شهد بدرا والحديبية وهاجر الهجرتين جميعا الأولى إلى أرض الحبشة والهجرة الثانية من مكة إلى المدينة فصلى القبلتين وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فيما ذكر في حديث العشرة بإسناد حسن جيد .

ومما روي عن فضله أن عليا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت مؤمرا أحدا وفى رواية بعضهم مستخلفا أحدا من غير مشورة لأمرت وقال بعضهم لاستخلفت ابن أم عبد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت لأمتي ما رضى لها ابن أم عبد وسخطت لأمتي ما سخط لها ابن أم عبد

و روي عنه أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقلت يا رسول الله إني قتلت أبا جهل قال بالله الذي لا إله غيره لأنت قتلته قلت نعم فاستخفه الفرح ثم قال انطلق فأرنيه قال فانطلقت معه حتى قمت به على رأسه فقال الحمد لله الذي أخزاك هذا فرعون هذه الأمة جروه إلى القليب قال وقد كنت ضربته بسيفي فلم يعمل فيه فأخذت سيفه فضربته به حتى قتلته فنفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه . وقال الأعمش عن شقيق أبى وائل سمعت ابن مسعود يقول إني لأعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم وما في كتاب الله سورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت ومتى نزلت قال أبو وائل فما سمعت أحدا أنكر ذلك عليه وقال حذيفة لقد علم المحفظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبد الله ابن مسعود كان من أقربهم وسيلة وأعلمهم بكتاب الله . 


الحيـاء
خلق الأمة الإسلامية

عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة ، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام ) .

سنن ابن ماجة 2/1347 ، الحديث 4054 .

إن لفظ الحياء مشتق من جذره اللغوي : "حيي ، يحيى ، حياة " خلاف الموت ، من باب " رضي" .

وإذا كان الحياء في الاصطلاح هو انقباض النفس عن القبائح الذي هو حياة معنوية حقيقية ؛ فإن نقيضه الذي هو الموت المعنوي يعني إقبال النفس على المعاصي وانشراحها وجراءتها على حدود الله تعالى وأعراض عباده .

فنقيض الحياء الوقاحة ، وقد يقابل بالبذاء ، ومن ذلك الحديث المروي عن أبي بكرة أنـه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البذاء من الجفاء والجفاء في النار ، والحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة " ( صحيح ابن حبان 13 / 10 - الحديث 5704 ) .

إن الإيمان هو أساس رسالة الإسلام ، غير أن الإيمان ليس دعوى بدون دليل ؛ إذ ربط البارئ عز وجل ربطا محكما بين الدين والخلق في قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء " ؛ بل إنه لم يعده جزءا من الإيمان فحسب وإنما عده الدين كله ، فحين قال صحابة للرسول صلى الله عليه وسلم : "إن الحياء من الدين " قال عليه الصلاة والسلام :" بل هو الدين كله " ثم قال : " إن الحياء والعفاف والعي على اللسان لا على القلب ، والفقه من الإيمان فإنهن يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا ، وإن الشح والعجز والبذاء من النفاق ، وإنهن يزدن في الدنيا وينقصن من الآخرة وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا " ( حديث 85 - مكارم الأخلاق 1/ 3)

ولهذا قرن الحياء بالإيمان حتى أصبح ارتفاع أحدهما يعني ارتفاع الآخر، كما جاء في الحديث : " إن الحياء والإيمان في قرن ، فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر " .

والحديث الذي بين أيدينا يبين في حكمة نبوية بالغة أن منطلق الانحراف هو نزع الحياء الذي يقود بالضرورة إلى الفحش والبذاء والوقاحة ، وهي خصال النفاق ؛ والمتصف بها لن تجده إلا مقيتا مبغضا ، حتى إذا ما أبغضه الناس لم يتورع عن خيانة الأمانة ، فتأكدت بذلك خصلة ثانية من خصال النفاق المهلكة .

ولا شك أن من تجرأ على الخيانة والغدر قد نزعت الرحمة من قلبه ، وحل محلها الغلظة والجفاء والقسوة ، وهي مدعاة للعن صاحبها وطرده من رحمة الله ، فلم يبق له إلا نزع ربقة الإسلام .

وإذا كان هذا التوجيه النبوي يعني كل مسلم ، فإن أصحاب الرسالة وأرباب الدعوة إلى الله تعالى هم الأحوج إلى تدبر قوله صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره ، لعظم ما حملوه من أمانة التبليغ وخطورة ما اشتغلوا به من أداء الرسالة ، فخلق الحياء لدى الداعية سر كل خير وفضيلة كما أن انعدامه أصل كل شر وبلية ؛ لأن الاشتغال بالدعوة رسالة وأمانة ، وفاقد الحياء بغيض ممقوت عاجز عن أداء الأمانة ، فشيمته الغدر والخيانة ، ومن كانت هذه خصاله نزعت منه الرحمة فلم يتورع عن المكر بالمؤمنين وإلحاق الأذى بالدعاة الصادقين والإساءة إلى دعوة الله بالكذب والافتراء والتشويه .

إن أعراض مرض انعدام الحياء من المرء تبدأ بسيطة كشأن أغلب المعاصي ، ثم تتعاظم وتشتد إلى أن تورد صاحبها المهالك .

تبدأ أولا جدالا حول الأحكام الشرعية ونصوصها ، ثم تأويلا مغرضا لها حسب المصالح والأهواء ، ثم انتقاء منها ما يناسب المصالح الشخصية ، ونيلا من الذين يحافظون عليها ويجرونها على مقاصدها الشرعية ، ثم يتعدى ذلك إلى تحريف النصوص نفسها ومحاولة إلغائها وضرب بعضها ببعض ، ثم ينحط المرء إلى أسفل الدركات بالجدل في أصلها والتعدي على حدودها .

وإذا تجرأ الإنسان على ربه وتشريعه كان من باب أولى أن يتجرأ على خلق الله وأعراضهم ودمائهم وأموالهم .

إن التجرؤ على خلق الله لابد أن يسبقه التجرؤ على الله ، وإن لم تكن أعراض التجرؤ على الله ظاهرة . وما التجرؤ على خلق الله بسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم وأكل أموالهم إلا إعلان صارخ بأن المرء قد قطع صلته بربه ، ونزعت منه ربقة الإسلام ؛ وهذا ما يبينه ويؤكده قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما ، فإذا سفك دما حراما نزع منه الحياء " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " .

 

  الصدق والصديقون

 عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا )) حديث حسن صحيح . أخرجه الترمذي في سننه ج4/ص347 – ح 1971 .

الإيمان والخلق جزءان مترابطان لحقيقة واحدة ، وهما من الترابط والاتصال بحيث لا يقبلان الانفصال ؛ فإذا ما اختل أحدها تبعه – بالضرورة – اختلال الآخر .

ولعل أقرب خلق إلى الإيمان وأوثقه هو خلق الصدق الذي يدل أصل اشتقاقه اللغوي على نقيض الكذب ، وعلى الكامل من كل شئ ، والصلب من الرماح والشجاعة والصلابة والقوة والجودة ، وهي كلها معان تؤكد حقيقة الصدق وأهميته .

وقد عُرِّف الصدق بأنه مطابقة القول لما في الضمير وللشيء المخبر عنه معا ؛ وبدون ذلك لا يكون القول صدقا تاما ؛ ولذلك قال الله تعالى في شأن المنافقين :{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }المنافقون(1) ، فقول المنافقين حق وصدق في الحقيقة لمطابقته الواقع ، ولكنه في الوقت ذاته كذب منهم ؛ لأنه مخالف لما يضمرونه .

وإذا كان الصدق هو إلزام اللسان الإخبار عن الأشياء بما هي عليه ؛ فإن "التصديق" هو تحقيق صحة هذا الإخبار وتقبله من سامعه ، حتى إنه ليغدو مرادفا للإيمان تماما كما في قوله تعالى:{والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } الزمر (1) ؛ {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} المعارج (26) أي يؤمنون بيوم الدين .

ومن مادة الصدق أيضا اشتقت الصداقة التي هي صدق الاعتقاد في المودة والنصيحة ؛ فالصديق هو من يصدق في مودته لصديقه ، فلا يرائي ولا ينافق ولا يخادع ولا يخون النصيحة .

ومن الصدق كذلك أخذت كلمة "الصدقة " ، وهي ما يخرجه الإنسان من ماله قربة لله تعالى كالزكاة يتحرى به الصدق في فعله ويجعله جزءا من البرهان العملي على صدقه في إيمانه واستجابته لربه .

وهكذا نجد أن العلاقة جد وثيقة بين كلمة الصدق ومشتقاتها كالتصديق والصداقة والصدقة والتصدق ؛ فهي تدور حول محور الانتماء إلى الحق والثبوت واللزوم والقوة ؛ ومن هنا قيل لمهر المرأة "صداق " لقوة ثبوته ، ولأنه حق لازم .

لقد أعلى الله تعالى من شأن الصدق فوصف به نفسه عز وجل في آيات قرآنية كثيرة :{ قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } آل عمران (95) ، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } النساء (122) ، { اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا}النساء (87) .

كما وصف به رسله عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى : { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} يس (52) ، { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}الأحزاب (22)

بل لقد كان الصدق الوعاء الأول الذي استوعب الرسالة ؛ فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المشهود له بأنه على خلق عظيم ، عُرف منذ نشأته الأولى بخلق الصدق حتى لقبه قومه بـ"الصادق الأمين" ، وشهد له أعداؤه بالصدق والأمانة ، فلم يجرؤوا على اتهامه بالكذب وإنما لجأوا إلى رميه بالسحر والجنون .

وقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم مستمسكا بخلق الصدق في كل أحواله ؛ في جده وفي مزحه ؛ لأنه كان قرآنا يمشي على الأرض ، فالله تعالى :{ أعلم حيث يجعل رسالته }الأحزاب 124

إن خلق الصدق هو صفة الأخيار من عباد الله الصالحين القائمين بالطاعة الملتزمين بالصراط المستقيم :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } الحجرات (15) .

إن الإنسان متى قال الصدق سُمي صادقا ، وما زال الرجل يصدق ثم يصدق ثم يصدق حتى يصير صديقا ، لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق ؛ فالتعبير بلفظ التحري- كما النص النبوي - إشارة لطيفة إلى أن التحلي بهذا الخلق محتاج إلى جهد ومران ومغالبة نفس وهوى .

وقد يتبادر إلى الذهن أن الصدق إنما يكون في القول والحديث ، ولكنه أشمل من ذلك وأعمق ؛ فهو كما يكون في الأقوال يكون في الأعمال والأحوال . فالصدق في الأقوال هو – كما قال ابن القيم - :( استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها ، واستواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد ، والصدق في الأحوال هو استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة ؛ وأعلى مراتب الصدق هي مرتبة الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص كله لله تعالى الذي أرسله بدينه ودعوته) .

وعلى هذا يكون الصدق صدق قول ، وصدق نية ، وصدق عزم ، وصدق وفاء بالعزم ، وصدق عمل ، وصدق تحقيق لأمر الدين كله ، وفي ظل هذه المعاني السامية يمكن أن نفهم الصدق الوارد في قوله تعالى :{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } الأحزاب (23) .

وقوله تعالى :{ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } البقرة (177 ) .

إن الصدق موقف وجداني قراره القلب وبيانه القول، وترجمته العمل الموافق لما استقر في القلب وأفصح به اللسان، وإلا كان الزيف والادعاء .ولذا قرن الأمر القرآني بين التقوى وبين التزام جماعة الصادقين فقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }التوبة (119) .

وهذه الآية مع التي تليها( الآية120من سورة التوبة) ترشد المؤمن إلى أربع صفات :

- الإيمان

- التقوى وما تقتضيه من وجوب اتقاء محارم الله واجتناب ما يغضبه سبحانه وتعالى في النية والقول والعمل

- ملازمة الصادقين "وكونوا مع الصادقين "

- فداء كتاب الله وسنة رسوله بالنفس والمال والولد :{ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }التوبة (120) .

كما ترشد في الإطار الدعوي والحركي إلى ضرورة اختيار الأعضاء الصادقين الذين توفرت فيهم هذه الصفات، وإبعاد الكذبة والمنافقين وتجار السياسة والمناورات الحزبية ، كي يكون بناء الحركة الإسلامية على أرض صلبة ، وهو أيضا ما يشير إليه الحديث الشريف من ضرورة التزام الأعضاء الصدق ومداومتهم عليه وتحريهم له،حتى يصير لديهم خلقا وسجية، واستبعاد المتشيطنة والكذابين الذين يرفعون شعار الدعوة ويسخرونها لأغراضهم وأهوائهم ويبررون سقوطهم في الكذب والنفاق وتمرير المواقف السياسية الضالة بدعوى الضرورة والمصلحة القائمة على غير أساس

   

الظلم ظلمات يوم القيامة

 عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا )) – أخرجه مسلم وابن حنبل والترمذي وابن ماجة

إن الرسول - صلى الله عليه وسلم – وقد بُعث بشيرا ونذيرا ، قد جاهد لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة وتحقيق المقاصد العليا لهذا الدين ، تطبيقا عمليا وواقعيا لأحكامه في الكتاب والسنة؛ ويأتي في مقدمة هذه الأحكام الشرعية بعللها ومقاصدها : التحريم الصارم المطلق للظلم بكل صوره وبجميع أسبابه ونتائجه .

ذلك أنه إذا كان الظلم في اللغة له معان متقاربة ومتداخلة، تدور حول الجور أو مجاوزة الحد أو وضع الشيء في غير موضعه، أو النقص أو السواد أو التمويه ؛ فإنها لا تبتعد كثيرا عن المعنى الاصطلاحي الذي هو : مجاوزة حدود الله تعالى في أي صورة من الصور، سواء أكان ذلك بالكفر شركا أو إلحادا أو جحودا، أو استحلالا لما حرم الله أو تحريما لما أحل الله، أو إنكارا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو بما هو دون ذلك من المعاصي والسيئات كبيرها وصغيرها ، ظاهرها وباطنها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) (الطلاق 1 ) .

للظلم - إذن – دوائر كثيرة بعضها أخص من بعض، ودرجات متباينة بعضها أخطر من بعض ؛ وكلما كانت الدائرة أقرب إلى مجال الاعتقاد وما يرتبط به من تصورات، كان الأمر أدعى إلى الاهتمام به وبخطورة ما يترتب عليه من نتائج ، وكلما كان الظلم المرتكب أكثر شمولا وأعمق تأثيرا كانت تداعياته أكثر ضررا .

إن أكبر دوائر الظلم هي الشرك بالله تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم) - لقمان13 - ؛ لأنه كذب شنيع وافتراء عظيم على الله عز وجل ، ذلك أن في الإشراك قلبا للحقائق ووضعا للأشياء في غير موضعها، وهذا أصل الظلم وحقيقته، فمن أشرك بالله أو عدل به غيره أو اتخذ له سبحانه ندا فقد ارتكب الظلم الأعظم وخلع ربقة الإسلام من عنقه. وإذا كان أعظم ظلم للنفس هو الإشراك بالله تعالى ، فإن له علاجا ناجعا هو التعجيل بالتوبة وتصحيح العقيدة والاستغفار ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إن الله هو الغفور الرحيم )- الزمر 53-

إلا أن هناك ظلما أقل درجة من الشرك الذي يتخلص منه المرء بمجرد التوبة النصوح والتوحيد الخالص ؛ هذا الظلم هو ظلم العباد . وهو وإن كان أقل درجة من الشرك، فإن التوبة منه معلقة برد المظالم لأهلها، مما يجعل أمر التحلل منه أشد عسرا : قال عليه الصلاة والسلام :" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " -أخرجه البخاري – كتاب المظالم - .

 هذا الظلم يتمثل في صور شتى:

ـ ظلم المرء لذوي الأرحام بالإضرار بهم أو التقصير في رعايتهم أو التخلي عنهم أو اغتصاب حقوقهم.

ـ ظلم المسلمين عامة بعدم النصح لهم.

ـ ظلم الإنسانية عامة بالتقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة .

ـ ظلم الدعاة إلى الله تعالى والمجاهدين في سبيله والمعتقلين والمهاجرين والشهداء، بالتخلي عنهم وإهمال أسرهم وذرياتهم وعدم الدفاع عنهم ؛ فإن بلغ الأمر إلى أكل لحومهم والشماتة بما أصابهم أو أصاب ذرياتهم، أو القيام بالتجسس عليهم وقذفهم، أو السعي لإطالة محنتهم، كان ذلك أقرب إلى أعظم الظلم الذي هو محاربة الله ورسوله بمحاربة أوليائه ودعاة دينه، وهذا ما عبر عنه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث القدسي الذي رواه عن رب العزة ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)) - البخاري -

ذلك أن هؤلاء الدعاة المخذولين من قبل إخوانهم، هم في حقيقة الأمر قد اختاروا الله تعالى على ما سواه، ووالوه وعادوا أعداءه وانقطعوا لخدمة دينه، فهم أولياء له عز وجل ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . ولئن اختارهم الله في الدنيا للبلاء فعسى أن يكون لهم في الآخرة حسن الجزاء .

ولئن فرح الخاذلون لما أصاب الدعاة الصادقين ، فكفاهم عقوبة من الله تعالى إن لم يهتدوا إلى التوبة قوله تعالى :

- " وما للظالمين من أنصار" – البقرة 270 -

- " وما للظالمين من نصير"- الحج 71 -

- " وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " – غافر 18 -

إن الحقيقة الغائبة عن أولئك الخاذلين أن ابتلاء الدعاة الصادقين يتضمن في واقع الأمر ابتلاء آخر للمعافين والشامتين الخاذلين، وكشفا لحقيقة أمرهم، وإلا فإن العافية والمعافاة والنصر من الله سبحانه وتعالى فقط. وما دفع الخاذلين إلى ما ارتكبوه من إثم وظلم في حق الدعاة المبتلين، إلا اختلال في مقاييسهم الشرعية، وضبابية في نظرتهم الدنيوية، وانعدام المروءة في نفوسهم الدنيئة، وعسى أن تكون مواقفهم الظالمة هذه رحمة بالدعوة وتطهيرا لصف الدعاة: ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) – آل عمران 179 –

 

 أخلاق المؤمنين

  من  جوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم

  روى عقبة بن عامر الجهني (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

 " أما بعد، فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله تعالى، وأوْثَقَ العُرَى(2) كلَّه التقوى، وخيرَ المِلَلِ ِملَّة ُإبراهيم، وخيرَ السنن سنةُ محمد صلى الله عليه وسلم، وأشرف الحديث ذكرُ الله، وأحسن القَصَص هذا القرآن، وخير الأمور عَوَاِزمُها (3) وشر الأمور مُحْدَثاتُها(4)، وأحسن الهُدَى هُدَى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعْمَى العَمَى الضلالة ُبعد الهُدَى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتُّبِعَ، وشَرُّ العَمَى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قَلَّ وكَفَى خير مما كَثُرَ وألْهَى، وشر المَعْذِرَةِ(5) حِينَ يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دُبُرًا(6)، ومنهم من لا يذكر الله إلا هَجْراً(7)، وأعظم الخطايا اللسان الكَذُوب وخير ما وقع في القلوب اليقين، والارْتِيَابُ من الكفر، والنِّياحة من عمل الجاهلية، والغَلُولُ(8) من جُثَا(9) جهنم، والكنز(10) كَيٌّ من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمرُ ِجماع الإثم(11)، والنساء حبالة الشيطان(12)، والشباب شعلة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وُعِظَ بغيره، والشقيُّ من شَقِيَ في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى مَوْضِعِ أربعِ أذْرُع(13)، والأمر بآخِرِه، وَمِلَاكُ(14) العمل خواتمه، وشرُّ الرَّوَايَا(15) رَوَايا الكذب، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، وسِبَابُ المؤمن فُسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يَتَألَّ(16) على الله يُكَذِّبْه، ومَن يغفرْ يغفِرِ الله له، ومن يَعْفُ يَعْفُ الله عنه، ومن يَكْظِمِ الغيظَ يَأجُرْهُ الله، ومن يصبرْ على الرزِيَّةِ يُعَوِّضْه الله، ومن يَتَّبِعِ السُّمْعَة(17)َ يُسَمِّعِ اللهُ به، ومن يصبرْ يُضَعِّفْ الله له، ومن يعص اللهَ يعذبْهُ، اللهم اغْفِرْ لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، أستغفر الله لي ولكم".

أخرجه البيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني وأبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي الدرداء، وابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفا وجلال الدين السيوطي في الجامع الصغير مرفوعا وحسنه

                               

 [1]  - عقبة بن عامر بن عبس من جهينة، صحابي مشهور، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وأبو إدريس الخولاني، وهو أحد من جمع القرآن، جمع له معاوية في إمرة مصر بين الخراج والزكاة فلما أراد عزله أمره بغزو " رودس "، فلما توجه لغزوها عزله، فقال:" أغربة وعزلا؟ ". توفي في خلافة معاوية.

2 – أوثق العرى : الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام ، ومنها الميثاق ( أي العهد المحكم ) .

أما العين والراء والواو فكلمة تدل على ثبات وملازمة ومنها العروة بمعنى الشجر الذي لا يسقط ورقه ، والعروة من الإسلام شريعته لأنها باقية أبدا من تمسك بها نجا .

3 – العوازم : ج عزيمة وهي الفرائض التي فرض الله تعالى ، ومنها العزم ، وهو ما عقدت القلب عليه من أمر أنت متيقنه وفاعله .

4 – المحدثات : البدع في الدين خاصة ، أي استحداث عبادات لم يشرعها الله تعالى .

5 – المعذرة عند الموت : التوبة بعد فوات وقتها ، أي عند الغرغرة .

6 – دُبُراً : بضمتين أو فتحتين ، آخر الشيء ، أي لا يصلون إلا بعد خروج الوقت .

7 – الهَجْر: بفتح فسكون : الترك والإعراض، والمراد هجر القلب لذكر الله وترك الإخلاص فيه .

8 – الغَلول : بفتح الغين ،الخائن في الغنيمة ، سارق المال العام .

9 – جثا : بضم الجيم مقصورا ، ج مفرده جثوة بتثليث الجيم ، الحجارة المجموعة ، والمراد: من جماعة جهنم .

10 – الكنز : المال الذي لم تؤد زكاته ، يكوى صاحبه به في جهنم .

11- جماع الإثم : بكسر الجيم ، معظم الإثم .

12 – النساء حبالة الشيطان : فاسقات النساء واتباع الشهوات فيهن ، أما الصالحات فقد وردت فيهن آيات كريمة وأحاديث صحيحة تمجدهن وتثني عليهن وتحض على اختيارهن للأسرة والذرية .

13 – أربع أذرع : القبر .

14 – ملاك العمل : بكسر الميم وفتحها، ما يقوم به ، يقال : القلب ملاك الجسد .

15 – الروايا : ج راوية ، أي ناقل الكذب .

16 – يتأل : حذف منه حرف العلة لأنه فعل شرط مجزوم ، من آلى يولي ، إذا حلف ، يقال : إئتلى الرجل إذا حلف ، وفي القرآن : { ولا يأتل أولو الفضل منكم ...} ، يقال لليمين : ألوة بتثليث الهمزة ، وألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء . يقال تألى على الله أي حلف ليغفرن الله له .

17 – السمعة : بضم الراء ، الرياء وحب الشهرة .

 

 

الرجوع إلى أعلى الصفحة

| الصفحة الرئيسية | العقيدة | الأخلاق من القرآن | الأخلاق من السنة  | حوار مع داعية إسلامي | دراسات قرآنية وشرعية |
| كتاب إسلامي |
 منتدى الفكر  | محاضرة | المرأة المسلمة | هذا بيان للناس | متفرقات | سير وصور
|
 

Copyright © 2005 All rights reserved. www.achabibah.com E-Mail : achabibah@achabibah.com