|
هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟
خطبة عباد بن عباد الخواص الشامي أبي عتبة
أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْأَنْطَاكِيُّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ الْخَوَّاصِ الشَّامِيِّ
أَبِي عُتْبَةَ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ اعْقِلُوا وَالْعَقْلُ نِعْمَةٌ، فَرُبَّ
ذِي عَقْلٍ قَدْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِالتَّعَمُّقِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ
ضَرَرٌ، عَنِ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، حَتَّى صَارَ عَنْ
ذَلِكَ سَاهِيًا. وَمِنْ فَضْلِ عَقْلِ الْمَرْءِ تَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا
لَا نَظَرَ فِيهِ، حَتَّى لَا يَكُونَ فَضْلُ عَقْلِهِ وَبَالًا عَلَيْهِ
فِي تَرْكِ مُنَافَسَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ،
أَوْ رَجُل شُغِلَ قَلْبُهُ بِبِدْعَةٍ قَلَّدَ فِيهَا دِينَهُ رِجَالًا
دُونَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ
اكْتَفَى بِرَأْيِهِ فِيمَا لَا يَرَى الْهُدَى إِلَّا فِيهَا وَلَا يَرَى
الضَّلَالَةَ إِلَّا بِتَرْكِهَا، يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنَ
الْقُرْآنِ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى فِرَاقِ الْقُرْآنِ، أَفَمَا كَانَ
لِلْقُرْآنِ حَمَلَةٌ قَبْلَهُ وَقَبْلَ أَصْحَابِهِ يَعْمَلُونَ
بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ، وَكَانُوا مِنْهُ عَلَى
مَنَارٍ كَوَضَحِ الطَّرِيقِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِمَامًا
لِأَصْحَابِهِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَئِمَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ، رِجَالٌ
مَعْرُوفُونَ مَنْسُوبُونَ فِي الْبُلْدَانِ، مُتَّفِقُونَ فِي الرَّدِّ
عَلَى أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ
الِاخْتِلَافِ، وَتَسَكَّعَ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ بِرَأْيِهِمْ فِي
سُبُلٍ مُخْتَلِفَةٍ جَائِرَةٍ عَنِ الْقَصْدِ مُفَارِقَةٍ لِلصِّرَاطِ
الْمُسْتَقِيمِ، فَتَوَّهَتْ بِهِمْ أَدِلَّاؤُهُمْ فِي مَهَامِهَ
مُضِلَّةٍ، فَأَمْعَنُوا فِيهَا مُتَعَسِّفِينَ فِي تِيهِهِمْ، كُلَّمَا
أَحْدَثَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِدْعَةً فِي ضَلَالَتِهِمُ انْتَقَلُوا
مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا أَثَرَ
السَّالِفِينَ وَلَمْ يَقْتَدُوا بِالْمُهَاجِرِينَ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ
عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِزِيَادٍ: هَلْ تَدْرِي مَا
يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ
وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَمَا حَدَثَ فِي
قُرَّائِكُمْ وَأَهْلِ مَسَاجِدِكُمْ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ
وَالْمَشْيِ بَيْنَ النَّاسِ بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ، وَقَدْ ذُكِرَ
أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي
النَّارِ، يَلْقَاكَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ فَيَغْتَابُ عِنْدَكَ مَنْ يَرَى
أَنَّكَ تُحِبُّ غِيبَتَهُ وَيُخَالِفُكَ إِلَى صَاحِبِكَ فَيَأْتِيهِ
عَنْكَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْكُمَا حَاجَتَهُ وَخَفِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا أُتِيَ
بِهِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، حُضُورُهُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ حُضُورُ
الْإِخْوَانِ وَغَيْبَتُهُ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ غَيْبَةُ الْأَعْدَاءِ،
مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ الْأَثَرَةُ وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ لَمْ
تَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ، يَفْتِنُ مَنْ حَضَرَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَيَغْتَابُ
مَنْ غَابَ عَنْهُ بِالْغِيبَةِ، فَيَا لَعِبَادَ اللَّهِ أَمَا فِي
الْقَوْمِ مِنْ رَشِيدٍ وَلَا مُصْلِحٍ؟ يَقْمَعُ هَذَا عَنْ مَكِيدَتِهِ
وَيَرُدُّهُ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، بَلْ عَرَفَ هَوَاهُمْ
فِيمَا مَشَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ وَأَمْكَنُوهُ مِنْ
حَاجَتِهِ، فَأَكَلَ بِدِينِهِ مَعَ أَدْيَانِهِمْ. فَاللَّهَ اللَّهَ
ذُبُّوا عَنْ حُرَمِ أَغْيَابِكُمْ وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْهُمْ
إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَنَاصِحُوا اللَّهَ فِي أُمَّتِكُمْ إِذْ كُنْتُمْ
حَمَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْطِقُ حَتَّى
يُنْطَقَ بِهِ، وَإِنَّ السُّنَّةَ لَا تَعْمَلُ حَتَّى يُعْمَلَ بِهَا.
فَمَتَى يَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ إِذَا سَكَتَ الْعَالِمُ فَلَمْ يُنْكِرْ
مَا ظَهَرَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِمَا تُرِكَ؟ وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ ). اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ رَقَّ فِيهِ
الْوَرَعُ وَقَلَّ فِيهِ الْخُشُوعُ وَحَمَلَ الْعِلْمَ مُفْسِدُوهُ،
فَأَحَبُّوا أَنْ يُعْرَفُوا بِحَمْلِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُعْرَفُوا
بِإِضَاعَتِهِ، فَنَطَقُوا فِيهِ بِالْهَوَى لَمَّا أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ
الْخَطَإِ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَمَّا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ إِلَى مَا
عَمِلُوا بِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَذُنُوبُهُمْ ذُنُوبٌ لَا يُسْتَغْفَرُ
مِنْهَا، وَتَقْصِيرُهُمْ تَقْصِيرٌ لَا يُعْتَرَفُ بِهِ، كَيْفَ يَهْتَدِي
الْمُسْتَدِلُّ الْمُسْتَرْشِدُ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ حَائِرًا؟
أَحَبُّوا الدُّنْيَا وَكَرِهُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِهَا فَشَارَكُوهُمْ فِي
الْعَيْشِ وَزَايَلُوهُمْ بِالْقَوْلِ، وَدَافَعُوا بِالْقَوْلِ عَنْ
أَنْفُسِهِمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى عَمَلِهِمْ، فَلَمْ يَتَبَرَّءُوا
مِمَّا انْتَفَوْا مِنْهُ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ
أَنْفُسَهُمْ، لِأَنَّ الْعَامِلَ بِالْحَقِّ مُتَكَلِّمٌ وَإِنْ سَكَتَ،
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ
الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ وَلَكِنِّي أَنْظُرُ إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ،
فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ لِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا وَوَقَارًا
لِي وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( مَثَلُ الَّذِينَ
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا (
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) كُتُبًا، وَقَالَ ( خُذُوا مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) قَالَ الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ، وَلَا تَكْتَفُوا
مِنَ السُّنَّةِ بِانْتِحَالِهَا بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا،
فَإِنَّ انْتِحَالَ السُّنَّةِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا كَذِبٌ بِالْقَوْلِ
مَعَ إِضَاعَةِ الْعَمَلِ، وَلَا تَعِيبُوا بِالْبِدَعِ تَزَيُّنًا
بِعَيْبِهَا، فَإِنَّ فَسَادَ أَهْلِ الْبِدَعِ لَيْسَ بِزَائِدٍ فِي
صَلَاحِكُمْ، وَلَا تَعِيبُوهَا بَغْيًا عَلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ
الْبَغْيَ مِنْ فَسَادِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ
يُدَاوِيَ الْمَرْضَى بِمَا يُبَرِّئُهُمْ وَيُمْرِضُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا
مَرِضَ اشْتَغَلَ بِمَرَضِهِ عَنْ مُدَاوَاتِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ
يَلْتَمِسَ لِنَفْسِهِ الصِّحَّةَ لِيَقْوَى بِهِ عَلَى عِلَاجِ
الْمَرْضَى. فَلْيَكُنْ أَمْرُكُمْ فِيمَا تُنْكِرُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ
نَظَرًا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَنَصِيحَةً مِنْكُمْ لِرَبِّكُمْ
وَشَفَقَةً مِنْكُمْ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ
بِعُيُوبِ أَنْفُسِكُمْ أَعْنَى مِنْكُمْ بِعُيُوبِ غَيْرِكُمْ، وَأَنْ
يَسْتَطْعِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا النَّصِيحَةَ، وَأَنْ يَحْظَى عِنْدَكُمْ
مَنْ بَذَلَهَا لَكُمْ وَقَبِلَهَا مِنْكُمْ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهم: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ
عُيُوبِي. تُحِبُّونَ أَنْ تَقُولُوا فَيُحْتَمَلَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ
لَكُمْ مِثْلُ الَّذِي قُلْتُمْ غَضِبْتُمْ، تَجِدُونَ عَلَى النَّاسِ
فِيمَا تُنْكِرُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَتَأْتُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يُوجَدَ عَلَيْكُمِ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ وَرَأْيَ
أَهْلِ زَمَانِكُمْ وَتَثَبَّتُوا قَبْلَ أَنْ تَكَلَّمُوا، وَتَعَلَّمُوا
قَبْلَ أَنْ تَعْمَلُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ
الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَيَكُونُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ مُنْكَرًا
وَالْمُنْكَرُ فِيهِ مَعْرُوفًا، فَكَمْ مِنْ مُتَقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ
بِمَا يُبَاعِدُهُ وَمُتَحَبِّبٍ إِلَيْهِ بِمَا يُغْضِبُهُ عَلَيْه،ِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ
حَسَنًا ) الْآيَةَ.. فَعَلَيْكُمْ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ
حَتَّى يَبْرُزَ لَكُمْ وَاضِحُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ
الدَّاخِلَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ آثِمٌ، وَمَنْ نَظَرَ
لِلَّهِ نَظَرَ اللَّهُ لَهُ، عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَأْتَـمُّوا بِهِ
وَأُمُّوا بِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِطَلَبِ أَثَرِ الْمَاضِينَ فِيهِ. وَلَوْ
أَنَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ لَمْ يَتَّقُوا زَوَالَ مَرَاتِبِهِمْ
وَفَسَادَ مَنْزِلَتِهِمْ بِإِقَامَةِ الْكِتَابِ وَتِبْيَانِهِ مَا
حَرَّفُوهُ وَلَا كَتَمُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا خَالَفُوا الْكِتَابَ
بِأَعْمَالِهِمُ الْتَمَسُوا أَنْ يَخْدَعُوا قَوْمَهُمْ عَمَّا صَنَعُوا،
مَخَافَةَ أَنْ تَفْسُدَ مَنَازِلُهُمْ وَأَنْ يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ
فَسَادُهُمْ، فَحَرَّفُوا الْكِتَابَ بِالتَّفْسِيرِ، وَمَا لَمْ
يَسْتَطِيعُوا تَحْرِيفَهُ كَتَمُوهُ، فَسَكَتُوا عَنْ صَنِيعِ
أَنْفُسِهِمْ إِبْقَاءً عَلَى مَنَازِلِهِمْ، وَسَكَتُوا عَمَّا صَنَعَ
قَوْمُهُمْ مُصَانَعَةً لَهُمْ، وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ ) بَلْ مَالَئُوا عَلَيْهِ وَرَقَّقُوا لَهُمْ فِيهِ.
الدارمي - مقدمة
التواضع خلق
الأنبياء
وأفضل العبادة
قال الله تعالى:( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ
الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا ) الإسراء 37
مخبر المرء مرآة لجوهره، ومعتقده وتصرفاته
وجهان متلازمان في تركيبته النفسية والعقلية والسلوكية، والعمل الصالح لا
يفيد أو يقبل في الآخرة إن لم يُـبْنَ على نقطة الارتكاز الأولى وهي
العقيدة، لذلك فرض الله تعالى على القلوب أعمالا من الاعتقادات، وعلى
الجوارح أعمالا من الطاعات، ونزل الوحي يوطئ للسلوك العملي بالاعتقاد
الباطني:
·
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ
وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ البقرة 277
·
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى الكهف88
·
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ
اهْتَدَى طه 82
وهو نفس النهج الذي سارت عليه آية التواضع
وما تلاها في سورة الإسراء (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ
لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا كُلُّ ذَلِكَ
كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ
رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ
فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُورا )37-38-39 الإسراء؛ وهي تتمة
خمسة وعشرين نوعا من التكاليف العملية التي تقدمها الأمر بالتوحيد (لَا
تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولا
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) الإسراء22-23، ثم توجت
في نهايتها بالنهى عن الشرك (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ
فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُورا )الإسراء 39.
ولعل الأمر يزداد وضوحا في الآية 54 من سورة
المائدة إذ ربطت بين الإيمان وبين محبة الله وخلق التواضع، مقابل الردة
بالتخلى عن هذه الصفات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ
مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.. الآية)، ذلك أن الربط بين
الردة وبين استبدال أحباب الله المتواضعين إشارة بينة إلى أن التواضع بعد
توحيد الخالق سبيل الثبات على الحق والفوز بمحبة الله تعالى، وأن التكبر
استعلاء على القيم والمبادئ الدينية وذريعة إلى الردة.
إن مشية المرح التي نهت عنها الآية الكريمة
هي مشية الخيلاء والبطر والأشر والتبختر والفرح بالدنيا ومقتنياتها من
المال والجاه والقوة والولد، مشية الجبارين؛ ولذلك عقب عليها عز وجل بما
يعد تهكما وسخرية بصاحبها المتكبر الذي يعد كل شيء أحقر منه(إِنَّكَ لَنْ
تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا )، منبها إلى أنه
مهما شدد وطأته على الأرض فلن يخرقها، ومهما تطاول بقامته تعاظما فلن يبلغ
الجبال طولا، وهو في كل الأحوال عبد ذليل محاط به من تحته ومن فوقه،
والمحاط محصور ضعيف، بل قد يعجل له في الدنيا بعض جزاء استكباره واستعلائه
كما ثبت في الصحيح(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ
قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ
يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) مسلم، وكما ورد في التنزيل
عن قارون بني إسرائيل وقد خرج على قومه في زينته ( فَخَسَفْنَا بِهِ
وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ
دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) القصص81.
ثم أجمل عز وجل ما ورد من التكاليف أمرا
ونهيا عقيدة وسلوكا خصالا حسنة وأخرى رديئة، مخبرا بأن ما هو سيئ منها يحرم
إتيانه (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ).
وفي هذه الآية قراءة سبعية أخرى هي قراءة نافع
وابن كثير وابن عمرو ( سيئة ) بالنصب، أي فاحشة مؤاخذا عليها لا يرضاها
الله تعالى، وتعني ما ورد في هذه الآيات كلها من المنهيات.
هذه الخصال الواردة في سورة الإسراء ضمن
ثماني عشرة آية، تعد شرائع واجبة الرعاية غير قابلة للنسخ في جميع الملل
والأديان، قال عنها ابن عباس إنها وردت في ألواح موسى، ونسبها رب العزة
للوحي وسماها حكمة (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ
الْحِكْمَةِ )، لأنها مصالح محكمة لا يدخلها الفساد. وكما أن رأس الحكمة
معرفة الحق لذاته وهو التوحيد، ومعرفة الخير الذي هو التكاليف والطاعات
للعمل به، كذلك جعل الله تعالى فاتحة هذه التوجيهات الأمر بالتوحيد
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) وخاتمتها النهي عن
الشرك (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ
مَلُوماً مَدْحُورا ) لأن ذلك هو رأس الحكمة وملاكها، ومن عدم التوحيد لم
ينتفع بعلم ولم ترشده حكمة.
ثم رتب على الأمر بالتوحيد في البداية نتيجة
المخالفة في الدنيا وهي الذم والخذلان ( لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً
آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولا) أي مبغضا محقرا ضعيفا، ورتب على
النهي عن الشرك في الختام نتيجة المخالفة في الآخرة ( مَلُوماً مَدْحُورا )
أى مبعدا مطرودا من رحمة الله تعالى؛ والمراد بهذا الخطاب هو الأمة بواسطة
الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم عن الشرك وسوء
الخلق.
كما أن من غريب الإعجاز في ترتيب هذه
التوجيهات القرآنية ربطها الأمر بالتوحيد في أولها بأخطر معصية بعد الشرك
وهي عقوق الوالدين ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا )، وربط النهي عن الشرك في ختامها بالتواضع
واجتناب الكبر والتعاظم.
لذلك قال تعالى (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) النحل
29 ذلك أن الكبر مرض نفسي وخلل سلوكي يبدأ صغيرا لا يؤبه به، ثم ينمو
ويتضخم إلى أن يتحول فتنة عمياء ووباء اجتماعيا يمزق الأمة ويفرقها شيعا
متناحرة وطبقات متنافرة.
يستهل المريض مسيرته هذه معجبا بنفسه، ثم
تائها مزهوا مفاخرا، ثم متعاليا متطاولا، ظانا أنه أكبر من غيره، ثم
متخايلا يظن في نفسه ما ليس فيها، ثم أصيد لا يلتفت يمنة ويسرة، ثم متغطرسا
نرجسيا متخذا من نفسه محرابا يتعبدها فيه.
ولئن كان من أسباب الارتكاس في هذه العاهة
السلوكية زيادة مال المرء أو جاهه أو سطوته أو علمه، فإن من الأسباب الأخرى
أيضا عقدا نفسية تتعلق بإحساس داخلي في المتكبر، بالهوان والذل والصغار
يريد أن يجبره بالتعالي والغطرسة انتقاما من الناس كما يخيل إليه.
لذلك ورد التحذير من الكبر منثورا في
ثنايا سور القرآن الكريم والتوجيهات النبوية الرشيدة، فقال عز وجل:
·
( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ
يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا
بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ )الأعراف 146
·
( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ) الفرقان63
·
( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ) لقمان18
وقال صلى الله عليه وسلم:
·
( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ
كِبْرٍ ) مسلم
·
( يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي
صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ
إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ
الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ
الْخَبَالِ ) الترمذي
·
( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ
مُتَكَبِّرٍ ) مسلم.
·
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَأْخُذُ
الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدِهِ وَقَبَضَ يَدَهُ فَجَعَلَ
يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْجَبَّارُ أَنَا
الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ قَالَ
وَيَتَمَايَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ
مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ
بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ابن ماجه.
وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن الكبر عرفه
بقوله: ( الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ
) مسلم وأبو داود. وعده مرادفا للعدوان والبغي (...وَلَكِنَّ
الْبَغْيَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ أَوْ بَطِرَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ )
أحمد.
وبطر الحق هو رفضه والتنكر له ومعارضته، كما
أن غمط الناس إنكار قدرهم وتسفيه ما لديهم من رأي أو عقل أو علم وحكمة.
من هذا التعريف النبوي للكبر يتجلى لنا بوضوح
تام معنى الخلق المقابل له، وهو التواضع.كما أن قوله تعالى( أَذِلَّةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين) المائدة54 يبين وسطية
خلق التواضع بين الكبر وبين الهوان والمسكنة.
إن لفظ "التواضع" مشتق من جذره اللغوي "
وضع"، والواو والضاد والعين أصل واحد يدل على خفض الشيء وحطه، والضعة خلاف
الرفعة، يقال: فلان وضع نفسه، أي حطها عن قدرها، وتواضع القوم على الشيء
إذا تنازل كل منهم عن بعض مواقفه واتفقوا على رأي جامع بينهم، وتواضع الرجل
إذا تذلل وتخاشع وتكلف الانخفاض، ولذلك عرف التواضع بأنه تكلف المرء
الانخفاض عن قدره رحمة بغيره وتأليفا لقلوبهم.
وقد عرفه ابن القيم بأنه ( الذي يتولد من بين
العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوته وجلاله وتعظيمه ومحبته
وإجلاله، ومن معرفة النفس وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها؛ فيتولد من ذلك
خلق التواضع، وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذلة والرحمة بعباده؛ فلا
يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا، بل يرى الفضل للناس عليه
والحقوق لهم قبله؛ وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه
) – الروح ص 495.
إن التواضع خلق مرجو النفع في الدنيا
والآخرة، يقوي الثقة بين الناس، ويشعرهم بحقوقهم نحو بعضهم، ويشيع في
جموعهم روح الألفة والمودة والتعاون؛ وهو فوق ذلك وصية الرب سبحانه لخلقه،
وباب جنته، وسبيل طاعته، به تتحقق العبادة الصادقة والثبات على الحق، كما
أن به يتحصن المرء من المعاصي، لأن موردها جميعا خلق التكبر والتعالي
وعبادة النفس والهوى، كما هو شأن أول معصية ارتكبت في الملأ الأعلى إذ رفض
إبليس - لعنه الله – أمر السجود لآدم تكبرا واستعلاء ( قَالَ أَنَا خَيْرٌ
مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين ) الأعراف12، فكان
عاقبة أمره أن طرد شر طرد ( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ )
الحجر34.
وما ترك امرؤ التواضع وترفع على من هو دونه
إلا ابتلي بالذلة لمن فوقه، وما استطال على الضعفاء إلا تصاغر أمام
الأقوياء، ناهيك عما في الكبر من خطيئة وظلم، لأنه منازعة لله تعالى في
صفاته، إذ الكبرياء والعظمة له وحده، وفي الحديث القدسي الذي رواه النبي
صلى الله عليه وسلم عن رب العزة يقول تعالى: ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي
وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ
فِي النَّارِ ) أبو داود.
لقد كانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم
القولية والفعلية تحريضا دائما مستمرا على التمسك بخلق التواضع، يقول عليه
الصلاة والسلام:
·
(مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ
إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ )
مسلم.
·
( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ
أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ) مسلم.
·
( مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى
يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً
وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ )
أحمد.
·
( لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ
مِنْ إِيمَانٍ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ) مسلم.
أما سنته العملية صلى الله عليه وسلم فقد
كانت خير قدوة وأنصع أسوة:
·
طَافَ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ
وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ كَانَ مَعَهُ وَأَتَى السِّقَايَةَ
فَقَالَ اسْقُونِي فَقَالُوا إِنَّ هَذَا يَخُوضُهُ النَّاسُ وَلَكِنَّا
نَأْتِيكَ بِهِ مِنْ الْبَيْتِ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ اسْقُونِي
مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ ) أحمد.
·
أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً فَجَثَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ
يَأْكُلُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ فَقَالَ إِنَّ
اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا
) ابن ماجه.
·
نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ
فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ
اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً فَقَالَ مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي
الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ
وَتَرَكَهَا ) الترمذي.
·
عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ ( كَانَ يَكُونُ
فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ
الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ) البخاري
·
كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ
حَيْثُ شَاءَت) البخاري.
إن التواضع سجية تجعل المرء في مورد الطاعة
الدائمة مع ربه ومع نفسه ومع والديه ومع الناس جميعا.
فالتواضع لله تعالى ألا تغيب عن المرء
وحدانيته وقدرته وأسماؤه وصفاته وجلاله وحقه في الطاعة والامتثال لأوامره
ونواهيه، وألا ينسى المرء ضعفه ومحدوديته والحكمة من وجوده ومآل أمره في
الدنيا والآخرة، فيورثه هذا الشعور خشوعا لله وخضوعا، واجتهادا في التعبد
وحسن الخلق ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ
أَبِي زُرْعَةَ قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ
جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ
إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ
فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ قَالَ
أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا قَالَ جِبْرِيلُ
تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ بَلْ عَبْدًا رَسُولًا) أحمد.
والتواضع مع النفس يكون بمعرفتها في إطار
القدرة الإلهية وحاكمية الله تعالى وقيوميته، وما استأثر بعلمه من مآل
المرء ومصيره في الدنيا والآخرة، والشعور بالعجز والضعف إلا بحبل من الله
وعون (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب ) الحج 73؛ كل ذلك يطبع تصرفات المؤمن
وأعماله وعواطفه بسمات الوداعة والنبل واللين والسماحة وحسن المعاملة،
ويبدو أثره في حركاته وسكناته وطريقة جلوسه وقيامه ومشيه وكلامه ورنات صوته
وخلجات جوارحه.
والتواضع للوالدين بصفتهما أصل نشأته
وأداة تربيته ورعايته ووصية ربه( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا )
الإٍسراء 24، يوجب على الابن حقوقا لابد من أدائها، ومنهجا في المعاملة يجب
التزامه، من ذلك مثلا زيادة على الطاعة والإجلال والرعاية والصيانة والحنو،
إظهار التواضع والخضوع لهما رحمة وشفقة واحتراما، كوقوف الابن عند دخول
الأب أو الأم، والسكوت عند حديثهما لا يقاطعهما، وخفض الصوت في حضرتهما،
لأن في خلاف هذا التصرف علامة تمرد وتهاون بمقامهما.
والتواضع للناس يكون بالمعاملة الطيبة
والعشرة الحسنة، وكظم الغيظ والعفو والصفح الجميل، والنصح اللين الوديع
(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس) لقمان 18 (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين )آل
عمران134.
إن التواضع قيمة اعتقادية وأخلاقية
نتيجتها التمسك بالمبادئ والثبات على الدين، وحسن رعاية أمن الأمة ووحدتها،
وهو بهذا الاعتبار عبادة في جوهره ومخبره، لذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها:( إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة، التواضع ) -كتاب التواضع
والخمول لابن أبي الدنيا-.
ولئن كان التواضع خصلة يؤثر بها الله
تعالى أصفياءه وأولياءه، فإن الكبر لا يبتلى به إلا شرار الخلق، وهم طوائف
كثيرة، منها العائل ( الفقير ) المستكبر، والحاكم الطاغية، والغني
المتغطرس، والعالم المتعجرف.
أما الفقير المستكبر فلشعوره بمهانة
الفقر وجهله بأن قيمة المرء في تقواه وعمله الصالح.
وأما الحكام والأغنياء فلجهلهم بحقيقة
أنفسهم وظنهم أن إكراه الخلق على الخضوع لسطوة جاههم ومالهم يكسبهم رفعة
ومجدا.
أما العلماء فأسباب تكبرهم منافستهم
لأرباب المال والجاه، وتعلقهم بالدنيا وجهلهم بالآخرة، وتقصيرهم في تهذيب
أنفسهم.
كذلك أهل الفسق والفجور المجاهرون
المصرون المباهون، لم يركسهم فيما هم فيه إلا الاستخفاف بالدين والاستهانة
بقيمه ومبادئه.
إن التواضع للمتكبرين من أهل الجاه والمال والعلم، وخفض الجناح لأهل
المعاصي والفسق والفجور، يعد مذلة للمؤمن ومهانة للنفس وتوهينا للدين؛
وكذلك التواضع في مقام تجب فيه نصرة الدين يؤدي إلى التخاذل وتعطيل عبادة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخضوع للباطل، وابتذال العقيدة
وتوهينها.
قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
التوبة 119
هذه الآية الكريمة نزلت في ثلاثة من
الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك، ولم ينفروا فيها للجهاد إذ استنفرهم الرسول
صلى الله عليه وسلم؛ وهم كعب بن مالك ومُرارة بن الربيع العامري وهلال بن
أمية الواقفي، وكانوا ضمن نيف وثمانين مسلما لم يخرجوا للمشاركة في هذه
الغزوة.
وبعد عودة الرسول عليه السلام وسؤاله
إياهم جادل كل متخلف عن نفسه بعذر، فقبل منهم صلى الله عليه وسلم أعذارهم
واستغفر لهم الله ووكل نواياهم إليه سبحانه، إلا هؤلاء الثلاثة فقد صدقوه
الجواب وبينوا له أنهم لا عذر لهم، فأرجأ عليه السلام قبول توبتهم، وأمرهم
بملازمة بيوتهم واعتزال نسائهم، وأمر المسلمين بمقاطعتهم؛ فتجلى بذلك إيمان
الثلاثة وامتثالهم، وإيمان المجتمع الإسلامي وانضباطه في أنصع الصور إشراقا
ونورانية. ودام هذا الاختبار النبوي خمسين ليلة توجت بنـزول توبتهم قرآنا
يتلى أبد الدهر (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ
خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ
وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ
اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ
هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) التوبة 118، ثم خوطبوا توجيها وهداية
إلى سبيل الرشاد والفلاح بقوله تعالى (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
) التوبة 119.
وظاهر الآية أن الأمر بالتقوى والكون
مع الصادقين للمسلمين كافة على الإطلاق والعموم وجوبا، وليس خاصا بالثلاثة
الذين خلفوا؛ كما أن فيها ما يفيد الزجر عن فعل ما ارتكب من تخلف عن الجهاد
بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ ) في عدم الامتثال والطاعة للأمر النبوي، وما يفيد
المقصود من التقوى وهو وجوب الكون مع الرسول وأصحابه واجتناب الكون مع
المنافقين الذين مكثوا في بيوتهم ولم يخرجوا للجهاد بقوله: (وَكُونُوا
مَعَ الصَّادِقِينَ ).
ولفظ " التقوى " مشتق من جذره " وقى "
الذي يدل على دفع شيء عن شيء بغيره، و"الوقاية " من وقى الشيء يقيه وقاية
ووقيا أي صانه وحماه وحفظه، ومنه قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) الرعد34 أي من دافع، وقوله (فَاتَّقُوا
النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ ) البقرة34، وقوله : (هُوَ
أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة ) المدثر 56 أي أهل أن
يتقى غضبه وعقابه وعذابه.
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: (اتَّقُوا
النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ) ، أي احذروا النار واجعلوا
بينكم وبينها صدقة ولو بشق تمرة . وما أخرجه مسلم (إِنَّمَا
الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ) أي
يدفع به العدو ويتقى بقوته، ومنه قول الإمام علي رضي الله عنه :(
كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ
الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنْ الْقَوْمِ
مِنْهُ ) ابن حنبل، أي جعلناه وقاية لنا وقمنا خلفه واستقبلنا به
العدو.
أما لفظ " الصدق " فحروفه الصاد
والدال والقاف أصل يدل على قوة في الشيء قولا أو عملا، من قولهم "رمح
صَدْق" – بفتح الصاد وسكون الدال – أي صُلب؛ ومنه " رجل مَصْدَق" أي شجاع
صادق الحملة صادق السعي والوعد، والصدق في القول ضد الكذب، سمي صدقا لقوته
في نفسه ولأن الكذب لا قوة فيه فهو باطل.
والصدق في القول هو مطابقة الكلام
لضمير القائل وللشيء المخبر عنه معا . فإن انخرم أحد الشرطين بأن لم يطابق
ضمير المتكلم أو لم يطابق حقيقة المخبر عنه لم يكن صدقا تاما، من ذلك قول
المنافقين فيما حكاه القرآن عنهم: (إِذَا جَاءَكَ
الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) المنافقون 1، فقد أكذبهم الله تعالى
بقوله:(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لَكَاذِبُونَ) المنافقون 1؛ كما أن للصدق والكذب معنى خفيا ينبغي أن
ينتبه له الصادقون في تعاملهم مع بعضهم ، وذلك حين تكون الحاجة للنصح أو
البيان، فيكون الكلام صدقا إن تضمن نصحا أو بيانا أو توضيحا، ويكون السكوت
وإخفاء ما يفيد الدعوة أو يضرها كذبا وغشا وخداعا وتمويها وخيانة.
ولذلك كان الأمر بالصدق التام الناجز المطابق للضمير ولحقائق الأشياء
المخبر عنها ماضيا وحاضرا واستقبالا، وكان معنى قوله تعالى:(
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) اصدقوا والزموا الصدق وكونوا مع
أهله تنجوا من التهلكة وتجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وعقابه وقاية.
لقد كانت المخالفة في تبوك كبيرة، والذنب عظيما، ولكن الأنصاريين الثلاثة
صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترفوا بجريرتهم، ولم يلجؤوا
للمراوغة بالأعذار الواهية، ومع ذلك ووجهوا بحزم وشدة دون سائر المخالفين،
لأن الذنب يعظم بعظم مرتكبه والعقوبة كذلك بحسب رتبة المذنب، ألم يخاطب
الله تعالى أمهات المؤمنين بقوله:( يَا نِسَاءَ
النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا
الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً )
الأحزاب 30 (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ
كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) الأحزاب 32؟؛ كذلك
الثلاثة المخلفون كانت مكانتهم بين الأنصار والمهاجرين عالية، وسابقتهم في
الإسلام والجهاد والبذل مكينة، لذلك أخضعهم الله تعالى لاختبار شديد،
ووضعهم في بوتقة أشرف المعادن، تذيب مادتهم وتجلو حقيقتهم وتكشف مكنون
إيمانهم، وتبتلي بهم في نفس الوقت مجتمع المسلمين، تربية وتثبيتا وتأسيا
وتدريبا لهم على التجرد لدينهم، فصمد الثلاثة للاختبار بمقاطعة الناس لهم
واعتزال نسائهم خمسين يوما، وامتثل المجتمع الإسلامي للأمر النبوي
بمقاطعتهم، فلم تثر فيه عصبية قبلية أو عرقية أو عائلية أو زوجية؛ وإنما شع
إيمان الجميع، وأشرقت الوجوه بعبادة الامتثال والانصياع، حتى إذا تجلى
للكون نموذج الأمة الجديدة الخاتمة لأمم الإيمان والإحسان، تجلى ربك عز وجل
عليهم بالتوبة واللطف والرحمة والمغفرة، ونزل ذلك قرآنا يتلى أبد الدهر في
ملأ الأرض وملأ السماء( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ
عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ
مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى
الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا
أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة117-
118 .
لقد اجتمعت في هذه الحادثة كل ظروف التشديد: علو مرتبة المخالفين، وعظم
الذنب، وحزم الرسول صلى الله عليه وسلم في المعالجة، وكون غزوة تبوك مفصلا
هاما في مسيرة الإسلام لأنها آخر الغزوات، تتم بها التربية الجهادية ويطهر
بها الصف الجهادي، وأن ظروفها القتالية من الشدة والعنت سماها القرآن
الكريم " ساعة العسرة"، لما نال المسلمين فيها من عسرة المسافة وعسرة الحر
وعسرة السير والقتال وقلة الزاد والظهر (لَقَدْ
تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ
يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) التوبة117. وقد وصف عمر بن
الخطاب حال المسلمين فيها فيما أخرجه ابن حبان والبيهقي والحاكم وصححه، عن
ابن عباس أنه قال لعمر: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه
عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه
فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا
رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فرفع يديه فلم يرجعها
حتى قالت السماء فأهطلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها
جاوزت العسكر.
وبعد نزول قبول توبة الثلاثة الذين
خلفوا خوطبوا بنوع من الالتفات إلى عموم المسلمـين بقولـه تعالى: (
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ )؛ وهذا الأمر الإلهي بالتقوى ولزوم الصدق وأهله بعد
قصة الثلاثة الذين نفعهم صدقهم وذهب بهم عن منازل المنافقين، وجعلهم قدوة
وأسوة، وخلد ذكرهم في الملأ الأعلى، يعد خير علاج للصف المسلم وأقوم طريقة
لحماية المجتمع وصيانته في الدنيا من الانحراف وفي الآخرة من غضب الله
وعقابه. وقد فسر القرآن الكريم المقصود من الصادقين الذين تجب مرافقتهم
ولزوم صفهم بقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ
تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ
وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة177، وقوله:(
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ
مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) الأحزاب 23.
وحق على من فهم وعقل عن الله أن يلازم
الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال والمقاصد
والعزائم، قال صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ
الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى
الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ
الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى
النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ
كَذَّابًا) البخاري .
إن الصدق إيمان وبر وإحسان، وأهله في
أعلى درجات الجنة بعد النبوة كما قرر القرآن ذلك (وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) النساء 69.
وإن الكذب عار وشنار، وأهله في أدنى
دركات المنافقين والأشقياء والمحرومين، مخرومة عدالتهم مردودة شهادتهم (وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ
مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ )
الزمر60، وقد روي أن النبي عليه السلام رد شهادة رجل في كذبة كذبها، قال
معمر:( لا أدري أكذب على الله أو كذب على رسوله أو كذب على أحد من الناس)
-
من رواية معمر عن موسى بن أبي شيبة مرسلا، السنن الكبرى للبيهقي ومسند ابن
راهويه - ، وقال الإمام مالك رضي الله عنه: ( لا يقبل خبر الكاذب في حديث
الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وسئل شريك بن عبد
الله فقيل له:( يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدا أأصلي خلفه؟) قال:(
لا )،.
إن الكاذب لا تقبل شهادته ولا خبره
لأن قبول الشهادة تزكية عظيمة لا تكون إلا لمن كملت فضائله وطابت خصاله،
ولا خصلة أدنى وأحقر من خصلة الكذب. يؤيد ذلك ويشرحه ما روي من أن رجلا جاء
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني رجل أريد أن أؤمن بك إلا أني أحب
الخمر والزنا والسرقة والكذب، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة
لي على تركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحدة منها آمنت بك، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ( اترك الكذب )،
فقبل ذلك ثم أسلم، فلما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه
الخمر فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت نقضت العهد، وإن صدقت
أقام علي الحد، فتركها؛ ثم عرضوا عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا
في السرقة، فعاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما
منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي على، وتاب عن الكل- التفسير الكبير
للرازي16/221 -.
ويكفي الصدق فضلا وشرف منزلة وعلو
درجة أن الإيمان منه، أي أن الإيمان الحق لا يصدر إلا عن صدق النية وصدق
القول والعمل، وأن الكفر من الكذب، كذب النية والقول والعمل، ولذلك نفى
الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون المؤمن كذابا في الحديث الذي رواه
الإمام مالك في الموطأ ( قيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا فَقَالَ
نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا فَقَالَ نَعَمْ
فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا فَقَالَ لَا )، وقال
أيضا( إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ
وَلَا يَصْلُحُ مِنْ الْكَذِبِ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ ...) الدارمي.
إن الصدق المأمور به ليس صدق القول
فقط، ولكنه أيضا صدق الإيمان وإخلاصه وصدق القول وصوابه وصدق الدين
وصلابته، ألا ترى أن العرب تقول: رجل صدق، أي قوي العقيدة نية وقولا وعملا
وعزيمة وقصدا، في جميع حالاته، حالات الرضا والغضب والمحبة والسخط والجد
والهزل، حالات مدارات السفهاء، والانتصار للحق في حوار العقلاء، أو للنفس
عند رد عدوان الجهلاء.
وإذا كان الأمر بالكون مع الصادقين
للوجوب، ثارت إشكالية أخرى هي أنه لابد من وجود جماعة الصدق في كل عصر،
وإلا كان الأمر في غير محله ! ، فكيف الاهتداء إليها لمرافقة أهلها
والانصهار في صفهم؟
يجيب القرآن الكريم على هذا التساؤل
بقوله تعالى:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران104، ويشرح
الرسول الكريم ذلك بقوله: (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ
مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ
ظَاهِرُون ) البخاري، وهذا يجعل الأمة الإسلامية معصومة عن الخطأ،
ويجعل إجماعها حجة تشريعية في مجال استنباط الأحكام، والإجماع على الباطل
متعذرا؛ كما ورد في الحديث الذي أخرجه الترمذي (حَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْمَدَنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ
اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ) ،
وكلما حاول أهل الباطل تزييف الشريعة الإسلامية بادعاء الإجماع على الباطل،
تصدت لهم طائفة الصدق والرشد والهدى التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه
وسلم، تصدع بالحق وتخرم إجماع الباطل وتسفهه.
وتبقى في الأمر إشارة أخرى واضحة
مكملة لمفهوم خلق الصدق، وردت في ما تلا هذه الآية، هي قولـه تعالى:(
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ
يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ
نَفْسِهِ ) التوبة120، وتعني وجوب فداء رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالنفس والمال والأهل والولد، وعدم البخل بذلك دفاعا عنه، لاسيما عند
تعرض النبوة الخاتمة للخطر، إذ النكوص عن الفداء في هذه الحالة نفاق خالص
وخذلان للإسلام وأهله لا شك فيه. لكن بعد التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم
بالرفيق الأعلى كيف يبقى هذا الواجب قائما؟، إنه إذا غاب صاحب الرسالة
فالرسالة باقية مستمرة لم تغب، وكتاب الله والسنة النبوية بين أظهرنا،
وفداء صاحب الرسالة يكون بمحبة الكتاب والسنة،
والعمل بهما ونشرهما والدفاع عنهما، وهذا هو الصدق المبرأ من كل عيب،
الخالص عن كل شين، السليم من كل خلل.
صفات عباد الرحمن
( الحلقة الرابعة )
" عباد الرحمن " وصف يطلق على أشخاص يتحلون
بصفات محددة ذكرها الله عز وجل في آخرسورة الفرقان بقوله :
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً...إلى
آخر السورة) الفرقان63. إلا أن هذا اللفظ أيضا يعد مصطلحا أخلاقيا صرفا يدل
على بناء سلوكي متكامل كالقصر المشيد، له أسسه وركائزه ومرافقه وزينته،
جزئياته وكلياته متكاملة لا تنفصل عن بعضها أو تستغني.
وقد أوجز عز وجل في هذه الآيات الكريمة معالم
هذا البناء وأجمل سماته، فبدأ بالأركان الإيجابية منها، تواضعا وحلما
وتهجدا واستعاذة من النار واعتدالا ( الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُوا سَلاماً ...الآية)، وثنى بقواعد البناء التي يقوم بها
وعليها، اجتنابا للكفر والشرك والكبائر قتلا وفاحشة
(َوالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ... ) ؛ ثم أحكم المبنى بذكر
التحسينات التي لابد منها للتكامل والجودة فقال:
1 - (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ )
الفرقان72
وحرف الزاي والواو والراء أصل واحد يدل على
الميل والعدول، ومنه " ازوَرَّ عن الشيء" إذا مال عنه وانحرف، وكل ما هو
تغيير للحق والحقيقة زور، فالكذب زور لأنه ميل عن طريق الحق، والشرك والكفر
والباطل أيا كان زور، ومجالس اللهو والعبث والفاحشة زور كذلك، أما شهادة
الزور فمنها حضور كل مجلس يجري فيه ما لا يجوز شرعا أو مروءة، لأن مجرد
مشاهدة هذه المجالس أو حضورها اشتراك فيها وإقرار لها ورضا بها، يقول
تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ
فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأنعام 68، ويقول أيضا:
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) الحج30، ومنها أيضا تزوير الحقائق
وقلبها عند تأدية الشهادة إن احتيج إليها، وهو ما رواه البخاري في صحيحه،
قال: ( حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ
حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْد ِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ
عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَلَا أُنَبِّئُكُمْ
بِأَكْبَرِ الْكَبَائِر"ِ ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَال:َ " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن "،ِ وَجَلَسَ
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَال:"َ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ"، قَالَ
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ) . والآية بهذا
تحرم الزور قولا وفعلا وسماعا ومشاهدة وشهادة، وتنـزه المؤمن عن مخالطة
الشر وأهله، وتصون دينه عما يثلمه ويشينه.
2 – (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَاماً ) الفرقان72:
واللام والغين وحرف العلة في لفظ " لغو"
أصلان صحيحان أحدهما من " لغي " بالشيء إذا لهج به وتكلم، ومنه اشتق لفظ "
اللغة "، والثاني يدل على الشيء الذي لا يعتد به وهو المقصود في الآية
الكريمة،
واللغو هو كل ما سقط من قول أو فعل أو سفاهة،
وما لا يعتد به ولا تحصل منه فائدة، كاليمين اللغو في قوله تعالى:(
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ )
البقرة225، أي بما لم تنعقد عليه نياتكم وقلوبكم، كقول الرجل في درج كلامه:
" بلى والله ... لا والله ..." دون أن يقصد الحلف.
واللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك من الأقوال
والأفعال مما ليس بطاعة أو مباح؛ فإذا صادف أن مر المؤمن بمجالس الزور
واللغو أكرم نفسه ونزهها بالإعراض والإنكار وترك الخوض فيها أو المساعدة
عليها أو النظر والمشاهدة لها (وَإِذَا مَرُّوا
بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ).
وأصل لفظ " كراما " من قول العرب " ناقة
كريمة"، إذا كانت تعرض عند الحلب تكرما كأنها لا تبالي بما يحلب منها
لغزارته، فاستعير ذلك لإعراض ذوي المروءة عما يشينهم إكراما لأنفسهم
وتنزها، كقوله تعالى:( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) القصص 55، وقد روي
أن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما) ثم تلا
إبراهيم بن ميسرة قوله تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا
بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ).
3 – (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً )
الفرقان73:
وللمرء إذا ما ذكر بآيات الله وآلائه ونعمه،
أو وجه إليه نصح أو ترغيب في رضا الله أو ترهيب من غضبه، أو حث على فعل
الواجب واجتناب المحرم، أحد موقفين:
- إما أن يتلقى ذلك مفتحا ذهنه حريصا على
الاستفادة، مقبلا على المذكر الناصح بأذن واعية وعين راعية وقلب خاشع،
ممتثلا لشرع الله وحكمه، وهو بذلك من (الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ
هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبــَابِ )
الزمر18.
- وإما أن يخر على النصح بأذن صماء وعين
عمياء وقلب مختوم عليه، لا يتأثر ولا يتغير، ويبقى مستمرا على الغواية
والضلال والجهل والكفر، وعن مثله قال تعالـــى:(
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ
قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) الأعراف 179.
إن الذين يذكرون بآيات الله صنفان: سعيد
وشقي، وقلبان: حي وميت، وفيهما قال تعالى:(
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ
زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ
إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون،َ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ
كَافِرُونَ ) التوبة 124-125
4 – ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ )
الفرقان74:
وقرة العين كناية عن السرور والفرح، من " قر
"، ولها معنيان أحدهما البرد وثانيهما الاستقرار والتمكن، تقول العرب: "
دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن"، ومن ذلك قولهم:" أقر الله عينك وأسخن عين
عدوك "؛ كما أن للفظ صلة بمعنى الاستقرار والتمكن، لأن الرجل إذا كانت له
زوجة صالحة وذرية طيبة مطيعة معاونة، وبورك له في أهله وولده قرت عينه بهم
وسكنت عن ملاحظة أزواج الآخرين وذرياتهم، وذلك هو قرة العين وسكون النفس.
وفي ذلك إشارة لطيفة إلى كون صلاح الزوجة شرط في صلاح الذرية، لأن الأم
مدرسة للأبناء ينعكس فيهم مستوى ثقافتها وأخلاقها ودينها عقيدة وشريعة
وسلوكا. ولذلك يحرص عباد الرحمن على أن يكون لهم أعقاب عمال لله تقر بهم
الأعين، وأزواج صالحات يساهمن في تربية الذرية على التقوى والصلاح، فلا
تنقطع أعمالهم بالموت وإنما تستمر في الأبناء والحفدة، ويوقنون أن ذلك هبة
من الله تعالى فيلجؤون إليه بالدعاء والتوسل
(قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ
الدُّعَاء )آل عمران 38 (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي
وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) مريم
5-6. قال صلى الله عليه وسلم:( إذا مات الإنسان
انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)
الترمذي والنسائي.
وفي الآية إشارة إلى أمرين أولهما أهمية
الزوجة الصالحة للدنيا والآخرة، وثانيهما أن خير العبادة ما استمر بعد
الموت بصلاح الذرية ودعائها.
5 – (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَاماً )
الفرقان74:
" إماما " جمع مفرده" آمٌّ "، كقولك: رجل
صائم وقوم صيام، وإذا جعلنا " إماما " مفردا جمعه " أئمة " كان للدلالة على
الجنس كقوله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) غافر 67.
والمعنى أن من صفات عباد الرحمن أن يسألوا
ربهم أن يبلغهم في العلم والدين مبلغا يجعلهم هداة إلى الخير دعاة إلى
الطاعة، أئمة يقتدى بهم وتكون سيرتهم أسوة حسنة ودعوة صادقة يسترشد بها
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا
إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ
وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء 73، وفي موطأ الإمام مالك
رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو
محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير
المؤمنين إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط
أئمة يقتدي بكم الناس فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال إن طلحة بن
عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا
من هذه الثياب المصبغة.
ثم ختم عز وجل وصفه لعباده المتقين بذكر
الجزاء الذي أعده لهم فقال (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ
الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً)
الفرقان 75, أي أن المتصف بالصفات الواردة في هذه الآيات ،وهي التواضع
والحلم و التهجد و الخوف من الله، و الاعتدال في الأمر كله والرفق في القول
والتصرف، والتنـزه عن الشرك والكبائر، والتوبة والإعراض عن السوء وأهله،
وتحمل الأذى والعفو عن أهله، واجتناب الزور واللغو، وقبول الموعظة و النصح،
و الابتهال إلى الله طلبا للعون بالزوجة الصالحة والذرية الطيبة وببلوغ
مرتبة الإمامة في الدين000 كان جزاءه بما صبر على الطاعة و عن الشهوات
ثلاثة أصناف من التكريم0
1-
الدرجة العليا من الجنة و قد عبر عنها القرآن "
بالغرفة " (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ
بِمَا صَبَرُواً) الفرقان 75, و الغرفة لغة هي كل بناء عال، يقول
تعالى (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ
بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي
الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) سـبأ 37, ( لَكِنِ
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ
مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا
يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) الزمر20
2-
التعظيم، لقوله تعالى
(وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً) الفرقان 75, والتحية
تكون لهم من الله تعالى (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ
رَبٍّ رَحِيمٍ) يس 58, و تكون أيضا من الملائكة
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ
مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا
صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد 23-24.
3-
دوام هذا التعظيم خالصا غير منقطع، لا يشوبه سوء
أو اضطراب، وخلود المقام في الجنة لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون
(خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً
وَمُقَاماً)الفرقان 76, (وَأَمَّا
الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ
مَجْذُوذٍ) هود 108.
ثم لما وصف عز وجل عباده المتقين,
وذكر ما أعد لهم من النعيم المقيم, أمر رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم
ـ بأن يبين للمعرضين عن عبادته, غناه عنهم, وأن وجودهم والعدم سواء، وأن
الاكتراث لا يكون إلا للعبادة وحدها، و(الدعاء هو
العبادة) كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رواية
الترمذي وأبي داود وابن ماجه وأحمد، فإن دعوه توبة وتضرعا واحتياجا رحمهم
واستجاب لهم وأعطاهم سؤلهم وأنعم عليهم (قُلْ مَا
يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُم) الفرقان 77، وإن أصروا
على الكفر والمخالفة وكذبوا بما أنزل على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
فليس لهم عند الله إلا العذاب المقيم الثابت والخلود في النار
(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً)
الفرقان 77.
صفات عباد الرحمن (الحلقة
الثالثة)
مضاعفة العقوبة وجزاء التوبة
لقد بين الله عز وجل في أول خواتم سورة
الفرقان بعض صفات عباد الرحمن، فنزههم ابتداء عن العنف والتكبر وغفلة الليل
والإسراف والتقتير، ثم أضاف صفة أخرى هي ضرورة تطهرهم مما هو أعظم، مثل
الشرك والقتل والزنى. في إشارة واضحة إلى أن الصفات الأولى لا ترفع صاحبها
إلى درجة عباد الرحمن، إلا إذا توجت بالتوحيد الخالص (وَالَّذِينَ
لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) الفرقان 68، وباجتناب
القتل والزنى وما في حكمهما(وَلا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ )
الفرقان 68. لأن الكافر قد تتوفر فيه الصفات الأولى ويقعد به شركه عن
الارتفاع، والمؤمن قد تتوفر فيه أكثر هذه الصفات بما فيها الإيمان، ولكنه
إن لم يجتنب القتل والزنى لم يكن ضمن هذه النخبة من عباد الرحمن.
وحثا منه عز وجل للعباد على الالتحاق بهذه
المرتبة الرفيعة، واستصلاحا لهم، هداية ورحمة وترغيبا وترهيبا، عقب على
تقريره صفات عباد الرحمن بوعيد صارم للعصاة ، ووعد حق للطائعين التوابين.
أما وعيده فقولـه تعالى
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما )
، فقولـه (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) إشارة
إلى مجموع تلك الآثام ( دعوة غير الله تعالى، قتل النفس، فاحشة الزنى).
ولفظ " أَثام " مثل: نَكال وَوَبال َوزْناً
ومعنى، أي جزاء ارتكاب الذنب وعقوبته. وما بعد لفظ" أثام " ، شرح وتفصيل
لهذا الجزاء ، وهو (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا) الفرقان 69، وتضعيف
العقوبة مع الخلود في النار حقيرا ذليلا مرتب على مجموع تلك المعاصي لا على
كل واحدة منها ، مضاعفة العقوبة وتكرارها بسبب تضاعف أسبابها، والخلود في
النار بسبب الشرك ودعوة غير الله تعالى، أما المؤمن فتضاعف عقوبته ولكنه لا
يخلد في النار.
هذا الوعيد الصارم الشديد أسلوب يؤثر في
النفس البشرية التواقة إلى النجاة والسعادة، إذ الخوف والرجاء فطرة بشرية
أصيلة، والمؤمن الحق دائما بين خوف يرده عن المعاصي ورجاء يحث به الخطى نحو
الجنة،( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين)
الأنبياء90، لذلك عقب تعالى على ذكر العقوبة ، بفتح باب الرجاء والأمل
والبشارة لمن أقلع وتاب ورجع إلى الحق والصواب، كيلا تتقطع قلوب العباد
يأسا وقنوطا ، فقال (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما) الفرقان 70، فأرشد إلى
طريق النجاة من العذاب المضاعف المخلد في النار، وبَيَّنَ أن التوبة مسلك
ذلك ووسيلته الأولى والوحيدة.
إن حقيقة التوبة الرجوع عن الذنب إلى الطاعة،
جذرها اللغوي: " تاب " أي رجع بعد ذهاب، و" تاب إلى الله من كذا وعن كذا،
توبا وتوبة ومتابا وتابة" أي رجع عن المعصية، فهو تائب .
والتوب ترك الذنب على أجمل الوجوه، ورجل تواب
أي كثير الرجوع إلى الطاعة.
والله تواب: أي يتوب على عبده ويقبل توبته
ويعود عليه بالمغفرة والفضل، أو يوفقه للتوبة ويسدد خطاه في طريقها.
واستتبت فلانا إذا عرضت عليه التوبة ورغبته
فيها.
يقال كذلك آب وثاب وأناب بنفس المعنى، ورجل
ثواب وأواب وتواب ومنيب كذلك.
وفي التنزيل:
- (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ
شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ) غافر3
- ( وَاذْكُرْ
عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّاب ) ص17.
- (وَإِنَّ لَهُ
عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) ص 40، أي حسن مرجع.
- (يَا جِبَالُ
أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر) سبأ 10، أي رجعي ورددي التسبيح معه.
- (وَإِذْ جَعَلْنَا
الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) البقرة 125.
-
(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُون ) الزمر54 .
- (وَإِذَا
مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْه ) الزمر8،
أي راجعا إلى طاعته غير خارج عن أمره.
-
وفي الحديث النبوي( آيِبُونَ تَائِبُونَ
عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ) البخاري ومسلم.
وحكم التوبة أنها فرض على جميع
المسلمين ، لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى
رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار)، فوصفها تعالى بلفظ (
نصوح) تمييزا لها عن التوبة المائعة
الوقتية التي سرعان ما تتلاشى؛ فالنصوح (أي الخلوص ) والصدق أهم صفاتها
وجوهر حقيقتها، يقال "عسل ناصح" إذا كان
خالصا ومصفى من كل الشوائب كالشمع وغيره، والتوبة النصوح كذلك لأنها تخلص
صاحبها من كل الآفات وتصفيه من كل الذنوب.
لذلك كانت للتوبة النصوح شروط لا تتحقق
إلا بها، وهي:
-
الندم على ما ارتكب من السيئات.
-
الإقلاع عن رديء الأعمال والعادات.
-
القيام في الحال على أحسن الحالات.
-
رد الحقوق والمظلمات.
-
العزم على ترك العودة إلى المخالفات.
-
تدارك ما أمكن تداركه مما فات من الأعمال الصالحة والعبادات.
إن المرء إزاء ما ارتكب من ذنب بين
ثلاثة أمور:
-
أن يقول:
ما فعلته ليس إثما، وهو بذلك على خطر عظيم لأنه استحل حراما.
-
أو يقول:
فعلت ذلك لأجل كذا، وهذا منه مجرد مراوغة وتبرير.
-
أو يقول:
فعلت وأسأت وقد أقلعت، وهذه هي التوبة.
فالتوبة بذلك ندم
يورث عزما وقصدا، وعلامة الندم رقة قلب خوفا ورجاء، وغزارة دمع حزنا
واستغفارا، لذلك قال عمر رضي الله عنه: (اجلسوا
إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة). وعلامة العزم والقصد الإقلاع البات
والجهد في الطاعة.
لقد رغب الشرع الحكيم في التوبة وحرض عليها
وحببها بنصوص الكتاب والسنة فقال تعالى:
َ- ( وَتُوبُوا إِلَى
اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون )
النور31
- (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين ) البقرة 222
- (أَلَمْ يَعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ
الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) التوبة
104
- (قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر 53
- (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
رَحِيما )
النساء 110
وأخرج مسلم : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ
قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا و قَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ
الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ
قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ
فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ وَ |